بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 22 - أزهر البقاع - قواعد الدعوة إلى الله .


2002-09-08

 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
 فالجند مهمتهم في كل دولة الدفاع عن الحدود لذلك من شأن الجندي أن يبقى مرابطاً على الثغر وتعجب في الدول المتقدمة أن ترى جندياً حيث يوجد ما يعرف بالعامة أو بالمدنيين لأن الخطر من جندي مثله لا من مدني يقيم فوق التراب، والعامل من شأنه أن يدافع عن الإسلام ولكن أين حدود الإسلام ؟ حدود الإسلام شرع الله وشرع الله لا تراب له يحده إنما حدوده أبعاد الشريعة الإسلامية لذلك للأنظمة جندها وللإسلام دعاته والجند في آخر الشهر لهم راتب ولهم رتبة وإذا بلغوا سناً يُسرَّحون بينما حراس الشريعة حتى آخر رمق في حياته.
 هو جندي ليس يافع فقط وإنه ليس من مهمة الجندي أن يفتح الحدود ولكن من مهمة الداعية أن يزيل الحدود، فرق كبير بين جندي يدفع عن الدخول وجندي يدعو الآخرين إلى الدخول.
 اليوم نحن أمام علم من أعلام الدعوة آتاه الله حسن الخطاب وآتاه الله مقدرة تبسيط المعاني إنه الدكتور الشيخ محمد راتب النابلسي وعلى بركة الله.
 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
 أيها الإخوة الأحباب:
 أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة وأشكر لكم هذا الاهتمام وأقدم جزيل شكري لسماحة الشيخ الجليل الشيخ خليل جزاه الله خيراً فأعماله بادية للجميع ولا أستطيع أن أغطي هذا الجهد الكبير الذي أراه بعيني إلا مقولة رائعة: هي إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.
 ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة فصلت: الآية 33]

 أي ليس في بني البشر من هو أفضل عند الله ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً.
 ويا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس وخير لك من حمر النعم وخير لك من الدنيا وما فيها.
 هذا كلام سيد الخلق وحبيب الحق ولا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

 

[ سورة طه: الآية 41]

 الدعوة إلى الله وهذا رأيي الشخصي ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أخطر عمل على الإطلاق لأنه يقترب من صنعة الأنبياء وبين أن يكون عملاً مبتذلاً لا قيمة له كالدعوة إلى الله إن اتخذت حرفةً، إن اتخذت سبيلاً للرزق فهي شيء صغير صغير، ألم يقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين.
 الدين في السماء دعه في السماء دعه في الصفاء دعه في الطهر دعه في النزاهة إن أردت الدنيا فاسلك سبلها أما إذا أردت مرضات الله عز وجل فكن داعيةً صادقاً وفي القرآن الكريم ملامح رائعة:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 30]

 لم يقبل أن تقول ربنا الله من دون أن تستقيم، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 33]

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 19]

 لا تجد في القرآن الكريم انتماءً شكلياً الانتماء، يحتاج إلى سلوك بل إن من أدق تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية. هذا التعريف فيه كليات ثلاث فيه كلية معرفية هي السبب وفيه كلية سلوكية هي الأصل وفيه كليه جمالية هي الثمرة.

 

فلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت لك من قربنا لك  نسمة لمت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعى  سهولته قلنا له قد جهلتنــــا
***

 رجل في بلد بعيد عنا لابد من أن تنتهي حياته بقرار ظالم فجيء له بشيخ يلقنه الشهادة وهو من كبار علماء المسلمين لقنه الشهادة قال: يا شيخ أنت ترتزق بها وأنا أموت من أجلها.
 فرق كبير بين أن تكون جندياً للحق وبين أن تكون منتفعاً من الحق.
 أيها الإخوة الكرام:
 أطمئنكم لا تقلقوا على هذا الدين أبداً لكن اقلقوا وحق لكم أن تقلقوا إن سمح لله لنا أن نكون جنوداً لدينه العظيم أو لم يسمح.
 أيها الإخوة الكرام:
 لابد للداعية أن يكون عالماً لأنك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ويظلم المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معك، ما كل عالم بداعية لكن كل داعية يجب أن عالماً لأن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 

[ سورة يوسف: الآية 108]

 بالدليل والتعليل، بالمناسبة أيها الإخوة:
 الدعوة غلأى‌‌ الله فرض عين وفرض كفاية أما أن تكون فرض كفاية هذه لمن يتبحر في العلم لمن يتبحر لمن يتفرغ لمن يملك الدليل التفصيلي لمن يملك أن يرد على كل الشبهات، قال تعالى:

 

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 104]

 ولكن غاب عن المسلمون أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم لقوله تعالى:

 

﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 

[ سورة العصر ]

 يعني أنت خاسر لا محالة إلا إذا تلافيت الخسارة بالإيمان والعمل والدعوة إلى الله كفرض عين يؤكد هذا المعنى آية أخرى:

 

﴿قل هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 

[ سورة يوسف: الآية 108]

 فمن لم يدعو إلى الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله بنص هذه الآية ومن لا يتبع رسول الله بالتأكيد لا يحب الله والدليل:

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 31]

 ما تعريف الدعوة إلى الله كفرض عين ؟ أن تدعو إلى الله فيما تعلم ومع من تعرف في حدود ما تعلم ومع من تعرف، أنت في أسرتك نافذةً إلى السماء، أنت في محيطك طالب للعلم يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((بلغوا عني ولو آية.))

 لو أن كل إنسان حضر درس علم أو استمع إلى خطبة ناجحة وأخذ منها فكرةً أو فكرتين ونقلها إلى أقربائه إلى جيرانه إلى أصدقائه إلى زملائه إلى أسرته تتسع دائرة الإسلام.
 أيها الإخوة:
 البطولة أن لايخلو الباطل في الساحة، البطولة أن لا نسمح للباطل أن ينفرد في الساحة ولو أن مساحة الحق صغيرة هذه تتنامى أما الخطر الشديد أن ينفرد الباطل بالساحة، قد نجد محطات إعلامية يعني تبث الفساد في الأرض أما إن وجد محطات أخرى تبث الخير والفضيلة معنى ذلك أننا لن نسمح للباطل أن ينفرد في الساحة، إذاً تنامت دوائر الباطل ولم تتنامى دوائر الحق حوصر الحق، فتنامي دوائر الحق حفاظاً على وجوده.
 فالدعوة إلى الله أعظم الأعمال على الإطلاق أول بند ثاني بند الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، لذلك أركان النجاة أن تزداد في اليوم إيماناً وعملاً ودعوةً وصبراً على كل أولئك.
 هناك مشكلة أحاول أن أضع يدي عليها الحق معروف عند كل المسلمين ما بال المسلمين ليسوا في مستوى الحق الذي يعرفونه ؟ أين الخلل ؟ فيما أتصور أن المرحلة المكية التي حرص النبي فيها على تعريف أصحابه بالله هذه مفقودة في حياتنا إذا عرفت الأمر ثم عرفت الآمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
 قد تأتيك ورقة من دائرة البريد تعال يوم الخميس استلم رسالةً مسجلة، لا تتحرك فيك شعرة وقد تأتي في بعض البلاد ورقة مثلها من دائرة أخرى فلا تنام الليل، ما الفرق بين الورقتين؟ الآمر الموقع المرسل أنت إذا عرفت الله وعرفت ما عنده من عطاء لو أطعته وعرفت ما عنده من عقاب لو عصيته لعددت إلى المليار قبل أن تعصيه.
 أيها الإخوة:

 

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 12]

 دققوا الآن:

 

﴿لِتَعْلَمُوا﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 12]

 خلق السماوات والأرض مليون مليون مجرة في كل مجرة مليون مليون كوكب.

 

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾

 

[ سورة الطلاق: الآية 12]

 ألا تسألون لماذا اختار الله من بين أسمائه هذين الاسمين القدرة والعلم؟ مثل بسيط جداً تركب مركبتك وأمامك إشارة مرور حمراء والشرطي واقف وشرطي الدراجة واقف والضابط في سيارته واقف هل تتجاوز الإشارة ؟ لا لأن واضع قانون السير علمه يطولك من خلال هذه الشرطي وقدرته تطولك لأنك مواطن عادي متى تخالف الإشارة الحمراء؟ في الساعة الثالثة ليلاً حيث لا شرطي أو إذا كنت أقوى من واضع القانون.
 إذاً حينما توقن أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك لابد من أن تطيعه ولو كان من بني البشر فكيف إذا كان خالق الأكوان خالق الإنسان من بيده ملكوت السماوات والأرض.
 الداعية ينبغي أن يقنع الناس بالاستقامة على أمر الله لأن ديناً بلا استقامة هو بالحقيقة ثقافة وتقاليد وعادات وفولكلور وتراث، دين من دون التزام فولكلور يقول أقواس إسلامية زخرفة إسلامية فن إسلامي أرضية إسلامية خلفية إسلامية نزعة إسلامية ولكن لا يوجد إسلام في النهاية ما في إسلام، ما لم تلتزم، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 72]

