بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 36 - البقاع بلبنان - ومضات ولقطات من حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .


2003-09-24

لمحة عن حياته :

 فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي ، رجل أذن الله تعالى بالدعوة إليه فدعا إلى الله بإذنه ، ولا دعوة إلى الله إلا بإذنه ، له قلب واعٍ ، ولسان رطبٌ ، من ورائها أحبه كل إنسان سمع به ، وكما سمعت من سماحة المفتي مرةً في هذا المقام الذي قدمه مقالة والأذن تعشق قبل العين أحياناً ، فأحبه كل من سمعه .
 الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ في كلية التربية في جامعة دمشق منذ عام 1970 ، وخطيب ومدرس ديني في مساجد دمشق منذ عام 1974 ، أستاذ مادة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في جامعة الأزهر فرع دمشق لقسم التخصص للدراسات العليا مشرف على مجلة نهج الإسلام التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العربية السورية وعضو في عدد من اللجان التابعة بوزارة الأوقاف ، مثل سورية وشارك في عدد من المؤتمرات الإسلامية في أكثر من بلد عربي وغربي وشرقي ، ولبى دعوات الجالية الإسلامية في أمريكة الشمالية ، وأستراليا ، وتركيا ، له دروس وندوات وحلقات دورية في أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية العربية والإسلامية ، وله مؤلفات أبرزها موسوعة أسماء الله الحسنة ، نظرات في الإسلام ، تأملات في الإسلام ، موسعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة وكتب أخرى ، له مقالات كتابات في مجلات الصحف السورية العربية والإسلامية .
 تفضل يا سيادة الدكتور .

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين . وبعد :

شكر للقائمين على الندوة :

 بادئ ذي بدء :
 كما ينبغي نشكر هذه اللجنة العالمية لنصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، ونشكر القائمين على هذه المؤسسة الدعوية العتيدة المضيفة وعلى رأسها فضيلة الشيخ خليل الميس حفظه الله تعالى ، ثم إنني أشكر لكم ثقتكم الغالية ، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم .
وينبغي أيها الأخوة أن الكلمات إذا تعددت ينبغي أن تتنوع وأن تتكامل لا أن تتشابه ، لكن من يتكلم أخيراً ينبغي أن يتكلم قليلاً ، لأنه سبق إلى كثير مما كان يتمنى أن يقوله .

عناوين المحاضرة :

 على كلٍ قدمت موضوعات أربعة :
 1- الجانب الإنساني في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 2- وأصول الدعوة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 3- والفضل ما شهدت به الأعداء ما قاله خصوم النبي صلى الله عليه وسلم قديماً وحديثاً .
 4- ثم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأطفال .
 هذه الموضوعات طبعت وقدمت وهي بين أيديكم ، لكن أحببت أن أنوع هذه المحاضرة على شكل آخر فجمعت بعض اللقطات والومضات من أقوال النبي ، ومن مواقف النبي ، ومن صيغة النبي ، لعلها تكون هادياً لنا في حياتنا اليومية .

 

لقطات وومضات من سيرته :

 بادئ ذي بدء أقول : يا سيدي يا رسول الله ، يا من جئت الحياة أعطيت ولم تأخذ ، يا من أحببت الوجود كله ، ورعيت قضية الإنسان ، يا من ذكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شرعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك ، لقد زك الله عقلك فقال الله عز وجل :

﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ﴾

[ سورة النجم الآية : 2 ]

 وزك نفسك وقال :

﴿ وَمَا طَغَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 17 ]

 لقد زكى الله بصرك ، فقال :

﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 17 ]

 لقد زكى الله جليسك فقال :

﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 5 ]

 لقد زكى الله النبي صلى الله عليه وسلم كله فقال :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم الآية : 4 ]

ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض .....

 أيها الأخوة الكرام ؛ من مسلمات علم الأصول أنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

قال تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه .................

 يجب أن نوقن يقيناً قطعياً أن معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض عين على كل مسلم ، كيف ؟ إذا قال الله عز وجل :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر الآية : 7 ]

 كيف نأخذ ما آتانا ، وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعلم ما الذي أمرنا به وما الذي نهانا عنه ، لأن كل آية في القرآن الكريم ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك تقتضي الوجوب يقول عز وجل :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

 من أجل أن نطبق هذه الآية يجب أن نعلم ما الذي آتانا وما الذي عنه نهانا .

 

قال تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ............

