بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الأعلى - تفسير الآيات 3 -8 ، التيسير.


1985-01-04

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

شيءٌ واحدٌ ينتَظِمُ الخلائق كُلَّها :

الهداية الربانية
أيها الأخوة الكرام، الأفْعى تسْتطيعُ في الظلام الدامس أن تصِلَ إلى الفأرة وتأكلها، فمن هداها إلى ذلك؟ وضَعوا مادَّةً شَمْعِيَّة على عَيْنَيْها، ووضَعوا لها في غُرْفَةٍ فأرةً فاتَّجَهَتْ إليها رأساً إلى أنْ اكْتَشَفوا أنَّ هناك حُفْرَتَيْن صغيرتين في رأسِها تتحَسَّسان إلى الأشِعَّة تحت الحمْراء، فلما غُطِّيَت هاتان الحُفْرَتَاْن لم تهْتدِ إلى فريسَتِها! وبعضُ أنواع الدبابير تحفِرُ حُفْرَةً في الأرض وتصْطادُ جُنْدُباً، وتغْرز فيه سُماً في مكانٍ خاصٍ فَتُخَدِّرُهُ لِيَكون طعاماً طازجاً لِصِغارِها، وتأتي الأُنْثى فَتَبيض إلى جانب هذه الطعام الطازج، ثمَّ تموت الأُنْثى ويموت الذَكر ويبْقى هذا الطعام الطازِج إلى جانب هذه البُيوض الصغيرة التي حينما تخْرج من هذه البيْضات فتأْكُلُ من هذا الطعام، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

وهذا الحَيوانُ المَنَوي دخل في بُوَيْضَة ولَقَّحَها وانْقَسَمَت إلى آلاف الأقْسام في أيام، فَمَن هدى بعض هذه الخلايا المُنْقَسِمَة لِتَكون عموداً فَقَرِياً؟ ومن هدى قِسْماً آخر من الخلايا لِيَكون قلْباً؟ ومن هدى قِسْماً ثالثاً من الخلايا لِيَكون عضَلاتٍ؟ وقِسْماً رابِعاً لِيَكون عِظاماً؟ وهذا سائِل شفاف في العَيْن؟ وتلك خلاياَ عَصَبِيَّة وجِلْدِيَّة وشَعْر ومَعي وأمْعاء؟ شيءٌ واحدٌ ينتَظِمُ الخلائق كُلَّها قوله تعالى:

﴿ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى*الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾

كُلُّ ما في الأرض يُنْبِئنا إلى زوال العالم :

قال بعض المُفَسِّرين: المَرْعى يُطْلق على كُلِّ نباتٍ تُنْبِتُهُ الأرض، فهو سبحانه وتعالى أنْعم علينا بِنِعْمة الخلق والإيجاد، وأنْعَم علينا نِعْمَةً أُخْرى هي نِعْمَةُ الإمْداد، فما قيمة الإيجاد لولا الإمْداد؟ قال تعالى:

﴿ والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى ﴾

المرْعى إذاً مُطْلق النبات، ثمَّ قال تعالى:

﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾

الحياة الفانية
معْنى غُثاءً أيْ جَعَلَهُ يابِساً، ومعْنى أحْوى أيْ مُسْوَداً، فالنبات ينتقِلُ من الخُضْرَةِ إلى الاصْفِرار ثم إلى الاسْوِداد، فَأَوْراق الأشْجار مثَلاً بعد فصْل الخريف تُصْبِحُ سوْداء اللَّوْن، قال تعالى:

 

﴿ والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاء أحوى﴾

شيءٌ آخر يُسْتَنْبط من تسَلْسُل هذه الكلمات، وهي أنَّ الحياة إلى فناء، مِن خُضْرَةٍ نضِرَة إلى اصْفِرارٍ وذُبول، وإلى موتٍ واسْوِداد، وهكذا حياة الإنسان؛ من شباب وانْدِفاع وأحْلام إلى كُهولةٍ وشَيْخوخة ومَوْت، وكُلُّ ما في الأرض يُنْبِئنا إلى زوال العالم، غُروب الشَّمْس، ومجيءُ الخريف، وسُقوط أوْراق الأشْجار، قال تعالى:

﴿ والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى * فجعله غثاء أحوى ﴾

البشارة الأولى أنْ يا محمد سوف نُقْرِئك القرآن أما أنت فلا تنْسى :

سنقرئك فلا تنسى
جاءَتْ أوَّلُ بِشارَةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، يرْوي بعضُ كُتاب السيرة أنَّ هذه السورة من أحَبِّ السُّوَر إلى سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَحينما قرأ سبِّح اسم ربِّك الأعلى قال: اجْعَلوها في سُجودِكم ونحن في الصلاة نقول: سبحان ربِّيَ الأعلى، فقد كانت هذه السورة مِن أحَبِّ السُّوَر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، الآن جاءَت البِشارة الأولى، قال تعالى:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ﴾

