بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 29 - صيدا - الزكاة في الإسلام .


2002-11-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا الدين العظيم وبهذا الشهر الكريم وأن يجعلنا من عتقاء رمضان.
 أيها الإخوة الكرام:
 كان عليه الصلاة والسلام جواداً، وكان أجود ما يكون في رمضان، بل إن رمضان موسم الزكاة، وموسم زكاة الفطر، ولكن وقبل المضي في الحديث عن هذه الفريضة الكبرى لا بد من وقفة دقيقة حول ما إذا كان من حكمة الله عز وجل ـ والله هو الحكيم ـ أن يتفاوت الناس في الحظوظ، أي ما الحكمة التي تتبدى من تفاوت الناس في الحظوظ ؟ ماذا أعني بالحظ ؟
 المال حظ، والقوة حظ، والذكاء حظ، والوسامة حظ، والصحة حظ. هل وزِّعت الحظوظ بالتساوي بين عباد الله ؟ أم أنها وزِّعت بتفاوت شديد ؟ ولماذا وزِّعت بتفاوت شديد ؟
 يقول الله عز وجل:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾

( سورة الإسراء: الآية 21 )

 فرق كبير جداً بين ممرض وجراح قلب، وبين جندي وقائد جيش، وبين بائع متجول ورئيس غرفة التجارة وبين معلم في قرية وأستاذ في الجامعة قال تعالى:

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾

 

( سورة الإسراء: الآية 21 )

 هذا الموضوع دقيق جداً، لماذا وزِّعت الحظوظ بتفاوت شديد في الحياة الدنيا ؟ هي في الحقيقة وزِّعت بتعبير دقيق توزيع ابتلاء ولم توزَّع توزيع جزاء، وزِّعت توزيع ابتلاء في الدنيا وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء، درجات الدنيا لا تعني شيئاً بينما درجات الآخرة تعني كل شيء، درجات الدنيا مؤقتة بينما درجات الآخرة أبدية، هذا المشهد من قصة قارون حينما خرج على قومه بزينته، أتاه الله المال، والقاعدة أن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب، آتى المال لقارون، وآتاه لعثمان بن عفان رضي الله عنه، إذاً آتاه لمن يحب ولمن لا يحب، إذاً ليس مقياساً، آتى القوة لفرعون وهو لا يحبه، وآتاها لسليمان وهو يحبه، إذاً القوة أيضاً ليست مقياساً، فالحظوظ أيها الإخوة موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، يوم خرج على قومه بزينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا:

 

﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) ﴾

 

( سورة القصص: الآية 79 )

 وقال تعالى:

 

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

 

( سورة القصص: الآية 80 )

 إذاً حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)﴾

 

( سورة الفجر )

 الجواب الإلهي كلا، كلا أداة ردع ونفي، أي أنتم مخطئون يا عبادي، هذه مقولة أصحابها، قال تعالى:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)﴾

 

( سورة الفجر )

 كلا ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء.
 إذاً هذا الحظ، والكلمة واسعة، المال حظ، القوة حظ، الذكاء حظ، الوسامة حظ، الصحة حظ، هذه الحظوظ ليست نعماً وليست نِقماً، إنما هي قيم مجمدة، تُقيَّم في طريقة استعمالها، إذا أُنفق المال في طاعة الله أصبح نعمة، إذا أُنفق في معصية الله أصبح نِقمة، إذا استُخدم الذكاء لتبيين الحق كان نعمة، فإذا استخدم الذكاء لترويج الباطل كان نقمة.
 الحظوظ حيادية، سُلم نرقى بها أو دركات نهوي بها. هؤلاء الممكّنون في الأرض ممكنون في مناصبهم أو في أموالهم أو في علمهم أو في طلاقة لسانهم، هؤلاء أُعطوا فرصة أن يصلوا بحظوظهم إلى أعلى مستوى وأمامهم منزلق خطير أن يصلوا بحظوظهم تلك إلى أسفل سافلين.
 أيها الإخوة الكرام:
 الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء وسوف تُوزع في الآخرة توزيع جزاء، ولنضرب على ذلك مثلاً، إنسانان عاش كل منهما ثمانين عاماً، الأول ابتُلي بالفقر، والثاني ابتُلي بالغنى، لو تصورنا أن الأول لم ينجح في ابتلاء الفقر، أو أن الثاني لم ينجح وأن الأول نجح، الفقير ـ قبل أن أتابع الحديث هناك تحفظ ضروري جداً، الفقر أنواع ثلاثة ؛ فقر الكسل، وفقر القدر، وفقر الإنفاق، فقر الكسل هو الإنسان المُهمل لعمله، المُقصِّر، غير المتقن، المُسوِّف، المُرجئ، الذي ينام إلى الظهر، هذا فقير فقر كسل، فقره جزاء من الله عز وجل، هذا خارج البحث، فقر الكسل مذموم:

 

((رأى النبي عليه الصلاة والسلام إنسان يصلي في وقت العمل فسأله: من يطعمك، قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، أخوك يده عليا، وأنت يدك سفلى.))

