بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 28 - بيروت - رمضان شهر التوبة والغفران والانفاق والاحسان


2002-10-31

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد...
أشكر للأخوات الكريمات القائمات على هذه الندوة دعوتهن الكريمة وأسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكن.
 أيتها الأخوات الكريمات:
 شهر رمضان شهر التوبة والغفران، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27)﴾

( سورة النساء )

 فهذا الشهر شهر التوبة والغفران.
 عبدي لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني تائباً غفرتها لك ولا أبالي.
 لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد.
 النبي عليه الصلاة والسلام في حكاية قصيرة يبين كيف أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده المؤمن، يصف أعرابياً يركب ناقته وعليها طعامه وشرابه، جلس في بعض الرحلة ليستريح، أخذته سنة من النوم، استيقظ فلم يجد الناقة، فأيقن بالهلاك، فجلس يبكي ثم يبكي فأخذته سنة أخرى فاستيقظ فرأى الناقة، فاختل توازنه وقال يا ربي أنا ربك وأنت عبدي، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.))

 فهذا الشهر شهر التوبة والغفران، وما من لحظة يسعد بها المؤمن كلحظة التوبة إلى الله عز وجل، شهر الطاعة والغفران، شهر الإنفاق و الإحسان، شهر الذكر والحب، شهر التقوى والقرب.
 صعد عليه الصلاة والسلام المنبر فقال أمين، ثم صعد الدرجة الثانية فقال أمين، ثم صعد الدرجة الثالثة فقال أمين، فلما سأله أصحابه الكرام يا سول الله علامَ أمنت ؟ قال:

 

((جاءني جبريل فقال لي: رغم أنف عبد أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة، فقلت أمين، وفي الدرجة الثانية قال له جبريل: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصلي عليك، فقال أمين، وأما في الدرجة الثالثة، فقال عليه الصلاة والسلام مخبراً عن جبريل: ثم قال لي جبريل رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ؟ ))

 إنه مناسبة سنوية ثمينة جداً ليغفر فيها ذنب إنسان، وكما قلت في بداية هذا اللقاء الطيب.

 

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾

 رمضان مناسبة للخروج من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، ومن مدافعة التدني إلى متابعة الترقي.
 أيتها الأخوات الكريمات:
 بادئة ذي بدء: علة وجود الإنسان على سطح الأرض، أو علة وجوده في الدنيا أن يعبد الله لقوله تعالى:

 

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

( سورة الذاريات )

 لو أن واحد أرسل ابنه ليدرس الدكتوراه في بلد أجنبي، علة وجود هذا الطالب في هذا البلد أن يدرس، علة وجوده، فأي شيء يقربه من هدفه هو المشروع، وأي شيء يبعده عن هدفه هو غير المشروع، فما علة وجودنا على سطح الأرض.
 لو أن واحداً ذهب إلى بلد، وأقام في أحد الفنادق واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وتناول طعام الإفطار، ثم سأل إلى أين سأذهب ؟ نسأله نحن لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن كنت جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات وإن جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، متى تصح الحركة إذا عرف السبب.
لو كبرنا هذا المثل، نحن في الدنيا لماذا نحن في الدنيا ؟ خالق الأكوان يخبرنا يقول:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 العبادة علة وجودنا، لذلك في أدق تعريفات العبادة: إنها طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، هذا التعريف الدقيق فيه كليات ثلاث، فيه كلية سلوكية هي الأصل في العبادة:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 72 )

﴿ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 وردت فوق مئتين مرة في القرآن الكريم، أمنوا وعملوا الصالحات.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾

 

( سورة فصلت )

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

( سورة فصلت )

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾

( سورة الكهف )

 إذاً الاستقامة والعمل الصالح هو الأصل في العبادة، لكن المعرفة هي السبب، والثمرة هي السعادة.

