بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 36 - الحلال بين والحرام بين - الشبهات2.


1992-02-23

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الفرق بين العلم و الجهل :

 أيها الأخوة المؤمنون : في الدرس الماضي شرح بفضل الله تعالى نصف هذا الحديث الشريف الذي يعد ركناً من أركان الدين ، الحديث الشريف :

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ ! إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ ، ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ الْقَلْب))

[ مسلم عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 وهو من الأحاديث المتفق عليها ، ومن أعلى درجات الحديث الصحيحة .
 أيها الأخوة الأكارم : الحلال بيّن ، والحرام بيّن ، فحينما تدرك الشيء على ما هو عليه فهذا هو العلم ، وحينما تدرك الشيء على خلاف ما هو عليه هذا اسمه الجهل ، فالجهل فراغ أم معلومات ؟ معلومات ، في ذهن الإنسان مقولات كلها مغلوطة غير صحيحة ، العلم إدراك الشيء على ما هو عليه ، والجهل إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه ، مثل بسيط : أنت تركب سيارة في أيام الصيف الحارة رأيت من بعيد ماءً ، اقتربت لم تجد شيئاً فأنت ظننت أن هذا الذي لمع في الطريق ماء ! فهذا هو الجهل ، لأنك أدركت هذه الظاهرة على خلاف ما هي عليه ، وإذا علمت بخبرتك أن هذا ليس ماءً بل إنه سراب هذا هو العلم ، العلم إدراك الشيء على ما هو عليه ، والجهل إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه ، إذا علمت أن فعل هذا الشيء حرام وهو حرام فهذا هو العلم ، فإذا علمت أنه حلال وهو حرام هذا هو الجهل ، فالجهل لا علاقة له بالشهادات ، مهما ارتفعت درجتك العلمية إذا أدركت الأشياء على خلاف ما هي عليها فهذا هو الجهل ، لكن تتميماً للفائدة لا بد من أن أفرق لكم بين الجهل البسيط والجهل المركب ، فالجهل البسيط ألا تعلم ، أو تقول : لا أعلم ، فلو اطلعت على تخطيط قلب يسألونك ماذا يعني هذا التخطيط ؟ قلت لهم : لا أعرف ! هذا ليس من اختصاصي ، هذا جهل بسيط ، أما إذا قلت : هذا التخطيط يشير إلى تضخم بالعضلة القلبية أو احتشاء ، وإلى ضيق الشريان التاجي ، وإلى ضعف الصمام ، هذا كله كذِب ! إن قلت : لا أدري فهذا جهل بسيط ، وإن ذكرت أشياء ليست صحيحة لا يعنيها التخطيط فهذا جهل مركب ، فالجهل إما خليّ الذهن من إجابة عن سؤال ، أو حكم شرعي ، وصاحبه يقول : لا أعلم ، ولا تنسوا أيها الأخوة أن الجاهل جهلاً بسيطاً هذا مشكور لأنه يتعلم ، لأن جاهل الفراغ أو عدم المعرفة هذا متواضع ، لذلك قال سيدنا علي : " أربعة من أركان الدين والدنيا : "عالم مستعمل علمه "هذا ركن من أركان الدنيا ، إذا صلح الأمراء والعلماء صلحت الدنيا ، فالعلماء الذين يعلمون حقائق عن الله عز وجل ، والذين يعلمون أمراً ما ، والأمراء الذين آتاهم الله القوة على تنفيذ الشريعة ، فأنت بين أمير يملك سلطة ، وبين عالم يملك فكرة حقيقية ، فإذا صلح العلماء والأمراء صلحت الدنيا ، حينما يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " أربعة من أركان الدين والدنيا ؛ عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، إذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، وإذا بخل الغني بماله ضيع الفقير آخرته بدنيا غيره ".
 إذاً أتمنى على كل أخ كريم أن يعرف ما العلم ، أن تدرك الشيء على ما هو عليه، هذا كتاب أحاديث ، هذه طاولة ، إذا أدركت الشيء على خلاف ما هو عليه فهذا هو الجهل المركب ، صاحبه متكبر ، يقول لك : أنا أعرف ، وهو لا يعلم ، حقائق غير صحيحة هو سماها حقائق ، وأشياء مزورة .

