بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 24 - صيدا - دار الفتوى - إضاءة قرآنية لما يجري من أحداث .


2002-09-23

 آيات عطرات يتلوها علينا الأخ إبراهيم الدماسي فليتفضل مشكوراً:
 أيها الإخوة المؤمنون:
 في كتاب الله تعالى قول الحق جل وعز:

﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾

[ سورة الحشر: الآية 2]

 هذه الكلمة اعتبروا استدل علماءنا من السلف الصالح رضي الله عنهم أصلاً عظيماً من أصول تشريعنا ألا وهو القياس هذه الآيات تقص علينا قصة يهود بني النضير قصة غدرهم وخيانتهم وقصة توكلهم على غير ربهم وذكر لهم مآلهم ونتيجة أعمالهم أن خربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم وكانت النتيجة أن أجلوا عن ديارهم.
 هذه الآيات تتوجه إلينا نحن المؤمنين أن قيسوا أحوالكم بأحوالهم حتى لا يكون مآلكم كمآلهم.
 المؤمن الصادق قلب يقظ وصاحب عقل متفتح وهو كيس فطن لأنه موصول أبداً بالله عز وجل يستمد من نوره نوراً ومن هديه هدياً يقرأ المؤمن ليفهم ويقرأ ليطيع الله ويقرأ ليتعظ ويقرأ ليعتبر وقد حضنا ربنا جل في علاه على أن نتدبر كتابه وأن نتدبر آياته فقال جل في علاه:

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

 

[ سورة محمد: الآية 24 ]

 حضنا على أن نتدبر والتدبر والنظر في عاقبة الأمر ونعى على هؤلاء الذين أقفلت قلوبهم فلم يعتبروا ولم يتعظوا، أمرنا ربنا جل في علاه أن نسير في الأرض معتبرين متعظين ننظر في حال الأمم السابقة وننظر في حال الأمم الذي خلوا من قبلنا حتى نعتبر بحالهم قال تعالى:

 

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 11]

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) ﴾

[ سورة النمل: الآية 69]

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ﴾

[ سورة الروم: الآية 9]

 أيها الإخوة المؤمنون:
 في هذا العالم في هذا الكون لا شيء يحدث صدفةً كل شيء وفق قانون مدبر محكم ووفق قانون إلهي منظم سماه قرآننا بسنة الله في الكون هذه السنة أو هذه السنن المبثوثة مطلوب من المؤمن أن يعتبر بها وأن يتعظ بها وأن يتتبعها في القرآن الكريم قول الله تعالى:

 

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (62)﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 62]

﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77)﴾

[ سورة الإسراء: الاية 77]

 هذه السنة أيها الإخوة:
 هي طريقة الله سبحانه وتعالى المتبعة مع الأمم والشعوب في معاملتهم في معاملة الله تعالى لخلقه وفق معاملتهم هم لأنبيائه وشرعه ورسله وموقفهم من دينه سبحانه وتعالى وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة ثمة قوانين في هذا الكون تضبط سنة الله في هذا الكون.
 قانون التدافع:

 

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 251]

 قانون التغيير:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

 قانون السببية:

 