 

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

 

( سورة هود الآية: 119 )

 الإنسان مخلوق ليسعده الله في الدنيا والآخرة، إذاً العبادة هي طاعة الله عز وجل لا تكون إلا بعد معرفته، أصل الدين معرفة الله، ومعرفة الله جل جلاله تؤخذ من مصادر ثلاث:
 من خلقه ومن أفعاله ومن كلامه.
 من خلقه عن طريق التفكر.

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 

( سورة آل عمران )

 وعن طريق النظر في أفعاله.

 

﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)﴾

 

( سورة النحل )

 وعن طريق تتدبر قرأنه.

 

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

 

( سورة محمد )

 فالكون خلقه، والحوادث أفعاله، والقرآن كلامه، هذه مصادر معرفة الله عز وجل.
 في زلزال في تركيا مركزه إزميت عندي صورة أخذتها من بعض المواقع الإخبارية، جامع في منتصف المدينة ذو مئذنة عملاقة، وحوله معهد شرعي بقي سليماً كما بني، وما حول هذا المسجد ركام بركام، هذه أفعاله.
 أفعال الله عز وجل واضحة جلية للناس، فأفعاله تدل عليه، وكلامه يدل عليه، وخلقه يدل عليه، فإذا أردت أن تعرف الله فتفكر في خلق السماوات والأرض.
 الإنسان لو ذهب إلى بلد في الشمال في فلندا أو في الاتحاد السوفيتي سابقاً الحرارة قد تهبط في الدائرة الباردة إلى السبعين تحت الصفر، قد تضع قبعة من الفرو، قد ترتدي ثياباً صوفية سميكة، قد ترتدي جوارب صوفية، حذاء مغلف بالفرو، قد تلبس قفزات في يديك، قد ترتدي أثخن الثياب هل تستطيع أن تضع على عينيك شيئاً، العين فيها ماء، والماء يتجمد، بالصفر، والحرارة سبعين تحت الصفر، فأي إنسان وجد في جو بارد سبعين تحت الصفر لا بد من أن يجمد ماء عينه فيفقد البصر، أودع الله في ماء العين مادة مضادة للتجمد، الله عز وجل:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 من منا لم ير البعوضة، من منا لم يقتل بعوضة ولم يشعر بشيء قتل كائن ! لهوانها على الناس، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((لو إن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.))

 ماذا قال العلماء عن البعوضة إن وزنها يساوي ميل غرام واحد يعني واحد على ألف من الغرام، وهي أنثى، التي تلدغ أنثى، لقوله تعالى طبعاً نحن لا نعرف أما العلماء الكبار يعلمون الأنثى من الذكر، لكن الله يقول:

 