 لا تكن عبئاً على أحد، لا تكن كَلاً على أحد، لا تكن مفتقراً إلى أحد، كن مفتقراً إلى الله عز وجل، فقر الكسل مذموم، والمسلمون يعانون من فقر الكسل، والحديث الرائع:

 

 

((إن الله يلوم على العجز.))

 أن تستسلم لقدرك، أن تستسلم لواقعك السيئ، أن تستسلم لمعطيات البيئة السيئة:

 

 

((إن الله يلوم على العجز.))

 ولكن عليك بالكيس، عليك بالسعي والتدبير والحركة والسؤال والاعتراض والطلب، فإذا غلبك أمر فقل حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقال كلمة حسبي الله ونعم الوكيل إلا حين تستنفد كل أسباب السعي، أي مثلاً طالب لم يدرس فرسب فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، هذه كلمة حق أُريد بها باطل، ولكن الطالب الذي درس واستنفذ جهده وأصابه مرض يوم الامتحان فحال بينه وبين الامتحان هذا وحده يقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
 التوكل أيها الإخوة في القلب والعمل في الجوارح، أما أن نتوكل دون أن نسعى فهذا سماه العلماء التواكل.
 يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه لقي أناساً يتكففون الناس، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن متوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
 أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بيد عبد الله بن مسعود وكانت خشنة من العمل، فقال:

 

((إن هذه اليد يحبها الله ورسوله.))

 بل إن العمل الذي ترتزق منه ـ وهذا كلام دقيق ـ إذا كان في الأصل مشروعاً وسلكت به الطرق المشروعة ولم يصرفك عن طاعة ولا عن عبادة ولا عن عمل صالح ولا عن طلب علم، وابتغيت به كفاية نفسك وخدمة المسلمين، هذا العمل انقلب إلى عبادة بينما عبادات المنافق سيئات، عادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات. إذاً هذه الحظوظ التي مُنحنا إياها مواد امتحاننا مع الله، وليس من الصعب أن تمسك بورقة وأن تكتب بنود امتحانك مع الله، آتاك الله صحة، كيف تنفق هذه الصحة ؟ آتاك الله مالاً، آتاك الله جاهاً، آتاك الله زوجة، آتاك أولاداً، اكتب على ورقة الحظوظ التي مُنحتها في الدنيا، هي مواد امتحانك مع الله، اكتب على قائمة ثانية الأشياء التي زُوِّيت عنك، لم تحصِّلها، هذه أيضاً مواد سلبية في امتحانك مع الله، من هنا كان دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي في ما تحب وما زويت عني ما أحب فاعله فراغاً لي في ما تحب.))

 إذاً ما من مؤمن إلا وعنده مواد امتحان مع الله تندرج في زمرتين، الزمرة الأولى الحظوظ التي نالها من الله، والزمرة الثانية الحظوظ التي زويت عنه، في كلا الحالتين هو ممتَحن، الإمام الشافعي يقول حينما سئل: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين فقال: لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى.
 والله عز وجل يقول:

 

 

﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

 

( سورة المؤمنون )

 أعود إلى المثل، لو أن رجلاً عاش ثمانين عاماً وكانت مادة امتحانه مع الله الفقر ونجح، تجمَّل، صبر، تعفف عن أموال الناس، أتقن عمله، عبد الله وكان فقيراً، وإنسان آخر عاش العمر نفسه وكان غنياً ومادة امتحانه مع الله هي الغنى، لكنه لم ينجح، استعلى بماله على عباد الله، تاه عليهم كبراً، غرق في المتع ونسي الفقراء من حوله، استكبر، أنفق المال في المعاصي والشهوات والآثام، لم ينجح في الامتحان، الاثنان ماتا، والاثنان عاشا عمراً واحداً، الفقير الذي عاش ثمانين عاماً في فقر مدقع، أصبح في جنة عرضها السماوات والأرض إلى أبد الآبدين، والغني الذي عاش عمر محدود في مُتع حسيَّة كثيرة أصبح في جهنم وبئس المصير من هو الرابح ؟
 من هنا يقول الإمام علي كرم الله وجهه: الغنى والفقر بعد العرض على الله.
 لا يسمى الغني غنياً في الدنيا ولا الفقير فقيراً في الدنيا، قال تعالى:

 

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾

 

( سورة الإسراء: الآية 21 )

 مراتب الدنيا لا تعني شيئاً:

 

(( عن أنس بن مالك, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة أما أهل الجنة؟ فكل ضعيف متضعف أشعث ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره))

 

[ أنس، أحمد ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث ينخلع له القلب:

 

((بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً أو غنىً مُطغياً. ))

 عدّ النبي عليه الصلاة والسلام الغنى الذي يحمل صاحبه على الطغيان من مصائب الدنيا، فقراً مُنسياً أو غنىً مُطغياً أو مرضاً مُفسداً أو مرضاً مُفنداً أو موتاً مُجهزاً أو الدجال، فشر غائب مُنتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر.
في الحقيقة يوجد الآن نموذج يسمى أعور الدجّال، دعك من معنى الحديث الدقيق، هناك نموذج تنطبق عليه صفتين متلازمتين ؛ أعور يرى الدنيا ولا يرى الآخرة:

 

 

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)﴾

 

( سورة الروم: الآية 7 )

 ودجال يتكلم بخلاف الواقع.
 فيا أيها الإخوة الكرام:
 هذه نقطة دقيقة جداً، نحن معنا مواد امتحان مع الله، بعضها إيجابي وبعضها سلبي، الإيجابي ينبغي أن نتبع توجيهات الله عز وجل:

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾

 

( سورة القصص: الآية 77 )

 وأما الامتحان السلبي:

 

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

 

( سورة الطور: الآية 48 )

 الحظوظ التي نلتها من الله ينبغي أن توظف في الحق، والحظوظ التي زويت عنك ينبغي أن توظف فراغها في الحق، وعجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إذ أصابته سراء شكر فكان ذلك له خير، وإذ أصابته ضراء شكر فكان ذلك له خير وليس ذلك لغير المؤمن.
 يتميز المؤمن بأنه راضٍ عن الله، أحد من الناس يطوف بالكعبة ويقول: يا رب هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال: يا سبحان الله كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنِقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
 أيها الإخوة:
 الحقيقة هناك تشبيهان بليغان ؛ الأول أنت راكب دراجة وتمشي على طريق مستو وجدت طريقين الأول هابط والثاني صاعد، ذكرت هذا المثل: أحد إخوتنا في الشام كان من أهل الفن وتاب الله عليه والتزم المسجد وله صديق فنان حمله على التوبة ولكن في أخريات حياته، عاش سنتين تائباً ثم توفاه الله، وأقيم حفل العزاء في نقابة الفنانين، ودُعيت إلى إلقاء كلمة في التعزية، ذهبت إلى هناك فوجدت كل الفنانين في هذه القاعة فماذا أقول لهم ؟ تركت النصوص، ذكرت هذا النص، راكب دراجة يمشي على طريق مستو وجد بعد هذا الطريق طريقين ؛ طريق هابطة وأخرى صاعدة، معطيات البيئة تدعوه أن يسلك الطريق الهابط، طريق معبد، ورود ورياحين، أشجار، هو راكب دراجة ليس معه محرك، فالنزول مريح جداً، فطبيعته، طبعه، حاجات جسمه وعضلاته كل شيء يدعوه إلى أن يسلك الطريق الهابط، والطريق الصاعد ليس معبداً ولا يوجد فيه أشجار ولا نباتات بل حفر وأكمات وغبار، فمعظم الناس إذا واجهوا طريقين الأول هابط والثاني صاعد وهم يركبون الدراجة يختارون الطريق الهابط، لكن لوحة كُتب عليها عند مفترق الطرق: " هذا الطريق الهابط ينتهي بحفرة ما لها من قرار فيها وحوش كاسرة وجائعة "، وأما الطريق الصاعد ينتهي بقصر منيف فيه كل شيء لمن دخله هذا البيان ألا ينبغي أن يعكس قراراً.
 هذه هي القصة كلها، كل شيء في الدنيا يدعونا إلى الدنيا، مالها يُغري، نساؤها تفتن، قصورها تخلب الألباب، الدنيا خضرة نضرة، والآخرة تحتاج إلى صيام وصلاة وحج وزكاة وغض بصر وضبط لسان وإنفاق مال وصحبة العلماء والجلوس على الركب في أرض المسجد، وتحتاج إلى مجاهدة النفس والهوى، وضبط اللسان لا غيبة ولا نميمة، هذا البيان الذي كُتب على مفترق الطرق إن صدقته لا بد من أن تسلك الطريق الصاعد، خلاف طبعك، خلاف معطيات البيئة.
 ضربت مثال آخر ؛ أنا في الشام أسكن في حي يدعى المهاجرين، وكنت أعمل مدرِّساً في مركز المدينة، وفي مركز المدينة ساحة المرجة موقف الباصات، هذا الباص يتجه نحو الشرق، إذا تحرك نحو المهاجرين يدور حول ساحة المرجة، دقيقة واحدة، أصعد إلى هذه المركبة في الصيف الحار أجد المقاعد اليمنى كلها شمس محرقة، والمقاعد اليسرى كلها ظل ظليل، أنا أجلس في الشمس، وأمتحن الركاب، يصعد الراكب يرى شمس وظل فيقبع في الظل، بعد أن يتحرك الباص دقيقة واحدة تنعكس الآية، أنا أتمتع بالظل إلى نهاية الطريق، وهؤلاء الذين استعجلوا وجلسوا في الظل تحملوا أشعة الشمس طوال الطريق.
 إذاً الناس رجلان ؛ رجل يفكر ورجل لا يفكر، هذه هي القصة كلها، فالذي آثر الآخرة ذكي جداً وطموح جداً وعاقل جداً وموفق جداً، والذي آثر الدنيا أحمق غبي، إنه رأى بيت جميل، منظر جميل، منصب حساس ومرتبة فاخرة فساحت نفسه مع هذه الشهوات ونسي العواقب، لذلك في الإنسان ثلاث نقاط ضعف هي في الحقيقة نقاط قوة تبدو نقاط ضعف، خُلِق الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، قد تشتري آلة غالية جداً ثمنها بالملايين فيها نقطة ضعف فيوز، لو جاءت الكهرباء عالية جداً بدل أن تحرق الآلة يحترق هذا الفيوز وثمنه من ليرتين إلى ثلاثة، فهذا الفيوز في الآلة نقطة ضعف لمصلحة الآلة، فالإنسان خُلق ضعيفاً، يخاف، إذا شعر أنه يوجد ألم بين أن يكون حميداً وبين أن يكون خبيثاً إلى أن تصدر النتيجة لا ينام الليل، فإذا صدرت أنه خبيث برك، خُلِق ضعيفاً ليتوب، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