أيْ يا محمد سوف نُقْرِئك القرآن، أما أنت فلا تنْسى، بعضهم فَسَّرَ اللام: لا ناهِيَة، والبعض الآخر: نافِيَة، أيْ أنت لا تنْسى خبر، وفي تفْسير آخر إياك أن تنْسى، إذا قال الله عز وجل: لا تنْسى نهْياً، أيْ عليه أن يبْتَعِدَ عن أسْباب النِّسْيان:

شَكَوْتُ إلى وكيعٍ سوء حِفْظي فأرْشَدني إلى ترْك المعاصي
وأنْبأني بِأنَّ العلم نــــورٌ ونور الله لا يُهْدى لِعاصي
* * *

لا تعْصِهِ في النهار يوقِظك في الليل، قد ينْسَى المرْء بعض العِلْم بالمَعْصِيَة فالمعاصي تُنْسي، فَكِتاب الله عز وجل مهما يكون واضِحاً لَدَيْك، إذا خالَفْتَهُ تنْساهُ، وتُصْبِحُ في حِجابٍ عنه، لذلك الآية تحْتمل الوَجْهَين، وقد قال عليه الصلاة والسلام: القرآن ذو وُجوه؛ له وُجوهٌ عديدة، سَنُقْرِؤُك فلا تنْسى؛ هذه بِشارةٌ لك يا محمد عليه الصلاة والسلام، حِفْظُهُ علينا بل عَدَّ بعضهم هذا مُعْجِزَةً لِرَسول الله عليه الصلاة والسلام، الإنسانُ الأُمِيّ يقرأ القرآن مرَّةً واحدة ثمَّ يحفظه؛ إنَّ هذا فوق طاقة البشَر، فهذا المُتَعَلِّم يعود إلى القرآن لما ينْسى ثمَّ ينْسى، كيف حفظ النبي عليه الصلاة والسلام القرآن من أوَّلِهِ إلى آخره لِأَوَّل مرَّة؟ قالوا: هذه بِشارة، وهي مُعْجِزة إنْ كانت اللام هنا نافِيَة، بِمَعْنى خبر.
وإنْ كانت اللام هنا ناهِيَة، فهذا تأديبٌ لنا عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام؛ أيْ لا تفْعل شيئاً تنْسى معه القرآن الكريم، لو أنَّك خالَفْتَهُ لَنَسَيْتَه.

 

النبي عليه الصلاة والسلام كان شُغْلُهُ الشاغِل الله فلِذلك لا ينْسى كلامه :

شيءٌ آخر في موضوع النِّسْيان، هناك قانون لو تتبَّعْنا موضوع النِّسْيان في عِلْم النفْس، الإنسان يتذَكَّرُ الشيء الذي يهْتَمّ به، هذه قاعِدَة، فلو أنَّ خطيباً أخذ رقم هاتِفِ خطيبَتِهِ، أنا أَجْزِمُ أنَّهُ يحْفظهُ أوَّلَ مرَّة، ولا ينْساه أبداً، التاجر الذي عليه دَيْن ذاكِرَتُهُ هي الدَّفْتر، فالشيء الذي تُحِبُّهُ وتهْتمّ له وتطْمحُ إليه لا تنْساه، ولو وعَدَك إنْسان بِوَظيفة عالِيَة وأعْطاك رقْم هاتِفِه فأغْلَبُ الظنّ أنَّكَ تحْفظهُ من دون كِتابة، وإنْ كنتَ مالِكاً لِمَحَلٍّ تِجاري تعرفُ ما تمْلكُ مِن بِضاعَةٍ مادَّةً مادَّة، تقول للغُلام: اِصْعَد للسقيفة على الرفِّ اليمين بَقِيَتْ لنا قِطْعَة فأَنْزِلْها، ما هذه الذاكرة؟! هذا تأكيد أنَّ الشيء الذي تُحِبُّه ويَعْنيك لا تنْساه، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان شُغْلُهُ الشاغِل الله، فلِذلك لا ينْسى كلامه، فإنْ كانت على سبيل النفي فهذه قانون وبُشْرى، ولا ينْسى إلا من كان غير مُهْتَمٍّ بِهذا الشيء، يُمْكن أن تسأل عن عُنوان شَخْصٍ وأنت لا تنْوي أن تُراسِلَهُ، فإذا بك تنْساهُ، فالنِّسْيان والتَذَكُّر موضوع ضَخْمٌ جداً يحْتاج إلى تَوَسُّع، ولكن مُلَخَّصُهُ أنَّ هناك علاقة عِلْمِيَّة بين التَذَكُّر وبين الاِهْتِمام، وقُلْ لي ماذا تذْكر أقل لك بِماذا أنت مُهْتَمّ؟ قال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

قال تعالى:

 

