بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 26 - أزهر البقاع - الزكاة في الإسلام .


2002-10-20

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
 بادئة ذي بدء أسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم.
 ثانياً أشكر من أعماق أعماقي سماحة مفتي البقاع وزحلة الشيخ الجليل جزاه الله عنا كل خير على تأسيسه خزان الزكاة كما اقترح، ثم أنني أشكر فضيلة الدكتور أسامة الرفاعي على محاضرته الجامعة المانعة والحقيقة أنه أتعب من سيأتي بعده.
 أيها الأخوة الكرام:
 قوام الدين والدنيا أربعة رجال كما قال الإمام علي كرم الله وجه.
 الرجل الأول: عالم مستعمل علـــــــــــمه.
 الرجل الثاني: جاهل لا يستنكف أن يتعلم.
 الرجل الثالث: غني لا يبخل بمـــــــــــاله.
 الرجل الرابع: فقير لا يبيع أخرته بــدنياه.

 لو حركنا هذه النماذج...
 فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم.
 وإذا بخل الغني بماله باع الفقير أخرته بدنيا غيره.
 وهذا واقع...
 قوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع أخرته بدنياه فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير أخرته بدنيا غيره.
 أيها الأخوة الأحباب:
 يقول الله عز وجل:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)﴾

( سورة الفجر )

 ما الجواب الإلهي ؟

 

﴿كَلَّا﴾

 

( سورة الفجر الآية: 16)

 كلا: أداة ردع ونفي، يعني لا يا عبادي، ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، فالله سبحانه وتعالى حينما يتفضل على إنسان بالغنى يجب أن يعلم الغني علم اليقين أن هذا المال ليس نعمة وليس نقمة، إنما هو موقوف على طريقة إنفاقه، فإذا أنفق في طاعة الله كان سلماً إلى الدرجات العلا، وإذا أنفق في معصية الله كان دركات إلى النار، فالمال إذاً ليس نعمة وليس نقمةً، موقوف على طريقة إنفاقه فقد يرقى الإنسان بماله إلى أعلى عليين وقد يهبط به إلى أسفل سافلين وهل تصدقون أن سيد الخلق وحبيب الحق رفع الغني المحسن إلى مرتبة العالم العامل، قال:

((لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله علماً فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار ورجل أتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وأطراف النهار.))

 معنى ذلك واسمحوا لي بهذا المثل القريب، إذا تصورت الجنة مدينة رائعة هي ملك لمن دخلها، قد تدخلها مشياً على قدميك، وقد تدخلها على دراجة، وقد تدخلها على دراجة نارية، وقد تدخلها بسيارة متواضعة، وقد تدخلها بسيارة فخمة، وقد تدخلها بطائرة، هؤلاء حينما يدخلون هذه المدينة لا معنى لوسائل النقل التي استخدموها، أي ؛ أن الجنة لكل المسلمين، يدخلها الغني بماله، والعالم بعلمه، والمحسن بإحسانه والقوي بعدله، والمرأة برعاية زوجها وأولادها، هي لكل المسلمين، ولا عبرة للوسيلة حينما تحقق الغاية.
 أيها الأخوة الكرام:
 معناً آخر دقيق جداً في قوله تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

( سورة المعارج )

 شديد الخوف:

 

﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

 

( سورة المعارج )

 أيها الأخوة:
 نقاط ضعف ثلاثة في شخصية الإنسان لصالح إيمانه، الإنسان جُبل على الحرص، فإذا أنفق المال ارتقى إلى الله، جُبل على طلب العاجلة فإذا آثر الآجلة ارتقى إلى الله عز وجل، جُبل على الخوف فإذا جازف بمصلحته في سبيل الله فقد ارتقي إلى الله.

