بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 52 - درعا - تحليل الأحداث الأخيرة.


2004-12-14

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإنني أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة، وهذا الحضور فإن دل على شيء فعلى اهتمام الإخوة الكرام بالمعرفة، وفي الإنسان حاجات سفلى يشترك فيها مع باقية المخلوقات، وفيه حاجات عليا ينفرد بها، من أبرز الحاجات العليا طلب الحقيقة، ولا يؤكد إنسانية الإنسان إلا أن يطلب المعرفة، فالإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، غذاء عقله العلم وغذاء قلبه الحب، وغذاء جسمه الطعام والشراب، فإذا لبى حاجة عقله، وحاجة قلبه وحاجة جسمه، يتفوق، وإذا لبى إحدى الحاجات الثلاث يتطرف، وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.
 أيها الإخوة الكرام:
 الذي وقع من أحداث كبرى عقب الـ 11 من أيلول، ببساطة بالغة، كل إنسان على وجه الأرض علم بها من دون استثناء، ولكن فرق كبير بين أن تعلم بها وبين أن تحللها أضرب على ذلك مثلاً:
 لو أنك تركب مركبة سيارة وتألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، لا شك أنك رأيت تألق هذا الضوء، بل من السهل جداً أن تعرف أنه تألق، بل إن أي إنسان يرى ضوء تألق يعلم أنه تألق، ولكن لماذا تألق ؟! فرق كبير بين أن تتوهم تألق الضوء أنه ضوء تزيني وبين أن تفهم أن هذا التألق هو ضوء تحذيري، لو علمت أنه ضوء تحذيري، أوقفت المركبة وأضفت الزيت وتابعت السير، وسلمت المركبة، وتحقق الهدف، أما إذا فهمت أنه ضوء تزيني تابعت السير فاحترق المحرك وكلفك مبلغاً كبيراً وتعطلت الرحلة وتعطل الهدف فالبطولة لا في أخذ العلم بما وقع ولكن البطولة في تحليل ما وقع، هذه مقدمة.
 أيها الإخوة الكرام:
 من مسلمات الإيمان أن كل شيء وقع أراده الله، لأنه لا يليق ولا يتناسب مع ألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ولمجرد أن يقع الشيء فقد أراده الله، فكل شيء وقع أراده الله، ونعكس المقولة وكل شيء أراده الله وقع، إذاً لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ولكن لماذا وقع ما وقع ؟ قد يكون الموقع مجرماً، وقد يكون أحمقاً، وقد يكون ظالماً، وقد يكون معتدياً، ولكن هناك مقولة رائعة وهي أن لك واقع حكمة: أي شيء وقع بصرف النظر عن الموقع، مجرماً كان، أو ظالماً، أو معتدياً، لأن الله سمح لهذا الذي يقع أن يقع فهناك حكمة يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها، يكشفها من يكشفها، ويعرفها في المستقبل من يعرفها، لكن متابعة هذه المقولة أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، ما معنى الحكمة المطبقة ؟ أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، وأن الذي وقع لو لم يقع لكان نقص في حكمة الله، كل شيء وقع أرده الله وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

( سورة أل عمران الآية: 26 )

 ولم تقل الآية بيدك الخير والشر، أي أن إيتاء الملك خير ونزع الملك خير، وإعزاز الإنسان خير وإذلاله خير، بل أن علماء العقيدة رحمهم الله تعالى لم يقبلوا من الداعية أن يقول الله الضار، مع أن من اسمه أنه الضار، يجب أن يقول الضار النافع، المعطي المانع الرافع الخافض، المعز المذل، لأنه يمنع ليعطي، ويضر لينفع، ويأخذ ليعطي، ويذل ليعز ويخفض ليرفع، لأن الله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
 أيها الإخوة الكرام:
 لا بد من مثل: لو أن طفلاً بالصف الخامس قال لأبيه لا أحب أن أدرس، والأب لمجرد أن قال الابن هذه الكلمة، قال له لك ما تريد يا بني، فهذا الطفل نام إلى الظهر واستمتع باللعب وامض حياته في اللهو واللعب، فلما أصبح شاباً رأى نفسه خارج الحياة، لا علم، ولا حرفة، ولا بيت، ولا زوجة، ولا دخل، مع المشردين الفقراء التعساء، حقد على أبيه، فجاء لأبيه وقال له: يا أبت يوم قلت لك لا أحب أن أدرس، لما لم تأنبنِ، لما لم تعنفنِ، لما لم تفعل بي كذا وكذا، أنا كنت جاهلاً، هذا المثل تمهيد لآية حاسمة في هذا الموضوع قال تعالى:

 

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

 

( سورة القصص الآية: 47 )

﴿لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾

( سورة طه )

 معنى ذلك أن العباد لو لم يسق الله لهم هذه الشدائد لقالوا يوم القيامة وقد رأوا مكانهم في النار:

﴿ رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 لا ينبغي أن ننظر إلى أمم وشعوب غارقة في المعاصي والآثام في كل انحرافات الجسد، وكسب المال، وإنفاق المال وهم أقوياء يتربعون على منصة الصادرة في العالم هؤلاء تغطيهم آية ثمينة:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

 

( سورة الأنعام، )

 ولكن ينبغي أيها الإخوة أن نفهم الآيات الكريمة التي تعلقت بهذا الموضوع، بادئ ذي بدء:
 فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، كم هي المسافة بين مخلوق ضعيف جاهل وبين خالق السماوات والأرض ؟ هذه المسافة هي نفسها بين كلام الله وبين كلام خلقه، إذا قال الله عز وجل:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 بربكم وأنا أرى أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، إذا قال الله عز وجل:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 هل نحن مستخلفون في الأرض ؟ لا والله، والحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح،.