 ولأن الله عز وجل يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 21 ]

 كيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة إن لم نعرف سيرته كما تفضل الأستاذ الجليل وحدثنا عن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء . إذاً معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته فرض عين على كل مسلم .

 

قال تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ...

 أيها الأخوة : آية كريمة يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 33 ]

 حار العلماء في هذه الآية ، ما دام شخص النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني أصحابه فالآية واضحة ، لكن ما معنى الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى ؟ قال بعض المفسرين ما دامت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم ، في بيوتهم ، في كسب أموالهم ، في تجارتهم ، في لهوهم ، في أحزانهم ، في أفراحهم فهم في مأمن من عذاب الله وفي مأمن آخر :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 33 ]

الحقيقة الأولى : معرفة سيرة الرسول فرض عين .

 إذاً الحقيقة الأولى أن معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته فرض عين على كل مسلم لأنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، أرأيتم إلى الوضوء ، أليس فرضاً لأن الصلاة وهي فرض لا تتم إلا به ، هذه الحقيقة الأولى .

 

الحقيقة الثانية: خلق الداعية .

 يقول الله عز وجل :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159 ]

 سيد الخلق ، وحبيب الحق ، سيد ولد آدم ، معه الوحي ، أوتي المعجزات ، فصيح كامل .
 وأجمل منك لم ترى قط عين وأكمل منك لم تلد النساء
 خلقــت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء
 إذا كان هذا الإنسان وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، الذي أوتي الكمال البشري .

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

 فكيف بداعية ليس معه ولا كتاب ، وليس معه معجزات ، ولا أوتي الفصاحة ، ولا البيان ، وفي دعوته غلظة ، لماذا الغلظة ؟ يجب أن نفرق بين أخلاق الجهاد ، وبين أخلاق الدعوة ، أخلاق الجهاد تشف عنها الآية الكريمة :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 73 ]

 أما أخلاق الدعوة :

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 34 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم ، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم ، والناس جميعاً أتباع قوي ، أو أتباع نبي ، فالذي يستخدم قوته لإرغام الآخرين على شيء ما فهو من أتباع الأقوياء ، أما الذي يستخدم الكمال البشري لامتلاك القلوب هو من أتباع الأنبياء ، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده ، معصوم من أن يخطأ بأقواله وأفعاله وإقراره ، لكن أمته صلى الله عليه وسلم معصومة بمجموعها :

(( لا تجتمع أمتي على ضلالة ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والإمام أحمد في مسنده ]

 لذلك حينما قال عليه الصلاة والسلام قبيل معركة بدر : لا تقتلوا عمي العباس ، واحد تأمل في هذه المقولة فقال أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه ، صار في قلبه شيء ، فلما اكتشف بعد حين أن عمه العباس كان مسلماً وكان عين النبي في مكة ، فلو أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قد أسلم أنهى مهمته ، وإن لم يشارك عمه العباس في المعركة كشف ، وإن سكت النبي قتل ، لا بد من أن يقول : لا تقتلوا عمي العباس ، من دون كلمة زائدة ، فقال هذا الرجل بعد حين والله ضللت أتصدق عشر ســـنين رجاء أن يغفر الله لي ســوء ظني برســول الله .
 كان عليه الصلاة والسلام معصوماً من أن يخطئ بأقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره لكنه بشر :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 ولولا أنه بشر ، وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لأنه انتصر على بشريته ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس ]

 لأنه بشر ، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر .

 

لماذا ترك الله له هامش اجتهادي ؟

 أيها الأخوة الكرام ؛ لقد ترك الله له لحكمة مطلقة هامشاً اجتهادياً فإذا أصاب أقره الوحي على إصابته ، وإن لم يصب صحح له الوحي .
 لماذا ؟
 لماذا هذا الهامش الاجتهادي ؟
 من أجل أن يكون هناك فرقاً بين مقام الألوهية ومقام النبوة .
 لذلك الصديق وأنا موقن أنه ما على وجه الأرض رجل يحب رجلاً كما يحب الصديق رسول الله ، ومع ذلك حينما انتقل إلى الرفيق الأعلى قال من كان يعبد محمداً ، هكذا ، لمَ لم يقل رسول الله ؟ محمداً فإن محمداً قد مات ، إنقاذاً للتوحيد ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .

التوحيد :

 لما عزل سيدنا خالد التقى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا خليفة رسول الله لمَ عزلتني ؟ قال والله إني أحبك ، قال لمَ عزلتني ؟ قال والله إني أحبك ، قال لمَ عزلتني ؟ قال والله ما عزلتك يا ابن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله ، ليبقى الناصر هو الله ، لئلا يتوهم المسلمون أن الذي ينصرهم هو خالد . هكذا التوحيد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ واحد خطب أمام النبي قال ما شاء الله وشئت ، قال بئس الخطيب أنت ، قل ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن أجعلتني لله ندا ! .
 كان حرص النبي عليه الصلاة والسلام على التوحيد لا حدود له ، بل مواقفه العلمية التي تنفي الأكاذيب والترهات والأباطيل واضح وضوح الشمس .
 الصحابة الكرام توهموا أن كسوف الشمس كان لموت إبراهيم ، فلما علم بهم النبي وقف بهم خطيباً وقال :

(( إن الشمس والقمر آيتان لا ينبغي أن تنكسفا لموت واحد من خلقه ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ]

 أبعد هذه الموضوعية من موضوعية ، أبعد هذا البعد عن الأوهام من بعد ، لكن بعض المسلمين غلوا في تعظيمه التعظيم الذي لا يرضاه هو ، فقال إن الكون خلق من أجل محمد ، وأنا أقول إن البشر خلقوا من أجل أن يكونوا على شاكلة محمد ، هو القدوة لهم .
 لذلك لا نريد داعية يشطح ، ولا داعية ينطح ، نريد داعية ينصح ، لا يمدح ولا يفضح ، أقسم الله بعمره الثمين ، حيث قال :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر الآية : 73 ]

 لذلك قال الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]

 خسارته أن الزمن يستهلكه ، من أدق تعريفات الإنسان أن الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، هذا قاله الإمام الحسن البصري ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ، الله عز وجل لم يخاطبه باسمه إطلاقاً ، هناك في القرآن يا يحيى ، يا عيسى ، لكن ليس في القرآن يا محمد ، يأتي اسمه خبراً لا نداء ، يا أيها النبي ، يا أيها الرسول ، لذلك تطبيقاً لهذا المقام العالي الذي منحه الله إياه :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية : 1 ]

 بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى معنى الآية لا تقدم آراء واقتراحات مخالفة للسنة ، هو المعصوم ، هو الذي أتاه الله المنهج الأكمل .

﴿ لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

 كان عليه الصلاة والسلام صاحب شفافية لا تعقل ، دخل بستاناً فرأى جملاً ، فلما رآه الجمل حن ، فاقترب منه النبي عليه الصلاة والسلام ومسح ذفريه ، وقال من صاحب هذا الجمل ، قالوا فتاً أنصاري ، قال ائتوني به ، فلما جاءه قال له ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها ، فإنه شكا إلي أنك توجعه وتدهبه .
 يتحدثون عن الإرهاب ، والجواب أن النبي عليه الصلاة والسلام من خلال حديث رائع كان يعالج المشكلة لا من نهايتها بل من بدايتاها ، دخل إنسان إلى بستان أنصاري وأكل من دون إذنه فاعتقد هذا الأنصاري أنه سارق ، فأمسكه وقاده إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، قال هذا سارق يا رسول الله ، الآن دققوا : قال هلا علمته إذا كان جاهلاً ، وهلا أطعمته إذا كان جائعاً ، كيف عالج المشكلة ؟ من بدايتها ، لا من نهايتها ، وما لم تعالج مشكلة الظلم في العالم ، والاضطهاد ، والقهر من بدايتها فالمشكلة تتفاقم ، هلا علمته إذا كان جاهلاً ، وهلا أطعمته إذا كان جائعاً .

 

الوفاء :

 أيها الأخوة ؛ مما ورد في السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة ، دعته بيوتات قرش أن يقيم فيها ، الشيء الرائع قال انصبوا لي بيتاً عند قبر خديجة ، وركز لواء النصر أمام قبرها ، ليعلم العالم أن هذه المرأة التي في البيت شريكة في هذا النصر ، لم تتكحل عيناها برؤية النصر في حياتها ولكن نومه إلى جانب قبرها ووضع لواء النصر إلى جانب قبرها إشعار للعالم كله أن هذا النصر لها سهم كبير فيه .
 أيها الأخوة ؛ أحد الصحابة الكرام في أثناء هجرته ألقي القبض عليه فقال عهداً علي إن أطلقتموني فلن أقاتلكم ، فأطلق ، فحدث النبي فسر به كثيراً ، وبعد حين كانت غزوة ، فانخرط فيها ، فقال ارجع ، ألم تعاهدهم ؟ .
 لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لتقييم تمر خيبر ، أغروه بحلي نساءهم ليخفض التقييم ، قال والله جئتكم من عند أحب الخلق إلي ولأنتم عندي أبغض من القردة والخنازير ، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقال اليهود بهذا قامت السماوات والأرض وبهذا غلبتمونا ، والله الذي لا إله إلا هو لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة ، لأنه وصل إلى الخافقين ، الإسلام مجموعة قيم والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يقول : الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .

الحكمة من القصص القرآنية والأحاديث النبوية .

 أيها الأخوة :

﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

[ سورة هود الآية : 120 ]

 إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً لسماع قصة نبي دونه ، فلئن يزداد قلبنا إيماناً بسماع قصة سيد الأنبياء من باب أولى ، أما إذا عددنا الاحتفال بعيد المولد عبادة فهو بدعة ، أما إذا عددناه نشاطاً إسلامياً ، تعريفاً برسول الله ، جمعنا الناس وأطعمناهم الطعام ، وفعلنا هذا على مدى العام لا شيء فيه نشاط دعوي ، إذا كان قلب رسول الله يزداد ثبوتاً لسماع قصة نبي دونه فلئن نزداد نحن المقصرين بسماع قصة سيد المرسلين وختام النبيين من باب أولى .
 أيها الأخوة الكرام ؛ سنته كما يقولوا علماء الحديث أقواله وأفعاله وإقراره .
 دخل إلى بيت أحد أصحابه الذين توفوا ، سمع امرأة تقول هنئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله ، لو أنه سكت لكان كلامها صحيحاً قال ومن أدراكِ أن الله أكرمه ، قولي أرجو الله أم يكرمه ، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم .
 أدب مع الله ما بعده أدب ، الآن : وثقة بالله ما بعدها ثقة ، كان في الهجرة أهدر دمه مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، تبعه سراقة ، دققوا في قول النبي لسراقة ، يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يعني هذا الكلام ؟ أنني سأصل إلى المدينة ، وسأنشئ دولة ، وسأحارب أقوى دولتين في العالم ، وسأنتصر عليهم ، وستأتيني غنائمهم ، ويا سراقة لك سواري كسرى ، كيف جمع بين الأدب الرفيع ، لأنه لم يحكم على المستقبل ، قال وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم ، ليس من شأن البشر أن يحكم حكماً قطعياً على المستقبل لكن ثقته بالله لا حدود لها ، ماذا قال أبو سفيان حينما فتح مكة ؟ قال ما أعقلك وما أرحمك وما أوصلك ، وما أحكمك .
 أيها الأخوة ؛ له سنة دعوية ، وما من داعية يخالف سنة النبي الدعوية ، كيف دعا النبي أصحابه ؟ كيف عاملهم ؟ ما من داعية يخالف سنة النبي الدعوية إلا كان حوله جدل طويل ، وما من داعية يتبع سنة النبي الدعوية إلا تألق نجمه ، مثلاً دققوا في هذا الكلام :
 دخل أعرابي فقال أيكم محمد ؟ أله هيئة خاصة ، أله عرش عظيم ، أيكم محمد ؟ فقال أحد أصحاب النبي ذاك الوضيء .
 وفي رواية ثانية : دخل أعرابي فقال أيكم محمد ؟ قال أنا .
 حينما قال مع أصحابه في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً قال أحدهم علي ذبحها ، وقال الثاني علي سلخها ، وقال الثالث علي طبخها ، وقال عليه الصلاة والسلام : وعلي جمع الحطب ، قال : يا رسول الله نكفيك ذلك ، قال : أعلم أنكم تكفونني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
 هذه سنته في معاملة أصحابه ، عشية موقعة بدر ، الرواحل ثلاث مئة ، وأصحابه ألف ، فقال كل ثلاث على راحلة ، وأنا علي وأبو لبابة على راحلة ، ركب النبي الكريم ، جاء دوره في المشي ، توسلا صاحباه أن يبقى ، قال ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر .
 هكذا عامل أصحابه ، هكذا أحبهم ، هكذا تواضع لهم ، هكذا أكرمهم ، هكذا خدمهم فأي داعية يخالف سنة النبي الدعوية يثير حوله جدلاً طويلاً ، وأي داعية يتبع سنة النبي الدعوية يتألق نجمه ويوفقه الله عز وجل .

 

تذكية الذبيحة .