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

 أيها الأخوة الكرام:
 آية دقيقة جداً هي أصل في الزكاة، يقول الله عز وجل:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 

( سورة التوبة )

 فكما تفضل شيخنا الجليل في أن الزكاة تعطى للنبي عليه الصلاة والسلام لا على أنه نبي هذه الأمة، ولا على أنه رسول هذه الأمة، على أنه ولي أمر المسلمين، فرق كبير بين أن تعطي زكاة لإنسان تحوله من قابض زكاة إلى دافعها، وبين أن تجعله سائداً طوال حياته.

 

﴿ خُذْ ﴾

 الزكاة تأخذ ولا تعطى، لأنه يتعلق بها صالح المسلمين، لأن المال قوام الحياة وكاد الفقر أن يكون كفراً، والنفس حينما تحرز قوتها تطمأن، فالذي يلعب بأدوات سلامة الأمة له عند الله عقاب شديد.
 أيها الأخوة الأكارم:

 

 

﴿ خُذْ ﴾

 فعل أمر، موجه إلى أولي الأمر.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

 أما كلمة:

 

 

﴿مِنْ ﴾

 هذه من للتبعيض، ليست في الزكاة شيء اسمه مصادرة المال كله، إطلاقاً.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ ﴾

 خذ بعض أموالهم، ونسب قليلة جداً لكن هذه النسب بتقدير الله عز وجل كافية لحل مشكلات المجتمع، وهناك إحصاءات دقيقة أنه أقل من خمسة بالمئة من أغنياء المسلمين يدفعون زكاة أموالهم، ولو دفعت زكاة أموال المسلمين بالتمام والكمال لكنا في حال غير هذا الحال، إن هذا تشريع إلهي، لأن هذا التشريع الإلهي وصفه الله عز وجل بقوله تعالى:

 

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

( سورة المائدة الآية: 3 )

 أيها الأخوة الكرام:

 

﴿ خُذْ مِنْ ﴾

 أي بعض أموالهم، أما كلمة أموالهم جاءت جمعاً لأن الزكاة تتوجب في كل أنواع المال فيما أنتجته الأرض، في المواشي والأغنام والإبل والبقر، في الذهب والفضة، في عروض التجارة.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 كل أنواع الأموال مطالب فيها المسلم أن يدفع زكاة ماله.
 أيها الأخوة الكرام:
 أنت حينما تدفع زكاة مالك يحفظ الله لك بقية مالك وحينما تؤدي زكاة وقتك فتصلي فيحفظ الله لك بقية وقتك، زكاة الشيء حفظ للأصل.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 جميعها، أما كلمة هم.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 لا يمكن أن تطوى الزكاة عن مواطن، ولا عن مسلم، جاءت هم جمعاً، ضمير الجمع، الهاء مع الميم ضمير الجمع للأصل.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 سميت الزكاة هنا صدقة لأنها تؤكد صدق الإنسان في علاقته بربه، فقد يكون الكلام كلاماً أما حينما ينفق مالاً حبب إليه، ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 14 )

 فالمال محبب وقد أودع الله حب المال في قلوب الناس، حتى يرتقوا بإنفاقه، لو أن الشيء غير محبب ما ارتقينا بإنفاقه، فالإنسان معه طبع ومعه تكليف، الطبع يقتضي أن تأخذ المال، والتكليف يقتضي أن تنفقه والطبع يقتضي أن تملأ عيناك من محاسن النساء، والتكليف أن تغض البصر، والطبع يقتضي أن تنام، والتكليف يقتضي أن تستيقظ لتصلي والطبع أن تجول في فضائح الناس، والتكليف يقتضي أن تصمت، فمن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة، فحينما ينفق الإنسان مالاً هو قوام الحياة، هو قوام الطعام والشراب، قوام اللباس والسكن، قوام تربية الأولاد، حينما تنفق جزءاً من مالك فأنت تأكد صدقك في تعاملك مع ربك وجاءت هنا الزكاة بمعنى الصدقة، أي تؤكد صدق المؤمن.

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

 ماذا تفعل الصدقة، يعني سبحان الله القرآن أعطى إنفاق المال اسماً رائعاً، زكاة تزكو به النفس، أما الحكومات حينما تعطي هذا المال الذي يدفعه المواطن لها اسم ضريبة جاء من الضرب، فرق كبير بين الزكاة وبين الضرب.