 

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 هل نحن ممكنون في الأرض ؟ لا والله.

 

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 هل نحن آمنون ؟ لا والله، لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، لمَ ؟ ألا ترون معي أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أليست هذه وعوداً لله عز وجل ؟ ألم يقل الله عز وجل:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

 ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

( سورة الصافات )

 ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

( سورة غافر الآية: 51 )

 ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

( سورة الروم )

 هذه المفارقة الحادة، الوعود التي وردت في كتاب الله تبشر المؤمنين بالنصر والتأييد والتوفيق، والتمكين، والاستخلاف، والأمن، والواقع خلاف ذلك، كيف يفسر هذه المفارقة الحادة بين الوعود التي في القرِآن الكريم وهو كلام الله، وهو كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه وبين الواقع المؤلم الذي يعيشه المسلمون ؟ أول تفسير لهذه المفارقة الحادة بين الواقع الذي يعيشه المؤمنون وبين الوعود التي في القرآن الكريم هي قوله تعال:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

(سورة مريم )

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي، إضاعة الصلاة كما قال عنها العلماء قولاً واحداً لا يعني إضاعة الصلاة تركها ولكن يعني تفريغها من مضمونها، جاء النبي عليه الصلاة والسلام سأل:

 

((منْ المُفْلِسُ ؟ " قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

 

[رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

 إذاً:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ ﴾

 ما معنى أضاعوا الصلاة ؟ لا يعني أضاعوا الصلاة أنهم تركوها، ولكنها فرغت من مضمونها، والعبادات الشعائرية إذا فرغت من مضمونها لا تقبل ولا تصح، هذه الصلاة.

 

 

(( لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء فيجعلها الله هباء منثورا أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله إنتهكوها ))

 

[ أخرجه ابن ماجة عن ثوبان ]

 إذاً العبادات الشعائرية لا تقبل و لا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية،.

 

(( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))

 

[ أخرجه أحمد في مسنده وصحيح البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

(( ومن حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال لبيك اللهم لبيك ينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

( سورة التوبة )

 إذاً أخطر شيء في هذا اللقاء الطيب أن العبادات الشعائرية إذا توهم المسلم أن أداءها وحدها من دون استقامة، وانضباط، وطاعة لله عز وجل يفلح بها يجب أن يعلم علم اليقين أنها لا تقبل ولا تصح إذاً:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

 ومن أروع ما قاله المفسرون في قول تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

( سورة الشعراء )

 القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله، وسلم من عبادة غير الله، إذاً النقطة الأولى هو أن الذين جاؤوا من بعد أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، المفهوم المعاكس لهذه الآية، المعنى المعاكس المخالف عند علماء الأصول هو أن نحكم الصلاة، وأن تبتعد عن المعاصي والآثام، هذا ثمن النصر الذي نطمح إليه، هذه نقطة.
 النقطة الثانية حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

 أي دين وعد بتمكينه ؟ الدين الذي يرتضيه الله عز وجل، والمعنى الدقيق جداً إن لم يمكنوا في الأرض معنى ذلك أن الدين الذين هم عليه لم يرتضيه الله لهم، لو أنه ارتضاه لهم لمكنهم في الأرض، فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن الدين الذي هم عليه ليس مرضياً عند الله عز وجل فدين يقوم على التنافس، والمشاحنة، والعداوات، والتقيد بالعادات والتقاليد، والبعد عن تطبيق دقائقه وتفصيلاته، هذا دين لا يرضاه الله عز وجل وبالتالي لا يمكن أصحابه والمعنى الدقيق

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ﴾

 هذا الدين مقيد بصفة

﴿ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

 فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن الدين هم عليه لم يرتضيه لهم.
 شيء آخر أيها الإخوة: الله عز وجل يقول في محكم كتابه:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )

 المسلمون ينتظرون أن تأتي معجزة لتنهي أعدائهم، وهذا شيء لا يكون.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 إن لم نغير فالله لا يغير، إن لم نجرِ حسابات دقيقة إن لم نعد ترتيب أوراقنا، إن لم نصطلح مع الله، إن لم نقم الإسلام في بيوتنا، وفي أعمالنا وفي أنفسنا، إن لم نربِ أولادنا تربية صحيحة، إن لم نعتمد منهج الله، منهج الله أيها الإخوة فهمه السلف الصالح بمئات ألوف البنود، وفهمه المتخلفون بخمس عبادات شعائرية.
 أليس قول سيدنا جعفر رضي الله عنه الصحابي الجليل حاسماً في هذا المقال ؟ سأله النجاشي عن الإسلام قال أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأتي الفواحش ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
 أبرز شيء في المؤمن إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهم عفيف، نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ويأتي النسب تاجاً يتوج هذه الصفات.
 إذاً أيها الإخوة:
 الدين في حقيقته مجموعة قيم أخلاقية، وأنا أقول والله دائماً لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة، ولا ما وصل إلى الصين شرقاً، وإلى مشارف باريس غراباً.
 فلذلك البند الثالث:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 لعل المناهج التي استوردناها من العالم الغربي تارةً، والعالم الشرقي تارةً أخرى لم تكن تغييراً من الداخل.