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً (85)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 اعتادت الأمم أيها الإخوة والشعوب أن يؤرخوا للأيام العظام من أيامهم فيقولون قبل الميلاد وبعد الميلاد وقبل الهجرة وبعد الهجرة وإعلامنا في هذا العصر أرخ لما قبل الحادي عشر من أيلول وما بعد الحادي عشر من أيلول كل هذه التغيرات الذي يراها المسلم قد استغلها الغرب استغلالاً قبيحاً فأسفر من خلالها عن وجهه القبيح وعن حقده الدفين والمسلم إنسان يقظ متبصر مطلوب منه أن يكون له الموقف وأن يعد العدة حتى لا يكون مجرد متفرج تسحق قيمه كلها ويمسح تاريخه كله من أجل ذلك أيها الإخوة كان لابد لنا من قراءةٍ قرآنية للأحداث الراهنة التي تجري حولنا في العالم صاحب السماحة السادة العلماء أيها الحضور الكريم اسمحوا لي باسمكم أن أرحب بفضيلة عالم دمشق الأستاذ المربي الدكتور محمد راتب النابلسي ليحدثنا عن ذلك فليتفضل مشكوراً مأجوراً.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 فبادئ ذي بدء أشكر لكم دعوتكم الكريمة وأشكر لكم حضوركم المتميز وعلى رأس من أشكر سماحة مفتي صيدا حفظه الله وأبقاه زخراً للمسلمين فقد تجشم عناء الحضور والاستماع إلى هذه المحاضرة.
 أيها الإخوة الكرام:
 هناك مشكلة يعاني منها المسلمون أن المرحلة المكية لم تأخذ من اهتمامهم القسط الأكبر مرحلة معرفة الله والمرحلة المدنية أخذت من اهتمامهم القسط الأكبر، لكنك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من أمره.
 الحقيقة التي سوف أسوقها لكم هي مقدمة لموضوع المحاضرة الذي نوه به الأخ الكريم، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، ما معنى أن يكون في كتاب الله ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن خلق السماوات والأرض ؟ هل يعقل أن يقول الله عز وجل في قرآنه الذي نتعبد ربنا بتلاوته أن تكون هذه الآيات أو هذا الكم الكبير من الآيات خارج اهتمامنا ؟
 أسوق لكم آيةً واحدة الله جل جلاله يقول:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 هل في الأرض مخلوق أهون على الإنسان من بعوضة ؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام:

 

((لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.))

 أيها الإخوة الأكارم:
 هل تصدقون أن في رأس البعوضة مئة عين وشكل هذه العيون كشكل خلية النحل وهل تصدقون أن في فمها ثمانية وأربعون سناً وأن هذه البعوضة على صغر سنها عندها مستقبلات حرارية ترى بالأشعة تحت الحمراء ترى الأشياء بألوان تتناسب مع حرارة الشيء بل إن هذه المستقبلات يمكن أن تدرك واحد بالألف من درجة الحرارة المئوية لذلك تنطلق في ظلام الليل إلى جبين الصبي وهو نائم.
 هل تصدقون أيها الإخوة أن في خرطوم البعوضة ست سكاكين أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً والسكينان الأخريان يتوائمان ليكونان أنبوباً تمص من خلاله دم هذا الصبي.
 هل تصدقون أن في البعوضة ثلاثة قلوب قلب مركزي وقلب لكل جناح وأن لكل قلب كما تعلمون أذينين وبطينين ودسامين.
 هل تصدقون أن البعوضة تملك مادةً مخدرة كي تمص دم الصبي وهي آمنة فإذا طارت انتهى مفعول المخدر فضرب على يده مكان لسعتها فلم يجد شيئاً.
 وهل تصدقون أن عند البعوضة جهاز تحليل دم فما كل دم يناسبها وأن عند البعوضة جهاز تمييع للدم ليسري في خرطومها.
 وهل تصدقون أن في البعوضة مخالب كي تقف على سطح خشن ومحاجم كي تقف على سطح أملس.

