بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الأعلى - تفسير الآيات01- 03 ، التنزيه والتعظيم.


1984-12-28

في القرآن الكريم كل مشتقات كلمة (سَبِّح) :

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى*وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى*فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾

هذا هو المقطع الأول، فكلمة: سَبِّحْ فعل أمر، وفي القرآن الكريم كل مشتقات هذا المصدر. المصدر من سَبِّحْ: سبحان، قال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

[ سورة الإسراء: 1]

وفي آيات كثيرة:

﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الحديد: 1]

﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الجمعة: 1]

فجاء المصدر في:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾

[ سورة الإسراء: 1]

وجاء الفعل المضارع:

﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الجمعة: 1]

وبقي فعل الأمر:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

التسبيح هو التنزيه :

ما معنى سبّح؟ فالأمر سَبِّحْ، والماضي سَبَّح ومن دون تضعيف سَبَحَ، فإذا قلنا سَبَحَ فلان في الكلام أي أكثر منه، وإذا قلنا: سَبَحَ فلان في الماء أي عام وانبسط، وإذا قلنا: سَبَحَ فلان في الأرض أي غاص في أعماقها، إذاً السبح فيه معنى الجولان ومعنى التحرك وفيه معنى البعد، سَبَحَ القوم أي انتشروا، أما سَبَّحَ أي قال: سبحان الله، ومعنى سَبَّحَ: صلّى، فماذا تعني:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

قال بعضهم: التسبيح هو التنزيه أي نزّه ربك عز وجل عما لا يليق به. فأنت موجود والله سبحانه وتعالى موجود ولكن وجوده غير وجودك، أنت من عدم وإلى عدم، ولكن الله سبحانه وتعالى أزلي أبدي قديم، فإذا قلنا سبّح الله أي نزّهه عما لا يليق به من صفات البشر، إذا قلت:

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ*إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً*وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾

معنى: سَبِّحْ: أي فسَّر هذه الآية تفسيراً يليق بذاته العلية:

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 3.]

معنى سَبِّحْ أي نزّه مكر الله عن مكر الخلق، لأن مكر الخلق شرير لكن مكر الله لصالح الخلق.

حيثما وردت كلمة العلم في القرآن والسنة فإنما تعني العلم بالله :

إذا قلنا:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة: 13]

فإذا قلنا:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أي وجه هذه الآية توجيهاً يليق بذاته الرحيمة، التسبيح هو التنزيه، من يسبح الله عز وجل؟ هو الذي عرفه، إذاً كان في معنى التسبيح معرفة الله عز وجل، أعرابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله جئتك لتعلمني من غرائب العلم، فقال عليه الصلاة والسلام: وماذا صنعت في أصل العلم؟ فقال هذا الأعرابي: وما أصل العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ فقال عليه الصلاة والسلام: رأس الدين معرفته، حيثما وردت كلمة العلم في القرآن والسنة فإنما تعني العلم بالله:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أي نزّهه عما لا يليق به، ومتى تستطيع أن تنزّهه عما لا يليق به؟ إذا كنت تعرفه، وإذا جاءك خبر سيء عن إنسان، فمَنْ ينفي هذا الخبر؟ من يعرفه، فإن كنت تعرفه تنفي عنه النقص، و إن كنت تعرفه تنفي عنه ما لا يليق به.

 

لا يستطيع رجل أن يُسَبِّحَ الله عز وجل إلاَّ إذا عرفه :

إذاً لا يستطيع رجل أن يُسَبِّحَ الله عز وجل إلاَّ إذا عرفه، لكن سبحان الله حينما تفرّغ هذه الكلمات من مضمونها، حينما يكون الناس في آخر الزمان، وهذه الكلمات العظيمة حينما تفرّغ مضمونها فيفهم الناس من:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

معنى التسبيح
أن تمسك مسبحة وأن تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، والقلب ساه ولاه ليس هذا هو التسبيح، فالتسبيح هو التنزيه:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

هل نزّهت الله عز وجل عما لا يليق به، كيف أنزهك يا رب؟ يقول لك الله عز وجل: هل عرفتني؟ يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء وإذا فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، فليت شعري ماذا أدرك من جهل الله عز وجل، وماذا فاته من عرف الله؟ إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أي تعرّف إلى الله عز وجل كي تستطيع أن تسّبحه. فإذا قرأت:

﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 8]

فإذا كنت مسّبحاً فتقول: ألهمها فجورها أي ألهمها أن عملها هذا فجور، وإن لم تعرف الله عز وجل تقول: الله ألهمها الفجور، ألهمها أن تفعل الفجور ثم حاسبها عليه وأدخلها النار. فإن كنت مسّبحاً تفهم قوله تعالى: ألهمها فجورها أي ألهمها أن عملها فجور، أي قيّم لها عملها، أي ضيّق نفس الإنسان حينما فعل السيئات فألهمه أنه فجور، وإن كنت لا تعرف الله عز وجل تفسّر ألهمها فجورها بأن الله سبحانه وتعالى ألهم النفس أن تفعل الفجور.