 ما أخذوا موقف:

 

﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 72]

 النبي الكريم سأل أصحابه:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

 أيها الإخوة الأحباب:
 مالم يركز الداعية في دعوته على طاعة الله يبقى الإسلام ثقافةً وتقاليداً وعادات وفولكلوراً لا يقدم ولا يؤخر:

 

(( ولن تغلب أمتي من اثني عشر ألفاً من قلة ))

 فما بال مليار ومئتين مليون ليس لهم شأن في العالم وللكفار عليهم ألف سبيل وسبيل وليست كلمتهم هي العليا هذه هي المشكلة.
 والله أيها الإخوة:
 زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعوده للمؤمنين، قال تعالى:

 

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أين الاستخلاف والله لا استخلاف.

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أين التمكين.

 

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 والله لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين لأنه:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 وقد لقينا ذلك الغي، كلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة كلما قل ماء الحياء قل ماء السماء، كلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن، هذا الفساد في الأرض ندفع ثمنه غالياً الغرب فيما مضى كانت يحملنا بالقوة العسكرية على أن نفعل ما يريد الآن له سياسة جديدة الآن يحملنا بالقوة الناعمة بالمرأة على أن نريد ما يريد، فرق كبير بين أن نفعل ما يريد وبين أن يحملنا عن طريق إفسادنا بأن نريد ما يريد.
 أيها الإخوة:
 لابد من معرفة الآمر هذه النقطة أساسية في المحاضرة، الله عز وجل في قرآنه الكريم ذكر ألفاً وثلاثمئة آية كونية ما القصد منها ؟ لابد من أن تعرف الله هناك علماً بمخلوقاته وهذا من اختصاص جامعات العالم فيزياء كيمياء طب هندسة علم فلك رياضيات علم نفس اجتماع وهناك علم بأمره وهذا من اختصاص كليات الشريعة في العالم وهناك علم به، قال الإمام الغزالي جاهد تشاهد.
 العلم بمخلوقاته والعلم بأمره يحتاج إلى مدارسة يحتاج إلى محاضر نص إلى كتاب إلى حضور إلى مذاكرة إلى امتحان إلى شهادة إلى عمل، لكن العلم به يحتاج إلى مجاهدة حينما تجاهد نفسك وهواك تقطف ثماراً يانعةً جداً.
 أيها الإخوة:
 آية قرآنية من آياته الكونية:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 بربكم هل في الأرض كلها مخلوق أهون عليكم من بعوضة ؟ بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((لو إن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.))

