بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 23 - بيروت - الأوزاعي - الإبداع في الإسلام .


2002-09-08

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام:
 يشرفني أن أقف بينكم متحدثاً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حُسن ظنكم وأشكر لكم هذه الدعوة الكريمة، وأشكر القائمين على هذا المنتدى حرصهم وجهدهم، فلعل الله سبحانه وتعالى ينفع به الأمة.
 الإنسان هو المخلوق الأول لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72 ]

 لقد قَبِل الإنسان حمل الأمانة، وكان بقبولها المخلوق الأول، واستحق أن تسخر له السماوات والأرض .
 والإنسان هو المخلوق المُكرَّم لقول الله عز وجل:

 

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 70]

 والإنسان هو المخلوق المُكلَّف لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تُفضي إلى سعادة أبدية.
 فالعبادة علَّة وجودنا على وجه الأرض، فيها كليات ثلاث ؛ كلية معرفية، وكلية سلوكية، وكلية جمالية.
 فالكلية المعرفية هي السبب، والكلية السلوكية هي الأصل، والكلية الجمالية هي الهدف.
 من ملامح هذا الحديث أن الإنسان يتمتع بصفات هي لله عز وجل فالله عز وجل فرد.
 والإنسان فرد، كيف ؟
 أول شيء أن قزحية العين لا يمكن لإنسان على وجه الأرض في الستة آلاف مليون أن يشبهه بها، لأن قزحية العين هي هوية الإنسان
 الحقيقية.
 هناك أقفال أساسها قزحية العين فلا يمكن أن تفتح إلا من قبل
 صاحبها، فقزحية العين رمز تنفرد به، ورائحة الجلد تنفرد به شخصية، وبلازما الدم تنفرد بها والزمرة النسيجية تنفرد به و بصمة اليد تنفرد بها و نبرة الصوت تنفرد بها، فأنت كإنسان واحد لا يشبهك إنسان على وجه الأرض و هذا من تكريم الله للإنسان الله عز وجل والإنسان مشرع و لحكمة بالغة جاءت بعض النصوص القرآنية ظنية الدلالة، كان من الممكن أن تأتي النصوص كلها قطعية الدلالة، النص ظني الدلالة يعطي الإنسان دوراً في الاجتهاد و لولا النصوص ظنية الدلالة لما كان هناك اجتهاد إطلاقاً، لقد قبل الله أن نعبده باجتهاد المجتهدين، إذاً سمح للإنسان أن يشرع ثم إن الله سبحانه و تعالى بديع السماوات و الأرض كل هذا الكون من إبداعه عن غير مثال سابق و في بعض خصائص المادة و في بعض المورثات و الجينات مجال كي يبدع الإنسان، فكم من نتاج زراعي عدلت فيه بعض الجينات فكان بشكل آخر، ففي مجال الزراعة و تربية الحيوانات و في مجال الأزهار و في مجالات كثيرة جداً الإنسان تدخل و أبدع، فكما أن الله هو بديع السماوات و الأرض سمح له أن يبدع، حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

 أي لولا أن الله شاء لكم أن تشاؤوا لما شئتم، لولا أن مشيئة الله تعلقت بأن تكونوا أصحاب مشيئة لما شئتم، لولا أن الله أراد لكم أن تبدعوا لما أبدعتم، لولا أن الله أراد لكم أن تشرعوا لما شرعتم، لولا أن الله أراد لكم أن تكونوا متميزين لما تميزتم، و فضلاً عن كل ذلك فالله سبحانه و تعالى أعطى الإنسان الإرادة فالإنسان مريد إذاً لولا أن الله سبحانه و تعالى شاء للإنسان أن يبدع لما أبدع فإبداع الإنسان تحقيق لمشيئة الله عز وجل.
 هناك في القرآن الكريم آيات تزيد عن ألف و ثلاثمائة آية، كلها تتحدث عن الكون و كأن التفكر في خلق السماوات و الأرض عبادة من أجل العبادات:

 