أصل الدين معرفة الله :

إن كنت تسبح الله عز وجل فتقرأ قوله تعالى:

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 96]

فتبحث عن تتمة الآية في السورة فتجد قوله تعالى:

﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ*وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الصافات:95- 96]

لذلك تقول: لا هذه الآية سياقها في التنبيه لعبادة الأصنام:

﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ*وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الصافات:95- 96]

إذا كنت تعرف الله عز وجل وتسبحه وقرأت قوله تعالى:

﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء:23]

تقول: لا يسأل عما يفعل لعدالته، عدله يُسكت الألسنة، وإن كنت لا تعرفه تقول: لجبروته، من يستطيع أن يسأله؟ وشتان بين المعنيين، لذلك التسبيح هو التنزيه، والتنزيه لا يكون إلا بالمعرفة، و لذلك فمعرفة الله أصل ديني هكذا قال عليه الصلاة والسلام: معرفة الله أصلُ ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، وذكر الله أنيسي، والفقر فخري، والقناعة حسبي، واليقين قوتي، والعلم سلاحي، والفقر ردائي، والرضا غنيمتي، وجُعلت قرة عيني في الصلاة، أصل الدين معرفته، المعرفة رأس مالي.

معانٍ أخرى كثيرة لكلمة (سبح) :

كلمة سبّح: إذا قلنا لطالب خذ شهادة عالية، فماذا يُفهم من هذا الأمر؟ أي اذهب إلى إدارة الجامعة وقدم استدعاء وقل امنحوني دكتوراه أم معنى خذ شهادة عالية أي ادرس؟ هذا الأمر ينطوي به أمر آخر، كلمة: سبّح: أمر إلهي ينطوي به أمر آخر وهو اعرف الله عز وجل كي تنزّهه، وكي تسبحه، وكيف تنزّهه، إن لم تعرفه فعندما يمضي جزء كبير من وقتك في معرفة الله، فمن أجل ذلك خلق الإنسان، خلقت السموات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، هذا أمر إلهي: سبّح أي نزّه، والتنزيه أن تقول: الله سبحانه وتعالى وجوده غير وجودنا، وسمعه غير سمعنا، وبصره غير بصرنا، وحلمه غير حلمنا، وفعله غير فعلنا، نزّهه عما لا يليق به، هذا معنى؛ وهناك معنى آخر يضاف إلى التنزيه هو التعظيم، سبح القوم أي انتشروا، سبح المرء في الكلام أي أكثر منه، سبح المرء في الماء أي عام وانبسط، سبح المرء في الأرض، سبحت الخيل أي: أسرعت. هناك معانٍ أخرى كثيرة لكلمة (سبح)، أي الجولان في ملكوت السموات والأرض، والتفكر في عظمة الله عز وجل:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[ سورة يونس: 67]

فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: أين أنتم ذاهبون؟ وإلامَ منصرفون؟ وما الذي يشغلكم؟ وما الذي ينجيكم؟ وماذا تستهدفون؟ فَأنَّى تُؤْفَكُون، يقول الله عز وجل:

﴿ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾

[ سورة غافر: 63]

اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة :

إن لم تفكر بآيات الله سوف تنصرف عنه إلى سواه. إن لم تفكر بالآيات التي بثها الله في الأرض، والتي بثها الله في السماء، وفي خلق الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات، إن لم تفكر بآيات الله؛ سوف تؤفك عنه، أي سوف تنصرف إلى سواه؛ إلى الدنيا.
فكلمة: سبّح: فعل أمر ينطوي به فعل أمر آخر، كأن تقول: خذ درجة علمية عالية، أي ادرس فهذه الدرجة لا تؤخذ أخذاً من عند البائع. يدرس الطالب، ينتسب في الجامعة إلى أن يستحق النجاح، يعطى عندها هذه الدرجة. فكلمة: سبّح أي اعرف الله كي تستطيع تنزيهه وكي تستطيع تعظيمه، لذلك اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة:

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[ أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون ]

بادروا بالأعمال الصالحة:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

إذاً: سبّح: أي اعرف الله من أجل أن تعظّمه، ومن أجل أن تنزهه. وقال عليه الصلاة والسلام:

((حسن الظن بالله ثمن الجنة))

[ابن عساكر عن أنس]

كل من ظن بالله السوء لا يعرفه، الذي ظن أن الله سبحانه وتعالى خلق عباده ليعذبهم لا يعرفه، والذي ظن أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وليسوا كُمّلاً لا يعرفه. فهذا رسوله، يجب أن يكون هذا الرسول نموذجاً للكمال الإنساني، والذي ظن أن الله سبحانه وتعالى خلقنا عبثاً لا يعرفه:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

[ سورة ص: 27]

الإنسان بين أمرين إما أن يعرف الله سبحانه وتعالى وإما أن يجهله :

الذي يظن أننا خُلقنا عبثاً كقوله تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ* فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة المؤمنون: 115-116]

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾

[ سورة ص: 27]

﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾

[ سورة الأحزاب: 1.]

الإنسان بين أمرين: إما أن يعرف الله سبحانه وتعالى، وإما أن يجهله، فإذا عرفه عرف كل شيء، وإذا لم يعرفه لم يعرف شيئاً، وهو أشد الناس خسارة يوم القيامة. فسبح تعني: نزّه، ونزّه تحتاج إلى معرفة، قال الأعرابي: جئتك لتعلمني من غرائب العلم، قال: وماذا صنعت في أصل العلم؟ قال: وما أصل العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ وهو أصل العلم، لذلك فالإمام الغزالي ـ رضي اللّه عنه ـ قال: حيثما وردت كلمة العلم؛ فإنما تعني العلم بالله تعالى. لأن العلم بالله له ثمن باهظ، وله مقابل هذا الثمن نتائج مذهلة، نتائج العلم المادي أنه يبقى في الدماغ، فقد يحمل الإنسان أعلى شهادة، وقد يكون بخيلاً، وقد يكون قاسي القلب ودنيئاً، وقد يعرف الإنسان ربه فتسمو نفسه.