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 لضعف معرفة المسلمين في الآمر تاهوا في هذه الأحداث.
 أيها الإخوة الأكارم:
 تركب مركبةً تألق ضوء أحمر المشكلة ليست أنه تألق أو لم يتألق لقد تألق ورأيته رأي العين ولكن المشكلة لماذا تألق هنا المشكلة يتمايز الناس لا في إدراك الحدث ولا في أخذ العلم به بل في فهمه فهماً علمياً والفهم العلمي التفكير المطابق للواقع مع الدليل، الناس وراء شاشات التلفاز يرون الذي يحدث هم سواء لكن المؤمن كما تفضل الأخ الكريم يتميز على بقية الناس في أنه يفهم هذا الحدث في ضوء القرآن الكريم هذا الضوء الأحمر إن فهمناه ضوءاً تزيينياً وتابعنا السير احترق المحرك وتوقفت المركبة وتعطلت الرحلة وألغي الهدف أما إن فهمنا هذا الضوء فهماً علمياً واقعياً أن تألقه تألقاً تحذيرياً فوقفنا فجاً وأضفنا الزيت وسلم المحرك وتابعنا السير وحققنا الهدف.
 أيها الإخوة الأكارم:
 الفكرة الأولى هي أن نكون أبطالاً لا في أخذ علم بل الذي حدث بل بفهم الذي حدث لا فهماً أرضياً شركياً بل فهماً توحيدياً سماوياً.
 أيها الإخوة الأكارم:
 من هي الجهة الوحيدة التي تملك تفسير الذي حدث ؟
 إنها الله لأنه الخبير قال تعالى:

 

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)﴾

 

[ سورة الملك: الآية 14]

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة فاطر: الآية 14]

 فالجهة الوحيدة التي تملك التفسير الصحيح للذي حدث الله جل جلاله، الله عز وجل عند الطرف الآخر خلاق وليس فعالاً ولكن الله في عقيدة المسلم خلاق وفعال:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

 

[ سورة الزخرف: الآية 84]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

[ سورة الكهف: الآية 26]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف: الآية 54]

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) ﴾

[ سورة الزمر: الآية 62]

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة فاطر: الآية 2]

 الأمر إذا وصل إلى الهلاك المحقق الأمر كله بيد الله، فرعون وما أدراكم ما فرعون وقوة فرعون وجنود فرعون وقوة فرعون وجنود فرعون وطغيان فرعون وحقد فرعون، ولكل عصر فرعون ولكل عصر وحيد قرن، تبع سيدنا موسى فقال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين، إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك، يا ربي ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك ؟
 ضعف إيماننا بقدرة الله وضعف إيماننا بتوحيد الله وضعف إيماننا بحكمة الله أوصل المسلمين إلى ما وصلوا إليه.
 أيها الإخوة الكرام:
 حقيقة دقيقة جداً هي أن كل شيء وقع أراده الله وأن كل شيء أراده الله وقع ولا يعقل ولا يقبل أن يقع في ملك الله ما لا يريد ليس معنى أن الذي أراده أمر به ولا رضيه أراد ولم يأمر كما في عقيدة التوحيد وأراد ولم يرض، إذاً كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال تعالى:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 26]

 لم يقل بيدك الخير والشر لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ:.........وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ))

 

[ مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

 الشر لا يحتاج إلى خالق الشر سلبي، الشر حينما لا نطبق منهج الله يقع الشر الإنسان هو المخلوق الأول المخلوق المكرم أودع فيه الشهوات ومنحه حرية التصرف وأعطاه عقلاً ورسم له منهجاً ما هو الشر ؟ الشر حينما ينطلق الإنسان بدافع من شهواته من دون تعقل ومن دون منهج يقع الشر لذلك الشر المطلق لا وجود له في الكون، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي.
 أيها الإخوة الكرام:
 حقيقة بديهية لو أن واحداً تلقى ضربة بعصا أيحقد على العصا أم على الضارب ؟ إن حقد على العصا فهو مختل العقل ينبغي أن يحقد لا على العصا بل على الذي ضرب والطغاة في الأرض ولكل عصر فرعون والفرعون عصاة بيد الله، قال تعالى:

 

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 129]

 فلا ينبغي أن نحقد على العصاة فإذا كان الضارب هو رب العزة صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى إذاً هناك خلل في علاقتي مع ربي هنا المشكلة.
 المؤمن موحد يرى أن يد الله تعمل وحدها وأن الله وحده هو المعطي وهو المانع وهو الرافع وهو الخافض وهو المعز وهو المذل فإذا جاءت الأمور على غير ما يريد يوقن يقيناً قطعياً أن عنده مشكلة مع الله لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