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 معجزات الأنبياء السابقين صلوات الله عليهم معجزات حسية بمعنى أن المعجزة وقعت و انتهت و بقيت خبراً يصدقه من يصدقه و يكذبه من يكذبه، لكن معجزة النبي عليه الصلاة و السلام هي معجزة علمية باقية إلى نهاية الحياة، ففي آيات القرآن الكريم إشارات علمية تزيد عن سدس القرآن بالضبط، ألف و ثلاثمئة آية و هذه الآيات هي رؤوس موضوعات للتفكر في خلق السماوات والأرض، ذلك أن الإنسان إذا عرف الآمر ثم عرف الأمر تفانى في طاعة الآمر، أما إذا عرف الأمر و لم يعرف الآمر تفنن في التفلت من الأمر، المرحلة المكية مرحلة تعريف بالآمر، كل الآيات المكية آيات كونية، المرحلة المدنية مرحلة التعريف بالأمر، أكثر الآيات المدنية آيات تشريعية، فلذلك هذه الإشارات القرآنية جاءت بطريقة محيرة، يمكن أن تفهمها فهماً بسيطاً، و يمكن أن تفهمها فهماً معقداً، لكن الذي يلفت النظر و لعلها بوحي من الله أو اجتهاد من رسول الله أن النبي (ص) لم يتكلم و لا بكلمة واحدة عن هذه الآيات الكونية لماذا ؟ لأنه صلى الله عليه و سلم لو فسرها تفسيراً بسيطاً يفهمه من حوله لأنكرنا عليه، و لو فسرها تفسيراً عميقاً و قد أراه الله من آياته الكبرى لأنكر عليه أصحابه، لعل الله وجهه أن يمتنع عن تفسيرها أو لعل النبي عليه الصلاة و السلام اجتهد في ترك الحديث عنها وأفسح المجال لكل عصر أن يكتشف إعجاز القرآن الكريم من خلال التقدم العلمي فيه .
 و الكون تقريباً فيه ما يزيد عن مليون مليون مجرة و في المجرة المتوسطة ما يقترب من مليون مليون نجم، و أبعاد الكون لا يستوعبها العقل ففي أحدث مجرة اكتشف أنها تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية .
خالق الكون يقول:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 بعوضة ‍‍‍، هل من مخلوق على سطح الأرض أهون على الإنسان من بعوضة ؟ يقول عليه الصلاة و السلام:

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

 

[ الترمذي، ابن ماجه ]

 ما هذه البعوضة.
 أنا أتكلم استناداً إلى بحوث حديثة جداً عن البعوضة، الذي قرأته عن البعوضة قد لا يصدق، البعوضة لها ثلاثة قلوب قلب مركزي و قلب لكل جناح، و القلب كما تعلمون فيه أذينان و بطينان و دسامان و شرايين و أوردة، في هذه البعوضة ثلاثة قلوب، للبعوضة مئة عين عندي صورة مكبرة للبعوضة في جبهتها، شكل أعينها كخلية النحل، لها ثمانية و أربعون سناً البعوضة معها جهاز استقبال حراري هذا الجهاز يتحسس لواحد من ألف من درجة الحرارة الواحدة، البعوضة ترى في الليل بالأشعة تحت الحمراء، فالذي أمامها يتلون بحسب حرارته لذلك إذا توجهت إلى الصبي النائم تتوجه إلى جبينه مباشرة دون أن تبحث عن شيء آخر بالمستقبلات الحرارية و بالتلوين الذي يأخذ حرارة الجسم، تقع البعوضة على جبين الصغير وفي خرطومها ست سكاكين، أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً في جلده و السكينان الأخريان يتوافقان على شكل أنبوب يغرس في جلد هذا الصبي، ولئلا تقتل في أثناء امتصاص الدم تخدر المنطقة، في خرطومها سكاكين أربع منها لإحداث الجرح و السكينان الأخريان يتوافقان على شكل أنبوب كمجريين ليمتص الدم، و لابد من تخدير الجلد في أثناء امتصاص الدم، من أين جاءت بالمخدر ؟ الآن التخدير يصنع في مؤسسات و في معامل ضخمة جداً، ثم إن البعوضة فوق ذلك تملك جهاز تمييع للدم لأن خرطومها دقيق جداً قد لا يستوعب الدم غير المميع، فلابد من تمييع الدم و فضلاً عن ذلك تملك البعوضة جهاز تحليل للدم، فما كل دم يناسبها فقد ينام صبيان على فراش واحد يستيقظ الأول و قد ملئ جبينه من لسعات البعوض و الثاني سليم معافى إذاً معها جهاز تحليل، معها جهاز رادار، معها جهاز تخدير، معها جهاز تمييع، البعوضة عندها مخالب إذا وقفت على سطح خشن، و محاجم على أساس الضغط إذا وقفت على سطح أملس، و البعوضة تشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متراً:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 إذاً سمح لك أن تبدع في معرفة خلق الله عز وجل من أجل أن تعرف حقيقة القرآن من أجل أن تعرف حقيقة الإله العظيم، من أجل أن تعرف علمه اللانهائي، قدرته اللانهائية حكمته اللانهائية.
 أيها الإخوة الكرام:
 آية في القرآن الكريم:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 هذه الآية حيرت العلماء، عقد مؤتمر الإعجاز العلمي الذي سبق المؤتمر الذي عقد في بيروت قبل عامين، عقد هذا المؤتمر الخامس في موسكو و قد طرح فيه موضوع عندي أصله، هذا الموضوع يقول: إن القمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، حينما نأخذ مركز الأرض و مركز القمر و نصل بينهما بخط، هذا الخط هو نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، و طالب الصف العاشر في التعليم الثانوي بحساب بسيط يستخرجه يضرب نصف القطر في اثنين فيكون القطر، يضرب القطر بالبي أي 3.14 فيكون المحيط، إذاً بحساب سريع بسيط يمكن أن نعرف كم كيو متراً يقطع القمر في رحلته حول الأرض، إذا ضربنا هذا الرقم بـ 12 نعرف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في عام، لو ضربناه بألف نعرف كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، هذا الرقم هو المسافة التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، وحسابها سهل جداً ويستطيع كل طالب علم مبتدئٍ أن يأتي بهذا الرقم، الآية تقول:

 

﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)﴾

 

[ سورة الحج: الآية 47]

 ألف سنة مترجمة إلى كيلو مترات، لو قسمنا هذه المسافة الكيلو مترية التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام على ثواني اليوم، أي ستين ضرب ستين ضرب أربع وعشرون النتيجة لا تُصدَّق، إنها سرعة الضوء الدقيقة المودعة في أكاديمية العلوم بباريس مئتان وتسع وتسعون ألفاً وسبعمائة واثنان وخمسون، ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، هذه سرعة الضوء التي كشفها أنشتاين فإذا سار الجسم مع الضوء أصبح ضوءاً، فلو سبقه تراجع الزمن، فلو قصر عنه تراخى الزمن، إذاً حينما يبدع الإنسان في فهم حقائق الدنيا و حقائق الكون و حقائق المخلوقات، يقترب من معرفة الله عز وجل و إنك إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر و لم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
 يقول الله عز وجل:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾

 

[ سورة الواقعة: الآية 75]

 لو أن عالِم فلك وقف عند كلمة واحدة في الآية، عند كلمة مواقع كيف ؟ أحد النجوم يبتعد عن الأرض عشرين مليار سنة ضوئية، وهذه النجوم البعيدة جداً في حركتها تقترب من سرعة الضوء أي مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، فإذا وُجد نجم في هذه الجهة وانطلق منه ضوء إلينا وبدأ هذا الضوء يسير عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا، والنجم الذي أصدر هذا الضوء يسير بسرعة مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية، أين هو الآن ؟ أين هو بعد عشرين مليار سنة وسرعته مئتان وأربعون ألف كيلو متر في الثانية فإذا قال الله عز وجل افتراضاً: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم، هذا ليس كلام الخالق، قال لك:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾

 

[ سورة الواقعة: الآية 75]

 ماذا تعني كلمة موقع ؟
 تعني أن صاحب الموقع ليس في الموقع، إذاً تقرأ القرآن تشعر بكل خلية في جسمك وبكل قطرة من دمك أن هذا كلام خالق الأكوان وليس من نظم الإنسان.
 لذلك في القرآن آيات لمّا تُفسَّر بعد، وهذا يدلنا على حكمة النبي عليه الصلاة والسلام في عدم تفسير الآيات الكونية، لكل آية كونية عصر تنكشف فيه عظمتها، فكلما تقدم العلم كُشف جانب من عظمة هذا الكون، فالله عز وجل يقول:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾

 

[ سورة الطارق: الآية 11]

 في ضوء معطيات متواضعة فُهِم من هذه الآية أن السماء تعيد بخار الماء مطراً يصعد البخار ثم يعود إلى الأرض مطراً:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11)﴾

 

[ سورة الطارق: الآية 11]