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 ولعل المناهج التي ابتدعناها نحن لإصلاح شأننا لم تكن من الداخل، ما لم ينعقد في قلب الإنسان صلح مع الله، وإنابة إليه وتوبة إليه، ورغبة صادقة في أن نقيم منهجه في نفسه، وفي بيته، وفي عمله، فالله عز وجل لا يغير.

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 شيء آخر: إله عظيم خالق السماوات والأرض يقول الحديث عن الطرف الآخر:

 

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

( سورة إبراهيم )

 بربكم لو أن أهل الأرض اجتمعوا من آدم إلى يوم القيامة، بكل القوى والخبرات والطاقات على أن ينقلوا جبل قاسيون من دمشق إلى درعا ‍، هل يستطيعون ؟ مستحيل الإله العظيم يقول

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

 معنى ذلك أن الإله العظيم يصف مكرهم بأنه عظيم، الآن هيئوا أنفسكم لآية قد لا تصدقون أن هي الحل الأكمل والأوحد لما نحن فيه:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 119 )

 الآن الطرف الآخر معه أسلحة فتاكة، معه أسلحة جرثومية، وكيماوية، ونووية وقنابل تفني البشر، وتفني المباني والمنشاءات، وقنابل تلغي الاتصالات، وقنابل عنقودية وقنابل ذكية، وقنابل انشطارية، وقنابل حارقة وخارقة، وأشعة الليزر، والطائرات الشبح والإف 16، في مجموعة قوى مذهلة، الله قال:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 هذا كلام خالق السماوات والأرض، فالطريق واضح أيها الإخوة، نحن في محنة ولكن الكرة في ملعبنا، تعبير دقيق جداً، الكرة في ملعبنا لكن لا بد من أن نعرف الله، ولا بد من أن نصطلح معه، يجب أن نعلم علم اليقين أن هذا الدين يدن الله ينبغي ألا نقلق عليه ينبغي أن نقلق على أنفسنا فيما أن سمح الله لنا أو لم يسمح أن ننصره، ولكن:
 لماذا لا نقيم أمر الله في أنفسنا أولاً، وفي بيوتنا ثانياً، وفي أعمالنا ثالثاً ؟ الجواب البسيط: لأننا لا نعرف الله، نعرفه معرفة بسيطةً أنه خالق السماوات والأرض، ولكن هل نعرفه أنه:

 

 

﴿فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

 

( سورة الزخرف الآية: 84 )

 هل نعلم ؟

 

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

 

( سورة الكهف )

 هل نعلم أنه ؟

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 

( سورة هود الآية: 123 )

 هل نره إلهاً فعالاً أم إلهاً خالقاً ؟ هل نرى أن كل شيء بيده وأن كل مشكلاتنا تحل إذا رضي عنا ؟ هذه العلاقة الوطيدة مع الله هذه التي نفتقدها، والسبب أننا لا نعرف الله، يعني مثل بسيط:
 لو أن واحد منا جاءته رسالة صغير على ورقة صغيرة من مدير البريد أن تعال غداً تسلم رسالة مسجلة، هل تتحرك شعرة في أجسامنا ؟ هل نقلق ؟ وقد نذهب، وقد لا نذهب تأتي ورقة بحجم الأولى لكن من جهة أخرى، فلا ننام الليل، ما السبب ؟ الفرق هو الآمر.
 لذلك المقولة الدقيقة أنه إذا عرفنا الآمر ثم عرفنا الأمر تفانينا في طاعة الآمر، أما إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر، إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر نحن في أمس الحاجة إلى أن نعرف الآمر، من هو الله ؟
 الحقيقة أن من الطرق الفعالة، والناجعة، والسريعة لمعرفة الله، أنت قبل أن تعصي الله هل تعرف تعصي من ؟ لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، تعصي من بيده ملكوت السماوات والأرض، تعصي من بيده مليون مليون مجرة، ودرب التبابنة مجرة صغيرة متواضعة فيها نقطة واحدة هي المجموعة الشمسية.

