بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 35 - البقاع بلبنان - قواعد الدعوة إلى الله تعالى .


2003-09-24

 وذلك مع فضائل لفضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الدمشقي، الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق منذ عام 1970، خطيب ومدرس ديني في مساجد دمشق منذ عام 1974 أستاذ مادة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في جامعة الأزهر في قسم التخصص والدراسات العليا، مشرف على مجلة نهج الإسلام التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية، وعضو لعدد من اللجان التابعة لوزارة الأوقاف، مثل سورية في عدد من المؤتمرات الإسلامية في أكثر من بلد عربي وغربي وشرقي لبى دعوات الجاليات الإسلامية بأمريكة الشمالية وأستراليا وتركيا، له دروس وندوات وحلقات دورية في أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية العربية منها والأجنبية له مؤلفات أبرزها موسوعة أسماء الله الحسنة، نظرات في الإسلام، تأملات في الإسلام موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، له مقالات وكتابات في المجلات والصحف السورية والعربية والإسلامية، ومع سماحة الدكتور محمد راتب النابلسي في محاضرة بعنوان قواعد في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فليتفضل مشكوراً:

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 فما من عمل على وجه الأرض أفضل عند الله من الدعوة إليه، لقوله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾

( سورة فصلت )

 كما أن الاعتقاد بالله لا قيمة له من دون استقامة على أمره، كذلك الدعوة إلى الله لا تثمن إلا إذا رافقها عمل صالح.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾

 

( سورة فصلت )

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً (46)﴾

( سورة الأحزاب )

 ولكن أيها الأخوة:
 لا بد من تحفظ، ما من عمل على الإطلاق يتذبذب بين أن يكون عملاً عظيماً يرتقي إلى صنعة الأنبياء، وبين أن يكون عملاً لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ما الضابط بين الحالتين ؟ حينما يموت الداعية في سبيل دعوته فهي الدعوة التي على قدم الأنبياء، وحينما يرتزق بها تكون دعوة لا تستأهل إلا ابتسامة ساخرة الإمام الشافعي يقول:
 لأن أتجر بالرقص أهون من أن أتجر بالدين.
 في بلد والقصة قديمة جداً، اتخذت القيادة فيه قراراً بإنهائي حياة أحد الدعاة فجاءه له بشيخ يلقنه الشهادة، ماذا قال هذا الشهيد ؟ قال أنا أموت من أجل لا إله إلا الله وأنت ترتزق بها، بين أن تموت من أجلها وبين أن ترتزق بها.
 أيها الأخوة الكرام:
 محور هذا اللقاء الطيب أصول الدعوة إلى الله من خلال الكتاب والسنة، أولاً الله هو الحق، والحق لابث خلق السماوات والأرض في آيات كثيرة، ويمكن أن نعرف الحق من خلال تعريف الباطل، الباطل ؛ هو الشيء الزائل، والباطل هو الشيء العابث، الحق هو الشيء الثابت والهادف، الباطل زائل وعابث، لذلك أعتقد أن الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط، ودققوا في التعريفات، خط النقل الصحيح ما كل نقل صحيح، وخط العقل الصريح وخط الواقع الموضوعي، وخط الفطرة السليمة، لأن النقل الصحيح كلام الله وشرح نبيه والعقل الصريح مقياس أودعه الله في الإنسان.

 

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)﴾

 

( سورة الرحمن )

 والفطرة جبلة جبلنا عليها، من خلق الله عز وجل توافق الفطرة مع الحق شيء مدهش سواء أخرجت عن قواعد الدين أم عن خصائص فطرتك النتيجة واحدة اختلال في التوازن.

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾

 

( سورة الروم الآية: 30 )