 

( سورة المعارج )

 أيضاً حينما أودع الله في نفسك حب المال من أجل أنك إذا أنفقته ترقى عند الله لأنه ثمين قال تعالى:

 

﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً (20) ﴾

 

( سورة الفجر: الآية 20 )

 قال لك ادفع، ثم خلقك عجولاً قال تعالى:

 

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً (11)﴾

 

( سورة الإسراء: الآية 11 )

 احتاج إلى شيء سريع يأتي المؤمن يختار ما بعد الموت، ويرفض كل عطاء في الدنيا لا يرضي الله عز وجل فأن يكون الإنسان حريصاً على ما في يده نقطة ضعف، وأن يكون شديد الخوف نقطة ضعف ثانية، وأن يختار الشيء العاجل نقطة ضعف ثالثة، وهذه النقاط الثلاثة هي نقاط ضعف لصالح إيمانه.
 إذاً نحن أمام امتحانات تندرج في زمرتين بعض هذه الزمر إيجابي وبعضها سلبي، إذاً هذا الفقير ليس هيناً على الله، وليس الغني كريماً على الله، الغنى والفقر قيمتان في الدنيا لا تعني بأن الغني مقرب إلى الله ولا أن الفقير مهان عند الله، وقد تعني العكس، قال تعالى:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

 

( سورة الأنعام: الآية 44 )

 والإنسان عندما يذهب إلى بلاد الغرب يختل توازنه إن كان ضعيف الإيمان، يرى بلاد جميلة جداً، أموال لا تُحصى، كل المعاصي والآثام في بلاد الغرب، يأتي إلى بلاد المسلمين فيعاني من مشكلات لا تنتهي، لكن هنا محل الإشارة إلى أن هناك نصراً مبدئياً وأن هناك نصراً واقعياً، إذ لم يُتح للمسلمين النصر الواقعي من اكتساح الأرض ورفع العلم فوق المباني المحررة مُتاح لهم جميعاً النصر المبدئي، أن تصحح عقيدتك وأن تستقيم حركاتك وسكناتك وأن تكون عابداً لله عز وجل حق العبادة، فإذا جاء الأجل أنت المنتصر، وكفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، هذه مقدمة لموضوع الزكاة.
 إذا وُجِد الفقير وُجِد الغني، قد يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني، وليس الفقير مهاناً عند الله، لكن امتحانه كان مادة الفقر، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

 

((من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثي دينه.))