﴿ فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 إذاً هي أنثى، البعوضة في جبهتها مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح وفي كل قلب أذينان وبطينان ودسامان، والبعوضة عندها مستقبلات حرارية، هي لا ترى الأشياء بألوانها الطبيعية، ترى الأشياء بحرارتها يعني ترى بالأشعة تحت الحمراء، حساسية هذه الأجهزة واحد على الألف من الدرجة المئوية، إذاً هي في غرفة مظلمة وفي الغرفة أثاث وقطع وأجهزة، تتجه إلى جبين النائم، لأن النائم له حرارة، إذاً عندها جهاز رادار، الاسم العلمي مستقبلات حرارية، ما كل دم يناسبها، عندها جهاز تحليل للدم، قد تقف على جبين صبي لا تلدغه، تقف على جبين أخيه تلدغه، عندها جهاز تحليل دم، لو أن هذا الإنسان الذي تلدغه البعوضة شعر بوجودها لقتلها، عندها جهاز تخدير، والإنسان لا يضرب يده عند لسع البعوضة إلا بعد أن تطير البعوضة، يكون قد انتهى مفعول التخدير.
 عندها جهاز رادار مستقبلات حرارية، عندها جهاز تحليل، عندها جهاز تخدير، عندها جهاز تميع للدم، من أجل أن يسري الدم اللزج في خرطوم البعوضة لا بد من تميعه، أما خرطومها فيه ستة سكاكين، أربع سكاكين تحدث في جلد الملدوغ جرحاً مربعاً وفي الوسط سكينان تتوأمان على شكل دائرة فتكونان أنبوب المص، والبعوضة يرف جناحها ما يزيد عن 60 رفة بالثانية الواحدة، وهذا الرفيف اسمه الطنين، والبعوضة لها مخالب من أجل أن تقف على سطح خشن، ولها محاجم تعتمد الضغط من أجل أن تقف على سطح أملس.
 الإنسان في مطبخه الجميل لا يحب أن يضع مسماراً كيف يستخدم مشجباً عن طريق الضغط وتفريغ الهواء.
 ففي أرجل البعوضة محاجم إذا وقفت على سطح أملس ومخالب إذا وقفت على سطح خشن، والبعوضة تشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متر، لذلك يقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 في القرآن الكريم ما يزيد عن 1300 آية تتحدث عن الكون.
 وهذه الآيات أيتها الأخوات الكريمات: إنهن رؤوس موضوعات للتفكر، وسأتلو عليكم ثانية قوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 شيء دقيق جداً ونحن نتحدث عن العبادة ورمضان من العبادات الكبرى في الإسلام، ونحن على مشارف رمضان، العبادات نوعان:
 عبادات تعاملية ـ وعبادات شعائرية.
 العبادات التعاملية: كالعام الدراسي، لا بد من حضور الدروس، لا بد من الإصغاء إلى المحاضر، لا بد من كتابة الوظائف، لا بد من تذكر الكتب، نتيجة هذه الدراسة وهذا الحضور، وهذا الانتباه، وهذا الجهد في البيت يظهر في ساعات الامتحان الثلاثة، والعبادات التعاملية يظهر أثرها في العبادات الشعائرية.
 ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله.
 فالعبادة الشعائرية كالصيام والحج والصلاة، وبينما العبادة التعاملية الصدق والأمانة والعفاف وإنجاز الوعد والوفاء بالعهد والرحمة والعفو وما إلى ذلك...
 النجاشي ملك الحبشة سأل أحد كبار الصحابة عن الإسلام ؟ قال أيها الملك: كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونأكل الميتة، ونسيء الجوار، هذه الجاهلية الأولى، وهناك جاهلية ثانية أدهى وأمر من الجاهلية الأولى، الجاهلية الثانية كما تشاهدون وتسمعون موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ولا المقتول فيما قتل الجاهلية الثانية يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، الجاهلية الثانية:
 إذا وأسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة.
 الجاهلية الأولى تحدث عنها القرآن الكريم فسيدنا جعفر قال أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش، ونأكل الميتة ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه.
 هذه أركان الاستقامة، إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهواته فهو عفيف.
 نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباءنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء
هذه العبادة التعاملية إذا صحت صح صيامنا، وصحت صلاتنا وصح حجنا، نبدأ بالصلاة:
 سأل النبي بعض أصحابه قال:

 

((من المفلس ؟ فقال أصحابه المفلس من لا درهم له ولا متاع، فقال: لا، المفلس من أتى بصلاة وصيام وصدقة، وقد ضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم حتى يطرح في النار.))

 إذاً العبادة التعاملية إن تصح لم نقطف ثمار العبادة الشعائرية، ينبغي أن نصلي، وينبغي أن نتابع الصلاة ولكن لا نستطيع أن نقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية، هذه الصلاة.
 حديث آخر:

((يؤتى برجال يوم القيامة كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا، قيل يا رسول الله جلهم لنا، قال: إنهم يصلون كما تصلون، ويصومون كما تصومون، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها.))

 العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية.
 في البخاري:

((يا رسول الله إن فلانة تكثر من صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال هي في النار.))

((دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.))

 العبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادة التعاملية.
 الحج:

 

((يذهب المرء إلى الحج بمال حرام فيضع رجله في الركاب ويقول لبيك اللهم لبيك فينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك، هذا الحج.))

الصيام:

 

 

((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.))

الإنفاق:

 

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾

 

( سورة التوبة )

 إذاً: الصوم عبادة شعائرية، والعبادة الشعائرية لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وهذا هو الفرق الكبير بين أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم وبين واقع المسلمين اليوم، واقع المسلمين اليوم يعنون بالعبادات الشعائرية، أما في التعامل ليس هناك الصدق الكافي، ولا الإخلاص الكافي، ولا الالتزام الكافي، ولا الطاعة الكافية، ولأن الله يسوق للمسلمين من المحن ما لا يوصف، قال بعض علماء التفسير:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 33 )

 معنى الآية واضح جداً والنبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم فكيف معنى الآية إذا انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى قال العلماء: ما دامت سنة النبي قائمة في حياتنا هم في بحبوحة من عذاب الله، هم في مأمن من عذاب الله.

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

 

( سورة الأنفال )

 إذاً أيها الأخوة:
 العبادة التعاملية أساسية في العبادة الشعائرية، فالصيام العوام، صيام الجهلة، صيام الشاردين عن الله، صيام المسلمون في هويتهم فقط، صيام عن الطعام والشراب، بينما صيام المؤمنين صيام عن كل معصية ومخالفة، بينما صيام المحسنين صيام عما سوى الله.

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 واللغو ما سوى الله عز وجل.
 أيتها الأخوات الكريمات:
 الآية الكريمة المتعلقة بالصيام وقد قال الإمام الشافعي: العبادات معللة بمصالح الخلق.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 

( سورة البقرة )

 علة الصيام أن تكون تقياً، أن تكون طائعاً، لماذا ؟ الله جل جلاله حرم عليك في رمضان ما هو مباح لك خارج الصيام، حرم عليك الطعام والشراب، فلا أن تدع ما حرم عليك بالأصل من باب أولى، لا يتوازن الإنسان في رمضان إذا ترك الطعام والشراب وهو مباح خارج الصيام واغتاب ونم.
 قال أحدهم لواحد لقد اغتبتني فقال له ومن أنت حتى أغتابك لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي لأنهم أولى بحسناتي منك، ومن أنت حتى أغتابك.
 فهذا الذي يغتاب في رمضان، فهذا الذي يكذب في رمضان، هذا الذي يأكل الحرام في رمضان، هذا الذي يحلف الأيمان الكاذبة في رمضان، هذا ما ذاق طعم الصيام، أنت في رمضان مكلف أن تدع ما هو مباح، فلا أن تدع ما هو محرم من باب أولى، فالآية الكريمة كما قلت قبل قليل معللة بمصالح الخلق.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 علة الصيام أن تنتقل من مدافعة التدني إلى متابعة الترقي.
 علة الصلاة:

 

 

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

 

( سورة العنكبوت )

 هذه الصلاة.
 الحج:

 

﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 97 )

 كي تعلم أن الله معك حيث ما تكون.
 الزكاة:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 

( سورة التوبة )

 إذاً هذه العبادات تفترق عن الطقوس، في الديانات الوضعية هناك طقوس حركات وسكنات وتمتمات لا معنى لها تؤدى أداء أجوفاً، هذا هو الطقس الذي يفعله أتباع الدينات الوضعية، أما المؤمنون يعبدون الله عز وجل، هناك أعمال تسمو بالنفس لها معنى لها هدف.
 الصيام:

﴿ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

 أيها الأخوات الكريمات:

 

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَةً﴾

 

( سورة البقرة الآية: 184 )

 يعني دورة مكثفة، يعني فرصة ثمينة جداً سنوية لمغفرة الذنوب ومحو العيوب، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ما تقدم من ذنبه.))