 

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(67)﴾

 

( سورة الزمر )

إلى متى وأنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شــنيع
لو كان حبك صادقاً لأطــعته  إن المحب لمن يحب يطــيع
***

 من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه المشكلة ضعف في معرفة الآمر، كيف نعرف الآمر ؟ قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران )

 إذاً التفكر في خلق السماوات والأرض أحد أكبر الطرق لمعرفة الله عز وجل، الله عز وجل ضرب في القرآن الكريم:

 

﴿مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 هل من مخلوق أحقر عند الإنسان من بعوضة ؟ لا أعتقد، هذا المعنى أكده النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 

[ أخرجه الترمذي والضياء عن سهل بن سعد ]

 هذه البعوضة بعد اكتشاف المجاهر الالكترونية في رأسها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان وبطينان، ودسامان، هذه البعوضة أيها الإخوة تمتلك أجهزة لا تملكها الطائرات، تمتلك جهاز استقبال حراري، أي رادار، فهي ترى الأشياء لا بأحجامها، ولا بأشكالها، ولا بصفاتها ولكن تراها بحرارتها فقط، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المؤوية يعني إذا ارتفعت الحرارة واحد على ألف من الدرجة المؤوية تشعر، لذلك هي في سماء الغرفة لا تتجه إلا إلى جبين، مع جهاز الرادار جهاز استقبال حراري، تملك جهاز تحليل دم لأنه ما كل دم يناسبها، فقد ينام أخوان على سرير واحد فتلسع الأول وتدع الثاني، لأن دم الثاني لا يناسبها لأنها تملك جهاز تحليل للدم، ومع جهاز تحليل الدم معها جهاز تمييع لأن دقة خرطومها لا يسري به دم الإنسان، فلا بد من أن تميعه أولاً حتى يعبر عبر خرطومها ثانياً ومع جهاز الرادار، والتحليل، والتمييع، معها جهاز تخدير، فلئلا يقتلها من تمص دمه وهي على يديه تخدره، أما متى يضرب يده ؟ بعد أن تكون في جو الغرفة، بعد أن ينتهي مفعول التخدير.
 إذاً هذه البعوضة مئة عين، 84 سناً، وثلاثة قلوب، وقلب مركزي، وقلب لكل جناح، وأذينان، وبطينان لكل قلب، وجهاز استقبال حراري، وجهاز تحليل للدم، وجهاز تمييع، وجهاز تخدير، وفي أرجلها محاجم، إذا وقفت على سطح أملس، ومخالب إذا وقفت على سطح خشن، قال الله تعالى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 المرأة حينما تلد أيها الإخوة تلد مولوداً، ومع المولود المشيمة، بالتعبير العامي الخلاص، المشيمة قرص لحم، فيه من الآيات الدالة على عظمة الله ما لا يصدق، القرص اللحمي تجتمع فيه دورتا دم الأم والجنين، ومن المسلم به في الطب أنه لو أعطينا إنساناً دماً من غير زمرته لمات فوراً، بما يسمى بانحلال الدم، ودورة الأم من زمرة، ودورة الجنين من زمرة، ويجتمعان في المشيمة ولا يختلطان، لأن بينهما غشاء، سماه علماء الطب الغشاء العاقل، لأن المهمات التي يقوم بها يعجز عن أداءها أطباء الأرض مجتمعين، ما هي هذه المهمات ؟ هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم السكر، ويقذفه في دم الجنين، ليخترق السكر في دم الجنين ويولد طاقة، إذاً هو يقوم مقام جهاز التنفس، ثم يأخذ الأنسولين من الأم ويضعه في دم الجنين كي يحترق السكر بـ 37 إذاً هو يقوم مقام البنكرياس.
 ثم إن هذا الغشاء العاقل يأخذ عوامل مناعة الأم من دم الأم ويطرحها في دم الجنين فهو جهاز المناعة المكتسب، ثم إن الجهاز العقل يأخذ من دم الأم الحاجة الغذائية التفصيلية الشحوم والدسم والبروتينات والفيتامينات والمعادن وأشباه المعادن شيء لا يصدق، كيف يعرف هذا الغشاء حاجة الجنين من هذه المواد ؟ ثم كيف يأخذها كي وينفذ هذه المهمة ؟ وهذا مما يعجز عنه أطباء الأرض مجتمعين.
 الآن هذا الغشاء العاقل يمنع مرور أي مادة سامة من دم الأم إلى دم الجنين، لو أن الأم تسممت، أو لو أن في دمها مادة مؤذية لا يمكن أن تمر عبر الغشاء العاقل، ثم إن هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم ثاني أوكسيد الكربون الذي هو حصيلة احتراق السكر، يطرحه في دم الأم كي يطرح عبر تنفسها، يأخذ من دم الجنين ثاني أوكسيد الكربون ويطرحه في دم الأم كي يطرح في تنفسها، ويأخذ حمض البول من دم الجنين ويطرحه في دم الأم كي يطرح عبر كليتيها.
 هذا الغشاء العاقل هل تصدقون أن في الكون مادة عاقلة، يعني أنت إذا كنت على الشرفة ورأيت مركبة، واقترب منها طفل، أطلقت بوقها، وصلت إلى الإشارة الحمراء فتوقفت، أصحبت خضراء فسارت، صفر لها الشرطي وقفت على اليمين، هل تصدق أن هذه المركبة بلا سائق، لا تقبل ذلك أنت، هذا الذي يجري في الغشاء العقل يعجز عن فعله أطباء الأرض مجتمعين.
 شيء آخر أيها الإخوة:
 أقرب نجم ملتهب إلينا بعده عنا أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كم، كم يقطع في الدقيقة ؟ في الساعة ؟ في اليوم ؟ في السنة ؟ في أربع سنوات ؟ لو أردنا أن نصل لهذا النجم عبر مركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون سنة من أجل أن تعرف ما معنى أربع سنوات ضوئية، يعني خمسين مليون سنة سير إلى هذا النجم متى نصل لنجم القطب ؟ 400 سنة، متى نصل للمرأة المسلسلة ؟ مليوني سنة، متى نصل لمجرة تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية، قال تعالى:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)﴾