 ثم تقدّم العلم ففُهمت على نحو آخر، هذه الموجات الكهرطيسية تنطلق إلى الفضاء الخارجي ولا بد من طبقة اسمها الأثير تعيدها إلى الأرض ولولا هذه الطبقة لما كان هناك بث إطلاقاً في الأرض لا إذاعي ولا تلفزيوني، ذلك أن الموجات الكهرطيسية لا تتخامد.
 أرسلوا مركبة إلى المشتري بقيت تسير بأعلى سرعة صنعها الإنسان أربعين ألف ميل في الساعة بقيت تسير ست سنوات ومن هناك أرسلت صوراً وإشارات، الموجة الكهرطيسية لا تتخامد أما الموجة الصوتية تتخامد، ما حكمة تخامدها ؟
 لولا تخامد الموجة الصوتية لسمعت كل أصوات العالم في أذنك، الحياة لا تطاق أي انفجار، أي موج بحر، أي انهيار، تجده في أذنك، الموجة الصوتية تتخامد لكن الموجة الكهرطيسية لا تتخامد.
 من هنا ظهرت حكمة النبي في عدم شرح هذه الآيات، فالأرض تبتعد عن الشمس مئة وستاً وخمسين مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، وهناك في برج العقرب برج صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، فانظروا ماذا في السموات والأرض ؟ كيف تخشى الله إن لم تعرف عظمة خلقه ؟ كيف تخشى الله إن لم تعرف طرفاً من علمه ؟ كيف تخشى الله إن لم تعرف شيئاً من حكمته ؟ شيئاً من قدرته ؟
 لذلك إن سبب ما يعانيه المسلمون اليوم هو عدم طاعتهم لله بسبب نقص في معرفة الله .
 فهناك علم بخلقه، جامعات الأرض معنية بعلوم الخلائق، فيزياء، كيمياء رياضيات، طب، فلك، هندسة، علم نفس، علم اجتماع، علم تربية، وعلم بأمره وهو من اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، إما أن تعرف قوانين خلقه،، وإما أن تعرف تفاصيل أمره، وهناك علم به وهذا الذي أُهمل في هذا العصر، العلم بالله، أن تتعرف إلى الله من خلال آياته الكونية، ومن خلال آياته التكوينية، ومن خلال آياته القرآنية، ثلاثة مصادر لمعرفة الله ؛ خلقه وأمره وكلامه.
 من باب المجاز سمح الله لهذا الإنسان أن يوازن مع ذاته العليّة، فيما أعلم أن الحواسيب الآن تقرأ مليارات الأحرف في ثانية واحدة، أليس كذلك ؟ ماذا قال الله عز وجل:

 

﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 62]

 إذا كانت الآن سرعات الحواسيب بمجرد أن تضع يدك على الـenter يأتي الجواب فكيف بحساب الله عز وجل
وقال تعالى:

 

﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

 

[ سورة المؤمنون: الآية14]

 فسمى الله الإنسان مجازاً خالقاً، لأن الإنسان يخلق شيئاً من كل شيء، لكن الله جل جلاله يخلق كل شيء من لا شيء.
 الشيء الدقيق جداً أن الابتداع في الدين محرّم لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 3]

 هذا دين الله، دين الله لا يحتمل أن تضيف عليه شيئاً لأن كمال الله مطلق، ولا يحتمل أن تحذف منه شيئاً لأن دين الله مطلق، لكن ماذا يقال عن التجديد في الدين ؟
 الحقيقة الساطعة والقاطعة أن التجديد في الدين يعني فقط أن تزيل عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، هذا هو التجديد، ولا ننهض إلا إذا جددنا ديننا، بمعنى: نزعنا عنه كل ما علق به من خرافات ومن بدع ومن تأويلات باطلة، ومن نصوص ضعيفة، ومن فهم سقيم ينبغي أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه، وليس هناك معنىً آخراً للتجديد لأنه كلام الله، لأنه تشريع الله، والله كماله مطلق، أنت ممكن أن تدخل على كتاب فتعدله، على مشروع فتطوره، أما أن تدخل على دين الله لتجدده بالمعنى المألوف فمستحيل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

[ سورة الحجرات: الآية 1]

 لكن الابتداع في الدنيا واجب، مشكلة المسلمين أنهم قلّدوا في دنياهم وابتدعوا في دينهم، العكس هو الصحيح: ينبغي أن نقلد في ديننا ونبتدع في دنيانا، ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 2]

 تعاونوا، ينبغي أن نتعاون عل صلاح الدنيا، ينبغي أن نستخرج ثرواتنا، أن ننظم حياتنا، أن نهيء لشبابنا عملاً، أن نهيء لهم بيوتاً، أن ننمي قدراتنا، مجال الابتداع في الدنيا واسع جداً وأنت مشكور عليه:

 

((عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ.))

