بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 14 - بلدة لالا في البقاع - التحليل القرآني للحوادث .


2001-12-09

 الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين، فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، أصحاب الفضيلة، أيها الإخوة والأخوات أحييكم بتحية الإسلام سلام الله عليهم ورحمة منه وبركاته، باسم جمعية متخرجي مؤسسة الحريري وباسم المركز الإسلامي في لالا نرحب بكل الحضور نرحب بكم جميعاً أهلاً وسهلاً.
 أيها الإخوة والأخوات:
 الدكتور محمد راتب النابلسي من مواليد دمشق عمل في حقل التعليم الجامعي قرابة خمسة وعشرين عاماً وعمل في حقل الدعوة إلى الله قرابة خمسة وعشرين عاماً له مؤلفات منها: نظرات في الإسلام، تأملات في الإسلام، الله أكبر، الهجرة، الإسراء والمعراج، الشعراوي. وله دروس ومحاضرات تبثها الإذاعات العربية والمحطات الفضائية، وهو يعمل حالياً خطيباً لجامع النابلسي في دمشق، ومدرساً دينياً متنقلاً في مساجد دمشق، ويشرف على مجلة نهج الإسلام التي تصدرها الأوقاف السورية. وموضوع المحاضرة اليوم هو التحليل القرآني للحوادث، ويلقيها فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، نرحب بكم مجدداً ونرحب بفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ونترك له الكلام والسلام عليكم ورحمة الله.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام:
 بادىء ذي بدء أشكر لكم حضوركم الكريم وأشكر القائمين على هذا المركز الإسلامي دعوتهم الكريمة وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم، أيها الإخوة الذي يحدث في العالم لا يستطيع أحد أن ينكره لأنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا ورأى بعينه ما جرى في الحادي عشر من أيلول، فالحدث وقع ولكن الاختلاف في تفسيره، أوضح هذه الفكرة الخطيرة، إنك لو ركبت مركبتك وتألق الضوء الأحمر على اللوحة، إن فهمته تألقاً تزينياً فقد أحرقت المحرك، وإن فهمته تألقاً تحذيرياً وقفت وأضفت زيتاً إلى المحرك، في ضوء فهمك إما أن تنجو وإما أن تقع، فالحوادث لا يتفاوت الناس في تصديقها لقد وقعت وهناك ألف دليل ودليل عليها، ولكن الناس يتفاوتون في صحة التحليل، أنا حينما أفسر الأمور تفسيراً شركياً أرضياً أشعر بالقهر وأستخزي، ويدب اليأس إلى قلبي، أما حينما أفهم الأمور فهماً توحيدياً قرآنياً أشعر أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبني، وهو ينتظرني، عليّ أن أُقبل عليه وأن أصطلح معه، فالبطولة لا في تصديق الحدث ولكن في تحليله البطولة لا في تصديقه، لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يكذب ما حدث، ولكن البطولة في تحليله الصحيح، أية جهة في الكون تحليلها هو الحق المطلق، إنها الجهة الصانعة، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة فاطر: الآية 14 ]

 الخالق وحده من خلال قرآنه الكريم والنبي وحده من خلال سنته النبوية يفسران ما حدث، وقبل أن نتابع الحديث لا بد من وقفة، فالله سبحانه وتعالى حينما يذكر قصة قوم سلفوا ومضوا لا يمكن أن يكون هؤلاء القوم قد مضوا وليس هناك نموذج متكرر لهم، القرآن ليس كتاب تاريخ، إنما كتاب هداية وإرشاد، فإذا ذكر الله نموذجاً من الأقوام فهذا النموذج متكرر، ماذا في القرآن عن الأقوام السابقين، قال تعالى:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾

 

[ سورة النجم: الآية 50 ]

 دققوا في كلمة الأولى:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾

 

[ سورة النجم: الآية 50 ]

 أنت حينما تقول هذه دفعة أولى، معنى ذلك أنه هناك دفعة ثانية، وحينما تقرأ قوله تعالى:

 

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 33 ]

 معنى ذلك هناك جاهلية ثانية أمر وأدهى، هؤلاء القوم وصفهم الله عز وجل:

 

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

[ سورة الفجر: الآية 8 ]

 تفوق في كل الميادين:

 

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

[ سورة الفجر: الآية 8 ]

 بدليل أن الله جل جلاله ما أهلك قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا قوم عاد، حينما أهلكهم قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 15 ]