 يعني كل الذنوب والآثام تغفر في رمضان، تأكيداً لهذه المعاني التي سقتها لكم يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

 

 

((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ))

 

 وفي رواية:

((يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به.))

 والحقيقة الصيام عبادة الإخلاص، ذلك أن الإنسان يعيش في مجتمع ولهذا المجتمع قوانين، وهناك قوانين كثيرة تتفق مع الشريعة، فالسرقة محرمة في الشريعة وفي القوانين، فالذي لا يسرق أغلب الظن، أو لا نعلم لماذا لا يسرق، أهو خوف القانون والعقاب الأليم، أو خوف عقاب الله في الآخرة، أما يتميز الدين ببعض العبادات التي لا تتوافق مع القوانين كغض البصر مثلاً، وعبادة الصوم، لا أحد يمنعك في الأرض أن تأكل في بيتك ما تشتهي، ومع ذلك ترى الصائم يكاد يموت من الجوع، ويموت من العطش، وفي بيته طعام نفيس وماء بارد، لا يستطيع أن يضع في فمه قطرة ماء واحدة، إذاً الصوم عبادة الإخلاص، الصوم لي وأنا أجزي به.
 أيها الأخوة الكرام:

 

﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 184 )

 العلماء قالوا الوسع يحدده خالق الإنسان، ولا يحدده الإنسان، فالله سمح لنا في رمضان إذا كنا مسافرين أو كنا مرضى أن نفطر، أما أن يخترع الإنسان أدلة أو رؤى من عنده ويفطر هذا ليس من اختصاصه بل هذا عدوان على الشرع، فلذلك الوسع يحدده خالق الإنسان، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 286 )

 لكن من استطاع أن يصوم مع السفر أو مع المرض يعني رجله تؤلمه، ولا علاقة لهذا الألم بطعامه وشرابه، قال تعالى:

 

﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)﴾

 

( سورة البقرة )

 أيتها الأخوات الكريمات:
 هناك لفتة في آية الصيام تلفت النظر، هي أن آية الدعاء أقحمت في آية الصيام، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 

( سورة البقرة )

 الحقيقة أن كلمة "إذا" تفيد تحقق الوقوع، بينما كلمة "إن" تفيد احتمال الوقوع، والدليل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾

 

( سورة الحجرات )

 هذا الفاسق قد يأتي وقد لا يأتي، "إن" تفيد احتمال الوقوع، أما حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1)﴾

 

( سورة النصر )

 فهذه "إذا" تفيد تحقق الوقوع، إن كان الصيام صحيحاً وإن كان الصيام متقناً، وإن كان الصيام مخلصاً، فالنتيجة الطبيعية أن هذا الصائم يدع الخلق ويتجه إلى الحق، إذا كنت صائماً صحيحاً صياماً مقبولاً إذا أعتقت من النار بعد الصيام تسأل الله عز وجل وحده، لا تعتمد على سواه ولا تعقد الأمل على غيره، ولا ترجو عطاء من دونه، هو يرفعك، هذا يقينك، هو يخفضك، هو يعطيك، هو يمنعك، هو يعزك، هو يذلك مادام الأمر كله بيده إذاً تتجه إليه وحده، أول ثمرة من ثمرات الصيام الصحيح أنك تدع الخلق وتتجه نحو الحق، لذلك جاءت إذا يعني إذا لا بد من أن يسأل الصائم ربه.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾

 كان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة.