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من لقطة من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، فيما ورد من أحاديث صحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قطع رأس الذبيحة ، وأمر بقطع أوداجها فقط في عصر النبي ما من مركز علمي في العالم ، ولا بعد مئة عام ، ولا بعد خمسمئة عام ، ولا بعد ألف عام ، ولا بعد ألف وثلاثمئة عام ، ولا بعد ألف وأربعمئة عام ، هناك في الأرض جهة علمية يمكن أن تعطي تفسيراً علمياً لهذا التوجيه النبوي ، الآن اكتشف أن قلب الإنسان ينبض ثمانين نبضة في الدقيقة الواحدة ، هذا القلب يتلقى الأمر من مركز كهربائي ذاتي ، لأن القلب أخطر عضو في الإنسان ، وحياة الإنسان متوقفة عليه ، فلا يمكن أن يكون تابعاً للشبكة العامة لا بد من مولد خاص في القلب ، ففي القلب مركز توليد كهربائي ذاتي ، فإذا تعطل هناك مركز آخر ، احتياطي أول ، فإذا تعطل هناك مركز ثالث ، هذه المراكز الكهربائية تمد القلب بتنبيه كهربائي يعطي النبض النظامي ، لكن الإنسان حينما يواجه خطراً أو يصعد درجاً لا بد من نبض يزيد عن 180 ، من أين يأتي هذا النبض الاستثنائي ؟ قال ، موضوع دقيق جداً الإنسان يبصر خطر ، ينطبع الخطر على الشبكية ، ينتقل إلى الدماغ إدراكاً ، الدماغ ملك الجهاز العصبي ، يعطي التماس إلى ملكة الجهاز الإلكتروني الغدة النخامية تعطي أمر إلى الكظر فيرسل خمس أوامر ، أمر إلى القلب يرفع النبض إلى 180 وأمر إلى الرئتين يرفع الوجيف ، وأمر إلى الكبد يطرح كمية سكر زائدة ، وأمر إلى الأوعية المحيطية تضيق لمعتها فالخائف لا يحتاج إلى لون وردي ، يحتاج إلى أن ينجو بنفسه ، فالخائف يصفر لونه ، ويرتفع نبضه ، وتضيق شرايينه ، ويلهث ، فإذا فحصت دمه في دمه كمية سكر إضافية ، فالإنسان حينما يواجه خطراً يرتفع النبض إلى 180 .
 الآن هذه الدابة أخطر شيء بها دمها ، الدم محرم أكله ، لأنه أعظم بيئة لنمو الجراثيم وحينما يكون طاهراً يجري في الإنسان ، في مصافي ، الكليتان مصفاة ، والرئتان مصفاة ، والغدد العرقية مصفاة ، فإذا سال الدم ، وفي لفتة لطيفة بالقرآن :

﴿ أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 145 ]

 إذا سفح صار نجس ، وصار محرم أكله ، فإذا بقي دم الدابة فيها ، لماذا :

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 3 ]

 لأن دمها فيها ، الدابة حينما تذبح ويبقى رأسها متصلاً بجسمها يعمل الأمر الاستثنائي من الرأس إلى الكظر إلى القلب ، يرتفع النبض 180 درجة ، مهمة القلب بعد الذبح استخراج الدم كله من جسم الدابة ، فإذا ذبحت دابة من أوداجها فقط عمل جهاز الإنذار المبكر فرفع النبض إلى 180 وخرج الدم كله من جسم الدابة فكان اللحم وردياً شهياً ، أما إذا قطع رأسها كما تفعل معظم المسالخ في العالم يقطع رأسها كلياً تعطل الأمر الاستثنائي لا يخرج إلى ربع دمها ، ما من مركز في العالم بإمكانه أن يكتشف تعليلاً علمياً لهذا التوجيه النبوي ، يجب أن نعلم علم اليقين أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام لا من ثقافته ، ولا من خبرته ، ولا معطيات بيئته ، وعاء النبي فرغه الله للوحي فقط .

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم الآيات : 3-4 ]

 يا سيدي يا رسول الله ، يوم كنت طفلاً دعاك أترابك إلى اللعب ، فقلت لهم أنا لم أخلق لهذا ، ويوم جاءتك رسالة التوحيد دعتك زوجتك خديجة إلى أخذ قسط من الراحة فقال كلمة ، قال : انقضى عهد النوم يا خديجة ، فلما دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها جمع أصحابه وقال من كنت أخذت له مالاً فهذا مالي ، ومن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليقتد منه ، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني ولا من طبيعتي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا أحب أن أطيل عليكم ولكن أتمنى أن تكون هذه الومضات وتلك اللقطات دافعاً لنا للنهج الصحيح لحياتنا .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018