 

( سورة الواقعة )

 إذاً ينبغي أن نعرف الله حتى نستقيم على أمره، حتى نقطف ثمرة العبادات حتى نستحق أن ننتصر على أعدائنا، وأنا حينما أدعو أقول: اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك حتى ننتصر على أعدائنا، لذلك ينبغي أن نجدد الخطاب الديني.
 أيها الإخوة الكرام:
 أنت تخاطب إنساناً له قلب، وله عقل، وله جسم، فما لم نراعي الخطاب الديني عقل الإنسان يمده بالحقائق الناصعة مع الأدلة الدقيقة، حتى يجعله عالماً، الخطاب الديني لا يفلح يعني خطاب ديني كله منامات وكرامات لا يفلح، لابد من حقائق، لا بد من أن أدلة، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، يظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه علم فقد جهل.
 الأخ الداعية ينبغي أن يقدم للناس الحقائق، المدعمة بالبراهين، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ما قيمة الدعوة إلى الله من دون دليل ؟ ما قيمة الدعوة إلى الله من دون حقائق ناصعة، ما قيمة الدعوة إلى الله من دون تفسير عميق دقيق متناسق للكون والحياة والإنسان هذا الكون أيها الإخوة مسخر للإنسان تسخيرين تسخير تعريف وتكريم، رد فعل التعريف أن تؤمن، ورد فعل التكريم أن تشكر، وقد قال الله عز وجل:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

( سورة النساء )

 أنت حينما تؤمن بالله، وحينما تشكره حققت الهدف من وجودك، عندئذٍ تتوقف المعالجات الإلهية.

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ ﴾

 نحن عندنا مشكلة أيها الإخوة، أخوة كرام عزيزون علينا كثيراً لكن غرقوا في جزئيات الدين، غرقوا، فهذا الذي يستمع إلى قضايا تفصيلية جزئية لا تستأثر باهتمامنا يحتاج الإنسان من حين لآخر إلى قضايا كبيرة، إلى قضايا كلية، لماذا هذا الكون ؟ لماذا الحياة الدنيا قصيرة ؟ لماذا هي متعبة ؟ ماذا بعد الحياة ؟ من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ لماذا خلق الإنسان ؟ ما علة وجوده، ما غاية وجوده ؟ ما الأمانة التي حملها الله إياها ؟ ما التكليف الذي كلفه الله به ؟ ما لم تعالج القضايا الكبرى، ما لم تقدم للمستمع في المسجد، وفي المدرسة، وفي التلفزيون، ما لم تقدم الحقائق المنسجمة، المتناسقة، العميقة لهذا الإنسان كي يعرف من هو، هو الإنسان الأول، خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك.

 

 

(( إني والجن والإنس في نبأ عظيم ! أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري ))

 

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

(( خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد ومن أعرض عني منهم ناديته من بعيد، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

 يجب أن يقدم الخطيب الداعية، المدرس في السجد، في المدرسة حقائق الدين الكبرى ناصعة مرتبة، متناسقة، مدعمة بالأدلة والشواهد، كي يعرف الإنسان من هو.
 ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
 يجب أن يكون مضمون الخطاب الديني المنهج التفصيلي لحياة الإنسان، المنهج الإسلامي أيها الإخوة وصل إلى أدق خصوصيات الإنسان، في فراشه مع زوجته، في بيته مع أولاده، في عمله، في مكتبه، هذا الفهم السقيم أن الدين في المسجد، والحياة كما نعيشها نحن، لا، الدين منهج تفصيلي، أكاد أقول يكاد يكون المنهج الديني خمسمئة ألف بند مسخت في عصور التخلف إلى خمس بنود فقط، في كسب المال، هناك منهج لكسب المال ومنهج في إنفاق المال، منهج في تربية الأولاد، منهج في تزويج البنات، منهج في الحرفة في المهنة، هذا منهج خالق السماوات والأرض، هذا تعليمات الصانع، الإنسان مفطور على حب وجوده، وحب سلامة وجوده، وحب كمال وجوده، وحب استمرار وجوده، ولم يسلم ولم يسعد إلا بتعليمات الصانع، قال تعالى:

 

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

 

( سورة فاطر )

 أما أن يمسخ إلى جزئيات صغيرة جداً، نغرق بها، ونقاتل من أجلها، وتكون الخصومات، والمناقشات، وتراشق التهم، ونحن هكذا وأنتم هكذا، وهذا من جماعتنا وهذا ليس من جماعتنا، هذا الذي وقع به المسلمين، فلا بد من طرح القضايا الكبرى، لا بد من طرح التصورات العظمى، لا بد من أن يعرف الإنسان من هو.