التفكر في ذات الله ممنوع ومحظور :

ثمن العلم بالله المجاهدة، جاهد تشاهد، ونتائجه باهرة، فلا يبقى العلم بالله في الدماغ، بل ينقلب إلى حلم، وإلى سمو ورحمة وحنان وعطف وإنصاف وعدالة ورقة قلب، ولذلك: " علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ".
لماذا (سبّح اسم) ولم يقل الله عز وجل: سبّح الله؟ لأن كلمة (الله) اسم الذات، ولا نستطيع أن نتعرف إلى ذاته، لكن نستطيع أن نتعرف إلى أسمائه، ولأن الكون كله مظهر لأسماء الله الحسنى.
رحمة الله في خلقه
إذا أردت أن تعرف علمه فدونك الكون، وإذا أردت أن تعرف قدرته فدونك الكون، وإذا أردت أن تعرف رحمته فدونك المخلوقات. انظر كيف خلق الله في قلب الأمهات تلك الرحمة. اذهب إلى مستشفى الأطفال زيارةً، وشاهد كل أب وكل أم كيف يحرصون على ابنهم المريض؟ فمن أودع الرحمة في قلب الأمهات والآباء؟ الله سبحانه وتعالى.
رجل شديد عتيد يبكي، لأن الطبيب قال له: معه التهاب سحايا، قد لا يبكيه شيء؛ فبكى! إذا أردت أن تعرف رحمته فدونك الخلق. فهذا الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى، وتستطيع أن تعرف كل أسمائه من خلال الكون. ولذلك ربنا عز وجل قال: (سبّح اسم)، ذاته لا تعرفها، تفكروا في المخلوقات، ولا تفكروا في الخالق فتهلكوا.
عندما يأتي الإنسان بميزان بقال مكتوب عليه (2) كغ، ويحاول أن يزين فيه شاحنة ثلاثين طناً، فيصبح هو والأرض سواء! وعندها لا يتهم أن مصنع الميزان سيء، بالطبع لا، بل إنك استعملته بغير ما أعدّ له. وعندمّا يفكر العقل البشري في ذات الله، ولا يفهم شيئاً ليس هذا عجزاً في العقل، ولكن سوء استعمال له. فالتفكر في ذات الله ممنوع محظور فتهلكوا.

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 143]

كل أسماء الله الحسنى نستشفها من خلال الكون :

إذا ألقينا في فرن لصهر الحديد ورقة سيجارة، وقلنا ماذا حلّ بها؟ من الوهج تبخرت نهائياً، لم يبقَ لها أثر! تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أي تبحَّر في أسمائه الحسنى، ابحث عن اسم اللطيف، مرّ السحاب في السماء يؤكد اسم اللطيف، حينما يسقط سن الطفل في فمه، تعرف من خلال ذلك اسم اللطيف، مهما أوتي طبيب الأسنان من براعة لا بد من إبرة المخدر، ووضع الإبرة في اللثة يؤلم ألماً شديداً، أما ربنا عز وجل لطيف فلا يُحس الطفل بشيء إلا في فمه قطعة عظم، فالسن نزعه الله له بشكل لطيف، الهواء لطيف بيننا، وسيلة لنقل الضوء، وسيلة لنقل الحرارة، وسيلة لنقل البرودة، نقل للصوت؛ خفيف. كيف ترى طائرة في الجو! معنى ذلك:
اللطف في خلق السحاب
الهواء شيء له قيمة يحملها، وإذا مدّ أحدهم يده أثناء سير السيارة، يشعر بقوة كبيرة تدفعها نحو الوراء، إذاً هو شيء لكن لطيف. يمكن أن تعرف اسم اللطيف من الهواء؛ من سير السحاب، من استقرار الأرض، فالأرض لا تضطرب فليس لها صوت، وليس لها عادم دخاني يملؤها سواداً، وإنما حركة لطيفة بدون صوت، إذا أردت أن تعرف اسم اللطيف، فانظر إلى الثمار والفواكه، فترى معملاً بدون صوت تكون خشباً؛ تزهر؛ تورق؛ تثمر بلا صوت، إذا أردت أن تعرف اسم القوي قال: هناك ثقوب سود في الفضاء الخارجي، إذا دخلت الأرض إلى أحد هذه الثقوب تصبح كالبيضة بالضبط حجماً، أي عشرة آلاف مليون ملْيون طن وزن هذه البيضة، لأن الضغط شديد جداً، اسم القوي، إذا أردت أن تعرف اسم العليم فاقرأ شيئاً عن خلق الإنسان،ثلاثة عشر مليون عصية في الشبكية في المليمتر المربع. كل أسماء الله الحسنى تستطيع أن تستشفها من خلال الكون.

مهما عرفت عن قدرة الله فالله أكبر ومهما عرفت عن لطفه فلطفه أكبر :

إذاً:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أقرب اسم للإنسان هو الرب، أي المربي العليم والحكيم، والمربي عطوف، والمربي غني، إمداد بالطعام والشراب، في الدرس الماضي في سورة الطارق ربنا عز وجل قال:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ *يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾

هذه نعمة الإيجاد:

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ *وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾

هطل الامطار وإنبات النبات
هذه نعمة الإمداد. أوجدك من ماء مهين، وأمدك بالطعام والشراب عن طريق هذه الخاصة، خاصة نزول الأمطار وإنبات النبات:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

لماذا سبّح اسم ربك؟ لأنه أعلى. أعلى اسم تفضيل؛ أي لا نهاية لعلّوه ولا نهاية لقدرته، بعضهم قال: كلمة الله أكبر الصلاة مفتاحها الطهور، وتحريمها التكبير، وحلّها التسليم، ما معنى كلمة( أكبر)، بعضهم قال: أكبر من كل شيء، وبعضهم قال: أكبر مما أعرف فمهما عرفت عن قدرة الله فالله أكبر، ومهما عرفت عن لطفه فلطفه أكبر، إذاً:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

أي لا نهاية لعلوه، فهذا الإله العظيم يُزهَد به؟! يُنصرف عنه؟! يعصى؟! سبحان الله.