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

أيْ قد تنْسى، والمُفَسِّرون في هذه الآية لهم مذاهب شَتى، بعضهم يقول: الله سبحانه وتعالى لِحِكْمَةٍ بالِغَة قد يُنْسي نَبِيَّهُ شيئاً، وهذا يحْدث، قال عليه الصلاة والسلام:" اللهم إنِّي بشرٌ أنسى كما ينسى البشر" حينها يكون النِّسْيان من الله عز وجل، كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى ألْقى على المؤمنين أمَنَةً نُعاساً يغْشى طائِفَةً منهم، هذا النُّعاس الذي أصابَهُم هو رحْمَة بِهم، وكذلك قد ينْسى الإنسان شيئاً رحْمَةً به، والمؤمن يتَذَوَّقُ هذه الآية، قد ينْسى موْعِداً نِسْياناً قطْعِياً فلو ذهبَ إلى هذا المكان لَكَان شَرّ كبير، يُنْسيهِ الله هذا المَوْعد، ويَمْحوهُ من ذاكِرَتِهِ نِهائِياً، ولا إثْمَ عليه.

مشيئة الله ليس فوقها مشيئة ولا شيءَ يحُدُّها أو يُعَطِّلُها أو يمْنَعُها :

قال تعالى:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

أيْ إلا ما شاء الله أنْ يُنْسيك إياه فإنَّكَ تنْساهُ لأنَّك بشرٌ، المعْنى الثاني دقيقٌ جداً، أنَّ إرادة الله عز وجل ومشيئَتَهُ لا يُمْكن أنْ تُقَيَّد، هذا الموضوع يقودنا إلى موْضوعاتٍ أُخْرى؛ أحَدُهم سَمِع أنَّك إذا سافَرْتَ وتَصَدَّقْت فإنَّ الله سبحانه وتعالى يحْميك في هذا السفر، فأنت إذا تصَدَّقْتَ بِمِئَة لسرة قبل السفر فهل عَطَّلْتَ مشيئة الله عز وجل؟! لا يُمْكن أن يحْدُثَ شيء؟! لا، ما دُمْتَ معه فإن شاء الله لا يحْدثُ شيء، لكِنَّك إنْ دَفَعْتَ الصَدَقَة ونسيتَهُ وانْحَرَفْتَ في السفر، ولو دفعْتَ هذه الصدقَة، مشيئة الله مُطْلقة، قد يقول لك إنسانٌ أنا زكَّيْتُ عن مالي، وله طُمأنينة قاطِعَة أنَّ مالهُ لا يتْلَف، فإذا به يفاجئ أنَّهُ تلف! فأنت إن دفعت الزكاة وأيْقَنْتَ أنّ المال لن يُتْلَف، وأخذْتَ حُرِّيَتَكَ بأشْياء ثانِيَة؛ معْصِيَة، إنَّك لن تُقَيِّد مشيئة الله بِهذه الزكاة، لا، مع أنَّك زَكَّيْتَ تأتي المُصيبة، لا تُمنعُ المصيبة إلا إذا كنتَ معه، حينها يحْفظك ويحْميك، فإذا دَفَعْتَ جُزْءً من مالك، هل بِهذا المال تتعطَّلُ مشيئةُ الله عز وجل؟ لا، قال تعالى:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى*إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

لا شيء يعطل مشيئة الله
مشيئة الله ليس فوقها مشيئة، ولا شيءَ يحُدُّها أو يُعَطِّلُها أو يمْنَعُها، فهذه بِشارة؛ نُقْرئك فلا تنْسى أيْ إياك أن تنْسى، وسَنُقرئك فلا تنْسى أيْ أنَّك مُهْتَمّ وهذا قانون، فهذه الآية بِشارةٌ من الله أنّ حِفْظ القرآن علينا وليس عليك، وقانون لأنَّك مُحِبٌّ ومُهْتَمٌ ومُوَلَّهٌ بنا فلا تنْساه، ومُعْجِزة إلا ما شاء الله، أيْ إلا أن تكون مشيئة الله قد قرَّرَتْ أنَّ النِّسْيان ضروري، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني))

[رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى]

فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ينْسى فَمَن نحن؟ لكن نِسْيان النبي عليه الصلاة والسلام لِحِكْمَةٍ بالغة، وإذا كان المؤمن مُستقيماً على أمر الله يُنْسيهِ شيئاً يكون في ذلك الخير الكثير وقد يُنْسي أعْداءه كذلك، وفوق هذا وذاك النِّسْيان نِعْمة من نِعَمِ الله عز وجل، فَمن منا إلا وأخطأ مع إنسان خطأً إذا ذَكَرَهُ ذابَتْ نفْسهُ خجلاً، فَلَو أنَّ هذا الشُّعور يسْتمِرّ لانْقَلَبَتْ حياتنا جحيماً، لكن حِكْمة الله عز وجل أنَّ الإنسان ينْسى، فهذه المُشْكِلَة تنْساها بعد أسبوع، وتلك بعد أُسْبوعَيْن، وهذه بعد شهْر، فالنِّسْيان أكبر نِعَم الله عز وجل على بني البشر.