 الواقع الموضوعي خلقه، إذا كان القرآن كلامه، والواقع خلقه، والعقل مقياس أودعه فينا، والفطرة جبلة جبلنا عليها، هذه الفروع الأربع من أصل واحد، إذاً لا بد من أن تكون متوافقة، من هنا ألف ابن القيم رحمه الله تعالى كتاباً في حتمية توافق النقل مع العقل إلا أن الخلاف يكون بين نقل غير صحيح، مع قضية وردت بها الأحكام الشرعية، أو تكون القضية ليست مستندة إلى نص صحيح، ينشأ التناقض من عقل صريح مع نص غير صحيح أو من نص صحيح مع نظرية لم تثبت بعد.
 أيها الأخوة:
 شيء ثابت عظيم هو الكون ستة آلاف مليون من بني البشر أمام حقائق صارخة في الكون، هذا الكون يدل على إله موجود، وواحد، وكامل، وكمال الخلق يدل على كمال التصرف، وهذه مسلمة في المنطق، هل يعقل لهذا الخالق العظيم أن يدع خلقه من دون بيان أو إرشاد ؟! يقتضي العقل السليم أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف ولكن قبل ذلك لحكمة بالغةٍ بالغة أرادها الله هذا الكون مخلوق وفق أنظمة بالغة الدقة، ومن أبرزها نظام السببية، فلكل شيء سبب هكذا شاءت حكمة الله، ومن فضل الله علينا أن العقل البشري من أبرز مبادئه السببية، فالعقل البشري لا يفهم شيئاً من دون سبب، وهذا الكون أساس نظامه السببية، من أجل ماذا ؟ من أجل أن يقودنا عقلنا بمبدأ السببية من خلال الكون الذي صمم وفق مبدأ السببية إلى مسبب الأسباب وهو الله عز وجل، لكن الشيء الرائع أن تلازم الأشياء مع النتائج فضل كبير من الله لذلك نستطيع أن نكتشف القوانين، نستطيع أن نطمأن لثبات تلازم الأسباب مع النتائج، ولكن، ولكن المؤمن الذي وفق الله قبل أن يضع يده على حقيقة الإيمان لا يعتقد أن الأسباب تخلق النتائج، لكنها ترافقها، فيأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كان الطريق طريق عن يمينه وادٍ سحيق وعن يساره وادٍ سحيق، فإذا أخذ الأسباب واعتمد عليها فقد أشرك، وإذا لم يأخذ بها فقد عصا، الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها وقع في وادي الشرك، والشرق لسوء فهمه للدين لم يأخذ بالأسباب وقع في وادي المعصية، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أما هذا الإنسان الذي يطمع بسذاجة أن يخرق الله له الأسباب فلا يأخذ بها إنسان ساذج لا يعظم نظام الله عز وجل في الخلق، تخرق الأسباب ولكن لا لعامة المسلمين، تخرق للأنبياء لتكون دليلاً قطعياً الذي قال أنا رسول طبعاً معه منهج افعل ولا تفعل، والمنهج يقيد حرية الناس، فرد الفعل الطبيعي لست مرسلاً، أنت كاذب، فكيف يثبت هذا الرسول لمن يدعوهم أنه رسول لا بد من سؤال:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾

 

( سورة النساء الآية: 174 )

 البرهان هو المعجزة، إذاً تلازم الأسباب مع النتائج له فوائد لا تعد ولا تحصى استقرار النظام، اكتشاف القوانين، اطمئنان الناس إلى ثوابت في الأرض، لكنها تخرق من أجل أن تكون برهاناً للأنبياء والمرسلين.
 أيها الأخوة:
 معجزات الأنبياء السابقين معجزات حسية كتألق عود الثقاب، تألق مرةً واحداً وأصبح خبراً، يصدقه من يصدقه ويكذبه من يكذبه، بينما معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأنه للناس كافة، لا بد من لأن تكون معجزته مستمرة، إن معجزته هي القرآن الكريم وبالذات 1300 آية تتحدث عن خلق السماوات والأرض، لا أدري أيعقل أن يقول الله كلاماً ليس لنا منه موقف، إن كان في القرآن أمر يقتضي الطاعة وإن كان في القرآن نهي يقتضي الترك، وإذا كان في القرآن آية كونية فماذا تقتضي هذه ؟ تقتضي التفكر، إن هذه الموضوعات التي شفت عنها آيات الكون منهج للتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

 

( سورة آل عمران )

 إذاً تقرأ القرآن الأمر يقتضي الإتباع، كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، كأن يكون أمر تهديد، أو أمر إباحة، أو أمر ندب، أما من دون قرينة تصرفه عن الوجوب الأصل أن كل أمر يقتضي الوجوب، وكل نهي يقتضي الترك، وكل آية كونية تقتضي التفكر، وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم:

 

(( تفكر ساعة خير من قيام ليلة ))

 لأن العلماء وحدهم هم الذين يخشون الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام:
 هذه مقدمة إلى أن في القرآن الكريم 1300 آية تتحدث عن الكون، وهذه الآيات تعرف بالآمر، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
 أيها الأخوة:
 لا بد من أمثلة، آية في سورة البقرة، كلمات عدة:

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 بعوضة في القرآن الكريم الذي يتلى تعبداً إلى يوم القيامة ورد اسم البعوضة وما من مخلوق أهون على الناس جميعاً من بعوضة، بل إن النبي أكد هذا المعنى:

 

(( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء ))

 

[ أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد ]