 

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾

 تطهرهم ؛ تطهر الغني من الشح:

 

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

 

( سورة الحشر )

 والشح مرض خطير والشحيح يعيش فقيراً ليموت غنياً.
 وأندم الناس رجل دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار.
 الشحيح يعيش فقيراً ويموت غنياً، الشحيح يتمنى أهله موته الشحيح لا يحبه أحد.

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 يعني قد يمرض الأب الشحيح ويأتي الطبيب يسأله أولاده بلهفة كيف حاله ؟ يقول لهم بخير يتألمون لماذا بخير، يتمنون موته.
 أيها الأخوة الكرام:

 

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 لذلك الزكاة تطهر الغني من الشح، وتطهر الفقير من الحقد، حينما يكون الفقير محروماً بائساً جائعاً عارياً ويرى الغني غارقاً في الملذات هو بشر، هو بشر تجري عليه خصائص البشر، يحقد على هذا الغني، ما الذي يستل هذا الحقد من الفقير ؟ أداء الزكاة، حينما يعطى الفقير طعاماً وشراباً وكساءً وكلاماً طيباً يشعر أنه له مكانة في المجتمع، إذاً يطهر الفقير من الحقد، أما المال يطهر المال من تعلق حق الغير به، والحجر المغصوب في بناء رهن بهدمه، هذا المال يتعلق حق الغير به، فأنت حينما تؤدي زكاة مالك تذهب عن مالك شره، تذهب عن مالك تعلق حق الغير به إذاً:

 

 

﴿ تُطَهِّرُهُمْ ﴾

 الغني من الشح، والفقير من الحقد، والمال من تعلق حق الغير به.

 

 

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

 الزكاة من السمو، الغني حينما ينفق ماله ويرى علائم المودة في قلوب الذين أعطاهم، ويرى أنه حل مشكلاتهم، ويرى أنه مسح دموعهم ويرى أنه أدخل السعادة في قلوبهم، ويرى أنه جبر خاطرهم، يشعر بدوره الخطير في المجتمع، تنمو نفسه، ذلك أن الإنسان أيها الأخوة فيه دافع إلى الطعام والشراب، للحفاظ على الفرد، وفيه دافع إلى الجنس للحفاظ على النوع، وفيه دافع إلى تأكيد الذات، وكم من عمل رائع يمكن أن تؤكد به ذاتك وأنت ضمن منهج الله عز وجل، الغني حينما ينفق ماله لهؤلاء الفقراء والمساكين يرى حوله من يحبه، لا يحتاج إلى من يحرث أمواله، الفقير حارسها، الآن النفقات التي تدفع للأمن في بلاد الغرب عشرات أضعاف نسب الزكاة، لأن هذا الفقير حينما يأس صار مجرماً أراد أن يقلق الغني، لا شيء يخسره.
 أيها الأخوة الكرام:
 أعظم شيء في الزكاة أنها تزكو نفس الغني، يشعر بدوره الخطير يشعر أنه في قلوب الناس، كل من حوله ينهج بمدحه، طيب الفقير، ينمو الفقير، الإنسان إذا كان محروم يشعر بغضاضة، يشعر بأنه مهمل، بأنه مهان، ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾

 

( سورة الفجر )

 الفقير يشعر بالهوان، لضعف إيمانه، ولضعف إيمانه بالقضاء والقدر، ولضعف إيمانه بالله عز وجل، فحينما يأتي الغني ويعطيه حاجاته الكافية تنمو نفسه، يشعر أنه مهتم به، المجتمع مهتم به، الناس يحرصون على سلامته وسعادته، فالفقير تزكو نفسه.
 أما المال: المال يزكو بالزكاة بقانون اقتصادي مشهور، الآن الدول الكبرى الغنية تعطي مساعدات للدول الفقيرة لسواد عيونها ؟ لا والله، من أجل أن يمتلك الفقير قوة شرائية تعود بالخير على الدول الغنية، فلذلك حينما تعطي الفقير من مالك فيكون في أيدي الفقراء مال ماذا يفعلون بهذا المال سوف يتوجهون به إلى أصحاب المحلات لشراء حاجاتهم، فإعطاء الزكاة للفقير أعطيته قوة شرائية، عادت بالنفع على الأغنياء، المال ينمو بهذه الطريقة، ولكن هناك طريقة أخرى لا إله إلا الله على عظمة هذا التشريع، ينمو المال بطريقة العناية الإلهية، أنت تقرأ في القرآن الكريم:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 276 )