 

 الحلال بين : إذا أدركت الشيء على أنه حلال وهو حلال فهذا هو العلم ، وإذا قال لك : هذا الشيء ما حكمه في الشرع ؟ قلت له : لا أدري هذا هو الجهل ، وإذا قلت : هذا حلال وهو حرام فهذا هو الجهل المركب ، فإدراك الشيء على ما هو عليه بدليل هو العلم ، وإدراك الشيء على خلاف ما هو عليه بلا دليل هذا هو الجهل المركب ، أصبح لدينا علم وجهل ، العلم يقابل الجهل ، والجهل يقابل العلم .

الظن و الوهم و الشّك :

 الآن إذا غلب على ظنك أن هذا الشيء حلال ومعك أدلة بالمئة سبعون أو ثمانون هذا هو الظن ، وإذا غلب على ظنك أن هذا الشيء هو حلال وأدلتك بالمئة ثلاثون هذا هو الوهم ، فإذا لاحظت عندك جانباً أنه حلال بأدلة تزيد عن سبعين بالمئة وفي جزء من تفكيرك تقول : والله أنا لست مرتاحاً لكن يغلب على ظني أنه حلال هذا هو الظن ، فإذا غلب على ظنك أن هناك احتمالاً ضعيفاً أنه حلال بالمئة ثلاثون هذا هو الوهم ، ففي حالة أنه حلال وهم، وفي حال أنه حرام وهم ، أصبح الظن يقابل الوهم ، فإذا استوت الأدلة أنه حلال مع أدلة أنه حرام تماماً فهذا هو الشك ، الشك استواء الأدلة ، هناك أدلة ترجح أنه حلال وهناك أدلة ترجح أنه حرام ، الأدلة تقابلت هذا هو الشك ، أدلة الرجحان أقوى من أدلة البطلان ، هذا هو الظن ، أدلة البطلان أقوى من أدلة الرجحان هذا هو الوهم ، عندك دليل قطعي هذا هو العلم ، تعرف هذا الشيء على خلاف ما هو عليه هذا هو الجهل .
 أنت كمؤمن آمنت بالله خالقاً ، وبالله رباً ، ونصيراً ، إلهاً عليماً حكيماً ، الآن أنت أردت أن تتقرب إليه تريد أن تتحرك ، الإنسان كائن متحرك فيه شهوات ، يريد أن يأكل ، هذا الطعام الذي يأكله حرام أم حلال ؟ طعام حلال ، يا ترى كسب الطعام حلال أم حرام ؟ حلال، طريقة تناول الطعام حلال أم حرام ؟ حلال ، كمية الطعام حلال أم حرام ؟ عندك أسئلة كثيرة .
 فأنت دائماً بين علم وجهل ، وبين ظن ووهم وشك ، الفقه فيه حرام وحلال ، والأصح فيه أمر وندب ، وتحريم وكراهة ، وإباحة ، فالمؤمن الصادق يجب أن يتقصى أمر الله في كل شيء حتى في أدق خصوصيته ، وفي علاقته مع نفسه ، حتى في علاقته مع أهله، حتى في علاقته مع جسده ، حتى في علاقته مع ربه ، حتى في علاقته مع من دونه ، دائماً أسباب الحركة فيها التماس وعلاقات ، وابتسامة وعبوس ، وضحك وبكاء ، وإعطاء ووهم، وقطع ووصل ، وغضب ورضا ، وكذب وصدق ، وخيانة وإخلاص ، فأيهما الصادق في كل حركاته وسكناته يتحرى أمر الله عز وجل ، لذلك يسأل ، قال تعالى :

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النحل : 43]