 هذه البعوضة من أجل أن تكونوا متيقنين هذا الموضوع عرضته في برنامج تلفزيوني في دمشق، ودعمته بالصور مأخوذة من مجاهر إلكترونية، في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها 48 سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب أذينان، وبطينان، ودسامان، والبعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات التي قصفت العراق، تملك جهاز استقبال حراري، إنها لا ترى الأشياء لا بشكلها، ولا بصورتها، ولا بحجمها، ولكن بحرارتها فقط، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية فإذا كانت في غرفة مظلمة لا ترى إلا النائم لأن حرارته 37، تتجه إلى جبينه، ما كل دمٍ يناسبها معها جهاز تحليل دم، فقد ينام أخوان على فراش واحد يستيقظ الأول وقد ملئت جبهته بلسع البعوض بينما الثاني سليم لا شيء فيه، إذاً إضافة إلى جهاز الرادار معها جهاز تحليل دم وقفت على إنسان دمه يناسبها لئلا يقتلها أثناء امتصاص الدم معها جهاز تخدير، هو متى يضربها ؟ وهي في الجو تضحك عليه، متى يضربها ؟ إذا انتهى فعل التخدير، معها جهاز تحليل، وجهاز تخدير، ولكي يسري الدم في خرطومها الدقيق معها جهاز تمييع، من جهاز تحليل، إلى جهاز تخدير، إلى جهاز تمييع، أما خرطومها ففيه ست سكاكين، أربع سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم.
 شيء آخر:
 في أرجلها مخالب إن أرادت أن تقف على سطح خشن، وفي أرجلها محاجم على الضغط إن أرادت أن تقف على سطح أملس، وتشم رائحة عرق الإنسان من 60 كم.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾

( سورة الملك الآية: 3 )

 ليست أقل دقة من خلق الحوت، الذي وزنه 150 طن، وجبته المعتدلة 4 طن رضعة وليديه 300 كيلو، 3 رضعات كل يوم طن حليب، ليست البعوضة بأقل دقة من الحوت.
 أيها الأخوة:
 هذه آية من آيات الله الدالة على خلقه، في جسم الإنسان غدة صغيرة جداً إلى جانب القلب بعد سنتين تضمر وتتلاشى، علماء الطب من مئة عام يؤكدون في الجامعات وهم كبار العلماء أن هذه الغدة لا وظيفة لها إطلاقاً، كنت في أمريكة في لوس أنجلوس وقد أطلعني طبيب كريم على بحث عن هذه الغدة، فإذا هي أخطر غدة في الجسم على الإطلاق.

 

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 

( سورة الإسراء )

 ما هذه الغدة التيموس، هذه الغدة ؛ في بالإنسان جهاز مناعة مكتسب هو جيش لكل ما في هذه الكلمة من معنى، له خمس فرق، الفرقة الأولى فرقة استطلاع، مهمتها استخباراتية، فإذا دخل الجرثوم إلى الجسم توجهت عناصر هذه الفقرة وأخذت شيفرته الكيماوية، وعادت إلى مراكز تصنيع السلاح، العقد اللمفاوية، ووفي فرقة ثانية مهمتها المقاتلة، حمل السلام ومقاتلة الأعداء، كمشاة البحرية مثلاً، وفي فرقة ثالثة فرقة خدمات مهمتها نقل الجثث، وتنظيف أرض المعركة، وفرقة رابعة مهمتها خاصة، كالمغاوير أو الكمندس تماماً، يعنينا من هذا الموضوع المختصر الفرقة الثانية المقاتلون هؤلاء عناصر معهم أسلحة فتاكة، يقتلون بها من ؟ سموا عند العلماء بالخلايا التائية الهمجية، مجموع خلايا التائية الهمجية، يعني فرقة المقاتلة تدخل إلى التيموس لأنها مدرسة حربية، في هذه الغدة كبرت أربعين ألف مرة فإذا بها مدرجات كمدرجات الجامعة، وهذه الخلايا التائية جالسة كطلاب العلم، تتلقى بشكل أو بآخر من هو العدو كي تقتله ومن هو الصديق، طبعاً طبيعة التعليم لا تزال مجهولة، لكن هذه الغدة لها مخرجان امتحانيان، لا تخرج الكرية البيضاء منها إلا بعد امتحان، الامتحان نوعان، يعطى هذا العنصر سؤال حول عنصر عدو فإذا لم يقتله يرسب ويُقتل، ثم يعطى عنصر صديق فإذا قتله يرسب ويُقتل، إذاً لا بد من أن يعرف الممتحن من هو العدو ومن هو الصديق، هذه الوجبة الأولى تتخرج، وقد أوكل إلى هذه الوجبة الأولى أن تعلم الأجيال القادمة، وتنهي مهمتها وتضمر وتنتهي، هي الآن أخطر غدة في الإنسان، لولاها لكان في جسم الإنسان حرب أهلية، الإنسان في السبعين يضعف التعليم يقول لك مالل، يضعف التعليم فينشأ كما يسمى بالخرف المناعي، وهذا الخرف المناعي يسبب سبعة أمراض خطيرة منها التهاب المفاصل، التهاب المفاصل للمتقدمين في السن هو حرب أهلية، جرى بين عناصر الجيش الذي مهمته الدفاع عن الجسم يهاجم نفسه.
 أيها الأخوة:
 قال تعالى:

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

 في شيء آخر: في موضوع دقيق هو أحد فقرات المنهج الذي أدرسه المشيمة الغشاء العاقل، المرأة حينما تولد ينزل معها قرص من اللحم يسميه العوام خلاصاً يدفن تحت التراب أو يلقي في الحاويات، قد لا تصدقون أن هذا القرص في شيء العقل لا يصدقه حتى أن الأطباء سموا هذا الغشاء في هذا القرص بالغشاء العاقل، ما في هذا الغشاء ؟ في هذا الغشاء تلتقي دورة الأم مع دورة الجنين ومعلوم لديكم أننا إذا أعطينا امرأة دماً غير دمها تموت فوراً، ينحل الدم، ودم الأم له زمرة ودم الجنين له زمرة، والزمرتان لا تختلطان بينما غشاء عاقل، ماذا يفعل هذا الغشاء يأخذ المواد الغذائية بحكمة ما بعدها حكمة، وبنسب ما بعدها حكمة، وبنسب متدرجة، بحسب نمو الجنين يأخذها من دم الأم ويضعها في دم الجنين، فهذه الوظيفة الأولى هذه المشيمة هي جهاز هضم للجنين، جهاز هضم يأخذ المواد الغذائية، بروتينات، شحوم، مواد سكرية، فيتامينات معادن من دم الأم يلقيها في دم الجنين، قال العلماء:
 لو أوكلنا مهمة الغشاء إلى أكبر علماء الطب لمات الجنين في ساعة واحدة، كل يوم في نسب جديدة، هذا الغشاء العاقل يأخذ ما في دم الأم ويطرحه بدم الجنين بنسب بالغة الدقة، هذه أول مهمة.
 المهمة الثانية: يأخذ الأوكسجين من دم الأم ويطرحه في دم الجنين، أصبح جهاز تنفس.
 المهمة الثالثة: يأخذ مناعة الأم يضعها في دم الجنين صار جهاز مناعة مكتسب.
 يطرح في دم الجنين مواد تحرق السكر في درجة متدنية، صار بنكرياس.
 الآن يأخذ من دم الجنين: ثاني أوكسيد الكربون، مضافاً إليه المواد السامة وحمض البولة، يطرحها في دم الأم كي تطرح عن طريق الرئتين إلى الكليتين نحو الخارج إذاً هو كليتان ورئتان، هذه المشيمة الخلاص، وفيها هذا الغشاء، قال تعالى:

 

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

( سورة الذاريات )

 أيها الأخوة الكرام:
 في موقع معلوماتي لأكبر وكالة فضاء في العالم اسمها ناسة، تعرض كل يوم في موقعها صور للمجرات تأخذ بالألباب في صورة عرضت في عام 99 في الشهر العاشر وأذكر بالضبط 22 تشرين الأول عام 99 عرضت صورة إذا تأملت بها لا يمكن أن تشك لثانية واحدة إلا أنها وردة جورية، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، أوراق حمراء داكنة ووريقات خضراء زاهية، كأس أزرق في الوسط، هذه الصورة ليست وردةً جورية، إنها انفجار نجم اسمه عين القط يبعد عن الأرض 3000 سنة ضوئية، الآن دقق في قوله تعالى:

 

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) ﴾

 

( سورة الرحمن )

 لو قرأت كل التفاسير لا يروى غليلك إلا بهذه الصورة، هذا ما يؤكده سيدنا علي رضي الله عنه في القرآن آيات لما تفسر بعد.
 أيها الأخوة الكرام:
 بين الأرض والشمس 156مليون كم، يقطعها الضوء في 8 دقائق، الشمس تكبر الأرض بمليون و300 ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون و300 ألف أرض الآن في برج العقرب نجم صغير أحمر اللون متألق اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما.