 

[ مسلم، النسائي، الترمذي، أبي داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 البدعة اللغوية في الدنيا مسموح بها بل مندوب إليها، و البدعة اللغوية تعني أن تصنع شيئاً لم يكن من قبل، فأي جمعية خيرية، أي مشروع تعاوني، أي مشروع سكني، أي بناء جامعة، بناء جسور، تهيئة مدارس أو مخابر يمكن أن نعمل ليلاً نهاراً و أعداؤنا الذين ملكوا ناصية الأرض ما ملكوها إلا بثمن باهظ عملوا حتى ملكوا أطراف الدنيا و أملوا إرادتهم و إباحيتهم و ثقافتهم على كل الشعوب بسبب أنهم كانوا أقوياء، هم يعتقدون أن الحق هو القوة، إن كنت قوياً فأنت على حق لكننا نعتقد أن الحق هو ما جاء به الوحيان الكتاب و السنة و لكن الحق يحتاج إلى القوة.
 الفرق بيننا و بينهم الحق يحتاج إلى قوة، عندهم يعتقدون أن الحق هو القوة، إذاً فالله سبحانه و تعالى حضنا على أن نبتدع لكن في الدنيا لا في الدين.
 الأصل في العبادات الحظر لو سمحنا أن نفتح باب الاجتهاد في العبادات لكنا أمام ألف دين، مليون دين، دين الله واحد
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:

 

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

 

[ سورة الأنبياء: الاية 25]

 التوحيد عقيدة المسلم و العبادة سلوك المسلم، الإسلام عقيدة و سلوك، فكر نظري و تطبيق عملي، بالمصطلحات الحديثة، منطلقات نظرية و ممارسات يومية، لكن أيها الإخوة هناك إبداع سلبي و الإبداع السلبي محظور قد نستنسخ و قد نغير خلق الله أي مثلاً الله عز وجل هيأ لكل الآفات الزراعية ما يقابلها من الأحياء، نحن استخدمنا المبيدات الكيماوية فملحت التربة و فسد نظام النبات و أصبح النبات ذا صفات فيزيائية عالية جداً و صفات كيميائية منخفضة جداً الآن عدنا إلى المكافحة الحيوية، عندنا في الساحل في الشام كل الأدوية الآن للحشرات أدوية حيوية كأصل التصميم الإلهي، جاءت فترة كانت كل الأسمدة كيماوية، الآن السماد العضوي يقع في الدرجة الأولى أي في أرقى تصميم و قد نعزو كل مشكلاتنا إلى تغيير في خلق الله، يقول الله عز وجل:

 

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾

 

[ سورة الشعراء: الآية 80]

 ما قال: وإذا أمرضني فهو يشفين.
 تؤكد هذه الآية أن أصل المرض خطأ في سلوك الإنسان، غيرنا خلق الله في طعامنا وشرابنا وفي هواء مدننا وفي بيئتنا وفي أنماط حياتنا، لو عدنا إلى أصل التصميم لكنا في حال غير هذا الحال، إذاً ممنوع أن نبتدع فيما صممه الله عز وجل، مسموح أن نبتدع في تحسين حياتنا وطرائق كسبنا ونظام معاشنا، ممنوع أن نبتدع في أصل التصميم الإلهي.
 سيدنا عمر تفقد بلدة فوجد بعض الفعاليات ليست في أيدي المسلمين، فعنّفهم وقال: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ أدرك هذا الخليفة العملاق أن المنتج قوي وأن المستهلك ضعيف، والإنتاج يحتاج إلى إبداع فالإبداع أصل من أصول الدين، الإبداع سبب فهم الدين، هذه الحقائق التي ذكرتها تلقي ضوءاً على عظمة الآية، حيث يقول الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26 ]

 حينما تقدم العلم وعرفنا أن في البعوضة مئة عين، وفيها ما فيها من أجهزة تحار بها العقول أدركنا عظمة القرآن الكريم، فالإبداع يزيدنا إيماناً بالله، والإبداع يزيد حياتنا رقياً وسهولة، إلا أن الإبداع السلبي في أصل التصميم ينبغي أن نبتعد عنه لأنه لا يمكن أن نبتدع في أصل التصميم إلا نحو الأسوأ.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018