بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 27 - دار الفتوى - بيروت - حكم الصيام .


2002-10-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
 فإنني أشكر جزيل الشكر الدائرة الإسلامية في صندوق الزكاة على هذه الدعوة الكريمة، وأشكر دار الافتاء وعلى رأسها سماحة المفتي العام للجمهورية اللبنانية، كما أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون عند حسن ظنكن.
 أيتها الأخوات الكريمات: يقول الله عز وجل:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

(سورة النساء)

 وفي آية أخرى يقول:

 

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 

(سورة النساء)

 فلو وازنا بين الآيتين لوجدنا أن الفوز العظيم وأن الربح الجزيل والتوفيق الكبير والتفوق العظيم في معرفة الله عز وجل وفي طاعته، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لن يعطيك شيئاً، ويظن المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل !
 أيتها الأخوات الكريمات: أزمة أهل النار وهم في النار أزمة علم فقط لقوله تعالى:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

(سورة الملك)

 فالإنسان يحب وجوده ويحب سلامة وجوده وكمال واستمرار وجوده، هذه طبيعة الإنسان في أي مكان وزمان، فحينما يهتدي إلى طريق سلامته وسعادته يسلك هذا الطريق بحكم فطرته، أما حينما يضل سواء السبيل يسلك طريقاً يتوهمه مسعداً له، قال تعالى:

 

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

 

(سورة الكهف)

 علة وجود الإنسان على سطح الأرض أن يعبد الله لقوله تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

(سورة الذاريات)

 علة وجودنا أن نعبد الله، كيف أن طالباً لو ذهب لبلد غربي لينال الدكتوراه، نقول علة وجوده في هذا البلد الدراسة، فأي شيء يقربه من الدراسة هو خير، وأي شيء يبعدنا عنها هو شر، فعلة وجودنا على وجه الأرض أن نعبد الله، والعبادة طاعة طوعية مسبوقة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 حقيقة الدين التزام بالأمر والنهي وتطبيق لمنهج الله، لكن هذا الالتزام وذاك التطبيق لا يمكن أن يطبقان إلا إذا عرفت الله، أما الثمرة فهي السعادة في الدنيا والآخرة.

 

فلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذنك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمة  لمـت غـريباً واشتياقاً لقـربنا
فـما حبنا سهل وكـل مـن  ادعى سهولته قلنا له قد جهـلتنا
***

 الإنسان يبحث عن السلامة والسعادة والسلامة في طاعة والله والسلامة في التقرب منه ذلك أن الإنسان يحب ذاته كما قلت قبل قليل، فحينما يسلم من متاعب الدنيا ومن شقاء الدنيا، هذه السلامة بسبب تطبيق تعليمات الصانع وما من جهة ينبغي أن تطبق تعليماتها كالجهة الصانعة لأنها الخبيرة، قال تعالى:

 

 

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

 

(سورة فاطر)

 أيتها الأخوات الكريمات: شهر رمضان شهر التوبة والغفران شهر الطاعة والإحسان شهر الذكر والحب وشهر التقوى والقرب، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ ))

 

(سنن الترمذي)

 إن لم يغفر له فمتى ؟ فرصة سنوية، تغفر بها الذنوب وتمحى بها العيوب، من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
 في هذا الشهر مناسبة ثمينة جداً كما يقال مناسبة سنوية ذهبية كي يخرج الإنسان من الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، ومن مدافعة التدني إلى متابعة الترقي.
 أيتها الأخوات الكريمات: هذا الدين الإسلامي العظيم فيه عبادات شعائرية ومنها الصيام، وفيها عبادات تعاملية ومنها الأمر والنهي، فمن العبادات التعاملية الأمر بالصدق وأداء الأمانة ولزوم العفاف وإنجاز الوعد والوفاء بالعهد وتحري الحلال وضبط الجوارح والأعضاء، هذه عبادات تعاملية أشار إليها سيدنا جعفر حينما سأله النجاشي عن الإسلام فقال: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الرحم ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه وأمانته وعفافه ونسبه فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آبائنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
 هذا هو الإسلام صدق في الحديث، أداء للأمانة عفة في المطعم والمشرب هذا هو الإسلام قيم أخلاقية فحينما فرغ هذا الدين من مضمونه الأخلاقي أصبح عبادات جوفاء لا تقدم ولا تؤخر.
 أيتها الأخوات الكريمات: سأقدم لكم من الكتاب والسنة أدلة على أن العبادات التعاملية إن لم تصح لا يمكن أن نقطف ثمار العبادات الشعائرية، فنحن على مشارف شهر الصيام.