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

( سورة يونس الآية: 101 )

 أنا أرى أن في الدعوات إلى الله نقطة ضعف، هو ضعف تعريف المدعوين بالخالق، هناك تعريف دقيق بالأمر، لكن الآمر ليس معروفاً عند المدعوين كما ينبغي، لماذا بقي النبي في مكة المكرمة حقبة طويلة يعرف أصحابه بخالق السماوات والأرض، في المدينة دخل مرحلة أخرى تعريف أصحابه بالأمر أنت بالكون تعرفه وبالشرع تعبده، ولابد من أن نتحرك بخطيين بشكل متوازن.
 أيها الأخوة الكرام:
 ملخص هذا الكلام مع عصر الضلالات، وعصر الشبهات، وعصر الهجوم الشرس على الدين، في عصر تفنيد ما في القرآن، في مواقع معلوماتية عديدة جداً تهاجم القرآن، لا تستطيع أن تكتفي بلون واحد من الثقافة الدينية، لابد من أن تستوعب معطيات العصر، لا ينجح الداعية الآن إلا إذا جمع بين الثقافة العصرية، وبين الثقافة الدينية ليكون هناك موائبة بينهما، كأنه ألقي في روعنا جميعاً أن الدين شيء والعلم شيء آخر، لا، الذي أنزل القرآن هو الذي خلق الأكوان، لا بد من أن تقيم زواجاً بين العلم والدين، لئلا يستوحش هذا المأخوذ بما عند الغرب من حقائق.
 أيها الأخوة الكرام:
 فأول منهج من مناهج النبي عليه الصلاة والسلام أنه يعرف بالله عز وجل، فما لم تعرف بالله فلا تستطيع أن تقطف ثمار الدعوة، لأن الله هو الآمر يعني بشكل متواضع قد تأتيك ورقة صغيرة من دائرة البريد أن تعال واستلم رسالة مسجلة، ولا تتحرك فيك شعرة قد تذهب وقد لا تذهب، قد تأتي ورقة بالحجم نفسه من جهة أخرى فلا تنام الليل، ما الفرق بين الورقتين، هو الآمر، فإذا عرفت الله تفانيت في طاعته، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت ـ أنا كل إنسان يسألني عن حكم شرعي أقول له تريد الفتوى أم التقوى، هناك لكل معصية فتوى، صار في تفلت، هناك لكل معصية فتوى، إن أردت التقوى شيء آخر.
 أيها الأخوة الكرام:
 بادئة ذي بدء: القدوة قبل الدعوة، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، نحن الآن بحاجة إلى مسلم يمشي أمامنا، مسلم صادق، مسلم أمين، مسلم عفيف، مسلم صاحب وعد، صاحب عهد، أما أن نحشو عقولنا بثقافة إسلامية واقعنا في واد والإسلام في واد يعني هان أمر الله علينا فهنا على الله.
 أيها الأخوة:
 سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال إني قد أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا والناس كالطير إن راؤكم وقعتم وقعوا، ويم الله لا أتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة، هل للقريب من إنسان قوي مصيبة الآن ؟ فصارت القرابة من عمر مصيبة، رأى إبلاً سمينة قال لمن هذه الإبل قالوا هي لابنك عبد الله، فغضب، قال ائتوني به، جاء ابنه رآه غاضباً قال لمن هذه الإبل ؟ قال هي لي، اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت ؟ أين الخطأ ؟ قال له ويقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا بن أمير المؤمنين، ما قولك ؟ بع هذه الإبل وخذ راس مالك، ورد الباقي لبيت مال المسلمين.
 القدوة قبل الدعوة، لا تستطيع أن تنطق بكلمة وتسمع إلا إذا كنت مطبقاً لها هذا مبدأ أول في الدعوة إلى الله، هناك في المحاضرة تفاصيل لطيفة جداً حول هذا البند أنا أختصر طبعاً.
 شيء آخر: الإحسان قبل البيان، إنك إن أحسنت إلى المدعو فتحت قلبه لك فإذا فتح قلبه لك بالمحبة أعطاك كل شيء، أعطاك عقله، انتقلت أفكارك إليه بلا استئذان، فلا يمكن أن يكون الداعية إلا محسناً كي يكون إحسانه فتحاً لقلب المدعو، ثم تأتي الأفكار كي تترسخ فيك.
 في قصة بالمحاضرة عن ثمامة ابن آثال رائعة جداً كيف أن النبي نقله من أشد العداوة إلى أشد المحبة، قال والله: ما كان وجه الأرض رجل أبغض إلي منك، والآن ما على وجه الأرض رجل أحب إلي منك، بالإحسان، القدوة قبل الدعوة، والإحسان قبل البيان.
 الآن الترغيب لا الترهيب، كنت مرة في بيت رويت سألتني طبيبة عن حكم مصافحة الرجال، طبعاً الجواب الشرعي سهل جداً حرام وانتهى الأمر، قلت لها الملكة إليزابيت لا يصافحها إلا سبعة رجال لعلو مقامها في مجتمعها، بنص القانون البيرطاني والمرأة المسلمة لا يصافحها إلا سبعة محارم بحكم القانون القرآني لعلو مقامها في المجتمع فقبلت هذه الإجابة، فالترغيب قبل الترهيب، لا تأخذ الجانب السلبي.
 الآن التيسير لا التعسير، يعني في مذاهب متشددة لدرجة غير معقولة، إنك لو عرضت على ابنتك أن فلان يا بنيتي خطبكِ كما فعل النبي الكريم، إذنها صمتها، فإن قال والله يا أبتِ أرغب به، قال الزواج باطل، لأنها تكلمت، هذا شيء غير مقبول، هناك تشدد غير معقول، هناك تمسك بحرفية النص غير مقبولة.
 بالمناسبة: شيء يلفت النظر مجتمع النمل مجتمع معقد جداً، معقد تعقيد إعجاز النملة إذا اقترب موتها تبث رسالة إلى من حولها أن تعالوا فادفنوني، جاء عالم وأخذ هذه الرائحة وضعها على نملة سليمة صحيحة، دفنت، لأنه معه النص ما في مجال، دفنت مع أنها طيبة.
 فهناك تشدد، يعني بالتمسك بحرفية النص، إن قالت أرغب فيه فالزواج باطل لماذا ؟ قال لأن إذنها صمتها، هنا تكلمت، الكلام أبلغ، يعني تعطيل العقل كلياً مشكلة كبيرة فالتيسير لا التعسير.
 يعني معقول إنسان يحتاج إلى عملية قلب مفتوح فوراً يلاحظ الطبيب أن أظافره طويلة فيدع فتح قلبه ليقص أظافره، مستحيل، في أولويات بالحياة.
 أيها الأخوة:
 التربية لا التعرية، سيدنا حاطب بن بلتعة ارتكب خيانة عظمة في كل مقاييس الدول، ويستحق الإعدام، فالنبي جاء به، قصة معروفة عندكم، كيف أن الوحي جاءه وسيدنا علي ذهب إليه وأخذ منه الكتاب، قال له سيدنا عمر دعني أضرب عنق هذا المنافق قال لا يا عمر، إنه شهد بدراً، يا حاطب ما حملك على ما فعلت ؟ قال والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكنني موكل نبصرك لكن أن لصيق في قريش أردت أن يكون لي يد عندهم فاغفر لي ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً.))