الشيءُ المُعْلَن معْلَنٌ أما الشيء المَخْفي فهذا هو الذي يعْرِفُهُ الله عز وجل :

ثمَّ قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

لا يعلم الغيب إلا الله
كما قلتُ لكم في درْسٍ سابق أنَّهُ تبارك وتعالى يعْلم السِرَّ وأخْفى، فالجَهْر من باب أخْفى، والآن في المطارات هناك قَوْس إذا مَرَرْتَ ضِمنه فإنَّهُ يتحَسَّس للمعادن كالسلاح وغيره، فهذا الشيء مَخْفي ويتحسَّسُ له هذا الجِهاز فَكَيْف إذا أظْهر هذا المعْدن ولم تُخْفِهِ، فهل يحتاجون إلى هذه الآلة؟! يأخذونك فَوْراً، فإذا كانت الأشياء المخْفِيَّةُ تُكْشَف فالأخرى المُعْلَنَة من باب أوْلى، فالشيءُ المُعْلَن معْلَنٌ أما الشيء المَخْفي فهذا هو الذي يعْرِفُهُ الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾

في الدرْس الماضي قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[سورة طه: 7 ]

ما خَفِيَ عن صاحِبِك، وقد يُخْفى عنك أنت فلا تعْلم ما سيكون، كما قال الإمام علِي كرَّمَ الله وجْهَهُ؛ علم ما كان وعلم ما يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هذا معنى أخْفى، وإنَّهُ يعلم الجهْر وما يخْفى، فالجَهْر معْروف، ولكن ما يخْفى عن الناس يعْلَمُهُ الله وما يخْفى عنك يعْلَمُه الله عز وجل، لأنَّهُ يعلم ما يخْفى فَمَشيئَتُه مطلقة.

الله عز وجل يحب أن نسْتَقِيم اسْتِقامَةً خالِصَةً من أجْله :

الاستقامة
مثلاً سمِعَ أحدهم بِمَجْلس العِلْم أنَّ الإنسان إذا اسْتقام على أمْر الله يُوَفِّقُهُ الله بِحَياته فاسْتقام لا حُباً بالله، إنما حُباً بِنَجاحِهِ في تِجارَتِهِ، يُلْغي كُلَّ المُحَرَّمات التي كان يرْتَكِبُها في تِجارَتِه وهو ينتظر التوفيق من الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت: 30 ]

جاء هذا الإنسان لِيُطَبِّقَ ما سمِعَ ففوجئ رغْم اسْتِقامته! ما السبب، تأتي هذه الآية:

﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

ربنا يعْلم سِرَّ هذا الإنسان، أنَّهُ اسْتَقام كَوَسيلَةٍ من وسائِل الرِّبْح، لا حُباً في الله، ولا بِما عنده، ولا بِتَجَلِّياته ونجاتِهِ من عذابه، ولأنَّ الله يعْلم السِرَّ وأخْفى عندئذٍ ربنا عز وجل يُؤَخِّر عنه التوفيق مُعالجَةً له، وكأنَّ الله عز وجل يقول: يا عبدي اسْتَقِم من أجْلي لا من أجل أن ترْبح، واسْتَقِم اسْتِقامَةً خالِصَةً من أجْلي، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

[ سورة الزمر: 11 ]

مخْلِصاً، فلما الإنسان يأتي بآية من كتاب الله وهي قانون؛ مثلاً قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 97 ]

فإذا كان قد طبَّقَها من غير إخْلاصٍ وحُباً في سلامته، وحُباً في حياةٍ في الدنيا كاملة ومُرَفَّهَة، فإن طُبِّقَتْ هذه الآية بِهذه النِيَّة فإنَّ هذه الآية لن تُطَبَّقَ على هذا المُطَبِّق لأنَّ مشيئة الله عز وجل لا تحُدُّها مشيئة.

البشارة الثانية التيسير :

َمَثلاً النائب في المجْلس النيابي له حصانة لكنّ الذي منَحَهُ الحصانة ينْزعها منه أحْياناً إن أساء اسْتِخْدامها، فهناك مشيئةٌ فوق مشيئته، فَمَشيئَةُ الذي منحَ الحصانة قد تُنْزَعُ منه، ثمَّ قال تعالى:

﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾

وهذه هي البشارة الثانية، التَّيْسير فاليُسْرى مُطْلَقَة، فالأصل أنَّ الله سبحانه وتعالى حينما خلق الدنيا وخلق البشر على هذه الأرض، وضَعَ لهم أهْدافاً، فالهَدَفُ من خلْقِهِم أن يتعرَّفوا عليه من طريق الكَوْن، بِبَساطة فِكْرِهِم، فإذا عَرَفوه استقاموا على أمْره، وإذا اسْتقاموا على أمْره أقْبلوا، فإذا أقْبلوا عليه شعروا بِلَذَّة القُرْب، فَعَمِلوا الأعْمال الصالحة لِيَزْداد إقْبالهم عليه، فإذا عملوا أعْمالاً صالحة أهَّلَتْهُم هذه الأعمال لِيَكونوا إلى الأبد في مقْعد صِدْقٍ عند مليكٍ مُقْتَدِر، فهذا هو التخْطيط الإلهي لِخَلْق الإنسان، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