 

(( عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

 

(صحيح البخاري)

 الأصل الاستقامة، لذلك قالوا: صيام العوام صيام الدهماء صيام عن الطعام والشراب، يحيون الليالي في رمضان إحياء لا يرضي الله يقلبون وجباتهم الثلاث من النهار إلى الليل، يمضون الأوقات في غير ما خلقوا له
 فيا أيتها الأخوات الكريمات: العبادات التعاملية إن لم تصح لا تقبل العبادات الشعائرية، من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب ناداه مناد أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، هذا الحج، من أنفق مالاً ولم يلتزم في الأمر أو النهي:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

 

(سورة التوبة)

 الصيام من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشاربه.

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ قَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 

(مسند الإمام أحمد)

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

(سنن ابن ماجة)

 بينت لكم في هذه العجالة أن الصلاة والصيام والحج والزكاة إن لم يرافقها انضباط شرعي لن تقطف ثمارها.
 قم فصلي فإنك لم تصلي، قال تعالى:

 

﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)﴾

 

(سورة الماعون)

 أيتها الأخوات الكريمات: الدين إذا اردنا أن نضغطه إلى كلمتين قالهما السيد المسيح في القرآن الكريم:

 

﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً (31)﴾

 

(سورة مريم)

 حسن علاقة مع الخلق وحسن علاقة مع الحق، هذا هو الدين، فمن أحسن علاقته مع الحق ولم يكن محسناً مع الخلق لا ينتفع من هذه العبادات، بشكل أو بآخر العبادة التعاملية كالعام الدراسي، والعبادة الشعائرية كساعات الامتحان الثلاث في آخر العام، فالطالب الذي لم يداوم إطلاقاً ولم يحضر درساً ولم يكتب وظيفة ولم يراجع دروسه، ولم يؤدي امتحاناً ماذا يفعل بالساعات الثلاث التي هي ساعات الامتحان ؟ فالمسلم حينما لا يأتمر بما أمر الله ولا ينتهي عما عنه نهى وزجر لا يتحرى الدخل الحلال ولا الإنفاق الحلال ولا غض البصر ولا يلتزم بمنهج الله، ماذا يفعل بصلوات خمس تؤدى أداء أجوفاً ؟ وماذا يفعل بصيام هو ترك للطعام والشراب فقط ؟ وماذا يفعل بحج هو أشبه بالسياحة ؟ وماذا يفعل بالزكاة التي هي استعلاء على الخلق ؟ أنا أردت من هذه الفقرة في هذا اللقاء الطيب أن نعتقد أن العبادات الشعائرية وهي الصلاة والصيام والحج والزكاة لا يمكن أن نقطف ثمارها إلا إذا انضبطت العبادات التعاملية، لذلك يقولون: الدين المعاملة، ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط.
 من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلى لم يعبأ الله بشيء من عمله.
 أيتها الأخوات الكريمات: هذه حقيقة لابد من البدء بها قبل أن نتحرى أحكام الصيام، ينبغي أن نتحرى المنهج الإلهي الذي ينبغي أن نطبقه طوال العام، هناك حقيقة دقيقة: هي أن الأمر والنهي معللان بمصالح الخلق فالشريعة رحمة كلها وحكمة كلها وعدل كلها ومصلحة كلها، أية قضية خرجت من المصلحة إلى المفسدة من العدل إلى الجور من الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل، الإسلام يحقق مصالح الخلق.
 في الأصل أن كل أمر إلهي مرتبط بنتائجه ارتباطاً علمياً، أنا حينما أنهي ابني عن أن يمس المدفأة وهي مشتعلة هناك علاقة علمية بين مس المدفأة وبين احتراق يده، هذه حقيقة علمية، أما حينما آمره أن يخرج من هذا الباب وخرج من باب آخر أعاقبه، ليس هناك من علاقة بين العقاب وبين الذنب، أنا وضعت هذه العلاقة واخترعتها، فهناك علاقات وضعية وعلاقات علمية، فكل أمر إلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، وكل نهي إلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، فالإنسان أحياناً حينما ينطلق من أنانية مفرطة وحب للذات ينبغي أن يستقيم على أمر الله، هذا هو الأصل، ولكن شاءت حكمة الله أن يمتحن عباده بأوامر لا تبدو واضحة للإنسان، هذا الأمر مهمته أخرى أن يكتشف المرء ومن حول المرء مدى طاعته لله.
 أب كريم محسن عظيم عالم جليل أعطى ابنه ميزات لا تعد ولا تحصى، هيأ له جواً تربوياً وضعه في أرقى مدرسة، أنفق عليه مالاً وفيراً، نصحه أن ينام باكراً ويستيقظ باكراً ويؤدي واجباته كاملة ويعتني بجسمه، كل هذه الأوامر معقولة، لكن لو أن الأب على مائدة الطعام والابن جائع، وقال الأب لا تأكل يا بني ‍! فقال له الابن: حاضر يا أبت، هذا الأمر تعبدي غير معقول الابن جائع والطعام نفيس، وهذا طعام والده، فحينما ينصاع هذا الابن إلى تنفيذ أمر والده الذي لم يفهمه، يكون في أعلى درجة، حينما تتضح حكمة الأمر وتقبل على تنفيذه، تضعف قيمة التعبد في الأمر، هناك أشخاص ليسوا دينين إطلاقاً لا يدخنون لأن مصلحتهم تقتضي ذلك، ينامون ويستيقظون باكراً، قد يسلكون سلوكاً راقياً لا عن دين ولا عن عبادة ولكن عن مصلحة، فكلما اتضح الأمر الإلهي اتضحت حكمته ضعفت قيمة التعبد فيه، وكلما خفيت عنا حكمة الأمر ارتقت قيمة التعبد فيه.
 أعظم أمر تعبدي حينما أمر إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه قال:

 

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102)﴾

 

(سورة الصافات)

 هذا أعلى أمر تعبدي أعلى توكل في الأرض حينما أمر إبراهيم زوجته سار في واد غير ذي زرع تركها ومشى، قالت: إلا ما ؟ إلى أين أنت ذاهب ؟ أالله أمرك بهذا ؟ قال نعم، قالت: إذاً لا يضيعونه، فمعنى ذلك أن في الإسلام أوامر واضحة جداً أُمرنا بالصدق والأمانة وإتقان العمل وتحري الحلال وأداء العهود والمواثيق هذه كلها أوامر نكشف جوانبها الإيجابية، أما في رمضان أمرنا أن ندع الطعام والشراب، وهو شيء مباح، مالحكمة ؟
 لو أن دولة أرادت أن تصدر مرسوماً تشريعياً في الصيام كم شخص يصوم ؟ طبعاً لا أحد يشرب أمام الناس لكن في بيته يشرب، انظر إلى مسلم دخل بيته في أيام الحر الشديدة في رمضان وفي البيت ماء كالثلج بارد، هل يستطيع أن يضع نقطة ماء في فمه ؟ هذه عبادة الإخلاص، شاءت حكمة الله أن يكون في أوامر الدين ما يكون في القوانين العامة، فالسرقة في القرآن محرمة وفي السنة محرمة وفي القوانين محرمة فالذي لا يسرق ؟ لا نعرف لعله يخاف من العقاب في الدنيا أو من فضيحته أمام رؤساءه، ولعله يخاف من الله، فتحريم السرقة جاء في القوانين الوضعية وفي الشرائع السماوية، لكن غض البصر هل في تشريع الأرض كله تشريع يمنعك أن تنظر ؟ لا فالذي يغض بصره ويعبد الله بإخلاص هل في تشرييع الأرض كلها تشرييع يمنعك أن تأكل الطعام في البيت ؟ لكن الله يأمرك ألا تأكل!
 لذلك أيتها الأخوات الكريمات: هناك تكليف وهناك طبع، الطبع يقتضي أن تنام، والتكليف يقتضي أن تستيقظ للصلاة، الطبع يقتضي أن تطلق البصر، والتكليف يأمر بغض البصر، الطبع يقتضي أن تخوض في فضائح الناس، والتكليف يقتضي أن تصمت، الطبع يقتضي أن تأخذ المال والتكليف يقتضي أن تنفق المال، فهناك تناقض بين الطبع وبين التكليف، هذا التناقض بين التناقض وبين التكليف هو ثمن الجنة، لولا هذا التناقض بين الطبع والتكليف لما كان الجنة.