 آية تنفرد من بين آيات القرآن الكريم، ما معنى ذلك: معنى ذلك أن عاد الأولى ليس فوقها إلا الله، تفوقت في شتى الميادين، ومع هذا التفوق في شتى الميادين كبر وغطرسة واستعلاء لا يحتمل.
 قالوا من أشد منا قوة ؟ سياستهم الخارجية كسياستهم الداخلية، يعطون الأوامر، وعلى كل أن ينفذ، ومن لم يخضع فهو إرهابي، من أشد منا قوة ؟ تفوق عمراني لا يوصف قال تعالى:

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 قوة عسكرية لا تجابه. قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

 

[ سورة الشعراء: الآية 130 ]

 أدمغة الأرض عندهم، وكانوا مستبصرين، ماذا فعلوا ؟ قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾

 

[ سورة الفجر ]

 طغوا بآلاتهم العسكرية، وأفسدوا شعوب الأرض بأفلامهم الإباحية، قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

 

[ سورة الفجر ]

 وقال:

 

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

 

[ سورة الحشر: الآية 2 ]

 هذه آيات القرآن نتلوها كل يوم، هذه عاد الأولى وما حكمة أن الله سبحانه وتعالى وصف عاداً بأنها أولى، شيء بديهيٌ وشيء طبيعيٌ أن يكون هناك عادٌ الثانية.
 أيها الإخوة الكرام:
 يقول الله عز وجل عن هؤلاء الشاردين:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) ﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 هل يزول الجبل عن مكانه هل بإمكاننا أن نغير مكان جبل لبنان، قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 ومع ذلك قال تعالى:

 

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 47 ]

 والله أيها الإخوة لزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ماذا وعدنا ؟

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 بربكم كونوا واقعيين أين الاستخلاف ؟ هل نحن مستخلفون ؟ هناك مشكلة قال تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 الاستخلاف قانون وقال:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 الواقع وهذه حقيقة لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين، كيف نفسر ذلك الواقع لا استخلاف ولا تطمين ولا تمكين. قال تعالى أيضاً:

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 141 ]

 فكيف إذا كان لهم علينا ألف سبيل وسبيل ؟!! والوعد الآخر قوله عز وجل:

 

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾

 

[ سورة الروم: الآية 47 ]

 والوعد الآخر:

 

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 173 ]

 كيف نوفق بين وعود القرآن والله سبحانه وتعالى، ومن أصدق من الله حديثاً، ومن أوفى بعهده من الله، وبين الواقع المر الذي يعيشه المسلمون، والله الذي لا إله إلا هو لا أتصور أن في تاريخ المسلمين فترة فيها ضعف وتشتت كهذه الفترة، ووعود القرآن واضحة وضوح الشمس، والإله هو هو، إله الصحابة إلهنا، وربهم ربنا، وناصرهم ناصرنا، لا بد من التفسير، لك أن تأتي بألف تحليل وتحليل، إلا إذا كنت في بيت الله، التعليل القرآني لا بد من أن يطرح التعليل القرآني لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 45 ]

 أي إذا أعطيت التحليل الديني، إن أعطيت التحليل التوحيدي، إن أعطيت التحليل القرآني، لا يرضاه الناس، ولكن إذا حللت الأمور تحليلاً شركياً أرضياً، تحليلاً يشير إلى زيد أو عبيد، أو فلان أو علان رضيه الناس، المشكلة أن محور هذه المحاضرة هناك وعود في القرآن الكريم للمؤمنين تفوق حد الخيال، والواقع ليس كذلك، والحقيقة العظمى أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فكيف نجمع بين هذا وذاك ؟ أول تحليل قرآني لهذه المفارقة الحادة أن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي في الآية: فسوف يلقون غيا.
 أما الآن وقد لقي المسلمون ذلك الغي، أجمع علماء التفسير على أن إضاعة الصلاة لا يعني ترك الصلاة ولكن يعني تفريغها من مضمونها، وقد ورد في الحديث القدسي:

 

(( ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكفّ شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً والظلمة نوراً يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلأه بقربي وأستحفظه ملائكتي مثله عندي كمثل الفردوس لا يُمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

 الصلاة ميزان لاستقامتك، فمن وفّى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة عقل، وليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، الصلاة طهور لا تدع غلاً ولا حسداً ولا حقداً ولا احتيالاً ولا كبراً ولا غطرسة، الصلاة نور ترى الطريق صحيحاً أمامك، في الصلاة يُقذف في قلبك النور، الصلاة قرب قال تعالى:

 

 

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ﴾

 

[ سورة العلق: الآية 19 ]

 الصلاة ذكر قال تعالى:

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ﴾

 

[ سورة طه: الآية 14 ]

 بل إن ذكر الله أكبر ما في الصلاة:

 

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 45 ]

 أي أكبر ما فيها، قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 ضيعوا جوهرها:

 

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا.))