 ما البعوضة ؟ البعوضة في جبهتها مئة عين في وقت آخر إن شاء الله آتيكم بالرسوم المكبرة مئة عين في فمها ثمانية وأربعون سناً، لها ثلاثة قلوب قلب مركزي وقلب لكل جناح، وللقلب أذينان وبطينان ودسامان، البعوضة تملك جهاز استقبال حراري أي أنها ترى في الليل أي أن الأشياء أمامها في الليل مضيئة بحسب حرارتها وهذه الأجهزة التي تملكها البعوضة يمكن أن تشعرها باختلاف واحد من ألف من الدرجة، إذاً تتوجه إلى جبين الصبي بجهاز الرادار الذي تملكه، تملك جهاز يعني لا تملكه الطائرات الآن ترى في الليل الأشياء مضيئةً وألوانها بحسب حرارتها فإذا اتجهت تمتص دم إنسان لا تحتاج أن ترتطم بالستارة أو بالكنبة إطلاقاً مباشرةً، ثم إنها تملك جهاز تخدير من صنع لها المادة المخدرة معامل ضخمة جداً تصنع المواد المخدرة في العمليات الجراحية، لأن هذا التي تلسعه البعوضة لو أحس بها لقتلها لابد أن تخدره ريثما تطير. بعد أن تقع بجهاز الرادار على جسمه لابد من أن تخدره، ماذا في خرطوم البعوضة ؟ فيها ست سكاكين أربع سكاكين تحدث أربعة جروح على شكل مربع والسكينان الباقيان يلتئمان على شكل أنبوب ويغرس في هذا المربع ولابد من أن تملك البعوضة مادةً تميع الدم لأن دقة خرطومها لا تسمح بالدم اللزج أن يمر عبرها.
 إذاً جهاز استقبال حراري رادار وجهاز تخدير وجهاز تمييع، لكن ما كل دم يناسبها قد ينام أخوان على فراش واحد الأول يستيقظ كله لسعات بعوض والثاني سليم معافى، إذاً عندها جهاز تحليل لا تمتص إلا الدم الذي يناسبها.
 ثلاثة قلوب مئة عين ثمانية وأربعون سناً جهاز استقبال حراري رادار جهاز تخدير جهاز تحليل جهاز تمييع، إن وقفت على سطح أملس كيف تقف ؟ عندها محاجم على ضغط الهواء، وإن وقفت على سطح خشن تستخدم مخالب، مخالب ومحاجم، وتشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متر.
 أنا اطلعت على بحث من موسوعة علمية موثق الذي أقرأه لا أصدقه هذا تأكيد قوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، يعني كلكم يعلم أن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 حار العلماء في هذه الآية ثم عقد مؤتمر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في موسكو المؤتمر الخامس قبل الذي عقد في بيروت، هذا المؤتمر تليت فيه محاضرة قيمة عندي أصلها عن هذه الآية.
 قال: إن الله يخاطب أمةً تعد السنة القمرية والقمر يدور حول الأرض دورةً في كل شهر طالب في التعليم الثانوي لو أخذ مركز الأرض ومركز القمر وصل بينهما بخط هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، نصف القطر ضرب اثنين القطر ضرب 3.14 الب المحيط، طالب ثانوي بسرعة بالغة يكتشف محيط مسار القمر حول الأرض يعني كم كيلو متر ضرب اثني عشر أي في السنة ضرب ألف بألف سنة، الآن الآية:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 اليوم كم ثانية ؟ ستين بستين بأربع وعشرين ساعة لو قسمنا المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في الف عام على ثواني اليوم، المفاجأة صاعقة لكانت سرعة الضوء الدقيقة 299752 هذا الرقم مودع في باريس في أكاديمية العلوم، لو قسمنا مسار القمر حول الأرض في ألف عام على ثوان اليوم لكانت سرعة الضوء.
 نظرية أنشتاين في النسبية ملخصها في هذه الآية:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد.
 أيها الإخوة:
 العصب الشمي، قال تعالى:

 

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 53]

 ينتهي بعشرين مليون فرع وكل فرع ينتهي بسبعة أهداب وكل هدب مغطى بمادة تتفاعل مع الرائحة فيتشكل رمز هذا الرمز ينتقل على الدماغ إلى الذاكرة الشمية في الذاكرة الشمية عشرة آلاف بند تعرض هذا الرمز على رموز البنود العشرة آلاف إلى أن يتوافق الرمزان تقول أنت هذه رائحة الياسمين، هكذا تشم أيها الأخ الكريم.

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

[ سورة التين: الآية 4]

 فالداعية ينبغي أن يعرف بالآمر قبل أن يعرف بالأمر، يجب أن يهتم بالمرحلة المكية وقد تغفل بعض المعاهد الشرعية هذه الفقرة الأساسية في التعريف بالآمر.
 العين، العين من آيات الله الدالة على عظمته، في شبكية العين مئة وثلاثون مليون مخروط في عصب العين تسعمئة ألف عصب، شيء لا يصدق هذه ترى بها الصورة الدقيقة العين السليمة تفرق بين درجتي لون و آخر من ثمانمئة ألف درجة، لو قسمنا لوناً أخضراً إلى ثمانمئة ألف درجة لميزت العين السليمة الفرق بين درجتين، قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

 

[ سورة البلد: الآية 8]