 

وتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 أيها الإخوة الكرام:
 في موضوع الخطاب الديني تفاصيل كثيرة، والله تحتاج إلى ساعات وساعات لأن أخطر إنسان فيما أرى، وهذه رؤية الشخصية، هذا الذي يعتلي منبر رسول الله وكل المسلمين ينبغي أن يحضروا خطبة الجمعة، فإذا لم يكن في الوعي، وفي العلم، وفي العمق وفي الحكمة، وفي اتساع الرؤية، وفي اتساع الأفق، ما يجعل هؤلاء المصلين ينطوون تحت هذا الدين العظيم فالمشكلة كبرى.
 والله في الشام أيها الإخوة اعتلى خطيب المنبر وقال من صرف مئة لير أربع خمس عشرين أكل الربا، أيعقل في أحد أرقى أحياء دمشق أن يقول خطيب، إذا إنسان صرف مئة لير أربع قطع ـ خمسة وعشرين ـ يأكل الربا ؟! قال له أحد المصلين اسكت يا جاهل، فقال هكذا تعلمت من شيخي، قال له أنت وشيخك جاهل.
 هذا الذي يعتلي المنبر، الطرف الآخر الملحدون قال أعطونا منابر المسلمين، وخذوا أمة أخرى، خطيب يأتيه المثقف، وأستاذ الجامعة، وطالب العلم، الخطبة كلها منامات ! وكلها كرامات ! وكلها سحبات ! وكلها شطحات ! ما هذا الخطاب الديني ؟ الخطاب الديني عفواً أخوانا:
 أنت حينما تقرأ كتاباً نفيساً، أو حينما تقرأ لا سمح الله كتاباً سخيفاً، تنتهي من قراءته وتتثاءب وتنام، أما حينما تقرأ كتاباً قيماً عميقاً خطيراً تنتهي من قراءته فتبدأ متاعب، يعني الداعية الكبير، الخطيب الموفق حينما تنتهي الخطبة تبدأ متاعب المصلين، إلى أين نسير نحن ؟ ما علة وجودنا ؟ لماذا نحن مع الله مقصرين ؟
 أخوانا الكرام:
 أنا تكلمت خطبة العيد، أن هذه العين البشرية أعلى آلة تصوير في العالم يسمونها آلة احترافية، ورقمية ـ ديجتل ـ بالميل متر المربع فيها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، أما في هذه العين التي هي من صنع الله بالميل متر مربع من الشبكية فيها مئة مليون مستقبل ضوئي يعني أعلى صناعة حتى الآن بميل متر عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بينما بعين الإنسان التي هي من صنع الله مئة مليون مستقبل ضوئي، والله عز وجل، هذه القرنية كيف تتغذى كل أنسجة الجسم تتغذى بالأوعية الشعرية، إلا القرنية تتغذى عن طريق الحلول، أول خلية تأخذ غذائها وغذاء جارتها، الغذاء يتسرب عبر الغشاء الخلوي، من أجل أن تكون الرؤيا ناصعة شفافة، وإلا لرأينا من شبكة.

 

 

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

 

( سورة النمل الآية: 88 )