الخالق له إرادة نافذة في الخلق أما المخلوق فيفعل لإرادة الخالق :

قال تعالى:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

الخالق غير المخلوق، فالخالق له إرادة نافذة في الخلق، أما المخلوق فيفعل لإرادة الخالق، فالله عز وجل خلقك، ولو شاء لما خلقك، أعطاك السمع والبصر، ولو شاء ما أعطاك السمع والبصر، أعطاك هذا الفكر:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

شخص وصل لمنصب عالٍ جداً قبل أربعين عاماً فأصبح وزير عدلية في الحكم العثماني، ثم تقدم به السن حتى إذا خرج من بيته لا يعرف كيف يعود، فتخبر زوجته مخافر الشرطة ليبحثوا عنه.

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة يس: 67]

هناك رجل أعرفه كان يحضر معنا هنا، توفي ـ رحمه الله ـ قبل وفاته بأسبوع ركب سيارته من معمله متجهاً إلى بيته فضاع عنه بيته، وبقي ساعة ونصف يدور حتى ذهب إلى بيت ابنه يسأله: أين بيتي يا بني؟!
أنت منفعل بإرادة الله عز وجل. أعطاك فكراً، ولو شاء لما أعطاك. أعطاك قوة. قطعة دم أقل من ميليمتر مكعب تتجمد في شريان في الدماغ. فهو شلل كامل؛ لا يوجد حركة مطلقاً. لي قريب أصيب بالشلل، فبقي في فراشه لا يتكلم ولا يتحرك. يده كقطعة لحم على بطنه لا يستطيع الحركة.

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

من أعطاك القوة؟ من أعطاك البصر؟ من أعطاك السمع؟ فإذا أصابك طنين في الأذن تتضايق وتقول: معي التهاب يلزمني طبيب أذن، وإذا كان هناك غباشة في العين، ذبابة طائرة أمام عينك، فهناك بروتين داخل العين يتحرك مع النظر، فتتضايق من الذبابة الطائرة. أما إذا أغلقت القناة الدمعية فهذا شيء لا يحتمل. وإذا كان الإنسان قد جرحت يده، وانكشفت الأعصاب الداخلية، فإذا أكل سلطة يتضايق، أصبح هناك ألم. آلام الأسنان لا تستطيع أن تنام في الليل، وأثناء قلع الضرس ترى خيطاً أرفع خيط مرّ في حياتك، وهو خيط عصب السن، وهو الذي أقلقك طوال الليل! نعمتي السمع والبصر

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

فهو الخالق، أيعبد غير الخالق؟ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، (الذي خلق) أي حينما قال الله عز وجل:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

ما هي التسوية؟ خطر في بالي مثل، وأنا في طريقي إليكم: لو أن إنساناً عنده سيارة وعمّر مرآباً، فإذا كان أضيق من السيارة لا تدخل، وإذا كان أقصر من طولها لا يغلق، وإذا كان بمثل حجم السيارة فلا يفتح الباب، وإذا كان له رصيف ارتفاعه كبير لا تصعد السيارة، أو تعمل رصيفاً آخر يكون أعرض أو أطول. يعني أن تجد مرآباً يتناسب مع الحجم، تدخل إلى داخله، وتفتح الباب فيفتح، والرصيف مكسور، أي هناك تسوية؛ تناسب.

كل ما في الكون مدروس من لدن حكيم خبير :

ربنا عز وجل قال:

﴿ مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[ سورة الملك: 3]

الشمس بعدها عن الأرض بقدرٍ مدروس:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾

[ سورة الرحمن: 5]

المسافة بين الأرض والشمس
لو اقتربت لاحترقت الأرض، ولو ابتعدت لتجمدت! بُعد القمر عن الأرض بحسبان، فلو اقترب نصف المسافة لتضاعف المَّد ستين ضعفاً. أي لأصبح المَّد والجزر مئة وعشرين متراً، ولغمرت معظم مدن العالم الساحلية.
حجم الأرض تقدير حكيم عليم مسوٍّ. سرعة الأرض حول نفسها مسوّاة تتناسب مع طاقة الإنسان. اثنا عشر ساعة نهار، واثنا عشر ساعة ليل، فلو دارت أسرع، ولو ألغي القمر لدارت الأرض حول نفسها دورة كل أربع ساعات. معنى ذلك أن النهار ساعتان، والليل ساعتان، فهذا فتح المحل، والآخر أغلقه. والأول فتح، والثاني ذهب لينام؛ فوضى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

حجم الأرض يتناسب مع طاقة الإنسان. دورتها حول نفسها تتناسب، دورة الأرض حول الشمس تتناسب(36) يوماً، والفصول تتناسب، والإنسان بحاجة لماء. فالماء موجود، والهواء له نسب ثابتة، فهناك نسب ثابتة؛ نسبة الأكسجين إلى الآزوت مسواة، أي مدروسة من لدن حكيم خبير.