 

[ سورة الشورى: الآية 30]

 هذه الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هذه حقيقة مرة ينبغي أن نتقبلها حينما هان أمر الله على الناس هانوا على الله، الله عز وجل يقول:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

 

[ سورة الرعد: الآية 11]

 حال المسلمون اليوم ينتظرون من الله أن يغير ما بهم وهم ليسوا مستعدين إطلاقاً على أن يغيروا ما بأنفسهم إن لم نغير الله جل جلاله لا يغير إن غيرنا يغير.
 لذلك حينما يدعي أحدنا أنه من أمة سيدنا محمد وهي خير أمة أخرجت للناس كلامه صحيح وغير صحيح في وقت واحد، علماء العقيدة قسموا أمة رسول الله إلى أمتين أمة الاستجابة التي استجابت لله وللرسول حينما دعاها لما يحييها فإن لم تستجب فهي أمة التبليغ وأمة التبليغ ليس لها أية ميزة عند الله، الأعداء يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه لم يقبل الله دعواهم بل رد عليهم وقال:

 

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 18]

 فإذا ادعى المسلمون أننا خير أمة أخرجت للناس الرد الذي رد به أهل الكتاب ينسحب علينا:

 

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 18]

 أنا عاهدت نفسي في هذه المحاضرة أن لا أجامل أحداً عاهدت نفسي أن أقول الحقيقة المرة وهي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 أيها الإخوة الكرام:
 نستنبط من هذه المقدمة أن المؤمن يفهم الأحداث فهماً توحيدياً إلهياً قرآنياً بينما غير المؤمن يفهم الأحداث فهماً شركياً أرضياً شيطانياً لذلك ينقسم الناس إلى قسمين أمام طغيان الطغاة وعدوان المعتدين وتجبر المتجبرين وغطرسة المتغطرسين ينقسم الناس إلى قسمين قسم يرى في هذا الطغيان قهراً والقهر من لوازمه الخنوع والاستسلام واليأس والانبطاح وتقبيل الأرجل.
 وقسم يرى في طغيان الطغاة وعدوان المعتدين تسليطاً والتعبير قرآني قال تعالى:

 

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 90]

 من لوازم التسليط أن نراجع الذات أن نثق بالله أن نعود إليه أن نصطلح معه أن نتوب إليه أن نقف على بابه أن نعبده، إذا فهمنا الأحداث المؤلمة إذا فهمنا قهر القاهرين وعدوان المعتدين تسليطاً من الله عز وجل لحكمة بالغة راجعنا أنفسنا وعدنا إلى ربنا فأزاح الله عنا ما بنا ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

 

[ سورة القصص ]

 أيها الإخوة الكرام:
 أنا لا أصدق أن في القرآن قصةً تاريخية وقعت ولم تقع في القرآن نماذج بشرية ألم يحدثنا ربنا عن قوم عاد ؟ قال تعالى:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾

 

[ سورة النجم: الآية 50]

 ماذا تعني كلمة عاد الأولى ؟ أي أن هناك عاداً ثانية هذه عاد الأولى لم يخلق مثلها في البلاد متفوقة في شتى الميادين، عاد الأولى متغطرسون مستكبرون عتاة.

 

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 15]

 آية ثانية.