إذا تطابقَتْ أهْداف العَبْد مع الهَدَف الذي خُلِقَ من أجْله تيَسَّرَتْ أُمورُهُ :

إذا تطابقَتْ أهْداف العَبْد مع الهَدَف الذي خُلِقَ من أجْله تيَسَّرَتْ أُمورُهُ، قال تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147]

هذا العذاب لا معْنى له، وقال تعالى:

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً﴾

وقال تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 96 ]

وقال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[سورة فصلت: 30 ]

وقال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة يونس: 62]

التيْسير في هذه الآية هو تيْسيرُ دَعْوة :

الأصل في الحياة أنَّ الإنسان إذا سار وِفْق الأُصول التي رَسَمَها الله عز وجل وباتِّجاه الهَدَف الذي رسمَهُ الله له، فإنَّ حياته تنْقلبُ يُسْراً لا عُسْراً، إلا أنَّه من شذَّ عن هذا الهدف وخرج عن هذا الطريق وأبْطأ في سُرْعَتِه فإنّ الله سبحانه وتعالى يتَّخِذُ من التَّعْسير عِلاجاً له، لأنَّ مُعْظَمَ الناس في هذه الحياة مُنْحَرِفون والله سبحانه وتعالى يَتَوَلى مُعالَجَتَهُم عن طريق أمْوالهم أو أولادهم أو نِسائِهم أو أنفسهم أو إتْلاف مالهم، فَيَبْدو للساذج أنَّ الحياة كلُّها نَصَب وتعب، ولا راحَةَ لأحد! وسبحان الله هل خلقنا الله للعذاب! كما يقول بعضهم، هبْ أنَّك الْتَقَيْتَ بِصَفٍّ مُتَخَلِّف عقْلِياً ووجدْتَ كُلَّ الطلاب مُضَيَّق عليهم، فتقول ما هذا التدريس؟! هذه حالة اسْتِثنائِيَّة خاصة بهذه الشُّعْبة، أما الأصل أنَّ الطالب كرامته وافرة وكذا راحته، ولذلك فمن السذاجة كما قلنا أنْ يظنّ الإنسان لما يعالج ربنا عز وجل بعض عباده بالتضْييق عليهم بالأموال والأولاد، وداخل ذلك يظنُّ أنَّ الحياة كلُّها عذاب! لا، الحياةُ كُلُّها يُسْرٌ لِمَن عرف الله عز وجل، فأوَّل شيء في هذه الآية أنَّ هذه بِشارة لسيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ألم يقُم صلى الله عليه وسلم وحْدَهُ داعِياً، فما مضى رُبعُ قرْنٍ حتى تغَيَّر وَجْهُ الدنيا، فهذا هو التيسير، وهذا هو العطاء الذي لا ينتهي، وهذا هو معنى قوله تعالى:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء:113]

رجلٌ واحد خِلال خمس وعشرين سنة يُبَدِّلُ وجْهَ الأرض ويُبَدِّلُ الشقاء سعادة، والقلق طمأنينةً، والفقر غِنىً، قال له: يا عَدِيّ لعلَّ الذي يمْنعك من الدُخولٍ في هذا الدين ما ترى من فقْرِهِم وحاجَتِهم! وأَيْمُ الله لَيُوشِكَنَّ المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلَّ الذي يمْنعُك من دُخولٍ في هذا الدين ما ترى من كثْرة عَدُوِّهِم! وأَيْمُ الله لَيُوشِكَنَّ أنْ تسْمع بالمرأة البابلِيَّة تَحُجُّ على بعيرِها لا تخاف، ولعلَّهُ إنما يمْنعُك من دُخولٍ في هذا الدِّين أنَّك ترى المُلْكَ والسُّلْطان في غيرهم، فوَ الذي نفْسُ محمَّدٍ بِيَدِه لَيوشِكَنَّ أنْ تسْمع بالقُصور البابِلِيَّة مُفَتَّحَةً للعرب، هذا كلُّه وَقَع! ونُيَسِّرُك لليُسْرى، طبْعاً التيْسير في هذه الآية هو تيْسيرُ دَعْوة، فالإسلام انتشر رغْمَ كُلِّ العقبات و الصُعوبات ورغم أنَّ زُعماء قُرَيْش وَقَفوا له كالطَّوْد الشامِخ فما اسْتطاعوا، وتآمروا عليه فما اسْتطاعوا، وحاربوه فما اسْتطاعوا، قال تعالى:

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال:30]

النبي عليه الصلاة والسلام كان التيْسير طبيعَةً من طبائِعِهِ :

قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾

[ سورة الطارق: 15-17 ]