 ألف وثلاثمئة ألف آية في القرآن الكريمة مغفلة الآن، هذه آيات الله الدالة على عظمته هذه رؤوس موضوعات للتفكر فما لم يهتم الداعية بتعريف إخوانه وطلابه بالله عز وجل الآمر دعوته لا تجدي ذلك أن الأمر الإلهي اليوم بين أيدي الناس ومع ذلك يكسبون المال الحرام ويعتدون على الأعراض ويأخذون ما ليس لهم وهم على علم بما في الكتاب والسنة من أمر ونهي.
 أيها الإخوة الأحباب:
 هذا البند الأول طبعاً شرحه طويل جداً أنا بفضل الله علي من ست وعشرين عاماً في كل خطبة هناك فقرة علمية في آخرها كي أعرف الناس بخالق الأكوان من خلال خلق الإنسان وخلق الأكوان لذلك حتى يشعر المستمع إلى أن خالق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن يمكن أن يشرح في سنوات الآيات الدالة على عظمة الله لا تنتهي لكن لابد من مثل:
أنت لو اشتريت آلة تصوير من أغلى نوع ثمنها مليون ليرة فيها ميزات العقل لا يتصورها إذا ما في فيلم لا قيمة لها، أما إذا عندك آلة متواضعة جداً بدائية وفيها فيلم لها قيمة فالذي يطلب الدنيا يطلب الشهوات يطلب الذكر السمعة هذا كآلة غالية جداً بلا فيلم لا يؤمن لو كان عمله في وكالة سانا الفضائية يرى بعينيه المجرات كل يوم لو كان عمله في مجهر الكتروني أربعين ألف مرة يكبر ويرى النسيج العضلي بعينه لا يؤمن بينما الذي أراد أن يؤمن بعرة تدله على الله، البعرة تدل على البعير والأقدام تدل على المسير والماء يدل على الغدير، أنت حينما تتخذ قراراً بالبحث عن الحقيقة بطلب المعرفة بالإيمان بالله أصغر شيء يهديك إلى الله وحينما لا تريد أن تؤمن لو شاهدت الآيات التي لا يصدقها عقل لا تؤمن هذه ملاحظة.
 إخوانا الكرام:
 الشيء الثاني الخطير في الدعوة: القدوة، والله لي ثلاث تجارب متواضعة أول تجربة قبل أسبوعين اتصلت بي فتاة وطلبت مني أن ألتقي بها فعلمت من خلال اللقاء أنها ليست من أهل السنة والجماعة لكن خطبها شاب منضبط صادق أمين عفيف ثم لسبب من قبل أهله لم يتابع الخطبة أعجبت بأخلاقه أعجبت بصدقه أعجبت بأمانته أعجبت بانضباطه لم يدعها إلى الإسلام ولا بكلمة بدأت تصلي قالت لي إن أسرتها لا تصلي أبداً ولا تعرف عن الدين شيئاً بل هي متفلتة من أي منهج إلهي ومع ذلك لأنها أعجبت بهذا الشاب وحينما رفض متابعة الأمر عذرته ولك بقي في ذهنها هذه الصورة الخلق، الاستقامة، العفة، الصدق، الأمانة بدأت تصلي ثم بدأت تقرأ القرآن ثم بدأت تغيير من هندامها إلى هندام أستر الآن تدرس الشريعة الآن بدأت تتحجب، الشيء العجيب قالت ما تكلم خطيبها بكلمة عن الدين لكن أخلاقه لفتت نظرها عندئذ تذكرت كلام النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( استقيموا يستقم بكم ))