 لكن في الآلة الحاسبة لو أقرضت مئة ألف سأتخذها مئة وعشرين ألفاً في الآلة الحاسبة القرض الربوي أربح يقول:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 276 )

 كيف بالعناية الإلهية، فكم من إنسان مسلم أدى زكاة ماله صرف الله عنه جائحةً، كم من مسلم أدى زكاة ماله صرف الله عنه مصيبة إما في جسمه، أو في أولاده أو في بضاعته، هناك بضائع تتلف، هناك بضائع تصادر، هناك مشكلات لا تنتهي، أما حينما تؤدي زكاة مالك أنت تحفظ مالك، إما بقانون اقتصادي معروف، أو بطريقة العناية الإلهية.
 أخوتنا الكرام:
 حقيقة دقيقة جداً هي أنه يستنبط من حركة الحياة قوانين يعرفها الناس جميعاً، أحياناً يأتي الأمر الإلهي مخالفاً لقوانين حركة الحياة، يعني أنت حينما الآن تقرض قرض حسن أنت خاسر بقوانين حركة الحياة، مع التضخم النقدي أنت خاسر لا محالة، لكن أنت حينما تجازف وتدفع هذه الخسارة كي ترضي الله عز وجل أنت ضحيت بمصالحك بحسب قوانين الحياة، ورجوت رضاء الله عز وجل عندئذَ يخضعك الله عز وجل لقانون العناية الإلهية، فإذا أنت يعود عليك الذي أنفقته أضعافاً مضاعفة تحققت رضاء الله عنك وتعويض المال الذي أنفقته.
 أيها الأخوة الكرام:
 أولاً لو أن أحدنا أراد أن يقدم هدية لإنسان أنا متأكد أنه حريصاً حرصاً لا حدود له على أن يضع بطاقة داخل الهدية حتى إذا فتحت يعلم ممن هذه لا يضعها خارج الهدية قد تسقط يضعها في الداخل حتى إذا فتحت هذه الهدية في بطاقة أن الذي قدم هذه الهدية هو فلان، إذاً عند المنفق حاجة عميقة جداً إلى أن يعلم الذي أنفقت من أجله من أنت، الله عز وجل طمأننا، قال:

 

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

 

( سورة البقرة )

 لا تحتاج لا إلى إيصال ولا إلى تدقيق ولا إلى دفتر حسابات.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

 وعند الإنسان حاجة أخرى أنه إذا أنفق يتمنى أن يعوض الله عليه قال:

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) ﴾

( سورة سبأ )

 في أكثر من عشرة آيات طمأن الله المنفق أنه يعلم وسوف يكافئه أضعافاً مضاعفة، لذلك أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا.
 ورد في بعض الأحاديث القدسية:

 

(( أن عبدي أَنفق أُنفق عليك، ودرهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف ردهم ينفق في رياء، ودرهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم تنفقه بعد مماتك ))