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

 علماء التفسير لهم وقفات متأنية عند هذه الآية، في القرآن ما يزيد عن 12 آية على هذا النمط:

 

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 219 )

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 219 )

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

( سورة البقرة الآية: 189 )

 يسألونك ويسألونك أكثر من 12 عشرة آية فيها يسألونك، وفيها قل وفيها الجواب، إلا هذه الآية اليتيمة الوحيدة:

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

 استنبط أن هذه الآية تؤكد أنه لا وسيط بين العبد و ربه، إذا قلت يا رب لقد تبت إليك، يقول لك الله عز وجل وأنا قد قبلت، وإذا قال العبد وهو راكع يا رب، أجابه الله عز وجل لبيك لبيك، إذا قال له العبد يا رب وهو ساجد، أجابه ربه لبيك لبيك، فإذا قال العبد وهو عاص يا رب أجابه الله عز وجل لبيك ثم لبيك ثم لبيك.

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

 لكن أي دعاء يستجابه إذا كان مخلصاً لله، قد ندعو دعاء فلكلوري قد ندعو دعاء كتقاليد وعادات، ولكن أملنا معقود على غير الله، ولكن رجاءنا يتجه إلى غير الله، هذا الدعاء لا يقبله الله عز وجل.

 

 

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

 إذا دعاني حقيقة، إذا دعاني مخلصاً، إذا دعاني تائباً إذا دعاني مستغفراً، إذا دعاني موحداً، لماذا يستجيب الله دعاء الداعي ؟ قال إذا كان مؤمناً بالله مستجيباً لمنهجه.

 

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾

 إذاً شروط الدعاء:
 أن تؤمن به... وأن تستجيب له... وأن تخلص له.
 والدعاء مخ العبادة، والدعاء هو العبادة، والدعاء سلاح المؤمن وأنت بالدعاء أقوى الناس، أنت بالدعاء أقوى من كل خصم في الأرض لكن العلماء استثنوا أن هناك إنسانين مستثنيان من شروط الدعاء الأول هو المضطر.

 

 

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾

 

( سورة النمل الآية: 62 )

 قد يستجيب الله للمضطر لا بحسب أهليته للدعاء ولكن بحسب اسم الله الرحيم، وقد يستجيب الله للمظلوم لا بحسب أهليته للدعاء لكن باسم الله العدل، المضطر والمظلوم يستجاب لهما من دون قيد أو شرط، والله عز وجل يقول:

 

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77)﴾

 

( سورة الفرقان )

 الحقيقة أنك لا تدعو إنساناً إلا إذا كان أمامك يسمعك، لا تدعو إنساناً إلا إذا كنت موقناً بوجوده، لا تدعو إنساناً إلا إذا كنت موقناً بسماعه لك لا تدعو إنساناً إلا إذا كنت موقنا بقدرته على تحقيق مرادك، لا تدعو إنساناً إلا إذا كنت موقناً بمحبته لك، فأنت لمجرد أن تدعو الله عز وجل فأنت موقن بوجوده، موقن بسمعه وبصره وعلمه، موقن بقدرته المطلقة موقن برحمته، لا يمكن أن تدعو الله إلا إذا كنت موقناً بوجوده، موقناً بسمعه وبصره وعلمه، موقناً بقدرته، موقناً برحمته، إذاً:

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾

 وقد فسر بعض المفسرين قوله تعالى:

 

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) ﴾

 

( سورة المعارج )

 هل يمكن أن تصلي دائماً، فسرت هذه الآية بالدعاء، المؤمن على اتصال مستمر مع الله بالدعاء، يدعوه قبل أن يدخل بيته، وقبل أن يخرج وقبل أن يذهب إلى عمله، يدعوه إذا استيقظ، وإذا أخلد إلى النوم، يدعوه إذا دخل المسجد، وإذا خرج منه، يدعوه عند إنجاب الولد، يدعوه عند الزواج.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

 أما حينما نقف عند كلمة عبادي، عبادي جمع مفردها عبد، والعبيد جمع مفردها عبد، ما الفرق بين عبد جمعه عباد وبين عبد جمعه عبيد؟ العلماء قالوا: هناك عبد القهر وهناك عبد الشكر، فكل واحد منا مؤمناً كان أو كافراً، مستقيماً كان أو منحرفاً، موقناً كان أو مشككاً عبد لله بمعنى أنه في قبضة الله، بثانية واحدة يجعله خبراً بعد أن كان رجلاً.