 لذلك ليس القصد أن أعريه، جاء رجل شارب خمر فلعنه الصحابة، قال لا تلعنوه إنه يحب الله ورسوله.
 جاء بعضهم وقال: هذا سارق، قال ما رأيتم ؟ قولوا رأينا يده في جيب فلان ما كان يحب التعرية، كان يحب التربية.
 والقصة ذكرتها البارحة: أنصاري عنده بستان دخل رجل وأكل من دون إذن فعده سارقاً ساقه إلى النبي فقال عليه الصلاة والسلام:

((هل علمته إذا كان جاهلاً وهل أطعمته إذا كان جائعاً.))

 شيء آخر: أيها الأخوة:
 الدعوات التي تخاطب العقل وحده لم تنجح، و الدعوات التي القلب وحده لم تنجح، لا تنجح الدعوة إلا إذا خاطبت العقل والقلب معاً، دققوا في هذه الآية:

 

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾

 

( سورة الانفطار )

﴿ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 مخاطبة للقلب.

 

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

 مخاطبة للعقل، فهذا الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، ولا بد للعقل من غذاء وهو العلم ولا بد للقلب من غذاء وهو الحب، و لا بد للجسم من غذاء وهو الطعام والشراب فهناك تفوق وهناك تطرف، حينما نمشي على الخطوط الثلاثة نغذي عقولنا بالحقيقة، ونغذي قلوبنا بالمحبة، ونغذي أجسامنا بالطعام والشراب نتفوق، أما إذا غذينا عقولنا صار في الآن إسلام صالونات، فلان عنده خلفية إسلامية، أرضية إسلامية، نزعة إسلامية، اهتمامات إسلامية، عاطفة إسلامية لكن ليس مسلم، غذينا عقله فقط، لكن لم نغذي قلبه بالحب العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، في هذا التعريف الدقيق ثلاث كليات، كلية معرفية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه وكلية سلوكية وكلية جمالية، الكلية السلوكية هي الأصل، سببها المعرفة، نتائجها الجمال فالله عز وجل خلقنا ليسعدنا.