 والله عندي في البيت أكثر من عشر وصايا، لم تنفذ واحدة، بعد موت أصحابها ما وجدت أسرة قبلت أن تنفذ وصية أبيها، ضنت عليه وقد تركها عدة أبنية في دمشق ضنت عليه بمئة ألف ليرة، أنفق المال في حياتك ونام واسترح، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم تنفقه بعد مماتك.
 أخوتنا الكرام:
 الحقيقة أن الزكاة مطلب كبير في هذا الدين العظيم، ولكن أحياناً تشوه صورتها بأن تكون في النهاية مبلغاً زهيداً لا يحل مشكلات الفقير يعطيها الغني باستعلاء، الحقيقة أن الزكاة الحقيقية ينبغي أن تغني الفقير عام على مذهب وطوال حياته على مذهب آخر، ما معنى طوال حياته ؟ أيعقل أن يعطيه ملايين مملينة ؟ لا، علمه صنعة، اشتري له مركبة، آلة حياكة، علمه صنعة كما قيل، لا تطعمني سمكة علمني كيف أصطاد السمك، فحينما تؤسس مؤسسات تؤهل الفقراء للعمل نحن في الشام تجربة متواضعة جداً إنسان قدم بيت من أغنياء دمشق لوجه الله تعالى جعل هذا البيت مركز تدريب مهني للفتيات الفقيرات، يعلمن فنون الخياطة الراقية ثم تعطى آلة خياطة، ثم تعطى القماش كي تخيط، وتعطى أجر على خياطتها وتحولت من قابضة زكاة إلى دافعة زكاة.
 أيها الأخوة الكرام:
 هذه الآية أصل في فريضة الزكاة:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 الحقيقة أن الضمان الاجتماعي في الإسلام عن طريق الزكاة بالمناسبة ورد في بعض الأحكام الفقهية أنه لا تقبل زكاة الإنسان وفي أقرباءه محاويج، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

((الصدقة على القريب صدقة وصلة، في وقت واحد ))

 لأن قريبك الفقير ليس له غيرك، أما الفقير أنت له وغيرك له، أما قريبك الفقير ليس له غيرك، لذلك لا تقبل زكاة مال من مسلم وفي أقرباءه محاويج، وكأن الضمان الاجتماعي كان أساسه القرابة.
 أيها الأخوة الأحباب:
 ليس من السلوك المقبول أن تشعر هذا الفقير أن هذا زكاة مالك، لك أن تؤدي الزكاة من دون أن تجرحه، لك أن تؤديها بشكل لطيف، بشكل هدية بشكل حاجات أساسية، أما هذا الذي يتوهم لجهله أنه لا بد من أنه يذكر لهذا الفقير أنها زكاة ماله، يشعره أنه فقير، لا، لك أن تقدم الزكاة بطريقة رائعة تحفظ بها ماء وجه الفقير.
 شيء آخر أيها الأخوة:
 يعني يتوهم المسلم أنه لمجرد أن يدفع الزكاة إلى أية جهة فقد أدى الفريضة، أنا أرى خلاف ذلك، لا بد من أن تتحرى، أن تدفع الزكاة إلى مستحقيها، مستحقها لا يسألك، مستحقها لا يطلب منك، وقد قال الله عز وجل:

 

﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾

 

( سورة الذاريات )