كل شيء خلقه الله تعالى مذلل لخدمة الإنسان :

الجبال؛ فهناك جبال تكفي لتخزين المياه العذبة، ولولا الجبال لما خزّنت المياه العذبة. وهناك صحارى كافية لتحريك المنخفضات الجوية، وهناك سهول كافية لتأمين طعام البشر، وهناك بحار كافية لتخزين المياه. فلو جعلت طبقات الأرض كتيمة سطحية، والنفوذة تحتية فلا يوجد آبار إطلاقاً، كيف تكون الآبار؟ الطبقة الكتيمة تحتية، والنفوذة سطحية.

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

إذا أردت بروتيناً فهناك غنم فيقال مثلاً: فلان مثل الغنمة، أي وديع (وذللناها لكم) وإذا أردت دجاجاً فهو مذلل، وإذا أردت الركوب من جهة إلى جهة:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

[ سورة النحل: 8]

الآن يوجد صواريخ وطائرات جامبو، وسيارات فارهة جداً.

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 8]

كلام إله:

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

من الذي خلق البترول؟ ومن الذي أعطاه هذه القوة الانفجارية؟ من خلق الحديد؟ ومن خلق الدماغ البشري ليخترع المحرك الانفجاري؟

﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 8]

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

الله عز وجل خلق فسوى :

واسعة جداً، أي أن كل شيء يناسب شيئاً، فلو كانت الحرارة في الأرض مئة فوق الصفر لا أحد يعيش، أو مئتان تحت الصفر لا أحد يعيش، ولو كان محور الأرض أفقياً، أي موازياً لمستوى الدوران، فتبقى الأرض واقفة، فالأرض تدور هكذا، والشمس من هنا، فالنصف الأول للكرة شمس إلى الأبد، والآخر ظلام إلى الأبد. ولو كان المحور قائماً على مستوى الدوران؛ فالفصول ثابتة، فالمحور مائل قليلاً، فهناك ليل ونهار، وهناك اختلاف الليل والنهار:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 19.]

واختلاف الفصول أيضاً بميل المحور:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

أنت تحتاج إلى خشب كي تشعله، فهناك أشجار تتخذ منها وقوداً، وتحتاج إلى خشب كي يكون في السقف، جعل الله أشجار الحور لهذه المهمة، وتحتاج إلى خشب لصنع الأثاث، فجعل الله خشب الزان لهذه المهمة، وتحتاج خشب للبيتون فهناك خشب الشوح، وإلى خشب الزان يكسر المسمار لها فائدة، خشب الشوح يختلف عن الزان، وعن السنديان، وعن الكندي، وعن المشمش، وعن الزيتون، فالله عز وجل خلق فسوى، فلو جعل لك طعاماً واحداً تملّه، فالأطعمة متنوعة، والفواكه متنوعة، فلو جعل المرأة تنجب ما دامت حية فهذا شيء لا يحتمل..

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

أي ليس لها حدود.

الكون كله مجال للبحث في الآية التالية :

لو جعل الماء ينكمش إذا تجمد فتنتهي الحياة من على سطح الأرض، فكل ما في الأرض ينكمش إذا تجمد عدا الماء؛ العنصر الوحيد الشاذ الذي إذا تجمد زاد حجمه، فقلّت كثافته، فطفا على وجه الماء. فلو أن الماء إذا تجمد زادت كثافته، وانكمش كلما تجمد المحيط غاص في الأعماق إلى أن تتجمد المحيطات كلها، فينعدم التبخر، وتنعدم الأمطار، وينعدم النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان..

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

هناك تسوية:

﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ﴾

[ سورة الملك: 3]

الحيوان يمرض؛ فالله جعل له حشائش خاصة به. فالكون كله مجال للبحث في هذه الآية:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

مثلاً: التربة فيها مواد. فلو جئنا بماء وحللنا فيه السكر والملح، ومادة صابونية من مشتقات الصابون، وحللنا فيه ملح الليمون، وجئنا بأنابيب شعرية، فهل يعقل أن بعض الأنابيب يمتص الملح فقط؟! مستحيل. أو أنبوب آخر يمتص الماء مع السكر؟ مستحيل. أنبوب ثالث يمتص الماء مع ملح الليمون؟ مستحيل. هذه المواد ذابت في الماء، وأصبح المحلول منسجماً، والأنابيب غير عاقلة.

النباتات من آيات الله الدالة على عظمته :

خلق النباتات
أرض واحدة مزروعة، تفاحاً، وكمثرى، ودراقاً، وخوخاً، وعنباً، و طعم هذا يختلف عن ذاك، مع أن الأرض واحدة، والمواد واحدة، فالماء حلّ هذه المواد. فكيف أخذ التفاح الطعم السكري، وأخذ الخوخ الطعم الحامضي، والدراق أخذ هذا الطعم مع الماء الكثير، وأخذ التمر هذا الطعم الحلو، والبرتقال الحامض شيء، والحلو شيء، والليمون شيء:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الرعد: 4]

هدى هذه الجذيرات، أي الأشعار الماصة في الجذر؟ أن تختار البوتاس والحديد والفسفور والكالسيوم، والجذر الآخر اختار هذه المواد:

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

أي وضع المواد الكافية لنمو النبات، وهدى الجذور لاختيار حاجتها من هذه المواد، أما في عالم الإنسان فهذه مستحيلة أن تخلط الملح مع السكر مع ملح الليمون في بناء واحد، وتضع أنابيب رفيعة جداً، وتتوقع أن يخرج من أنبوب ماء وسكر فقط، وماء وملح فقط، مستحيل..