 

 

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

 

( سورة هود الآية: 119 )

 أن نسعد بقربه هذا هو الهدف، الثمن الطاعة، السبب المعرفة، لذلك يمكن أن يتغط الدين كله توحيد وعبادة، التوحيد نهاية العلم، والتقوى نهاية العمل، والله عز وجل ضغط رسالات الأنبياء جميعاً بكلمتين.

 

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

 

( سورة الأنبياء )

 أيها الأخوة:
 الدليل والتعليل، إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، إن كنت ناقلاً فالصحة، مدعياً فالدليل.
 أيها الأخوة:
 ليس في حياتنا إنسان كلامه دليل إلا رسول الله، وما سواه كائناً من كان يحتاج كلامه إلى دليل، في دعوات ليست على ما ينبغي، يعد طلاب العلم أن كلام شيخهم دليل، لا لا يمكن أن يكون كلام الشيخ دليلاً، كلام الشيخ يحتاج إلى دليل، فأنت حينما تأتي بالدليل نطأطئ الرأس لك، أما من دون دليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
 بالمناسبة أخوانا: نحن في حياتنا ثلاث نصوص النص الأول كتاب الله، هو قطعي الثبوت، نشاطنا معه أن نفهمه فقط، مع السنة هناك خياران، بعض السنة ظني الثبوت وبعضها قطعي الثبوت، مهمتنا أولاً أن نتحقق من صحة النص، لأن الدين نقل وأخطر ما في النقل صحته، لا بد من تحري النص الصحيح، وفي الصحاح غنية والصحاح تجمعنا والأحاديث الضعيفة والموضوعة تفرقنا، إذاً في الحديث هناك نشاطان، أن تتأكد من صحة النص، ثم أن تفهمه كما أراد رسول الله لا كما تريد.
أما النص الآخر الثالث: أي نص لغير الله ورسوله، ثلاث نشاطات، أولاً نتأكد من صحة النص من صحة نسبته لقائله، وقد يكون هناك إضافات وانتحالات كثيرة جداً فإذا ثبت أن هذا النص لقائله لا بد من أن نفهمه كما أراد، فإذا فهمنا مراده لا بد من أن نقيسه بالكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس وإن خالفه نركله بأقدامنا هذا هو المنهج، مع القرآن فهم، ومع الحديث تحقق وفهم، ومع غير القرآن والحديث تحقق فهم وعرض على الكتاب والسنة، هذا هو المنهج.
 بالمناسبة أخوانا:
 الخطأ في الوزن لا يتكرر، لكن الخطأ في الميزان لا يصحح، أحياناً هناك خطأ في المنهج، لا يصحح، والمبتدع لا يتوب، مرتكب الكبيرة يتوب، أما المبتدع لا يتوب لأنه يظن نفسه على حق، إذاً أخطر شيء الخطأ في الميزان، وأهون شيء الخطأ في الوزن.
 أيها الأخوة:
 الآمر قبل الأمر، كما قلت قبل قليل لا بد من أن يخصص في الدعوات إلى الله حيز كبير في التعريف بالله.
الآن عدد الآيات الدالة على عظمة الله لا تعد ولا تحصى، ولكن الله انتقى لنا الله عز وجل انتقى لنا من بين مليارات مليارات مليارات حتى الموت لا تنتهي عدد محدود 1300 آية، هذه الآيات رؤوس موضوعات للتفكر، فإذا أدخلت في مناهج التعليم صار تعريف بالخالق العظيم، الآن إذا عرفنا الآمر ثم عرفنا الأمر تفانينا في طاعة الآمر، أما إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا بالتفلت من الأمر.
 أيها الأخوة:
 المضامين لا العناوين، طبعاً القواعد، القدوة قبل الدعوة، الإحسان قبل البيان الترغيب قبل الترهيب، التيسير لا التعسير، التربية لا التعرية، مخاطبة القلب والعقل معاً الدليل والتعليل، الآمر قبل الأمر، المضامين لا العناوين.
 هذا الأعرابي الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام كان يركب ناقته وعليها طعامه وشرابه، فلما جلس ليستريح أخذته سنة من النوم أفاق فلم يجد الناقة فأيقن بالهلاك فبكى حتى نام مرةً ثانية، استيقظ فرأى الناقة، اختل توازنه، قال يا ربي أنا ربك وأنت عبدي، أليس هذا الكلام كفراً؟
 كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ما كل من وقع بالكفر وقع عليه الكفر، نحن نريد المضامين لا العناوين، يعني لو أنهم قالوا، مرة قال لي واحد هذا كلام كله شرك، ما هذا الكلام، قال لله رجال إذا أرادوا أراد، قلت ماذا يعني قائل هذا النص ؟ أولاً إذا كان النص احتمالي المعنى فيه خطأ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب الله ورسوله ))