 من هو المحروم ؟ الذي لا يسأل، من هو المحروم ؟ الذي يحفظ ماء وجهه، من هو المحروم الذي يشعر بعزة نفسه، فأنت مكلف تطبيقاً لهذه الآية أن تدفع الزكاة لمن لا يسألك إياها، إذاً هناك فرض عليك أن تتحرى أنت إن رأيت إنساناً مؤمناً عزيز النفس كريم النفس ينبغي أن تسأله عن أحواله، وعن ديونه، وعن إنفاقه، فإذا كان مستحقاً تعطيه لمن لا يسأل فهذا الذي يسأل.
 نحن عندنا في الشام كلفت لجنة لمكافحة التسول، فأحد أخوتي الكرام رئيساً لهذه اللجنة، جمع في الشام 1500متسول، وحقق معهم تحقيقاً دقيقاً هل تصدقون أو لا تصدقون أن الألف والخمسمئة خمسة بالمئة فقراء واحد منهم عنده أربعين مليون ليرة سورية، وأكثرهم لهم أموال في البنوكفوق المليون المتسولون، سؤل متسول كيف تتسول وأنت غني، قال قضية مبدأ.
 فيا أيها الأخوة الكرام:
 شيء مهم جداً أن تبحث عن مصرف الزكاة، إذا دفعت إلى عالم مخلص جليل يخاف الله عز وجل يدفعها إلى طلابه الذين يعرفهم معرفة يقينية، أما أن تدفع الزكاة جزافاً من دون دراسة فهذه مشكلة كبيرة.
 أيها الأخوة الكرام:
 كما تكلمت المحاضرة السابقة جامعة مانعة وقد أتعب من أتى بعده فأسال الله سبحانه وتعالى لكم التوفيق والنجاح وإلى الإجابة عن بعض الأسئلة.
 سؤال:
 ما هو السبيل لدعم نشر مشروع الزكاة بين الأوصات لكونها فريضة أقل عناء من الصلاة إن صح التعبير لأن الصلاة فريضة أدائها موجب يومياً، أما الزكاة فهي سنوية، وهي تدعم المسلمين، وتنشر الإسلام وتقوي الدعائم.
 أخوتنا الكرام:
 الجواب:
 ممكن لأي تاجر عليه زكاة أن يفتح حساب زكاة في أول العام فكل ما جاءته حالة واضحة جداً دراستها عميقة جداً أدى الزكاة سلفاً فإذا جاء رمضان حسب الذي دفعه فرضاً مئة ألف عليه مئة وعشرين ألف دفع العشرين، عند الفقهاء يجوز أن تدفع الزكاة سلفاً، فحينما تدفعها على مدار العام بحالات تقنع بها، لها دراسة عميقة جداً فهذا أعون على وضعها في مكانها الصحيح، هذا جواب السؤال الذي بين يدي.
 سؤل أحد علماء القلوب كم الزكاة يا سيدي فقال عندنا أم عندكم قال عجيب كم دين في؟ ما عندنا وما عندكم ؟ قال عندكم ربع العشر وعندنا العبد وماله لسيده، يقول الله عز وجل:

 

﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 177 )

 ثم يقول:

 

﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 177 )

 معنى إيتاء المال على حب الله غير الزكاة.

 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

 حق معلوم هذه الزكاة.

 

 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ ﴾

 ما في معلوم للسائل والمحروم هذه الصدقة، المسلمون يحصرون إنفاقهم بالزكاة مع أنهم مكلفون أن يوسعوا إنفاق أموالهم لتكون صدقة فوق أن تكون زكاة ومصارف الصدقة واسعة جداً، مصارف الزكاة محصورة في الفقراء والمساكين، والثمانية التي ذكرها الله عز وجل، فعندنا العبد وماله لسيده لو أن إنسان أدى الضريبة هل يكرم، لا، ضريبة، أما حينما يقدم بناء لمؤسسة اجتماعية يقام له حفل تكريمي، فأرقى أنواع الإنفاق ما كان صدقة فوق الزكاة.

 

 

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

 في طرفة ألقيت في مجلس الشعب عندنا، جاء رجل إيراني إلى دمشق، لا يحسن الكلام ولا كلمة بالعربية فطلب سيارة، سأل السائق أين تذهب فأشار له إلى السيدة زينب، فأخذه إلى وزارة المالية.
 هذا المنطلق بين الزكاة والضريبة، ينفق الإنسان زكاة ماله عن طيب خاطر، وهو في قمة السعادة، أما إذا كلف أن يدفع مبلغاً لجهة ما يدفعها قهراً.
 الحقيقة الذي يستحق الزكاة لا يسألك، إذاً يبنى على هذه الآية أنه ينبغي عليك أن تتحقق، يعني في عندنا مؤسسات المعاهد والجامعات وحلقات العلم الذي يقوم على هذه المؤسسة أعلم الناس بطلابه، في مصالح مثلاً لا بد من أن يوجد في المصلحة إنسان راقي صاحب دين وورع يسأل هذا عن المحتاجين، أما الذي يسألك ويقتحم عليك هو ليس مستحقاً للزكاة والذي يستحي أن يسألك هو الذي يستحقها، إذاً يترتب على هذا التوجيه القرآني أن نسأل نحن وأن نتقصى.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018