 اسأل فأنت عندما تسأل تستعير عقل هذا الرجل كله ، وخبرته كلها ، وتجاربه وعلمه كله بهذا السؤال ، سبحان الله الأشياء الدنيوية كلها مأجورة ، لا تستطيع الدخول على محامي إلا أن يكون أقل شيء في جيبك خمسمئة ليرة ، إذا سألته سؤالاً يقول لك ؟ لا تفعل هذا يريد خمسمئة ، لا تستطيع أن تدخل على طبيب أو مهندس أو مستشار إلا معك مبلغ من المال إلا أن العلم الديني وهذا من فضل الله عز وجل مأجور بسخاء وبلا مقابل ، ما عليك إلا أن تسأل وقديماً قالوا : "الذي يستحي لا يتعلم"
 علامة الإنسان أنه يحب الله ورسوله ، أنه يبحث عن أمر الله ورسوله ، لمّا كثرت دعوة الحب بالله عز وجل ، الدعاوى كثيرة طولب هؤلاء بالدليل ، والدليل قوله تعالى :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران : 31]

الحلال بيّن معه أدلة نقلية قطعية و الحرام بيّن و له أدلته :

 العودة للحديث : الحلال بيّن ، الحلال معه أدلة نقلية قطعية .

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾

[سورة البقرة : 187]

﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾

[سورة الأعراف : 157]

 الطعام والشراب هذا المقصود ، ويحرم عليهم الخمر ، فهو ليس غذاء بل مادة مخرشة ، كحول يسكر ، فربنا عز وجل جمع الحلال في كلمة ليحل لهم الطيبات ما تطيب نفوسهم به ، ما تطيب أجسادهم به ، ما تطيب قلوبهم به ، ما تطيب وجهتهم إلى الله به ، والخبائث ما تخبث به أجسادهم ، وما تخبث به نفوسهم ، وما تنقطع صلتهم بالله عز وجل ، الحلال إذاً ليس له دليل قطعي نقلي ، وليس له دليل قطعي عقلي ، وليس له دليل قطعي فطري، وليس له دليل قطعي واقعي ، في الحلال لا خلاف ، لا وجد أحد في الأرض ، لا يختلف اثنان على أن الماء الفراتي العذب حلال ، ولا يختلف أحد مع أحد على أن تنفس الهواء حلال ، شيء طبيعي ، والحرام بيّن ، الزنى في كل الشرائع ، السرقة ، القتل ، الكذب ، فالحلال البيّن دليله النقل والعقل والواقع والفطرة ، والحرام البيّن دليله النقل والعقل والواقع والفطرة، الحلال هذا البيّن ، والحرام هذا البيّن مدار بحثنا اليوم ، لأنه لا يختلف فيه اثنان .

المشتبهات :

 لكن درسنا هذه الأمور المشتبهات التي يحلها بعضهم بدليل ضعيف فيه وهم ، أو يحرمها بعضهم بدليل ضعيف فيه وهم ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ قال :

(( إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ....))