 العين البشرية تفرق بين 8 مليين لون، ولو درجنا اللون الواحد 800 ألف درجة لفرقت العين بين درجتين، هذا الإله يعصى ؟ هذا الإله ألا يرجى ؟ ترجى جنته، ألا تخشى ناره، ألا يخطب وده ؟ إذا عرفنا الله عرفنا كل شيء.
 " ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء "
أنا ما تحدثت عن الخطاب الديني إلا كلمات قليلة، هذا الموضوع موضوع غني جداً يمكن أن يكون موضوع مستقل، مضامين الدعوة، أساليب الدعوة، الفرق بين الدعاة الناجحون الذين يضعون بصماتهم عند الناس، وبين دعاة مخفقون.
 على كلٍ أرجو الله سبحانه وتعالى أن ألتقي بكم ثانية.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
 لكن المشكلة أن هذا الموضوع أكبر من خمسين محاضرة، وأنا أردت أن أبدأ بالبدايات لأن المنهزم أمام نفسه لا يستطيع أن يقاوم نملة، ما قولكم بـ 65 مليون اتصال والمسلمون يذبحون في العراق وفلسطين لسبر استار، الستار أكاديمي، والمسلمون غارقون في احتفالاتهم، وفي سهراتهم، وفي ندواتهم، والمسلم يذبح من الوريد إلى الوريد، أنا أعلم أن هذا الموضوع بحاجة إلى خمسين محاضرة، بدأت بالبدايات، بدأت ما لم ننتصر على أنفسنا لا نستطيع أن ننتصر على أحد، أردت أن نبدأ من البداية، هذه بداية المحاضرة ممكن في خمسين محاضرة بعدها لكل القضايا الساخنة التي تكلمنا عنها، ولكن:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 أنا أقول كلمة عالم أمركي هداه الله إلى الإسلام، جاء إلى بريطانيا، والتقى بالجالية الإسلامية، وقال أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب في المدى المنظور على الأقل لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لأن في الإسلام خلاص العالم، بشرط أن يحسن المسلمون فهم دينهم، أنا أدعو في هذه المحاضرة إلى أن نفهم الأحداث التي ألمت بنا فهماً توحيدياً، هناك آلاف الخطوات بعدها، وأن يحسنوا عرضه، وأن يحسنوا تطبيقه.
 مرة شيخ إمام في لندن جاءته، نقل إلى ظاهر لندن، ركب مركبة كل يوم هذا الإمام صعد المركبة وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة، رد له السائق التتمة، عدها فإذا هي تزيد عشرين بنس عن ما يستحق، قال هذا الإمام في نفسه ينبغي أن أرد هذه الزيادة، فلما جلس قال إنها شركة عملاقة، ودخلها فلكي، والمبلغ زهيد جداً، وأنا أحق بها، ولن أردها، فلما أراد أن ينزل دون أن يشعر أعطى السائق العشرين بنس، قال له هذه زيادة، ابتسم السائق فقال له ألست إمام هذا المسجد ؟ قال بلا، قال والله أردت أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك، ولكنني أردت أن أمتحنك، وقع هذا الإمام مغشياً عليه لأنه عرف عظم الجريمة التي كان من الممكن أن يرتكبها لو أبقى المال في جيبه، لذلك لما صح من غفوته قال يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً.
 مليون مليون مسلم يبيع الإسلام بعقد، بتصليح كاذب، بغش، هؤلاء الذين يغشون المسلمين أليسوا في كل بلد موجودون ؟ أنا أعلم أن هذا الموضوع كبير جداً، ولكن بدأت من البداية، ما لم نصطلح مع الله، مل لم نقم أم الله في بيوتنا، ما لم نتب إلى الله.
 " ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة ".
 أنا بدأت من البدايات، وأنا لي تقريباً أكثر من 8 آلاف شريط، لو واحد من الإخوة الكرام الحاضرين سمع مئة شريط لأجبته عن كل هذه الأسئلة، ساعة خمسين دقيقة، ماذا أقول بالخمسين دقيقة ؟ أنا أدعو إلى أن المسلم ما لم يطور عمله، يعمق خبرته، ويسهم في بناء أمته، وقلت في خطبة العيد ما لم نستخرج الثروات، ونبني المعامل، ونطور الصناعات، ونفجر الطاقات لن ننتصر على أعداءنا، هذا الذي تتمنونه ذكرته مئات المرات أنا لي موقع بالانترنيت يزوره في اليوم 18 ألف إنسان يومياً، وفي تقريباً 60 ألف صفحة لكن خمسين دقيقة لن تستطيع أن تقيم موضوع كبير، الموضوع الأول في العالم الإسلام الأول، البدايات أن ننتصر على أنفسنا أولاً، أن نقيم أمر الله في نفوسنا، وفي بيوتنا، هناك آراء فيما يجري في العراق وفلسطين، وفي كل شأن من شؤون الدين، ولكنني أردت أن أبدأ الفرقان الحق، أرادوا أن يعطونا كتاباً بدل كتاب الله، إحدى آيات هذا الكتاب يا محمد أأنت أضللت عبادي ؟ قال يا رب ضللت فأضللتهم، هذا الكتاب يوزع الآن في الكويت، للطلاب المتفوقين، وعندي تفصيل طويل عن بقية آياته، ولكن أنا متأكد أن أطفالنا إذا قرأوا هذا الكتاب سيسخرون فقط، لأنهم ما عرفوا عظمة القرآن الكريم.
 أيها الإخوة:
 هذا موضوع القضايا الساخنة، أما كل شيء وقع أراده الله، أعوذ بالله أن أعتقد أن الله أراد لنا الشر، ولكن أراد بمعنى سمح، بعلم الأصول في قضايا دقيقة جداً، معنى سمح الإنسان مخير، فحينما يصر على الشيء يسمح الله به، ونحن ندفع ثمن أخطاءنا أحياناً ويجب أن نعلم أن الخير المطلق كامن، والله الذي لا إله إلا هو سيظهر عقب هذه الأحداث من الخير للعالمين العربي والإسلامي ما لا يصدق، لكن نحن الآن في المعالجة، أنا لا أنفي أن هناك نتائج إيجابية كبيرة جداً، الدين انتقل إلى بؤرة الاهتمام.
 أحد مفتي البوسنا أجريت معه حوار سمعه صديق لي، قال أخوانا في المشرق لا يعتبون على الله من أجلنا نحن الآن أصبحنا مسلمين بعد هذه الشدة.
 هذه الشدة أحياناً تسوقنا إلى باب الله سوقاً لا يمكن أن يفعل الله شيئاً لا حكمة منه نحن في أمس الحاجة إلى معالجة الله، لكن حينما نتهم أنفسنا وهذا موقف علمي عندئذٍ نصطلح مع الله عز وجل.
 شيء آخر:
 هناك خير كامن وسوف ترونه إن شاء الله، ولكن يقول الله عز وجل يخاطب نبيه الكريم:

 

 

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾

 

( سورة يونس الآية: 46 )