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

 

(سورة النازعات)

 فالذي ينساب مع أهوائه لا يذوق طعم الجنة، حفت الجنة بالمكاره وحفت الجنة بالشهوات.
 تصور إنسان يركب دراجة والطريق مستوي، وصل راكب الدراجة إلى مفترق طرق طريق هابط وطريق صاعد، فالطريق الهابط مريح لراكب الدراجة راحة قسوة، والطريق الصاعد متعب لكن هناك لوحة كتب عليها أن هذا الطريق الهابط المريح المعبد الذي تحفه الزهور والأشجار ينتهي بحفرة سحيقة مالها من قرار، فيها وحوش كاسرة جائعة تنتظره، وأن الطريق الصاعد المتعب ينتهي بقصر منيف هو ملك لمن يصل إليه، فبحكم الفطرة ينبغي أن أسلك الطريق النازل لراكب الدراجة لأنه يتناسب مع فطرته، أما هذه اللوحة أعطته حكماً مغايراً، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ..... ))

 

(مسند الإمام أحمد)

 يكفي أن تسترخي وأن تفعل ما تريد وتأكل ما تشتهي وتلتقي مع من تشتهي، وأن لا تعبأ بدخلك حلال أم حرام هذا طريق النار.

 

(( إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ))

 أيتها الأخوات الكريمات: آية الصيام:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 

(سورة البقرة)

 العبادات معللة، فالصيام:

 

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

 

(سورة العنكبوت)

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

(سورة التوبة)

 هذه الصلاة والصيام والزكاة والحج:

 

﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

 

(سورة الحج)

 فالعبادات في الدين العظيم معللة بمصالح الخلق.
 أيتها الأخوات: أية آية تتصدر بقوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

(سورة التحريم)

 هي موجهة حكماً إلى النساء، لأن النساء كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا قَالَ يَغْتَسِلُ وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجِدُ الْبَلَلَ قَالَ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ الْمَرْأَةُ تَرَى ذَلِكَ أَعَلَيْهَا غُسْلٌ قَالَ نَعَمْ إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))

 

(سنن أبي داوود)

 وهذا في اللغة اسمه التغليب، فأي أمر من أوامر القرآن موجه إلى الذكور هو حكماً موجه إلى النساء، لكن الله عز وجل في بعض الآيات يقول:

 

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)﴾

 

(سورة الأحزاب)

 قال علماء التفسير: هذه الآيات التي فيها ذكر النساء والرجال إشارة من خالق الأكوان إلى أن المرأة مساوية للرجل من حيث التكليف مكلفة بأركان الإيمان كما هو مكلف وبأركان الإسلام ومسؤولة كما هو مسؤول ومشرفة كما هو مشرف، ولكن عندما قال الله تعالى:

 

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 

(سورة آل عمران)

 هناك حكمة بالغة في أن خصائص المرأة بنمط تفكيرها وقوامها ونفسيتها وخصائصها الاجتماعية، كل هذه الخصائص كمال للمهمة التي أنيطت بها وأن خصائص الرجل الفكرية والاجتماعية والجسمية كمال للمهمة التي أنيطت به، فالمرأة والرجل متكاملان وليس متشابهين لقول الله تعالى:

 

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

 

 قالت يا رسول الله: إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل وجمال فلما كبرت سني ونثر بطني وتفرق أهلي ونثر مالي قال: أنت علي كظهر أمي ولي منه أولاد إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سنوات وحينما مر بها عمر ترجل عن دابته وساتمع لها بأدب قيل له: يا أمير المؤمنين لما فعلت هذا ؟ قال: كيف لا أستمع إليها وقد استمع الله لشكواها من فوق سبع سنوات ‍!
 سيد الخلق وحبيب الحق عندما دخل مكة فاتحاً دعاه أهلها إلى أن يبيت عندهم وتنافسوا على ضيافته ماذا قال ؟ قال:

((انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة !))

 أراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يعلن للملأ أن هذه المرأة التي كانت زوجتي لها نصيب كبير من هذا الفتح المبين هي السند من الداخل، المرأة الملتزمة في الإسلام أعلى مرتبة.
 الله عز وجل مما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام قال لإحدى النساء:

((اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

 والجهاد ذروة سنام الإسلام، أعلى مرتبة في الإسلام أن تكون مجاهداً في سبيل الله ومن لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق، والمرأة التي ترعى زوجها وأولادها هي عند الله عز وجل مجاهدة في أعلى مرتبة.
 أيتها الأخوات الكريمات: حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

 أي يا من عرفتموني وعرفتم علمي ورحمتي وحكمتي ومحبتي لكم، إذا جاءت الآيات مصدرة بـ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 أي أن الله يخاطب الذين آمنوا به، أما إذا أراد الله أن يخاطب عامة الناس خاطبهم بأصول الدين.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

(سورة البقرة)

 أما إذا خاطب المؤمنين خاطبهم بفروع الدين.
 أيتها الأخوات الكريمات: ليس القصد أن ننتصر على أنفسنا في رمضان وننخذل أمامها بقية العام، هذه مشكلة المسلمين.