 يعني موقف أخلاقي أبلغ من ألف محاضرة، موقف فيه صدق أبلغ من ألف محاضرة، موقف فيه أمانة أبلغ من ألف محاضرة استقيموا يستقم بكم.
 جفري لنك، كنت في سان فرانسيسكو هذا أكبر أستاذ رياضيات في أمريكا درس التعليم الثانوي وانتقد أستاذ الديانة أمام والده فطرده من البيت اتخذ الإلحاد له مذهباً وصار في قمة التعليم في الرياضيات جاءته فتاة من الشرق الأوسط في أيام الصيف الحارة والفتيات في أمريكا شبه عرايا محجبة حجاباً كاملاً تحضر دكتوراه في الرياضيات يقول هذا العالم الملحد: إن هندام هذه الفتاة لفتت نظري لابد من قناعات تملكها على خلاف من هم في سنها بماذا تقتنع ؟ قال: تحرجت أن أحدق في وجهها لقدسيتها ثم إنني وجدت رغبةً جامحة في أن أخدمها ثم إني عكفت من توي على قراءة القرآن والآن جيفري لنك أكبر داعية في أمريكا.
 ألف كتاباً لماذا أسلمت لبناته وأولاده، وأنا درست منه في جامع العثمان في دمشق سبب هدايته فتاة منضبطة.
 كنت في الحج مرةً رأيت حاجاً طبعاً فيما يبدو أنه أوربي طبعاً سألت عنه ألماني غربي ما الذي كان سبب إسلامه ؟ سكن عنده طالب سوري وعنده فتاة جميلة جداً فلم يستطع أن يضبطه مرةً واحدة أن ينظر إلى ابنته ما هذا الانضباط ؟ حاوره فأسلم على يديه.
 أنا أضرب أمثلة غريبة جداً شاب يغض بصره كان سبب هداية إنسان، فتاة محجبة حجاباً إسلامياً كاملاً كانت سبب إسلام عالم ملحد، خطيب خطب مخطوبته وكان أخلاقياً معها ثم لم تتم الخطوبة فدعاها هذا إلى أن تصلي وإلى أن تقرأ القرآن وأن تبحث عن الإسلام.
 كنت مرةً في مؤتمر في سان فرانسيسكو، فألقيت أربع محاضرات و الفضل لله كانت موفقة، في نهاية المؤتمر يعطوننا محاضرات المحاضر بالفيديو أما بقية المحاضرات بالكاسيت، أعطوني كماً كبيراً من الكاسيت، ذهبت إلى ديترويت كنت أنام وحدي في غرفة مرة لم أنم بحثت في هذه الأشرطة وجدت شريطاً مكتوب من القلب إلى القلب، استمعت إليه و الله أيها الإخوة استمعت إلى هذه الشريط عشرات المرات و في كل مرة أبكي كلما أسمعه، أنا ما أعرف من ؟ ممثلة كبيرة كانت معنا في المؤتمر ألقت على النساء فقط محاضرة كيف تابت إلى الله ؟ سمعت الشريط ممثلة كبيرة جداً دخلها السنوي مليون جنيه تقريباً و بارعة جداً في المسرح عندها فيلا في الإسكندرية تريد أن ترممها، لها تجربة سيئة مع المهندسين الذين يغشونها في السعر و في المواد، بحثت عن مهندس مسلم ملتزم من أجل مصلحتها فإذا بهذا المهندس ملتزم جداً، أول شيء لفت نظرها فيه أنه لم ينظر إليها، فتقول له باللغة المصرية: لماذا لا تنظر إلي هل يوجد بي شيء خطأ ؟ قال لها: أنا ديني يأمرني ألا أنظر إليك و لم يصافحها، في اليوم التالي جاء بفريق عمله ملتزمون مثله، أعجبت به، عدم مصافحتها و غض البصر عنها و الصدق و الأمانة في المعاملة فقط هدياها إلى الإسلام إلى أن اعتزلت الفن و تحجبت و انتقل حالها من حال إلى حال ثم تزوجها هذا المهندس و كان شهر العسل في مكة المكرمة، قالت: كنت أنزل في أكبر فنادق المملكة و يأتيني أمراء كبار لاستقبالي، هذا زوجها فقير نزلت في فندق مئتي ريال في الليلة الواحدة، يبدو في ساعة من ساعات الضعف كانت فنانة كبيرة فالآن هي زوجة لإنسان فقير، هكذا حل بها، فكأنها نفرت أو كأنها انتكست، فذهبت إلى الحرم و صلت و قالت: يا رب ماذا أعمل أعطني رسالة ؟ ماذا أفعل ؟ ثم و هي داخلة إلى الفندق أعطيت رسالة لا تعلم هي ممن كاتب هذه الرسالة يقول لها أنت كنت فنانة كبيرة لكنك الآن مؤمنة، يوم كنت فنانة قدوتك الأغنياء أما الآن قدوتك الأنبياء، فالأنبياء كانوا فقراء، فقبلت رجلي زوجها و قالت له سامحني أي قصة مؤثرة جداً أنا استنبطت أن هذا المهندس أكبر داعية لأن استقامته وحدها ـ طبعاً هذا كلام غير أكاديمي إخوانا فسامحوني، لكنه كلام واقعياً ـ أنت حينما تكون متمسكاً بالدين، ورعاً صادقاً، عفيفاً، أميناً، متواضعاً، تفعل في الناس فعل السحر، النبي عليه الصلاة و السلام كان سيد الأمة، سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، نبي كريم، رسول عظيم، زعيم أمة قائد جيش، عنده ألف جندي و معهم ثلاثمئة راحلة فقال: كل ثلاثة على راحلة و أنا و علي و أبو لبابة على راحلة فركب النبي نوبته فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً قال:

 

((ما أنتما بأقوى مني على السير و لا أنا بأغنى منكما عن الأجر.))