 

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

[ سورة الفجر: الآية 8]

 وما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة إلا عاداً حينما أهلكها قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾

 

[ سورة فصلت: الآية 15]

 ما معنى ذلك ؟ أن عاداً ليس فوقها إلا الله كما يرى الناس اليوم في عالم الغرب المتغطرس المتكبر الظالم الطاغي.
 أيها الإخوة الكرام:
 عاد تفوقت في العمران:

 

﴿الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)﴾

 

[ سورة الفجر ]

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

[ سورة الشعراء ]

 عاد تفوقت في القوة العسكرية:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

 

[ سورة الشعراء: الآية 130]

 عاد تفوقت بالقوة العلمية:

 

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ﴾

 

[ سورة العنكبوت: الآية 38]

 ماذا فعلت عاد ؟ فعلت شيئين لا ثالث لهم:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) ﴾

 

[ سورة الفجر ]

 ماذا فعلوا ؟

 

﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾

 

[ سورة الفجر ]

 أيها الإخوة الكرام:
 نخلص من هذه المقدمة إلى أن المؤمن يفهم الأحداث فهماً توحيدياً إلهياً قرآنياً لذلك لا ييأس لا يقنط لا يخنع لا يستسلم لا ينبطح لا يذل بينما غير المؤمن يفهم الأحداث فهماً قهرياً من لوازم القهر اليأس والخنوع والذل والاستسلام والانبطاح.
 أيها الإخوة الكرام:
 هذا ملمح قرآني يلقي ضوءاً على حقيقة الأحداث التي وقعت مؤخراً لكن دققوا فيما سأقول لكل واقع حكمة مادام الشيء الذي وقع له حكمة وقد يكون الموقع مجرماً لأن الله سمح أن يقع إذاً هناك حكمة ندركها أم لا ندركها نعلمها أم لا نعلمها لأن الله سبحانه وتعالى حكيم وحكمته مطلقة فلا يعقل أن يسمح أن يقع حدث كالأحداث التي وقعت من دون أن يكون لها حكمة بالغة إذاً لكل واقع حكمة وقد يكون الموقع مجرماً لكن لأن الشيء الذي وقع وقع إذاً فيه حكمة قد تدرك عقولنا هذا الشيء بعد حين.
 من إيجابيات الذي حدث أنا أتحدث عن الإيجابيات أن هذه الجهة القوية المستكبرة الجبارة المتغطرسة خطفت أبصار العالم قبل أحداث الحادي عشر من أيلول مجتمع الغنى مجتمع الثراء مجتمع حقوق الإنسان مجتمع الديمقراطية مجتمع الحرية مجتمع العدل مجتمع الرفق بالحيوان كل البشر يطمحون إلى هذه البلاد إلى أن يذهبوا إليها إلى أن يأخذوا هذا الكرت الأخضر إلى أن ينالوا الجنسية هذه الجهة بذكائها لا بطاعتها لله لكن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يسمح لجهة أن تخدع العالم طول الوقت لا يسمح الله لجهة أن تخدع العالم طول الوقت إذاً كانت هذه الأحداث فظهرت هذه الجهة التي تدعي الحرية والديمقراطية والعدل والإنسانية ظهرت وحشاً لا كالوحوش عدوانياً لا كالوحوش يكيل بألف ميزان.
 تسقط طائرة تتهم جهة عربية أنها سببت في إسقاطها فتطالب بمليارين وسبعمئة مليون على أساس الذين ماتوا مئتان وسبعون راكباً لكل راكب عشرة ملايين دولار، أما حينما يقتلون المئات في فلسطين وفي أفغانستان لا يدفعون شيئاً هل رأيتم أبشع ممن يكيل بألف مكيال ؟ الحقيقة الإيجابية الضخمة أنهم في الوحول الآن هم أقوياء أنا معكم أنهم أقوياء ولكن كأمة حضارية كأمة تدعي أنها راقية جداً هي الآن في الوحل لذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 256]