فهذا أوَّلُ شيء أنَّهُ بشارة للنبي عليه الصلاة والسلام، فمادام يدْعو إلى ربِّه فإنَّ الله تعالى يتولى تيْسير أُموره في الدعْوة.
النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان التيْسير طبيعَةً من طبائِعِهِ، بعض الأحاديث الشريفة تُثبت ذلك، منها:عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا قَالَتْ:

(( مَا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَأْثَمْ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ وَاللَّهِ مَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ قَطُّ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا ]

وكان إذا خلا بِبَيْتِهِ فهو ألْيَنُ الناس ضحاكاً بساماً، وكانت الجارِيَة تأخذ بِيَد رسول الله فتنْطلق به حيث شاءتْ، وكان إذا دخل بيْته لفَّ ثوْبه حتى لا يُوقِظ أهْله، وكان إذا سجد اعْتلى ظهْره الحَسَن والحُسَين، فكان يُطيلُ السجود حتى لا يُزْعِجهما، وكان يقول لهما: نِعْم الجمَلُ جَمَلُكُما، ونِعْمَ الحِمْلُ حِمْلُكُما، وكذا في لِباسٍ فقد لبسَ العمامة والقلنْسوة والصوف والقطن والكتان والبُرد اليماني، والبُرد الأخضر، وجُبَّةً وقِباءً وقميصاً، وكان يلْبِسُ خُفاً أو نعْلاً ورِداءً وإزاراً وسراويل، وكان يلْبسُ ما تيسَّر له من اللِّباس، ولذلك قال علي رضي الله عنه: لا يكون الرجل قَيِّمَ أهْلِهِ حتى لا يُبالي أيَّ ثوْبَيْه لَبِس، إذا كنت يسيراً في المُعاملة تكْتسب هَيْبَةً في المُعاملة، وإذا كان هناك تشْديد على أُمور تافِهَة تُنْتَقَصُ من مكانتك، أما إذا غَضِبْتَ لِمَعْصِيَة ارْتُكِبَتْ في البيت فاغْضَبْ ولا حرج فهو غضَبٌ لله عز وجل.

طعام النبي صلى الله عليه وسلم :

أما في طعامه فهذا رجل قال: لي صديق كان من أعظم الناس في عَيْني، وكان رأسُ ما عَظَّمَهُ في عَيْني صِغَرُ الدنيا في عَيْنَيْه! فكان خارِجاً عن سلطان بطْنه، فلا يشْتهي ما لا يجد، ولا يُكْثر إذا وجد، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يردُّ موْجوداً في الطعام، ولا يتكلَّفُ مفْقوداً وما عاب طعاماً قطُّ في حياته، وكان يأكل الحلْوى والتمْر والرُّطب والعسل ونقيعُ التمْر، وبعضُ الفَسَقَة يشْربون النبيذ على أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام شرِبَ النبيذ، وقد كذبوا! طعام النبي
فالنبي عليه الصلاة والسلام ينْبُذُ بعض التمْرات في إناء الماء ويشْربُهُ صباحاً كَشَرابٍ حُلْوٍ؛ من المساء إلى الصباح تمْراتٍ يضعُها في إناء، هذا هو النبيذ الذي شربهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يأكل القثاء والخبز شعيراً أو غيره، والخبز بالخل فقط، وقد دُعِيَ إلى وليمة كانت بالخُبْز والخلّ! عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((نِعْمَ الْأُدُمُ أَوِ الْإِدَامُ الْخَلُّ ))

[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا ]

وقال عليه الصلاة والسلام: نِعْم الإدام الجوع، وعندها تأكل أيَّ شيءٍ وتراهُ طيِّباً، وكان يقول لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لأَجَبْتُ - رجلاً خروف فقط - وكان يأكل القديد، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَال:

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ: هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ]

وكان يأكل الدباء أي اليقْطين، وكان إذا لم يجد طعاماً بالبيت يقول: هل عندكم من شيء؟ يُقال له: لا، فيقول: إني صائِم! لا يردُّ موْجوداً في الطعام، ولا يتكلَّفُ مفْقوداً وما عاب طعاماً قطُّ في حياته، وكان ينام على السرير، وعلى الحصير، وعلى الفِراش، وينام على المِطاء - لوح خشب - دخل عليه عمر رضي الله عنه ورآهُ نائِماً على الحصير، وقد أثَّر الحصير على خَدِّهِ الشريف، فَبَكى عمر، فقال له: ما يُبْكيك يا عمر؟! فقال: رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملِكُ الفُرْس ينام على الحرير! فقال له: يا عمر، إنما هي نُبُوَّةٌ وليْسَت مُلْكاً، أما ترْضى أن تكون الدنيا لهم، والآخرة لنا.