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

الجذور من أضخم الموضوعات للتفكر :

خلق البذرة
مثل آخر: هذه البذرة؛ انظر إلى الجذور فهي من أضخم الموضوعات للتفكر، في غرام من البذور فيه سبعون ألف بذرة، كم هي متناهية في الدقة هذه البذور؟! ومع ذلك يرسمون على الغلاف وردة حمراء، وعلى غلاف آخر صفراء، وعلى غلاف آخر وردة مطبقة. فهذه البذور يخرج منها ورد مطبق، وهذه ورد أصفر، وهذه ورد أحمر، وهذه نرجس. من سيّر هذه البذرة حتى صار هذا النبات بهذا الشكل؟ له أوراق خاصة وجذع خاص، وله أشكال وألوان، وله طباع. فيقال: هذا يلزمه ماء كثير كل يوم، وهذا يلزمه في الأسبوع مرة واحدة، وهذا يحتاج إلى شمس، وهذا يحتاج ظل، وهذا يحتاج خيالات شمس، وهذا يلزمه حرارة، وهذا نبات في الغرف، وهذا تحت السماء، وهذا نبات يعيش في هذه البلاد، وهذا على السواحل له طباع، فكل هذه الطباع والألوان في هذه البذرة.

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

هجرة أسماك السلمون
كيف أن أسماك السلمون تأتي من منابع الأنهار في أمريكا وتهاجر من منابع الأنهار إلى أواسط المحيط الأطلسي وتموت. كيف أن هذه المخلوقات الجديدة تعود إلى مسقط رأسها هناك، قال: تتجه أسماك السلمون من المحيط الأطلسي غرباً نحو أمريكا، وبعض الأسماك يأخذ زاوية نحو نهر الأمازون، لأنها ولدت في ينابيع نهر الأمازون، وبعض الأسماك تتجه نحو مصب الميسيسيبي لأنها ولدت في ينابيع نهر الميسيسيبي. من وجه هذه الأسماك وجهتها؟ هناك أسماك في نهر النيل تخرج من منبعه إلى مصبه، وتتجه غرباً إلى مضيق جبل طارق، ثم شمالاً على جانب إسبانيا، ثم تعبر بحر المانش، ثم شمالاً نحو بحر الشمال، وتعود كرّة ثانية إلى ينابيع النيل، من هداها؟

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 49-5.]

النحل من آيات الله الدالة على عظمته :

النحل
هذه النحلة؛ من علّمها أن تبني هذه الخلية؟ ومن علّمها الشكل المسدس؟ هذا الذي لا يترك فراغات بينية أبداً، من علمها؟ من علّم بعض النحلات أن تقف على الباب حارسات، ولا تسمح بدخول النحل إلى الخلية إلاّ إذا نطق بكلمة السّر؛ وإلاّ تقتل. لأن النحلة التي تنسى كلمة السّر تقتل! من علّم هذه النحلة أن تهوّي الخلية؟ تقف النحلات على بابي الخلية وتفعل بأجنحتها هكذا، فإذا كان هناك حرّ تعمل تهوية، وإذا كان برد تغلق الأبواب، فيصبح الجو دافئاً. من علّمها؟ من علّم النحلة أن للملكة طعاماً خاصاً، وهناك وصيفات خاصة بالملكة؟ تذهب الوصيفات لإحضار غبار الطلع ممزوجاً برحيق الأزهار هذا طعام الملكة الخاص، من علمّها؟ من علّم النحلة أن تقتل كل حشرة غريبة في الخلية؟ فإذا كانت هذه الحشرة فأرة لا تستطيع جرها ولا قتلها، فتغطيها بمادة شمعية تحفظها من الفساد، من علمّها ذلك؟ من علّم النحلة أنها إذا كانت محمّلة بالرحيق تعطي النحلات الآخر ما جمعته من رحيق، وتعود تواً إلى امتصاص الرحيق تارة أخرى من أجل كسب الوقت، فإذا كان آخر الموسم دخلت النحلة إلى مكانها في الخلية ووضعت الرحيق. من علّم النحلة أن ترقص؟ فمن نوع الرقصة تعرف النحلات الباقيات بُعد الأزهار عن النحلة، أي رقصة معينة واحد كيلومتر، رقصة أخرى أكثر من ذلك. فالنحلات يعرفن قبل أن يخرجن من الخلية بُعد الزهر عن الخلية من طبيعة رقص النحل!
من أعلم الملكة أنها سوف تلد ذكراً، تقف في مكان خاص للذكور تضع الذكر. وهناك امرأة معها دكتوراه في أمراض النساء والتوليد، وتزوجت وحملت، فهذه الدكتورة في أمراض النساء؛ هل تعرف نوع المولود؟ ملكة النحل تعرف قبل أن تلد؛ ماذا سوف تلد؟ لذلك تقف في مكان النحلات العاملات تلد الأنثى، وتقف في مكان الذكور تلد الذكور وهكذا.

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 49-5.]

أمثلة كثيرة حول هذه الآية:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

الأشياء المذهلة في خلق الإنسان وخلق الحيوان وخلق النبات :

هجرة السنونو
الطيور؛ فترى سنونو يعشش في أحد بيوت الصالحية، تذهب مثلاً إلى حارة الحنابلة في أحد البيوت العربية ترى سنونو معششاً. يأتي موسم الشتاء فيهاجر هذا السنونو إلى الجنوب، إلى بلاد أفريقيا. وأما في موسم العودة إلى الشمال. من أعلم هذا الطائر أنه يجب أن يأخذ هذه الزاوية ليصل فيها إلى دمشق؟ فإذا انحرف من أفريقيا درجة واحدة أصبح في مصر، ولو انحرف درجة أخرى أصبح في بغداد. فمن أعطاه الزاوية من أفريقيا ووصل إلى دمشق؟ ولو أخذ زاوية إلى المهاجرين فيرجع هذا السنونو إلى هذا البيت في الحنابلة الحارة الثالثة إلى عشه، ويكون قد قطع آلاف الكيلومترات من علّمه؟