 

 

﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾

 

( سورة المؤمنون الآية: 44 )

 قلبك بيده، دسامات قلبك بيده، قطر الشريان التاجي بيده، أعصابك بيده، عضلاتك بيده، سمعك بيده، بصرك بيده، دماغك بيده، إذاً حتى لو كان ملحداً، حتى لو كان عابد صنم هو عبد لله، لكن هذه العبودية عبادة القهر يعني أنت مقهور، لكن الإنسان إذا عرف الله طواعية، عرفه وفكر في خلقه وأحبه وأطاعه، وتقرب إليه بخدمة خلقه، ثم اتصل به هذا عبد الشكر، فعبد الشكر يجمع على عباد، وعبد القهر يجمع على عبيد الزواج.

 

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

 إلى الدعاء الصحيح.
 أيتها الأخوات الكريمات:
 نحن في فرصة سنوية ثمينة جداً تغفر فيه الذنوب، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾

 

( سورة الأحقاف الآية 31 )

 ما معنى من ؟ من للتبعيض، قال العلماء: يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينكم وبين الله، أما التي بينكم وبين العباد هذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة، معنى كلمة من قبل ذنوبكم هذه لا تغفر إلا بالأداء أو المسامحة لذلك هناك وهم عند المسلمين أنه يذهب إلى الحج فتغفر كل ذنوبه، قد يعتدي على الناس، قد يأكل أموال الناس بالباطل، قد يأخذ ما ليس له، قد يغش المسلمين، قد يؤذيهم، قد ينال منهم، قد يعتدي على أعراضهم هو يتوهم أنه إذا ذهب إلى الحج عاد كيوم ولدته أمه، يغفر للمسلم في الحج ما كان بينه وبين الله، أما ما كان بينه وبين العباد هذا لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، وهل من عمل أعظم من أن تقدم نفسك في سبيل الله ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين.))

 لا يغفر، أيضاً هذا وهم، نصوم رمضان كل اعتداءاتنا على خلقه تغفر في رمضان، لا، ما كان بينك وبين الخلق لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، لكن ما كان بينك وبين الحق يغفر في رمضان وفي الحج وفي الهجرة وفي التوبة، لذلك قال تعالى:

 

 

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) ﴾

 

( سورة الأنفال )

 يعني إذا في أخطاء متراكمة ينبغي أن تؤديها للعباد أو أن يسامحوك بها، الحقيقة أن هذا الشهر الكريم ألف المسلمون في عصور التأخر والفتن يكون شهر اجتماعي، لا شهر عبادي، فالولائم واللقاءات والسهرات الطويلة ومتابعة المسلسلات كلها في رمضان، بل إن أجهزة الإعلام كل ما عندها من تفوق يكون في رمضان إكراماً لهذا الشهر، فينبغي أن نجعله شهر عبادة لا شهر لقاءات اجتماعية، ينبغي أن نحكم صلاتنا، أن ننفق أموالنا، أن نتلو قرآننا، أن نغض أبصارنا، أن نقدم شيئاً لله في رمضان فكان عليه الصلاة والسلام جواداً كان أجود ما يكون في رمضان، وكان يقرأ القرآن، ولكن في رمضان يقرأه بشكل مضاعف، فحينما نحكم صلاتنا في رمضان نؤديها في أوقاتها وفي المساجد إن استطعنا كرجال والمرأة معذورة أن تصلي في بيتها، أن نؤدي الصلوات في أوقاتها، وأن نتقن هذه الصلوات، وأن نكثر تلاوة القرآن، والإنفاق في رمضان، وأن نحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، فعندئذٍ لعل الله يقبل صيامنا في رمضان، وإذا قبل فنحن من أسعد الناس، قال تعالى:

 

﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) ﴾

 

( سورة البقرة )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018