 

رمضان ولى هاتها يا ساقي  مشتاقة تسعى إلى مشتاق
***

 ننضبط في رمضان وبعد رمضان نعود لما كنا عليه، ليس القصد أن ننتصر على أنفسنا في رمضان ثم ننخذل أمامها بقية العام، ولكن الصيام الحقيقي أن نحافظ على هذا النصر على طول الدوران وتقلبات الزمان والمكان، ليس القصد أن نضبط ألسنتنا في رمضان فننزهها عن قول الغيبة والنميمة والزور ونطلقها بعد رمضان إلى حيث الكذب والبهتان ولكن الصيام الحقيقي أن تستقيم منا الأفئدة وتصلح فينا القلوب ما دامت الأرواح في الأبدان، ليس القصد أن نغض أبصارنا عن محارم الله ونضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان، ونعود لما كنا عليه بعد رمضان، كاليت نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ولكن الصيام الحقيقي أن تصوم جوارحنا عن كل معصية في رمضان وبعد رمضان حتى نلقي الواحد الديان، ليس القصد أن نتحرى الحلال خوفاً من أن يرد علينا صيامنا ثم نتهاون في تحريه بعد رمضان على أنه عادة من عادتنا، ونمط شائع من سلوكنا، ولكن الصيام الحقيقي أن يكون الورع مبدأ ثابت وسلوك مستمر في حياتنا، ليس القصد أن نبتعد عن المجالس وعن المشاهد التي لا ترضي الله إكراماً لشهر رمضان ثم نعود إليها وكأن الله ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام.
 ليس القصد أن نراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنا ما دمنا صائمين، فإذا ودعنا شهر الصيام آثرنا حظوظ أنفسنا على أمانة أعمالنا وواجباتنا، مثل هذا الإنسان الذي لم يفقه حقيقة الصيام ولا جوهر الإسلام كمثل الناقة حبسها أهلها ثم أطلقوها فلا تدري لا لما عقلت ولا لما أطلقت هكذا معظم الناس، رمضان من عوائد المسلمين من العادات والتقاليد بل هو من التراث عند بعضهم.
 أيتها الأخوات الكريمات: إن شاء الله جل جلاله أن يصطفي من بين الشهور شهر رمضان ليكون فيه الصفاء والتوبة والقرب ولكن الله شاء أن ينسحب هذا الصفاء وذاك القرب على بقية شهور العام، رمضان كالدرج في كل عام نقفز قفزة نوعية ونستمر ثم قفزة ثانية ونستمر وهكذا، أما عند الناس نصعد ونهبط ونبقى عند هذا المستوى.
 أيتها الأخوات الكريمات: والعبرة أن الله اصطفى بعض الأمكنة كبيت الله الحرام ليشيع فيه الصفاء للحجاج والمعتمرين ولكنه أراد أن يستمر هذا الصفاء في كل مكان، اصطفى زماناً ليشيع فيه الصفاء في كل الأزمنة واصطفى مكاناً ليشيع فيه الصفاء في كل الأمكنة، واصطفى سيداً نبياً رسولاً هو سيد الخلق ليكون قدوة لجميع الخلق، فالاصطفاء ليس القصد منه أن تبقى في هذا الشهر فقط طائعاً لله، الاصطفاء أن تنطلق من هذا الشهر إلى طاعة الله وتستمر هذه الطاعة إلى ما شاء الله.