 

[ ابن ماجة ]

 وقال:

 

(( ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخَلِّط ))

 أي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، فأحد أسباب عدم تحقق وعود الله عز وجل أنه:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 أيها الإخوة الكرام:
 أما على قوله تعالى:

 

﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 والقلب السليم في أدق تعاريفه هو القلب الذي سلِم من شهوة لا ترضي الله، وسلِم من تطبيق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلِم من تحكيم غير شرع الله، وسلِم من عبادة غير الله:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

[ سورة الشعراء ]

 فالتحليل الأول لما يجري في العالم الإسلامي أنه:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59 ]

 المعنى المخالف في علم الأصول أن نحكم اتصالنا بالله عز وجل وأن نترك كل حل لا يرضي الله عز وجل، هذا هو الحل الأوحد، أن نُحكم الاتصال بالله، وأن ندع كل شهوة لا ترضي الله، عندئذ نستحق وعد الله، هذا تحليل أيها الإخوة، التحليل الثاني قال تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 أي دين وعدهم أن يمكِّنه لهم ؟ هذا الدين مقيد بصفة قال:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 ليس أي دين يُمكَّن في الأرض، هناك دين أساسه المظاهر، هناك دين قوامه العادات والتقاليد ولو أنها تُصادم نصوصه، هناك دين أساسه النِفاق، هناك دين أساسه الكِبر والاستعلاء، هناك دين أساسه الدنيا، هناك دين أساسه التعصب الأعمى، هذه النماذج من الدين لا تُمكَّن في الأرض أبداً، لا يُمكَّن إلا الدين الذي يرتضيه الله، والاستنباط القطعي إن لم يُمكَّن دينك فمعنى ذلك أن الله لم يرتضيه أبداً، الحل ؟ تمسك بدين يرتضيه الله، دين الاستقامة، دين الإخلاص، دين العمل الصالح، دين الإنابة إلى الله، دين التواضع لا دين الكِبر، دين الإخلاص لا دين النفاق، دين العمل لا دين الكلام، لو ألغينا من الدين العمل الصالح والاستقامة والتزكية لأصبح الدين ظاهرة صوتية، قد تأتي بمسجلة تضع فيها شريطاً هذا الشريط يملأ الدنيا صياحاً، أطفئ المسجلة انتهى كل شيء، لو تخيلنا ديناً من دون تزكية، من دون استقامة، من دون عمل لما زاد عن أن يكون ظاهرة صوتية، أو دين فلكلور لذلك يقال الآن: فلان له اتجاه إسلامي، أو له أرضية إسلامية، أو له خلفية إسلامية، أو له نزعة إسلامية، أو له اهتمامات إسلامية، أو له عواطف إسلامية لكنه ليس مسلماً، هذا محسوب على الله وليس من أولياء الله الصالحين قال تعالى:

 

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾

 

[ سورة يونس ]

 أيها الإخوة الكرام:
 إذاً الحل الأول: أن نُحكِم اتصالنا بالله، وأن ندع كل شهوة لا ترضي الله، فلعل الله سبحانه وتعالى يحقق وعوده لنا، والحل الثاني أن يكون ديننا دين يرتضيه الله لنا، دين التعاون، لا دين التنافس، إذا دعوت إلى الله بإخلاص شديد لك صفات، وإن دعوت إلى ذاتك دعوة مغلفة بدعوة إلى الله لك صفات، فمن دعا إلى ذاته بدعوة مغلفة بدعوة إلى الله ما صفاته ؟ الابتداع، يبتدع كي يقول: ليس غيري أحد، أنا الأوحد، من دعا إلى ذاته دعوة مغلفة بدعوة إلى الله من خصائص هذه الدعوة الابتداع، وسيدنا الصِّديق أعلى مؤمن على وجه الأرض، ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، قال:
 إنما أنا متَّبِع ولست بمبتدع.
 فإن دعوت إلى الله بإخلاص تتَّبع، وإن دعوت إلى الله ودعوتك في الحقيقة دعوة إلى ذاتك تبتدع، والخصلة الثانية في المخلص التعاون، والخصلة في عدم المخلص التنافس، الخصلة الثالثة في المخلص أن يعترف بما عند الآخرين من فضل، والخصلة الثالثة في عدم المخلص أنه ينكر لكل ذي فضل فضله، فإذا أخلصنا وكان الدين الذي نعتنقه دين إخلاص لا دين رياء، دين استقامة لا دين رخص، المشكلة ما من معصية على الإطلاق الآن إلا ولها فتوى تغطيها، إن أردت الفتوى القضية سهلة جداً، فالناس يأخذون دينهم عن الفضائيات، وفيها فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان.
 أيها الإخوة الكرام:
 لا بد من أن يكون الدين الذي أنت عليه يرتضيه الله حتى تستحق نصر الله، أرأيت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق، هو سيد ولد آدم، هو أعلى إنسان في وجه الأرض، قال تعالى:

 

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

 

[ سورة الحجر: الآية 72 ]

 ما أقسم الله في القرآن كله بعمر إنسان إلا بعمر النبي، قال:

 

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

 

[ سورة الحجر: الآية 72 ]

 وما خاطبه باسمه أبداً، قال يا أيها النبي، يا أيها الرسول، هذا الإنسان الذي هو سيد الخلق وحبيب الحق مع ذلك قال:

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159 ]

 إذاً أيها الإخوة:
 الحل الثاني المستنبط من قوله تعالى:

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55 ]

 الحل الثاني ينبغي أن تبحث عن دين يرتضيه الله، إنه دين الاستقامة لا دين الرُخص، إنه دين الالتزام لا دين التفلت، إنه دين الإخلاص لا دين الرياء، إنه دين الاتصال بالله لا دين الانقطاع عن الله، هذا الدين الذي إذا اعتنقناه مكَّنه الله لنا هو الدين الذي يرضاه الله، ما أنا عليه.
 وأصحابه: يا رسول الله مثّل بهم، قال:

((لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً.))

 قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47)﴾

 

[ سورة الحاقة ]

 دين استقامة، جاء أحد الصحابة إلى النبي مهاجراً وقد اعترضه المشركون، فقال لهم: عهداً علي إن أطلقتموني لن أحاربكم، فأطلقوه، ذكر هذا للنبي فرح به النبي الكريم، لكن بعد سنوات كان هناك غزوة فانخرط فيها من شدة رغبته في الجهاد، قال له النبي: ارجع ألم تعاهدهم.
 هذا هو الدين، دين عهد:
 أرسل النبي عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر ليُقيِّم تمرهم تنفيذاً لاتفاق سابق، أغروه بحلي نسائهم كي يُخفِّض التقييم، فقال: والله جئتكم من عند أحبِّ الخَلق إلي، ولأنتم عندي أبغض من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض وبهذا غلبتمونا.
 هذا الدين لا ينتصر إلا بإحقاق الحق، لأن الله سبحانه وتعالى ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة، الدنيا تستقيم بالكفر والعدل ـ الدنيا وليس الآخرة ـ ولا تستقيم بالإيمان والظلم، فما دام المسلمون يظلم بعضهم بعضاً، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾

 

[ سورة ص: الآية 24 ]

 استنبط الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن الذي يبغي على خليطه ليس مؤمناً، مشكلتنا نحن المسلمين فيما بيننا، هناك اغتصاب حقوق، هناك كذب، وغش، واحتيال، هناك تدليس، هناك قضايا كيدية، دعك من الطبقة الأولى، دعك من أعداء المسلمين، دعك من قوى البغي والعدوان، انظر إلى العلاقات بين المسلمين، انظر إلى بنيتهم التحتية، بنية فاسدة، ليس فيها عدل أبداً ولا إنصاف ولا تراحم، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة أهل الدنيا، قال:

 

(( إن الله اختارني واختار لي أصحابي ))

 ومع ذلك في أُحد لم ينصرهم، لأنهم خالفوا أمر قائدهم، من خطأ واحد انتخبه نخبة أهل الأرض مع سيد الخلق لم ينتصروا، فكيف ونحن عندنا مليون خطأ وخطأ ! في بيوتنا، في متاجرنا، في أفراحنا، في أتراحنا، في سفرنا، في إقامتنا، في تربية أولادنا، في علاقاتنا، كيف ؟!!
 هذا الذي يطمع بنصر الله من دون أن يدفع الثمن إنسان ساذج ومحدود التفكير، نصر الله لا ينزل إلا على من يستحقه.
أيها الإخوة الكرام:
 العبرة أن نُحسن التفسير، قال تعالى:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11 ]

 عنوان المحاضرة هو التحليل القرآني لما يعاني منه المسلمون.
 التحليل الثالث:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11 ]

 نحن كمسلمين، أو أنا كمسلم، أو أنت كمسلم، لك حيز تملكه، وأنت محاط بحيز لا تملكه، ماذا تملك أنت في الواقع ؟ في الواقع العملي تملك بيتك، أنت في البيت سيد، وكلمتك هي النافذة، وتملك عملك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، الحال عند المسلمين اليوم أنهم قصروا فيما كلِّفوا به، وتطلعوا لما لم يكلفوا به، أنت في دائرة تملكها، أنت مقصِّر، وأنت في دائرة لا تملكها، هذه الدائرة لا تكون كما تريد لأنك أنت لست كما يريد الله عز وجل:

 

(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تُعلِمني بما يُصلحك، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد))

 أيها الإخوة الكرام:
 الحل الثالث:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11 ]

 هذه الآية يحلو لي أحياناً أن أفسرها باللغة الدارجة، أي إذا كنت في بحبوحة لا تُغيِّر فلن يُغيِّر، وإذا كنت في ضائقة غيِّر لكي يُغيِّر، أو ملخص الملخص ؛ إذا كنت مرتاحاً وفي سعادة وفي بحبوحة لا تغير طاعتك لله ولا تغير تواضعك لله، الأمور نحو الأحسن، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 51 ]

 وليس علينا بل لنا، هذه فيها إشارة، فأنت لا تغيِّر والله لا يُغيِّر، ما كان الله ليغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
 لنفرض أنك الآن في مشكلة، مشكلة مالية أو اجتماعية أو نفسية غيِّر لكي يغيِّر، الله عز وجل قال:

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

[ سورة محمد: الآية 19 ]

 هو الواحد، المُسيِّر، المُعلي، الخافض، الرافع، المعز، المذل، المعطي، المانع، القابض، الباسط، هو الإله الوحيد، فإن غيَّرت يغيِّر، وإن لم تغيِّر فلن يغيِّر.
 أيها الإخوة الكرام:
 آخر حل، الحلول كثيرة أساساً لكن آخر حل قال تعالى:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46 ]

 إله عظيم يقول مكر هؤلاء تزول منه الجبال ومع ذلك ـ دقق الآن ـ يقول:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 التغى كيدهم، هذه الترسانة العالية التغت، الكيد الصهيوني انتهى:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 والله زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق هذه الآية، لو صبرنا على طاعته، وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره، واتّقينا أن نعصيه فقط، الله عز وجل متكفل أن يقلب موازين القوى كلها:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120 ]

 فيا أيها الإخوة:
 هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

[ سورة طه: الآية 123 ]

 وقال:

 

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 38 ]

 اجمع الآيتين ؛ من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ماذا يبقى من سعادة الدنيا ؟

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 

[ سورة الجاثية: الآية 21 ]

 والله الذي لا إله إلا هو أن يستوي عند الله الصالح والطالح، المحسن والمسيء، الصادق والكاذب، الأمين والخائن، المنضبط والمتفلت، أن يستوي هؤلاء مع هؤلاء هذا الاستواء لا يتناقض مع عدالة الله فحسب بل يتناقض مع وجوده، إما أن تؤمن أن لهذا الكون إلهاً عادلاً، أو أن تؤمن بالعبثية، قال تعالى:

 

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) ﴾

 

[ سورة المؤمنون ]

 وقال:

 

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) ﴾

 

[ سورة القيامة ]

 بلى.
 أيها الإخوة الكرام:
 العِبرة ألا نُهزم من الداخل، قد نخسر معركة وهذا امتحان صعب، قد تأتي الأخبار على خلاف ما نتمنى، وقد يُحبط ضعاف المؤمنين، ولكن لله عز وجل في خلقه امتحانين صعبين؛ أحد هذين الامتحانين أنه يقوي الكافر ويقويه و يقويه حتى يفعل ما يريد، وحتى تكون كلمته عليها في زعم ضعاف المؤمنين، وحتى يؤلَّه من دون الله، وحتى يظن أنه يفعل ما يريد، حتى يقول ضعاف المؤمنين أين الله ؟ ثم يُظهر آياته حتى يقول الكافر لا إله إلا الله، نحن في الامتحان الأول، امتحان صعب جداً، والإنسان دورة الحق والباطل أطول من عمر الإنسان بدليل قوله تعالى:

 

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾

 

[ سورة يونس: الآية 46 ]

 سيد الخلق قد لا يُكحل عينيه برؤية وعيد الله بهؤلاء الظالمين، لكن الله عز وجل يقول:

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 71 ]

 ما علاقة الآية بهذا الموضوع:

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 71 ]

 لأن أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا عدا اسم العدل، هذا الاسم لا يُحقَق تحقيقاً كاملاً إلا في الآخرة، قد يعاقب الله بعض المسيئين ردعاً للباقين، وقد يكافئ بعض المحسنين تشجيعاً للباقين، ولكن الحساب التام، لكن رصيد الحساب لا يكون إلا في الآخرة قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 185 ]