 

[ رواه البخاري ]

 لكن مثلاً واحد قال لله رجال إذا أرادوا أراد، إن أراد أن لهؤلاء الرجال إرادة مستقلة عن الله فهو عين الشرك، أما إذا قصد أنهم مستجابو الدعوة ما في مشكلة أبداً، من أجل أن تخف حدت الخلاف ينبغي أن نبقى في المضامين لا العناوين.
أيها الأخوة:
 بقي المبادئ لا الأشخاص، سيدنا عمر رضي الله عنه في زمنه جاءه ملك الغساسنة مسلماً جبلة بن الأيهم، النبي بالمناسبة طلب النخبة، قال اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين، النخبة تحمل معك أما غير تحملها أنت، يعني في الدعوة هناك من يحمل معك وهناك من تحمله، فطبعاً شيء طبيعي جداً أن تتطلع إلى من يحمل معك، فسيدنا رسول الله طلب النخبة، سيدنا عمر رحب به ترحيباً شديداً وأسلم، طاف حول الكعبة، جاء بدوي من فزارة داس طرف رداءه، هذا ملك، التفت نحوه ضربه ضربةً هشمت أنفه، من له غير عمر يشتكي إليه ؟ ذهب إلى عمر، سيدنا عمر استدعى الملك جبلة، الآن جرى حوار بينهما في شاعر معاصر صاغه شعراً.
 قال عمر:أصحيح ما ادعى هذا البدوي الجريح ؟
 فقال جبلة: لست ممن ينكر شيا أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديا
 قال له: ارضِ الفتى لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك.
 قال: كيف ذاك يا أمير هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضا.
 قال له عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديدا وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا.
 فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز أنا مرتد إذا أكرهتني.
 قال: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 أيها الأخوة:
 فقط للطرفة: إنسان داعية محدود جداً التقى برجل بالأربعين ليس مسلماً طبعاً دعاه إلى الإسلام قال ماذا افعل ؟ قال له انطق بالشهادة، نطق بها، قال ثم ماذا ؟ قال الختانة قال لا، لا أريد، قال له إذاً أنت مرتد، لا بد من أن تقتل، قال له بدخول بالإسلام قص من تحت وبالخروج قص من فوق.
 بقي شيء أخير:
 من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام وهذا الموضوع متعلق بالدعوة، يقول كتاب السيرة يصفون شخصية النبي التعاملية، لقد كان صلى الله عليه وسلم جم التواضع وافر الأدب، يبدأ الناس بالسلام، ينصرف بكله إلى محدثه، صغيراً كان أو كبيراً، ويكون آخر من يسحب يده إذا صافح، وإذا تصدق وضع الصدقة بيده في بيد المسكين وإذا جلس جلسَ حيث ينتهي به المجلس، لم يرى ماداً رجليه قط، ولم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته.
 بالمناسبة: في ثلاث موازين، برء من الكبر من حمل حاجته بيده، وبرء من النفاق من أكثر ذكر الله، وبرء من الشح من أدى زكاة ماله.
 لم يكن يأنف من عمل لقضاء حاجته أو حاجة صاحب أو جار، وكان يذهب إلى السوق ويحمل بضاعته، ويقول أنا أولى بحملها، وكان يجيب دعوة الحر والعبد والمسكين وكان يقبل عذر المعتذر، وكان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويخدم نفسه ويعقل بعيره ويكنس داره، وكان في مهنة أهله، وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضعيف والبائس، يمشي هوناً خافض الطرف، متواصل الأحزان، دائم الفكر، لا ينطق من غير حاجة، طويل السكوت، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم وكان ليس بالجاحد ولا المهين، يعظم المؤن وإن دقت ولا يذم شيئاً، ولا يذم مذاقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرض غض بصره، كان يؤلف ولا يفرق يقرب ولا ينفر، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، يحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، ولا يقصر عن حق، ولا يجاوزه ولا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من سأله حاجة لن يرده إلا بها أو ما يسره من القول، كان دائم البشر، سهل الخلق، ليس بالجاحف، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهي، لا يخيب فيه مؤمله، كان لا يذم أحداً ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا ما يرجى ثوابه، يضحك مما يضحك منه أصحابه ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر على الغريب وعلى جفوته في مسألته ومنطقه، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه، والحديث عن شمائله طويل طويل لا تتسع له المجلدات، ولا خطب في سنوات ولكن الله لخصها في كلمات فقال:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018