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾

 

(سورة البقرة)

 دورة مكثفة ثلاثون يوماً بتقدير العزيز الحكيم، فلذلك نحن أمام فرصة ذهبية وسنوية ورائعة.
 من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر.
 فالحقيقة أن المسلمون ألفوا الولائم في رمضان والقاءاتوالسهر ومتابعة المسلسلات حتى قبيل الفجر، لكن هذا الشهر عند الله عز وجل شهر عبادة وقراءة قرآن وإنفاق الأموال وقيام الليل وشهر التراويح وغض البصر والترفع عن الفسافس، إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها.
 أما الوسع في رمضان قال الله عز وجل:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 

(سورة البقرة)

 من الذي يقدر الوسع ؟ هو الله عز وجل، لذلك على لسان النبي عليه الصلاة والسلام وفي القرآن الكريم:

 

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾

 

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾

(سورة البقرة)

 أعياد المسلمين تأتي عقب عبادتين كبيرتن عقب عبادة الصيام والحج، وكأن الإنسان في هذين العبادتين حقق إنجازاً كبيراً مع الله، الإنسان قد ينجح في حياته الدنيا، قد يعتني بجسمه وينجح بصحته، قد ينجح في أسرته واختيار زوجته وفي تربية أولاده، هذه كلها نجاحات ولكن أعظم نجاح أن تنجح في معرفة الله وطاعته.
 ابن آدم اطلبني تجدني فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب، وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب، إذا صح منك الوصف فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب.
 دورة مكثفة في ثلاين يوماً، دورة تغفر بها الذنوب وتمحى بها العيوب بشرط أن نصوم الصيام الذي أراده الله عز وجل.
 ثم تأتي آية قارئ القرآن يعجب ! ما علاقتها بآية الصيام ؟

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

(سورة البقرة)

 أيتها الأخوات الكريمات: إذا في اللغة تفيد تحقق الوقوع، بينما إن تفيد احتمال الوقوع:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾

 

(سورة الحجرات)

 قد يأتي وقد لا يأتي، أما:

 

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾

 

(سورة النصر)

 لابد من أن يأتي نصر الله قال:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 

 أنت إذا صمت الصيام الصحيح وصمت كما أراد الله لابد أن تستغني عن الخلق وتتجه إلى الحق، هذا هو الدين أن تستغني عن الخلق.
 دخل أحد الخلفاء إلى بيت الله الحرام فرأى عالماً جليلاً قال: يا سيدنا سمي حاجتك ؟ قال: والله إني أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، التقى به خارج المسجد قال له: سلني حاجتك ؟ قال: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ قال: سلني حاجتك ؟ قال: أدخلني الجنة ! قال: هذه ليست لي، قال: فليس لي عندك حاجة.
 من جلس لغني وتضعضع له ذهب ثلثا دينه !
 ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت، فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت.

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

 الأخوات الكريمات: هناك أكثر من عشر آيات في القرآن الكريم على هذه الصيغة:

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

 

(سورة البقرة)

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾

(سورة البقرة)

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾

(سورة البقرة)

 آيات كثيرة، إلا هذه الآية تنفرد من بين كل الآيات:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

 استنبط علماء التفسير أنه ليس بين العبد وربه حاجب ولا وسيط،قال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني ؟ وحيث ما التمسني عبدي وجدني سيدنا يون في بطن الحوت وفي ظلمة بطنه وفي أعماق البحر وفي ظلمة الليل البهيم:

 

 

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾

 

(سورة الأنبياء)

 كان هناك تغطية في الأسفل لولا هذه التغطية ما استجيب دعائه ! أحياناً تكون في أمس الحاجة إلى هذا الهاتف المنقول لكن لا يوجد تغطية في هذا المكان.

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 الإنسان قد يدعو تقليداً، يدعو الله وقلبه معلق بزيد أو عبيد، يدعو الله ومتكئ على ماله أو على منصبه أو على أولاده، لكن الله عز وجل يقول

 

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 ففي هذه الآية شروط الدعاء، ينبغي أن تتعرف إلى الله وتستجيب له وتكون مخلصاً في دعائك عند ذلك يستجيب لك، إلا أن العلماء قالوا: هناك حالتان استثنائيتان من حالات توافر شروط الدعاء المضطر يستجاب له ولو لم تتحقق له شروط الدعاء لا بحسب أهليته للدعاء ولكن باسم الله الرحيم، والمظلوم يستجاب له ولو لم تتحقق له شروط الدعاء لا بحسب أهليته للدعاء ولكن باسم العدل، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ ))

 

(صحيح البخاري)

 ولو كان كافراً.