 الغنى والفقر بعد العرض على الله، أي مثلاً مُنتَزع من حياتنا مطعم متواضع صغير جداً لا يكفي ربحه مصروف صاحبه لكن صاحبه مؤمن ومستقيم وقائم بالعبادات ونساؤه محجبات وأولاده طيبون، مطعم خمس نجوم ودخل هذا المطعم بالملايين يومياً لكن يبيع الخمر ويدير المطعم نساء كاسيات عاريات، على الشبكية ليس هناك من مجال للموازنة بين المطعمين، ولكن بالدماغ على بُعد عدة سنتمترات في المطعم الأول الذي صاحبه عبَدَ الله عز وجل أضف له الآخرة هو في الجنة، أما الثاني الذي يبيع الخمر أضف له الآخرة هو في النار، فالبطولة لا أن تأخذ الشيء من أوله بل أن تأخذه من نهايته.
 لذلك يروى أن صيادَين مرا بغدير من الماء فيه سمكات ثلاث كيِّسة وأكيس منها وعاجزة، أي ذكية وأذكى منها وبليدة، فتوعد الصيادان أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السمكات قولهما، أما أكيسهم فإنها ارتابت وتخوفت وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، ولم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، وأما الثانية أقل ذكاء بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت صديقتها فإذا بالمكان قد سُدَّ، قالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم إنها تماوتت ـ أي تصنعت الموت ـ فطفت على وجه الماء منقلبة تارة على ظهرها وتارة على بطنها فأخذ الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فوثبت إلى النهر فنجت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
 فالإنسان الذي يعيش المستقبل هو الموفق والذكي، هو يفعل قبل أن يكون عمله رد فعل، والإنسان الذي يعيش الحاضر فقط تأتي حركاته ردود أفعال فقط، أما الإنسان الغبي يعيش الماضي فقط، قال ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم قال: نحن كنا قادة الأمم.
 أما الآن لسنا قادة الأمم، مليار ومائتي مليون مسلم ليست كلمتهم هي العليا، قال تعالى:

 

 

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

 

( سورة النساء: الآية 141 )

 لهم علينا ألف سبيل وسبيل قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

( سورة مريم: الآية 59 )

 أيها الإخوة الكرام:
 الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، إذاً الفقير ليس هيناً عند الله، ممتحن بالفقر، والغني ليس مكرماً عند الله، ممتحن بالغنى، فالبطولة أن ينجح الفقير بامتحانه والغني بامتحانه قال تعالى:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 103 )

 الملمح في خذ أنها فعل أمر، فالزكاة تتعلق بها سلامة الأمة وحقوق البشر، إذاً تؤخذ و لا تعطى، الزكاة بحسب هذه الآية لا تُعطى اختياراً تؤخذ عنوة، والمخاطب هو النبي عليه الصلاة والسلام، لا على أنه نبي، على أنه ولي أمر المسلمين، خذ، أما كلمة من للتبعيض، ليس في الإسلام أن تأخذ المال كله، ليس في الإسلام ما يسمى بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة، في الإسلام خذ من، من للتبعيض، خذ جزءاً يسيراً من أموالهم ودع لهم كرائم أموالهم، لو جاء من يأخذ زكاة البقر ولصاحب هذا المال بقرة يحرص عليها ينبغي أن تدعها له، دع لهم كرائم أموالهم، فكلمة من للتبعيض، خذ من أموالهم، أموال جاءت جمعت، جميع أنواع المال تجب فيها الزكاة، النقدان الذهب والفضة، عروض التجارة، ما أنتجته الأرض، الأنعام، الركاز، كل أنواع المال تجب فيها الزكاة، سألني أحدهم مداعباً أعلى العسل زكاة فقلت: نعم، قال: فإن لم ندفع الزكاة ؟ قلت: قراب النحل جاهز، هذا آفة تصيب خلايا النحل، لا تدع شيئاً، فإن دفعت فأنت الرابح و إلا فإن قراب النحل جاهز، لأنه ما تلف مال في بر أو بحر إلا لحبس الزكاة، ومن أدى زكاة ماله أذهب عنه شره، قال:
وحصنوا أموالكم بالزكاة.
 وأي مال لم تُدفع زكاته فهو كنز، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 35 )