 قوة تأثير الأنبياء السلوك، مرة كان مع أصحابه أرادوا أن يعالجوا شاة قال أحدهم: عليّ ذبحها، و قال الثاني: عليّ سلخها، و قال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة و السلام: و عليّ جمع الحطب، يا رسول الله نكفيك، قال:

((أعلم أنكم تكفونني و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.))

 يمكن أن تكون أكبر داعية و أنت ساكت، صدقك دعوة، الأمانة دعوة، إتقان عملك دعوة، تواضعك دعوة، عفتك دعوة، لما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام، قال: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الرحم و نسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته و صدقه و عفافه و نسبه، شيء رائع، إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف هذا المؤمن، أركان الاستقامة نعرف أمانته و صدقه و عفافه، النسب تاج يتوج به المؤمن، أما بلا إيمان:

 

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) ﴾

 

[ سورة المسد: الآية 1]

 النسب من دون إيمان لا قيمة له إطلاقاً لكن مع الإيمان تاج، فدعانا إلى الله لنعبده و نوحده و نخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة و الأوثان و أمرنا بصدق الحديث.
 النبي ألم يكن فصيحاً ؟ ألم يكن متحدثاً ؟ ألم يكن خطيباً بارعاً ؟ ألم يكن قائداً محنكاً ؟ ألم يكن زعيماً سياسياً ؟ بماذا مدح ؟

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

[ سورة القلم: الآية 4]

 فأيها الإخوة:
 نقطتان أساسيتان في هذه المحاضرة: ينبغي أن تعرف الناس بخالق الأرض و السماوات، كي نعرف من هو الآمر و ينبغي أن تكون قدوة لهم، التقيت في مصر الشيخ الراحل الشعراوي رحمه الله تعالى في لقاء طويل جعلت لقاءين في كتاب صغير عن الشعراوي، فسألته في نهاية المحاضرة بماذا تنصح الدعاة: و الله توقعت أن يسهب في الحديث عن هذه النصيحة فوجئت أن نصيحته لا تزيد عن سطر واحد، قال لي: ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعو فقط.
 أنت كأب إن لم تكذب أمام ابنك، إن لم تنظر نظرة مريبة أمام ابنك، إن لم تقل كلاماً غير واقعي أمام ابنك، ينشأ ابنك على الصدق، طريق القدوة طريق رائع جداً، فلذلك:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 21]

 الأنبياء لماذا جاؤوا بربكم ؟ هل جاؤوا بحاملات طائرات ؟ هل جاؤوا بالصواريخ ؟ بالقنابل ؟ بالبي اثنين و خمسين ؟ بالإف ستة عشر؟ بالأباتشي ؟ جاؤوا بالكلمة لكن كلمة صادقة لكن كلمة مخلصة، لكن كلمة مشحونة بالعواطف، مشحونة بمعرفة بالله عز وجل، لذلك بهذه الكلمة فعلوا الأعاجيب، بكلام طويل و منمق و مطبوع و مسموع و مصور و مرئي و على الإنترنيت و مع كل هذا الكم الهائل من المعلومات لا تجد في المجتمع التزاماً كما يريد الله عز وجل، إذاً أنا ركزت على أن تعرف الآمر و أن تكون قدوة، فالقدوة قبل الدعوة.
 الآن فقرات أدرجها سريعاً:
 الإحسان قبل البيان، أنت حينما تحسن لإنسان تملك قلبه، لذلك الأنبياء ـ دققوا ـ ملكوا القلوب بكمالهم، و الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، و فرق كبير بين أن تملك القلب و بين أن تملك الرقبة، ملك القلب يحتاج إلى كمال، الناس جميعاً أتباع نبي أو قوي، فالذي يستخدم ما عنده من قوة لإجبار الناس على شيء هذا من أتباع الأقوياء و الذي يستخدم كماله لإقناع الناس بشيء هذا من أتباع الأنبياء.
 أيها الإخوة الأحباب:
 القدوة قبل الدعوة و الإحسان قبل البيان، أيضاً الإحسان مهم جداً، و شيء آخر من هذه القواعد الترغيب قبل الترهيب و الأصول قبل الفروع و التدرج لا الطفرة، و التيسير لا التعسير، هذه بعض القواعد تحتاج إلى شروحات و لكن كان تركيزي في هذه المحاضرة و أرجو ألا أكون أطلت عليكم على معرفة الآمر و على القدوة و من طبق هذين الشأنين، الأمرين قطف الثمار يانعة، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018