النبي عليه الصلاة والسلام كان في أعْماله يُسْرٌ :

كان يقول عليه الصلاة والسلام: فيما ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الدين أساسه يُسْرٌ، لا تُشَدِّدوا على أنفسكم فَيُشَدَّدَ عليكم، قيل لبني إسرائيل: اذْبحوا بقرة! فقالوا: ما لونها؟ صفراءُ فاقعٌ لونها، وما هي؟ مِن سؤال إلى آخر حتى أصْبحت البقرة التي أُمِروا بِذَبْحِها منعدمة إلا عند واحدة، فَطَلَبَت ملأها ذَهباً، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

[ سورة المائدة:101]

وقال صلى الله عليه وسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

(( دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

هل ألبس هذه الكنزة الأجنبيَّة؟ وهل وهل؟؟ قال عليه الصلاة والسلام: إنَّ المنبتَّ لا أرض قطع، هذا الذي يُكلِّفُ ناقته فوق ما تسْتطيع لا أرض قطع، ولا ظهْراً أبقى، أصابها الإعْياء فَقَعَدَتْ فقَعَدَ معها! والآن سيارات، إذا كَلَّفْتها ما تُطيق تنقطع عن السَّيْر، لقد كان عليه الصلاة والسلام في أعْماله يُسْرٌ، وكان يقول:

((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

وكان يقول: كما عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحاً إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى))

[البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا]

وكان يقول عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

((حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ ))

[أحمد عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ]

أحدهم قرأ حديثاً ولُغَتُهُ ضعيفة فقال: المؤمن كيسُ قُطْنٍ، فقيل له: ما معنى كيسُ قطن؟ فقال: هَيِّنٌ ليِّنٌ! والحديث المؤمن كيِّس فَطِن حَذِر! وقال عليه الصلاة والسلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُؤْمِنُ مُؤْلَفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ ))

[أحمد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

هناك شخْصٌ فظّ غليظ، وإنَّ أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم الذي له حِقْدٌ بِقَلْبِه، والنبي عليه الصلاة والسلام الْتقى بِرَجُلٍ فقال له: ما اسمك. فقال: حَزْن، فقال له: بل أنت سهْل، وجارِيَة صغيرة قال لها: ما اسمك؟ فقالت: عاصِيَة، فقال لها: بل أنت جميلة، كان يُؤثر اليُسْر في الأمر كُلِّه، وإنَّ من المعْروف أنْ تلقى أخاك بِوَجْهٍ طلْقٍ.

معان متعددة للآية التالية :

قال تعالى:

﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾

هي بِشارة على أنَّ هذا الدين سوف ينتشر، وسوف تعْلو رايَتُهُ في الآفاق وسوف يصِلُ إلى الشرق والغرب، وسوْفَ تُفَتَّحُ لكم البلاد، فهذا هو المعنى الأول.
المعنى الثاني، فقد كان عليه الصلاة والسلام يؤثرُ اليُسْر في الأمر كُلِّه.
والمعنى الثالث، أنَّكَ إنْ أحْبَبْتَهُ، وأحْبَبْتَ النبي عليه الصلاة والسلام وصَلَّيْتَ عليه يُحْدِثُ في نفْسِك انْقِلابات لم تكن تعْرِفُها، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

لا بدّ من الإيمان الحقيقي لا الشكْلي :

الإنسان قبل معْرفته بالله عز وجل وصُحْبَتِهِ لِرَسول الله عليه الصلاة والسلام تكون نفسُهُ عبارة عن مجْموعة مُيول، تراهُ مُصِراً عليها، هذا الإصْرار على بعض الشهوات يزول وهذه الأغلال والشهوات التي تُقَيِّد صاحبها تزول بِمُجَرَّد أن تتوب إلى الله عز وجل وتعرف الله، تجد أنَّ تلك القوة التي كانت تمْنعك عن الامتناع عن الدخان قد زالت! كلُّ شيء لم تسْتطع ترْكه يُتْرَكُ بِسُهولة، أنا لا أستطيع غضَّ البصر، ولا أستطيع أن لا أغضب، اِسْتَقِم وسَتَرى! لكن لا بد من الإيمان الحقيقي لا الشكْلي، إذا اسْتَقَمْتَ اسْتِقامَةً حقيقيَّة وغَضَضْتَ بصرك وحَرَّرْتَ دخْلك وبررْتَ والديك وصَلَيْتَ وذَكَرْت، تجد أنَّ أخْلاقك تغيَّرَتْ تغَيُّراً جذْرِياً، وهذا ما تعْنيه هذه الآية:

﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157 ]

الصادق هو الذي يعرف هذا الكلام، تشْعُرُ وكأنَّ جبلاً أُزيحَ عنك، فالمؤمن خفيف الظل والمحْمل والهموم، فَهُمومه كُلُّها عند الله عز وجل، قال: من جعل الهُموم هماً واحِداً كفاهُ الله الهُموم كُلَّها، دَبِّرْ أن لا تُدَبِّر، إذا كنت معي فأنا في حمْل زادي في غِنى، ليس لي إلا أنت يا ربّ وسَتَرى، كُنْ كما أُريد ولا تُعْلِمْني بِما يُصْلِحُك، وأنت تريد وأنا أريد فإذا سَلَّمْتَ لي فيما أُريد كَفَيْتُكَ ما تريد، وإن لم تُسَلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُك فيما تريد، ثمَّ لا يكون إلا ما أريد، شَرْعُهُ يُسْرٌ.