 وأي مال مهما كان كبيراً إن دُفعت زكاته فهو ليس بكبير قال تعالى:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 103)

 وجاءت ( هم ) ضمير الغائب مع ميم الجماعة، أي أن الزكاة واجبة على كل المسلمين لا يُعفى منها أحد، ولا تُطوى هذه الفريضة عن أحد قال تعالى:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 103)

 هي الزكاة، لكن جاءت هنا الصدقة، كأن الخالق جل جلاله أتى بكلمة الصدقة مكان الزكاة ليشير إلى أن إنفاق المال يؤكد صدق الإنسان في إيمانه، هي دليل صدق لأن الإنسان هناك الكثير من الأشياء التي يفعلها دون أن يتعب، لا يُقصر فيها، أما هناك أشياء تكلفه عبئاً، المال محبب، قال تعالى:

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

 

( سورة آل عمران: الآية 14 )

 المال محبب، فإنفاقه فيه رقي، لذلك درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم تصرفه بعد مماتك، درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم يُنفق في رياء، رُب درهم سبق ألف درهم، بل إن الفقير جداً الذي لا يملك إلا وجبة إفطار واحدة تجب عليه زكاة الفطر، لماذا ؟ قال العلماء: هي في الأساس طعمة للفقير وطُهرة للصائم، لكن العلماء قالوا: من أجل أن يذوق الفقير طعم الإنفاق في العام مرة، الآن صدقة تؤكد صدقه قال:

 

﴿تُطَهِّرُهُمْ ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 103 )

 أي تطهر الفقير من الحقد، الفقير محروم والغني غارق في النعم، ولاسيما إذا كان هناك احتكاك، قد يكون موظف فقير عند غني يأتيه بما لذ وطاب من الطعام والشراب بما يساوي مرتب شهر، يرى بعينه كيف الإنفاق، هو محروم، فالفقير يحقد والغني يصاب بمرض عضال، كيف أن الورم الخبيث مرض عضال يصيب الجسم في الدنيا، وكذلك الشح مرض خطير يصيب النفس قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

 

( سورة الحشر: الآية 9 )

 فالفقير يطهر من الحقد والغني يطهر من الشح، والمال يطهر من تعلق حق الغير به، والحجر المغصوب في دار رهن بخرابها، أي إذا وجد في مجموع المال قسم من المال هو حق للفقير لم يُنفق ربما تلِف المال كله، إذاً المال يطهر من تعلق حق الغير به، والفقير يطهر من الحقد، والغني يطهر من الشح، هذه هي تطهرهم، أما تزكيهم: الزكاة هي النمو، فالغني حينما يرى مئات الفقراء نعموا بماله وأحبوه ودعوا له وحرسوا ماله، بعد أن كان يخاف منهم أصبحوا حراساً له، تنمو نفسه، تنمو نفس الغني وتنمو نفس الفقير، يشعر أنه ليس مهملاً وليس منسياً، هناك من يهتم به، مجتمعه يهتم به، يهتم بطعامه وشرابه ولباسه وأولاده تنمو نفسه وينمو المال بطريقتين ؛ بطريقة القوانين الاقتصادية، أنت حينما تؤدي زكاة مالك تعطي الفقير قوة شرائية يعود عليك نفعها أحياناً أو ينمو المال بطريقة العناية الإلهية، قد تُلهم صفقة رابحة وقد ينقبض صدرك من صفقة غير رابحة، هذه القضية غير قانونية، عناية إلهية، تُلهم صفقة رابحة، وينقبض قلبك لصفقة غير رابحة، قال تعالى:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة: الآية 103 )

 هذا الغني حينما يؤدي زكاة ماله يرقى إلى مرتبة عالية جداً وقد قرنه النبي عليه الصلاة والسلام بالعالِم قال:
892 ــ باب إنفاقِ المالِ في حقّه:

 

((عن ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه قال: سمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول:لا حسَدَ إلاّ في اثنَتينِ: رجُلٍ آتاهُ اللهُ مالاً فسلّطهُ على هَلَكتهِ في الحقّ, ورجُلٍ آتاهُ اللهُ حِكمةً فهو يَقضِي بها ويُعلّمها))

 

[ البخاري ]

 جزى الله عنا شيخنا الكريم خير الجزاء ونشكر لكم حضوركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018