 معنى ذلك أن دورة الحق والباطل قد تكون أطول من عمر الإنسان.
 أيها الإخوة الكرام:
 الغلو في الدين أن تأخذ قضية صغيرة وتكبرها، وتجعلها أصلاً من أصول الدين وتقاتل من أجلها، هذا غلو في الدين، أما حينما تفهم كل قضية في الدين بحجمها الحقيقي فهذا وسطية في الدين.
 أيها الإخوة:
 وسائل الدعوة، أولاً قضية الإعجاز أن يقول الله في لقرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية تتعلق بقضايا الكون، لماذا ذكرها ؟ نحن مسلمون إذا ذكر آية فيها أمر كي نأتمر، ذكر آية فيها نهي كي ننتهي، ذكر مشهد من يوم القيامة كي نتعظ، فإذا ذكر آية عن البعوضة، وعن المشيمة، وعن خلق الإنسان، وعن السماوات والأرض، وعن المجرات، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نعرفه، إذا عرفناه معنى طاعته ومعنى معصيته، أيعقل أن يقول الله في القرآن الكريم ألفاً وثلاثمئة آية بلا هدف وبلا معنى، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

 

( سورة محمد )

 شيء آخر أيها الإخوة:
 هذه الصحوة الإسلامية هي صحوة أتت بعد، كل يعلم أنه قبل خمسين عام تقريباً كان في إذا صح التعبير في ساحة القيم والمبادئ ثلاث كتل كبيرة، كتلة الشرق والغرب والإسلام، الشرق تتداعى من الداخل وانتهى الأمر، بقي الغرب والإسلام، الغرب ذكي جداً وقوي جداً، وغني جداً، وطرح قيماً رائعة جداً، طرح قيم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتعايش، والسلم العالمي، وحق المقاضاة، وتكافئ الفرص، والعولمة، بمعنى احترام جميع الأديان، هذه القيم الرائعة جعلت من الغرب قيمة حضارية كبيرة، خطفت أبصار العالم الإسلامي، أليس كذلك ؟ والله الذي معه كرين كارت كأنه دخل إلى الجنة سابقاً أكبر إنجاز تم بعد 11 من أيلول أن هذا الغرب الذي نافس الدين بقيمه الرائعة سقط في الوحل وبقي قوة غاشمة، هذا أكبر مكسب الذي جاءنا بعد الـ11 من أيلول، قبل هذا التاريخ قلة قليل من المثقفين يعلمون حقيقة الغرب، أما الآن أولادنا الصغار يرون جريمة الغرب، ألا يكفي هذا الذي نراه في الأخبار ؟ ألا يكفي ما نراه من عدوان وطغيان ؟ هذا الذي تتحدثون عنه أصبح بدهياً، بديهي، هناك قوة غاشمة، تريد أن تبيد المسلمين، هناك حرب عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين، الله قال:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 وما لم نحقق هذه الآية لم ننتصر.

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 هذه الصحوة متى جاءت ؟ بعد أن انهار الغرب والشرق وبقي الإسلام وحده في الساحة، ولكن هذه الصحوة يمكن أن تستغل، ويمكن أن ترتكب موجتها، ويمكن أن تنحرف، فلا بد تصحيح المسار ولا بد من تأصيلها بالمنهج الإلهي الحقيقي.
وسائل الدعوة: دمشق فيها خمسة ونصف مليون، تأكيد لكلام الأخ الكريم، رواد كل مساجدها 380 مسجد يساوي 500، العشر، إذاً لا بد من أن تكون الدعوة عن طريق المسجد، وعن طريق مدرس الديانة، وعن طريق درس الجامع، وعن طريق أجهزة الإعلام، والآن والله ولله الحمد في ندوات دينية صدقوا أيها الإخوة أنه تأتيني رسائل من خمس قارات حول الندوات التي أقيمها بالفضائية السورية، صار في عندنا الحمد لله ندوات دينية جيدة جداً، أنا مع الأخ الكريم يجب أن تكون الدعوة في المسجد، وفي المدرسة، وفي وسائل الإعلام وفي الصحف والمجلات، ونحن بخير بهذه الناحية إن شاء الله، أنا شعرت شعور دقيق جداً أن الذي أقوله في المسجد ليلاً ونهاراً يغطي كل هذه التطلعات، ولكن بدأت بالبداية، بدأت بما هو أولي، يجب أن ننتصر على أنفسنا، يجب أن نقيم منهج الله فينا الإنسان أعقد آلة في الكون ولهذه الآية العظيمة صانع حكيم، وله منهج، له تعليمات التشغيل والصيانة، فبديهي جداً أن نعود إلى الله، أن نعود إلى كتابنا، إلى سنة نبينا عليه الصلاة والسلام.
 وأسأل الله سبحانه وتعالى أن ألتقي بكم لقاءات أخرى، ونعالج موضوعاً موضوعا الأخ الكريم الذي قدمني جزاه الله خيراً، في البداية قال العنوان منه وليس مني، أليس كذلك الإرسالية منه وليست مني، أنا بدأت بالبدايات، بدأت بالتعليم الابتدائي، بقي عندنا إعدادي وثانوي، وجامعي، ودكتوراه، وبورد، هذا الذي تحدثتم عنه في مراحل أخرى، وإن شاء الله نلتقي بكم مرات أخرى، ونعالج هذه الموضوعات، لكن ماذا أقول بخمسي دقيقة ؟ بدأت بالبديهيات، لماذا نحن هكذا ؟ نحن في عندنا تناقض كبير جداً، معنا وعود مذهلة في القرآن وأن واقع سيء جداً، كيف حاولت أن أوفق بين هذه الوعود وبين الواقع، الحل أن نصطلح مع الله، وأنا بالأساس رجل دين، ولست علماني.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018