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

أحياناً يمرض الحيوان فيأكل بعض الحشائش فيشفى، والشجرة تستهلك أوراقها فهي بحاجة إلى الماء، والماء حيوي لها. فإذا منعت عنها السقي تصفر أوراقها، أوراقها غير مهمّة تضحي بها من أجل بقائها، ثم تيبس عيدانها، وعيدانها غير مهمّة من أجل أن تبقى، ثم ييبس جذعها، وجذعها غير مهم من أجل أن تبقى، كل هذا حفاظاً على جذرها. لو لم يكن هناك خالق؛ فمنع عنها الماء فجف جذرها فماتت. تستهلك أوراقها ثم أغصانها، ثم أغصانها الكبيرة، ثم تستهلك ماء جذعها وتبقى محافظة على حياة جذرها. من علمها ذلك؟ من هدى هذا النبات إلى هذا؟
حللوا ورقة خضراء فوجدوها لها مسام، وهذه المسام تبقى مفتوحة شتاءً مغلقة صيفاً، فالشتاء فيه رطوبة مفتوحة. في الصيف هذه المسام تقترب من بعضها بعضاً فتغلق، ولذلك تحافظ الأوراق على نضارتها في الصيف، لأن المسام مغلقة. فمن هداها إلى ذلك؟ الله سبحانه وتعالى، قالوا: هناك غشاء بين الخلايا وبين الدم، فتصور مجموعة أبنية على اليمين، ومجموعة أبنية على الشمال، ومن الأرض حتى أعلى طابق غشاء يمنع دخول كل ما في الشارع إلى البناء؛ غشاء. فهذا الشارع فيه دم والأبنية الخلايا، وهذه الخلية بحاجة إلى غطاء، فتفتح فتحة أمام مادة البوتاس، فتذهب هذه المادة عبر الغشاء إلى الخلية، فإذا أخذت الخلية حاجتها، أغلق هذا الثقب، وكأن عقلاً كبيراً يخطط لتغذية الخلايا، فالدم فيه كل شيء، فتأخذ البنكرياس حاجتها، والمرارة حاجتها، والكبد حاجته، والغدد الدمعية حاجتها، واللعاب حاجته، فكل عضو يجري فيه الدم يأخذ حاجته، وهنا يوجد مفرزات قلوية، أو هنا مفرزات غير قلوية، وهنا حامضية؛ حمض كلور الماء؛ مادة مهادنة. فهذه المواد التي تفرزها الغدد الصم من أين تأتي بالمواد الأولية؟ من الدم. فمن الذي يقول يا بنكرياس خذ من الدم مادة كذا وكذا؟ هو الذي خلق فسوّى، وقدر فهدى. هناك أشياء مذهلة في خلق الإنسان، وفي خلق الحيوان، وفي خلق النبات.

الله عز وجل هدى الكائنات لكل ما تحتاجه :

نقار الخشب طائر يعيش على دود ضمن أشجار الصنوبر، والغريب أن له منقاراً يزيد عن اثني عشر سنتمتراً، يقف هذا الطائر على جذع شجرة، ويثقب الجذع حتى يصل إلى الدودة التي تقع داخل الجذع ويأكلها. فهل عنده أشعة ليزر، أو أشعة تحت الحمراء ليعرف مكان الدودة؟ من الذي هداه إلى مكانها بالضبط؟ الله سبحانه وتعالى، النحل حينما تشرع النحلات ببناء البيت الشمعي السداسي، تبدأ بعض النحلات من هذه الجهة، وبعض النحلات من هذه الجهة، فيجتمعن على مسدس نظامي بينهما. فإذا أتيت ببلاطين وقلت للأول من جهة اليمين أن يبدأ، والآخر من جهة اليسار، فهل من الممكن أن يلتقوا على بلاطة نظامية؟ نصف بلاطة، أو ثلاثة أرباع. أما هذه النحلات فقسم يبدأ من هنا، وقسم من هنا فيجتمعان على مسدس نظامي، بدون أن يأخذوا قياسات مسبقة، فهل أخذوا عرض الخلية وقسموه؟ مستحيل؛ وإنما هناك تخطيط..

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

الإنسان عندما يأكل فوق حاجته يتراكم الشحم في جسمه، فيعمد إلى التنحيف، فيذوب الشحم الذي كان آخر ما توضع في جسمه. فمن أعطاه التوجيهات هذه، وأين آخر مكان توضع فيه الشحم؟ فهذا أول مكان يذوب منه الشحم، فهذا التخطيط تخطيط من؟ الشحم مدخرات غذائية، أحدهما دخل مكاناً وأصبح هناك مجاعة، فهذا الشحم ذاب كله، أو سيارة فيها بنزين وكل غلافها مهيأ لمستودعات احتياط، وكلما انتهى مستودع يفتح الآخر وهي ما زالت تمشي، فانتهى الشحم، فالجسم يستهلك اللحم، وانتهى اللحم يستهلك العظم، وكل هذا والدماغ هو هُو حفاظاً على هذا الدماغ، وهو الفكر المفكر. فالشحم يذوب، واللحم يذوب، والعظم يذوب، ويبقى الدماغ هو هو:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾

[ سورة مريم: 4]

الكون كله آيات على عظمة الله سبحانه :