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 أكبر ثمرة من ثمار الصيام أن تتجه إلى الحق لا إلى الخلق، أن تستغني عن الناس بالله، إذا كنت في كل حال معي فعن حمل زادي أنا في غنى، وإذا العناية لاحظتك جفونها ننفى المخاوف كلهن أمان.
 إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك ؟ يارب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك، ابن آدم اطلبني تجدني وإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء،
 أيتها الأخوات الكريمات:

 

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي﴾

 عباد جمع مفردها عبد، وعبيد جمع مفردها عبد، مالفرق بين العبد الذي جمعه عباد، وبين العبد الذي جمعه عبيد ؟ العلماء استنبطوا أن هناك عبدين عبد قهر وعبد شكر، كل إنسان مقهور قلبه بيد الله ودسامات قلبه بيد الله قطر شريانه التاجي بيد الله سيولة دمه بيد الله خثرة الدماغ بيد الله هوائه بيد الله، في أية لحظة يصبح جثة هامدة، خبراً بعد أن كان رجلاً، فهذا عبد القهر قد يكون المرء ملحداً وهو عبد لله لكنه عبد قهر، قد يكون المرء فاسقاً لله وهو عبد قهر مع أنه مجرم لكنه عبد قهر، جمع عبد القهر عبيد.

 

 

﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

 

(سورة فصلت)

 لكن العبد الذي عرف الله طواعية وأقبل عليه واستقام على أمره وسعد بقربه هذا الأمر جمع عباد.

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وَقَالَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

(صحيح مسلم)

 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

((أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة.))

 أيتها الأخوات الكريمات: هذا شرح مبسط لآيات الصيام، وفيه حديث عن قيمة الدعاء، أنت في الدنيا هل يعقل أن تتجه لإنسان غير موجود وتخاطبه ؟ مستحيل ! يتهم بعقله، فأنت تخاطب من أنت مؤمن بوجوده، هل تتجه لإنسان لا يسمعك ؟ تتهم بعقلك، موجود ويسمعك، هل تستعين بطفل صغير وأنت قوي عتيد ؟ تتهم بعقلك، لابد من أن تتجه لإنسان موجود ويسمعك وقادر على أن ينقذك ثم يحب أن ينقذك، لمجرد أن تدعو الله أنت مؤمن بوجوده وسمعه وبصره وعلمه وبقدرته المطلقة وبرحمته، لذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾

 

(سورة الفرقان)

 لولا أنكم تدعون الله عز وجل لما عبأ الله بكم ! فلمجرد أن تدعوه مؤمن بوجوده وعلمه وسمعه وبصره وبقدرته المطلقة وبرحمته، لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾

 

 الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:

((إن الله يحب الملحيين في الدعاء إن الله يحب من عبده أن يسأله حاجته كلها، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه.))

 فالدعاء مخ العبادة بل هو العبادة، بقي شيء: أن النبي عليه الصلاة والسلام علمنا أن نفطر على تمرات ونشرب الماء ونصلي ثم نأكل، الحقيقة أن الإنسان لا يشعر بالشبع إلا بحالتين الحالة الأولى أن يتنبه مركز الشبع في المخيخ، هناك أدوية ريجيم تنبه مركز الشبع لا يشتهي الطعام، لكنها ضارة، أو تمتلئ المعدة فيشبع، الإنسان إذا أكل تمرات قبل أن يفطر سكر التمر أبسط أنواع السكاكر الطبيعية، ينتقل من الفم إلى الدم في عشر دقائق، وقت الصلاة يصل سكر التمر إلى المخيخ فيشعر بالشبع، الآن يأكل باعتدال حدة الجوع انتهت، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)﴾

 

(سورة الواقعة)

 استنبط بعض العلماء أن الفاكهة مقدمة على الطعام، نحن خطأ نأكل الطعام ثم الفاكهة، الفاكهة فيها سكر طبيعي وبسيط، فالإنسان إذا دخل إلى البيت وأكل تفاحة أو عدة قطع أو أشياء بسيطة جداً من الفواكه يشعر بالشبع يأكل باعتدال، هذه من سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 فلذلك علمنا أن نفطر على تمرات ونشرب الماء ونصلي ثم نأكل طعام الإفطار، أما إذا بدأ بالدسم لا يشبع حتى تمتلئ المعدة، يأكل حتى يبرك ثم لايصلي من شدة التعب، ويعود في منتصف الليل ويأكل وجبة ثانية وفي السحور وجبة ثالثة، فثلاث وجبات في النهار أصبحت في الليل، لم نستفد شيء.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018