المنْهِياتُ أخطر من المأمورات :

اسْمعوا هذه القِصَّة، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام أعْرابي يطْلب منه مسألةً فأعْطاه، وقال له: يا أعْرابي أأَحْسَنْتُ إليك؟ فقال: لا، ولا أجْملْت، فَغَضِبَ المسلمون غضَباً شديداً وقاموا إليه، فأشار إليهم عليه الصلاة والسلام أنْ كُفوا عنه ثمَّ دخل منْزله، وأرْسل للأعْرابي عطاءً زائِداً وقال له: يا أعْرابي أأحْسَنْتُ إليك؟ فقال: نعم، وجزاك الله من أهْل وعشيرةٍ خيراً - فَمَن بدا جفا، وليس معنى بدا سكن البادِيَة، ولكن من ابتعد عن مجالس العِلم، طبعاً يُصبح كلامه قاسياً، فإذا حضر مجالس العِلم أصْبح ليِّناً - فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّك قلتَ ما قلت به من ألَمٍ منك فلما كان الغد، جاء الأعْرابي فقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ هذا الأعْرابي قال ما قال، فَزِدْناهُ فَزَعَمَ ما زَعَم أنَّهُ رَضِيَ، أفَهكذا يا أعْرابي: فقال: نعم، جزاك الله من أهْل ومن عشيرةٍ خيراً - القِصَّة انتهتْ - اِلْتَفَتَ النبي عليه الصلاة والسلام إلى أصْحابِهِ لِيُعَلِّمَهُم فقال: إنَّ مثَلي ومثلُ هذا الأعْرابي كَمَثَلِ رجلٍ له ناقةٌ شَرِدَتْ عليه فَتَبِعَها الناس فلم يزيدوها إلا نُفوراً، فناداهم صاحبُ الناقة أنْ خَلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرْفُقُ بِها وأعْلم منكم بها، فَتَوَجَّهَ إليها صاحب الناقة بين يدَيْها، فأخذ لها من زِمامها فرَدَّها هوْناً هوناً حتى جاءت واسْتناخت وشدَّ عليها رحْلها، واسْتَوى عليها، وإني لو تَرَكْتُكم حيثُ قال الرجل ما قال فَقَتَلْتُموه دخل النار! هكذا كان يُعالِجُ أعْداءَهُ صلى الله عليه وسلم، وشَرْعُهُ صلى الله عليه وسلم يُسْرٌ في يُسْر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

لأنَّ المنْهِياتُ أخطر من المأمورات، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾

[ سورة القمر: 17 ]

وقال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

وقال تعالى:

﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾

[ سورة الحج: 78 ]

لو تتبَّعْنا أمور الشرْع لَوَجَدْنا أنَّ الشرْع كُلَّهُ يدور على الآية التالية :

الوُضوء في حال غِياب الماء، أو وُجود الأذى في الماء شُرِعَ التَيَمُّم والنبي صلى الله عليه وسلم تيَمَّمَ مرَّةً بِمَسْح اليَدَيْن إلى المِرْفَقَيْن، ومرَّةً بِمَسْح اليَدَيْن فقط، والصلاة قاعِداً تجوز، ومُضطَجِعاً تجوز، وبالإيماء تجوز، فهل هناك يُسْرٌ أكثر من هذا؟! المُهِمّ أن لا تنقطع عن الصلاة، وكذا في السفر شُرِعَ قصْرُ الصلاة في عَدَد ركعاتها، وقصْرُ الصلاة في الخوف نوعٌ آخر، فَقِبْلَةُ الخائِفِ هي جِهَةُ أمْنِهِ، وقِبْلَةُ المُسافر هي جِهَةُ دابَّتِهِ، والحائض لا تُصَلي تيْسيراً لها، والمريض والمُسافر لا يصومان، والحج من اسْتطاع إليه سبيلاً، والزكاةُ يُمكنُ أن تُقَدّم عَيْناً أو نقْداً حتى أنَّ الفُقَهاء قالوا: إذا تَزَوَّجَ الشابُ امْرأةً وكانت صغيرةً وخاف عليها أنْ يتْرُكها في البيت وحْدها له أنْ يُصَلي الأُسْبوع الأوَّل كُلَّهُ في البيت لا في المسْجد رأٍفَةً بها، وكذا الطلاق هو من التيْسير إذا اسْتحالَتْ الحياة الزَّوْجِيَّة، والخُلْعُ من التيْسير إذا كانت الكراهِيَّةُ شديدةً للمرأة أنْ تطلب الخلْع، فلو تتبَّعْنا أمور الشرْع لَوَجَدْنا أنَّ الشرْع كُلَّهُ يدور على قوله تعالى:

﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾

وفي الدرس القادم إن شاء الله نبْدأ بِقَوْله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى*سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى*وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى*الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى*ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018