 لماذا كتب الله على كل مؤمن أن يرد النار ؟ قال العلماء: ورود النار شيء ودخولها شيء آخر، الذي يرد النار لا يتأثر ولا بوهجها، لكن ليرى مصير الطغاة في الأرض، ليتحقق عنده اسم العدل، أو ليرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً كي تتضاعف سعادته في الجنة قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

 

[ سورة مريم: الآية 71 ]

 المؤمن يرد النار قبل أن يدخل الجنة ليرى مكانه فيها لو لم يكن مؤمناً كي تتضاعف سعادته، وليرى مصير الطغاة في الأرض، إنه كان لي قرين كان متفلت، ومتغطرس قال:

 

﴿فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)﴾

 

[ سورة الصافات: الآية 55 ]

 من أجل أن يُحقق وعيد الله وعدله المطلق كان ورود النار للمؤمن يوم القيامة، ولا يتأثر ولا بوهجها، ولكنه يسعد أنه نجا منها، والبطولة الكبيرة أنه زحزح عن النار، كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، البطولة كما قال الله عز وجل:

 

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 185 ]

 والحمد لله رب العالمين
 نشكر فضيلة الدكتور على هذه المحاضرة النيّرة وعلى هذا التحليل، أما الآن نترك المجال للأسئلة.
 طبعاً الأسئلة أتمنى أن تكون ضمن المحاضرة ومكتوبة.
 الحقيقة يقول الأخ السائل أن هذه المحاضرة تجعلنا نشكك ببعض المسلمين الذين يتصدون للعدو، إذا كان العدو أراد الله له ألا ينتصر، من نحن ؟ قلت لكم: في معركة حنين لم ننتصر لماذا ؟ قال: لن نُغلب من قلة، هناك اعتداد، من قال هذا ؟ أصحاب النبي، ومع ذلك أدَّبهم الله، في أُحد عصوا أمر قائدهم، لو أنهم انتصروا على معصية لسقطت الطاعة، لو أنهم انتصروا على شِركهم لسقط التوحيد، فنحن لا نتألى على الله، أول موقف إسلامي راقي.
 دخل النبي على أحد أصحابه الذين توفاهم الله، سمع امرأة تقول: هنيئاً لك أبا السائد فقد أكرمك الله قال لها: وما أدراك أن الله أكرمه ؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه.
 هل نحن نعلم كعلم الله ؟ أبداً، والله ندعو من أعماق أعماق أعماق قلوبنا أن ينصر الله المؤمنين في كل مكان ونتألم والله أشد الألم، بل نتمزق حينما لا تأتي الأمور كما نتمنى ومع ذلك الله عز وجل أرحم بهم منا، الله عز وجل أحكم من حكمتنا، وهو العدل، فنحن ندعو لهم، ولكن دائماً هناك مصائب قصم، مصائب ردع، مصائب دفع، ومصائب رفع، ومصائب كشف، الأنبياء ابتلاهم الله عز وجل، قال الرسول الكريم:

 

(( بَاب أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ))

 فأنا كمؤمن أحسن الظن بإخواني وأُسيء الظن بنفسي فقط، هذا الموقف الإسلامي الكامل، أما أن أسيء الظن بإخواني هذا لا أقبله، أما أنا أعرف قضايا عامة.
 س ـ فضيلة الشيخ الدكتور نشكر لكم حضوركم في هذا اليوم الرمضاني الكريم وأنا أود أن أسأل سؤالاً:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) ﴾

 

[ سورة المزمل: الآية 20 ]

 في أي الحالات يستفيد الإنسان من مغفرة الله ورحمته ؟
 ج ـ بارك الله بكم، والله سؤال وجيه، أعتقد في ثمان آيات قال تعالى:

 

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

 

[ سورة النحل: الآية 119 ]

(( لو جئتني عبدي بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي))

 الصلحة بلمحة، إذا رجع العبد إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، لكن بشرط التوبة:

 

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾

 

[ سورة النحل: الآية 119 ]

 لو فتحنا المعجم المفهرس على قوله من بعدها لوجدنا ثمان آيات حصراً المغفرة مشروطة بالتوبة، والإيمان والعمل الصالح.
 الحقيقة يقول صاحب هذا السؤال جزاه الله خيراً: نرى في هذه الآية حرية الإنسان في تقرير مصيره، فكيف نوفق بين التخيير في هذه الآية وبين الآية أن حكم الله على الإنسان مبرم قبل خلقه ؟
 والله أيها الإخوة ما من عقيدة تشل الإنسان وتقعده وتجعل المسلمين في مؤخرة الصف كعقيدة الجبر، هل يُعقل أن الله يجبرنا على معصيته قبل أن نولد ؟ ما معنى الأمر والنهي ؟ أنا حين أُنشأ جدارين على عرض كتف إنسان فإذا سار بينهما لامس الجدار الأول كتفه اليمنى، ولامس الجدار الثاني كتفه اليسار، هل معنى أن أقول له: خذ اليمين، أي يمين ! العلماء قالوا: لمجرد الأمر والنهي أنت مخير:

 

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 29 ]

 وقال:

 

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

 

[ سورة الإنسان: الآية 3 ]

 وقال:

 

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 148 ]

 وقال:

 

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 148 ]

 هذه الآية أصل في نفي الجبر، الإنسان مخير، أما أن يُكتَب عليه عمله مصيره قبل أن يولد وانتهى كل شيء، لِمَ العمل إذاً ؟ ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء.
 سيدنا عمر، جيء بسارق أو بشارب خمر فقال أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدَّر علي ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يُخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 أنت مخير، لمجرد أن يكون الإنسان مسيراً في كل شيء، لا وعد ولا وعيد، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا تكليف ولا أمانة، وكل العملية تمثيلية سمجة في الصيف.
 قال أحدهم لسيدنا علي: أكان مسيرنا إلى الشام بقدر من الله، هل نحن مسيَّرين ؟ قال له: ويحك، لو كان قضاءً لازماً وقدراً حاتماً إذاً لبطل الوعد والوعيد، ولانتفى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً وكلّف يسيراً، ولم يُكلِّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مُكرهاً.
 يقول الإمام الحسن: لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة.
 لمجرد أن تعتقد أنك مسيَّر في كل شيء، كؤوس معدودة بأماكن محدودة، كل شيء مُقدَّر علينا، نحن لا عمل لنا أبداً، انتهى الإسلام، انتهى الدين، انتهت هذه الأمة، والله ما من عقيدة شلّت هذه الأمة إلا هذه العقيدة، جبر، كل شيء مكتوب مسبقاً، لا تفكر، لا تعترض، هذا قضاء الله وقدره.
 س ـ في الواقع سمعت حديثاً من أحد المصلين وليس عالماً، يقول أن في أيام الصحابة التقى بشخص قتل مئة شخص ثم أراد أن يُعلن إسلامه فدله شخص ما على أن يذهب لغير هذه المدينة التي هو فيها، فبينما هو في طريقه إلى مدينة أخرى توفاه الله في الطريق، فقاسوا الطريق فوجدوا أن اتجاهه نحو مدينة الإسلام أكثر قليلاً من اتجاهه نحو مدينة الكفر، فاختلف عليه الصحابة فعلموا أنه من أهل الجنة، ما صحة هذه المقولة ؟ هذه الأقوال تسيء إلى الإسلام والمسلمين.
 ج ـ الحقيقة هذا الحديث ليس في قومنا بل في الأقوام السابقين، الحديث مفاده: أن الإنسان قتل تسعة وتسعين إنساناً، وسأل راهباً: ألي توبة ؟ فقال له: لا، فأكمل به المئة ـ التسعة والتسعين غلط باعتقاده يريد مئة ـ سأل راهباً آخر فقال له: لك توبة ولكن دع هذه الأرض، دع أرض الكفر والمعصية. أما الحديث مغزاه فهو أنه مهما كان الذنب كبيراً له توبة، بشرط أن تدع البيئة التي ارتكبت بها الذنب، معنى الحديث دقيق جداً، قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 119 ]

 كن في بيئة نظيفة، كن في بيئة إسلامية، كن مع المؤمنين، هذا الحديث مغزاه: لن تستطيع التوبة إلا إذا ابتعدت عن أسباب المعصية، وهذه مشكلة، فالتوبة النصوح تُدخل الجنة، هكذا وعدنا الله:
 إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه، والله عز وجل خلقنا لنتوب، والله يريد أن يتوب عليكم، فإن كان هناك توبة نصوحاً أبداً، لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي:

 

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 53 ]

 لكن العِبرة أن نغير البيئة، ترى شخصاً جالساً مع رفاق السوء، مع أفلام إباحية، مع سهرات غير إسلامية، مع قرناء السوء، مع بيئة فيها فسق وفجور، لا يمكن لهذا الشخص أن يتوب، إلا إذا ترك هؤلاء قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 119 ]

 فالحديث مغزاه: لو أتيت الله بأكبر ذنب يغفره لك بشرط أن تدع أسباب المعصية، أن تدع هؤلاء المنحرفين.
 أحدهم يسأل عن موضوع الفتاوى عن الفضائيات، حينما تباح كل معصية، الربا القرآني، ربا القروض مباح في مصر، من أعلى هيئة دينية أليس كذلك ؟ ربا القرآن ربا القروض، إذا كان هذا مباحاً أين هو الحرام ؟ فالفتاوى لها حديث واحد، لو أنك التقيت برسول الله عليه الصلاة والسلام وانتزعت من فمه الشريف فتوى لصالحك ولم تكن على حق لا تنجو من عذاب الله والدليل:

 

((َ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فلا يَأْخُذْهَا.))