 أي لم تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت وقد أعانونا على أن نكفر بهم، أنا متأكد أنه قبل الحادي عشر من أيلول معظم الناس يقدسون هذه الجهة القوية أما الآن أطفالنا يحتقرونهم وهذا إنجاز كبير صار الطريق إلى الله سالكاً لم يبقَ في الميدان إلا الدين لم يبقَ في الميدان إلا الإسلام مع أن هناك حرباً عالميةً ثالثةً معلنةً على الإسلام لكن هناك إقبالاً شديداً لفهم هذا الدين لقد قفز الإسلام إلى بؤرة الاهتمام وهذا من إيجابيات الذي حدث قفز الإسلام إلى بؤرة الاهتمام.
 أيها الإخوة الكرام:
 كشفت الأقنعة وظهر الكذب وظهرت وحشية الغرب وظهر انحيازه للباطل وظهر كرهه للمسلمين، قال تعالى:

 

﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 119]

 أيها الإخوة الكرام:
 فكرة ثالثة يوجد بالشام جبل قاسيون كلكم تعرفونه جبل متواضع جداً صغير جداً لو اجتمعت قوى الأرض على أن تنقله إلى درعا هل تستطيع؟ اسمعوا قوله تعالى:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

 آية ثانية، لو وقف إنسان أمامكم وتوجه إلى الشمس ليطفأها بنفخة من فمه ماذا تحكمون عليه ؟ ألم يقل الله عز وجل:

 

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 32]

 إن كان البشر كلهم لا يستطيعون إطفاء الشمس فكيف بإطفاء نور الله لذلك ما ضر السحاب نبح الكلاب وما ضر البحر أن ألقى فيه غلام بحجر ولو تحول الناس إلى كناسين ليثيروا الغبار على الإسلام ما أثاروه إلا على أنفسهم ويبقى الإسلام شامخاً و هذا الدين هو دين الله لا تقلقوا عليه أبداً لا تقلقوا عليه أبداً.
 كنت في تركيا مرةً وزرت أفخم متحف فيها دولما بهجت وقلت كلمةً إن مئات الطغاة أرادوا إلغاء الإسلام ففطسوا والإسلام باق إلى أبد الآبدين لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله ولكن اقلقوا ما إذا سمح الله لكم أم لم يسمح أن تكونوا جنوداً له هذا هو القلق هل سمح الله لي أم لم يسمح أن أكون جندياً لهذا الدين.
 أيها الإخوة الكرام:
 هذا القرآن الذي بين أيدينا لو تدبرناه:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 47]

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) ﴾

[ سورة إبراهيم: الآية 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 119]

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 12]

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 36]

 الحل أيها الإخوة في كلمتين في آية واحدة، كلمتين:

 

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 قبل قليل:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

[ سورة إبراهيم: الآية 46]

﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 العبرة الخطورة أن نهزم من الداخل قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 139]

 البطولة ألا ننهزم من الداخل ولكن أعيد وأكرر هان أمر الله على الناس فهانوا على الله.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 وجميعاً نعتقد أن زوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعوده للمؤمنين وعد الله قطعي، قطعي لا محالة بل إن علماء العقيدة يقولون وعد الله واقع لا محالة لكن وعيده ظني الوقوع، فكيف يقول الله عز وجل ؟

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أين الاستخلاف ؟ والله لا استخلاف.

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أين التمكين ؟ والله لا تمكين.

 

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

[ سورة النور: الآية 55]

 أين التطمين ؟ والله لا تطمين، لا استخلاف ولا تمكين ولا تطمين كيف نفسر ذلك ؟

 

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87)﴾

 

[ سورة النساء: الآية 87]

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة النوبة: الآية 111]

 نفهم ذلك:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

[ سورة مريم: الآية 59]

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي أجمع العلماء على أن إضاعة الصلاة ولا تعني تركها بل يعني تفريغها من مضمونها، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر فإن لم تنهَ صلاة الرجل عن الفحشاء والمنكر لم يقطف ثمرتها لابد من أن يصلي لكن لم يقطف ثمرتها ليست هذه الصلاة التي أمر الله بها ليس كل مصل يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما والظلمة نورا يدعوني فألبيه يسألني فأعطيه يقسم علي فأبره أكلأه بقربي واستحفظه ملائكتي مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها.
 كلما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة وكلما رخص لحم النساء غلا لحم الضأن وكلما قل ماء الحياء قل ماء السماء وقد هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله.