غلام دخل على بعض الخلفاء، نظر الخليفة إليه فغضب، فالتفت إلى حاجبه وقال له: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل حتى الصبيان، فقال هذا الغلام: أيها الأمير إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ولكنه شرفني. أصابتنا سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم. فهذا تفكير علمي، أول شيء الشحم، ثم اللحم، ثم العظم، ثم الدماغ.
من الحقائق التي لا تصدق عن الدماغ، أن خلايا قشرة الدماغ تستعصي على السرطان حتى الآن. فلم تظهر في العالم كله حالة سرطان في خلايا قشرة الدماغ، مركز المحاكمة، والتذكر، والرؤية، والسمع، والبصر، والتخيل. قال له: أصابتنا سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، وفي يدكم فضول أموال، فإن كانت لعباده فعلام تحبسونها عنا ونحن عباده؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا، إن الله يجزي المتصدقين. وإن كانت لنا فعلام تحبسونها عنا؟ فقال الخليفة: والله ما ترك لنا هذا الغلام في واحدة عذراً. إما أنها لكم أو لنا، أو لعباد الله..
على كلٍّ:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

وكر النمل
لو نظرت إلى وكر النمل تجد مادة بيضاء ناعمة جداً على مدخل الوكر، إذا أخذتها وحللتها تجد أنها مجموعة رشيمات القمح. فالنمل يعرف أن في القمحة كائناً حياً إذا أصابته رطوبة نما، وإذا نمت القمحة في وكر النملة خربته. فأول ما يفعله النمل أنه يأخذ رشيم القمحة ويبقيه جانباً. من هدى النملة إلى هذه الحقائق في النبات؟ وإذا أخذ عدساً فبعض الحبوب لها رشيمان، فيأخذ رشيمين من الطرفين حتى لا يبقي مادة حية تنمو في وكره.
ولو دخلت إلى بيت فراشة فراقب بعد لحظات تدخل فراشة أخرى تحاول أن تدخل، فهذه الفراشة المؤنثة، وهذا ذكرها يتفقدها، من هداها؟ فالكون كله آيات.

التناسب في خلقه سبحانه :

الله عز وجل قال:

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات: 2.]

آيات ما أكثرها في الكون فأنى تصرفون؟ فأنى تسحرون؟ أفلا تبصرون؟ أفلا تتذكرون؟ أفلا تعقلون؟ قليلاً ما تشكرون. فالإنسان إذا كان عاصياً لله فهو جاهل جهلاً قبيحاً، فصار:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى *وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

كلمة (خلق فسوّى) هو التناسب بين الإنسان والجو الخارجي. حرارة من خمس وثلاثين أو أربعين أو خمسين، أما أن تصبح ثمانين أو مئة تحت الصفر فلا يمكن. وهناك هواء، وماء، وطعام، وشراب، ومعادن، وأخشاب، ونار، وحديد، ووقود:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

البيضة مثلاً كل يوم هناك بيضة، فلو كانت كل شهر لأصبح ثمنها خمساً وعشرين ليرة سورية، أو كانت شجرة التفاح تحمل خمس تفاحات فقط، فيصبح ثمن الكيلو مئتي ليرة، فالكمية مناسبة، والحجم مناسب، والطعم مناسب.
والتفاح بكل ما فيه لو كان مرّاً لا أحد يأكلها، أو كانت ذات طعم طيب لكنها بلا غذاء لا يستفاد منها، أو لو توفر فيها كل شيء لكنها قاسية كالصخر فتحتاج لمطحنة بحص حتى تأكلها. إذاً هناك طعم ورائحة، وقوام ومرونة، وجمال ولون ونكهة:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾

وقطافها سهل، فلو كانت الشجرة شاهقة، أو مع الأرض مشكلة، فهي واسعة جداً.

التنزيه والتعظيم يحتاجان إلى معرفة والمعرفة رأس الدين :

الكون كله خلق فسوّى، والمخلوقات كلها قدّر فهدى. فهدى الجذور والخلايا، وتغذية الخلايا. فالعين تحتاج إلى مادة قلوية تأخذها من الدم، فمن أعلمها أن هذه المادة تفيد الدمع؟ الله سبحانه وتعالى، شيء أغرب من ذلك، أن جميع خلايا الجسم تتغذى عن طريق الشرايين والأوردة إلا منطقة واحدة في الجسم خلاف هذه القاعدة، وهي قرنية العين لأنها شفافة. فلو عمل ربنا شبكة شرايين في القرنية فكأنك تمشي وراء منخل، لكن ربنا جعل قرنية العين تتغذى بطريقة خاصة؛ طريقة الحلول. أول خلية تأخذ غذاءها وغذاء كل الخلايا، وينتقل الغذاء من خلية إلى أخرى عبر أغشية الخلايا حفاظاً على شفافية العين. من وضع في العين مادة مضادة للتجمد؟ الله سبحانه وتعالى. لذلك هذه الآيات؛ تفكرك في اليوم مما يؤكد لك هذه الآيات:

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

فكر بأسمائه، وإياك أن تفكر بذاته! ومعنى سبح: أي نزّه وعظّم. نزّه عمل سلبي، وعظّم عمل إيجابي. والتنزيه والتعظيم يحتاجان إلى معرفة، والمعرفة رأس الدين، والهدف الأسمى من الحياة.

﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾

لا نهاية لعلّوه، ولا لكماله، ولا لرحمته، ولا لقدرته، فهو الأعلى سبحانه، أم كنت من العالين، لما وصف بعض المخلوقات أنهم من العالين، فربنا هو الأعلى الذي خلق، فهذه مشيئته، فأنت ليس لك مشيئة في الخلق. لو لم يخلقك الله فمن أنت؟ لا شيء!

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 1 ]

وللدرس القادم:

﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018