 

[ مسلم، البخاري، النسائي، أبي داود، ابن ماجة، أحمد، مالك ]

 ما قيمة هذه الفتاوى كلها ؟ أفتي بالغناء والرقص والتمثيل والربا، لم يعد هناك شيء، أية معصية لها فتوى، فلما الإسلام يكون مكعباً حديدياً واضح المعالم وصلباً، تُزال نتوءاته فأصبح كرة حديدية ثم كرة مطاطية، ثم كرة لزجة، ثم سائل، ثم غاز، الآن غاز، الإسلام ليس له وجود، فقط بالفلكلور، هلال، زخرفة إسلامية، بيت إسلامي، فلكلور إسلامي، رسم إسلامي، فقط، السلوك كله غربي، لذلك المشكلة أن هذا الدين منهج كامل عندما اخترنا منه فقط العبادات الشعائرية وأهملنا التعاملية انتهى كل شيء والدليل:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصلاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.))

 

[ أحمد، مسلم، الترمذي ]

 فالقضية التزام بالعبادة التعاملية قال تعالى:

 

﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 31 ]

 علمه أسماءه الحسنى، لأن معرفة أسمائه الحسنى أكبر جزء في العقيدة، الأرجح أنه علمه أسماءه الحسنى.
 س ـ هل هناك وقت محدد لزوال إسرائيل من فلسطين ؟
 ج ـ والله لا نعلم، الله وحده يعلم، لكن هناك آية مبشرة:

 

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 12 ]

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 36 ]

 س ـ تفضلتم بالقول إن على الإنسان أن يلتزم بتعاليم الإسلام والقرآن داخل بيته، ألا يجب على هذا الإنسان أن يتعلم ويُعلِّم دينه فأين ذلك خصوصاً ؟
 ج ـ الحقيقة:

 

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.))

 

[ ابن ماجة ]

 مثل دقيق جداً، مظلي في طائرة هبط من الطائرة، قد يجهل شكل المظلة، بيضوي، دائري، مربع، مستطيل، قد يجهل عدد الحبال، كم حبل ؟ قد يجهل نوع الخيوط صناعي أم طبيعي ؟ قد يجهل ألوان الحبال ؟ هذه الأشياء تجهلها وتنزل سالماً إلا حقيقة واحدة إذا جهلتها نزلت ميتاً، طريقة فتح المظلة، هذه حقيقة يجب أن تُعلم بالضرورة، وهناك جزء بالعلم الشرعي لا يُعفى منه إنسان، لا طبيب ولا مهندس ولا محامي ولا رجل أعمال، هذا العلم الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة أركان الإسلام وأركان الإيمان، والأحكام الفقهية المتعلقة بحرفتك وببيتك بعض أحكام الفقه التي أنت معني بها، وأركان الإيمان وأركان الإسلام هذا يعلم ينبغي أن يُعلم بالضرورة، هذا علم فرض عين على كل مسلم، والله مسائل التعليم متاحة في كل مكان هناك تعليم، في المساجد، في الجامعات سيطلب العلم.
 س ـ أشرتم في محاضرتكم إلى أن أسباب النصر مرهونة بعودة المسلم إلى الله هل هذا المقصود من قوله تعالى:

 

﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾

 

[ سورة الأنبياء: الآية 105 ]

 ج ـ طبعاً صلاح الإنسان، صلاح عقيدته، وصلاح سلوكه، إذا كنا نعتقد نحن آلاف العقائد المناقضة للوحيين كيف ؟ إذا كان سلوكنا اليومي بمئة مليون حالة خلاف الوحي في الكتاب والسنة، فلا بد من صلاح العقيدة وصلاح السنة.
 س ـ قال النبي:

 

(( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ.))

 

[ البخاري، مسلم، أحمد، الدارمي ]

 السؤال: أين هذه الفئة ؟
 ج ـ ابحث عنها وهي موجودة لأن الله عز وجل حجته قائمة دائماً وأبداً، وكل إنسان صادق في طلب الحقيقة لا بد من أن يهديه الله إليها والدليل:

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018