 

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾

 

[ سورة محمد: الآية 38]

 أيها الإخوة الكرام:
 يقول الله عز وجل:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 33]

 الآية واضحة وضوح الشمس في حياة النبي ولكن ما معنى هذه الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى ؟ قال علماء التفسير: مادامت سنة النبي عليه أتم الصلاة والسلام قائمة في بيوتنا وفي أعمالنا وفي كسب أموالنا وفي إنفاق أموالنا وفي أفراحنا وأتراحنا وفي علاقاتنا ما كان الله ليعذبنا فإذا عذبنا ربنا معنى ذلك أن سنة النبي ليست قائمة فينا.

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 33]

 أيها الإخوة الكرام:
 حقيقة لابد منها أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل سيدنا معاذاً قال يا معاذ ما حق الله على عباده ؟ قال الله ورسوله أعلم، أعاد عليه السؤال ثانية وثالثة حتى أجابه النبي قال:

 

(( يا معاذ حق الله على عباده أن يعبدوه))

 العبادة علة وجودنا:

 

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 علة وجودنا العبادة: طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 أيها الإخوة الكرام:
 ثم سأل النبي عليه أتم الصلاة والسلام سيدنا معاذاً سؤالاً ثانياً وما حق العباد إذا هم عبدوه ؟ قال الله ورسولله أعلم، سأله ثانياً وثالثة ثم أجابه فقال:

((حق العباد على الله إذا هم عبدوه أن لا يعذبهم.))

 فإذا كان الله يعذبنا معنى ذلك أننا لا نعبده، لا نعبده العبادة الحق لعلنا نعبده العبادة الشعائرية أن نصلي ونصوم وأن نحج ونزكي أما في كسب الأموال في إنفاق الأموال.

 

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

 

[ ابن ماجه ]

 النبي عليه الصلاة والسلام سالأ أصحابه من المفلس ؟

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

(( عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ قَالَ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ))

[ البخاري، مسلم، الدارمي ]

 يا رسول الله إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها قال:

 

((هي في النار.))

 التركيز الآن على العبادة الشعائرية أما العبادة التعاملية ورد عن بعض العلماء أن ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام وقد قال عليه الصلاة والسلام والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا.
 نفهم الدين فهماً تعبدياً فقط أما التعامل، العمل الصالح، الانضباط، الاستقامة الصدق، الأمانة.
 سيدنا جعفر رضي الله عنه من أكابر الصحابة لما التقى النجاشي وسأله عن هذا الدين ماذا أجابه ؟ قال: أيها الملك كنا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الرحم ونسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
 المؤمن شيء عجيب إذا حدثك فهو صادق وإن عاملك فهو أمين وإن استثيرت شهوته فهو عفيف، نعرف أمانته وصدقه وعفافه.
 أيها الإخوة الكرام:
 أرجو الله جل جلاله أن نفهم هذه الأحداث فهماً تسليطياً لا فهماً قهرياً الفهم التسليطي يرجعنا إلى الله نصطلح معه نتوب إليه نقبل عليه فينصرنا ويأخذ بيدنا ويجعلنا خير أمة أخرجت للناس.
 الله عز وجل موجود إله الصحابة إلهنا ربهم ربنا والقوانين ثابتة والله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى وأشكر لكم حضوركم وإصغاءكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 جزى الله العلي القدير محاضرنا الكريم على ما أفاد وأجاز وأماط اللسان عن كثير من القوانين التي تحكم حياتنا نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل حضورنا هذا وأن يجعله في ميزان حسناتنا.
 دائرة الأوقاف الإسلامية إدارة مدارس الإيمان تشكر حضوركم وإلى لقاء قريب بتوفيق الله سبحانه وتعالى أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتهز.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018