 ماذا يستفاد من هذا الكلام ؟ أجيبوني ، أن هناك قلة من الناس يعلمون هذه الشبهات ، فأول صنف الذي يعلم حقيقة هذه الشبهة يقول : هذه ردعة ، مثل بسيط : أنا أريد أن أشتري بيتاً ليس معي كل ثمنه ، معي نصف ثمنه جئت لإنسان وقلت له : تعال واشتر معي هذا البيت وسأعطيك أجرة ما دام هذا المبلغ بحوزتك ، فإذا وفيتك إياه بعد عامين توقفت الأجرة، شراء وتأجير لا مشكلة ، هذه شبهة ، هذا ليس تأجيراً ، هذا ربا ، يا أخي لا يوجد ربا ، أنا اشتريت معه نصف هذا البيت ، وتقاضيت عنه أجرة سنوية مقدارها كذا ، فإذا دفع لي أسهماً توقفت الأجرة ، فأي شبهة فيها ؟ قال : هذا حرام ، وهذا ربا ، لأنك إذا اشتريت معه نصف هذا البيت فأنت ضامن ، هو حينما أخذ منك هذا المبلغ وأعطاك عليه ما يسميه أجرة ، يكون أعطاك فائدة عليه ، بدليل أن مبلغك محفوظ ، لو أن هذا البيت احترق ، أو شمله قرار تنظيم فقد معظم قيمته ، والمبلغ عندك ثابت ؟ نعم ثابت إذاً هذا ربا ، كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا ، متى يصح أن أشتري مع إنسان نصف بيت و أتقاضى أجرة ؟ إذا اشتريت نصف البيت وأنا ضامن بالخسارة إذا وقعت ، وحينما أريد استرداد مالي أقوّم البيت وآخذ نصف ثمنه الجديد لو قديم ، إذا كنت ضامناً وكان التقييم جديداً ، كنت مؤجراً فعلاً ونلت الأجرة باستحقاق ، لذلك هناك شبهات كثيرة ، اليوم معظم الناس يدفعون أموالهم لجهات تستثمرها بأرباح ثابتة ، يا أخي استثمار ، لكن لا وقت لديه لعمل الحسابات ، على المئة ألف أعطاني خمسة آلاف في الشهر، أو ثلاثة آلاف ، حينما يصبح الربح ثابتاً دخلنا في موضوع الربا ! التجارة ربحها حقيقي ، ففي التعامل التجاري ، أو الاجتماعي ، أو العلاقات ، كأن هذه مثل أختي ، وهذه مثل زوجتي ، وهي تقول : هذا سلفي وهذا . . كلها أشياء محرمة غير أن الناس ألفوها لكنها محرمة عليهم فلذلك الحلال بيّن فيه أدلة قطعية ونقلية وعقلية وواقعية وفطرية ، والحرام بيّن ليس له مشكلة بقي المتشابهات .
 المتشابهات لا يعلمهن كثير من الناس ، الذي يعرف حكم الشيء حكماً متشابهاً، ويعلمه كما أمر الله عز وجل هذا أرقى إنسان ! أي خصه الله لعلم دقائق هذه الحالات ، وفعل ما أمر الله به ، هناك إنسان آخر أيضاً محمود عند الله من هو ؟ أنت أمام شبهة يوجد رجل عرف حقيقتها فقال لك : هذه حرام ، وآخر قال لك : هذه الشبهة حلال ! تقول : أين الدليل ؟ هذا طبيعي لا تعليق عليه ، شخص دخل إلى صديق هذا الإنسان أكثر ماله حلال وفيه دخل حرام وقدم لك فنجان قهوة هل تشربه أم لا ؟ لك أن تشربه ما دام الحلال والحرام مختلطان ، وما دام أكثر ماله حلالاً فأنت لا عليك أن تقول : هذه القهوة من أي مبلغ اشتراها ؟ القضية مستحيلة فأنت اشتريت القهوة من معاشك أم من الجيبة الثانية ؟ هذه قضية مستحيلة ! فهذا الذي يعرف أن هذا حراماً وأن هذا حلالاً ويفعل هذا أي إنسان وهؤلاء قلة ، هناك إنسان عند الله محمود من هو ؟ يقول لك : والله هذه شبهة لا أدري ! فتركها ، لماذا تركها ؟ قال : استبراءً لدينه وعرضه ! معنى استبراءً : فعل استبرأ ، مرة تحدثنا عن معاني أوزان الأفعال وزن استفعل يفيد الطلب تقول : استغفر ، أو طلب المغفرة ، تقول : استودع ، أو طلب الوديعة ، استرحم ، طلب الرحمة ، استبرأ : طلب البراءة ، فهذا الإنسان الذي ترك هذه الشبهة استبراءً لشيئين : لدينه وعرضه ، لأن علاقته مع الله طيبة ، وإذا أردتم أن تعرفوا جوهر الدين فهو حسن العلاقة مع الله ، يقول لك : عامرة ، الطائع قلبه عامر بذكر الله ، فهذا المؤمن المستقيم لا يأخذ الدنيا بأكملها إذا قطعته عن الله عز وجل ، المؤمن المستقيم الذي ذاق طعم القرب من الله ، وذاق طعم الإقبال عليه ، ذاق طعم أن الله يحبه ، وأنه يرعاه ، من ذاق هذا الطعم يركب الدنيا كلها خشية أن تقطعه عن الله عز وجل ، هذا الذي يؤكده قول النبي .

من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه و دنياه :

 والله أيها الإخوة الآن أقول لكم هذا الحديث وهو أيضاً من أركان الدين ، والحديث معروف وقلته آلاف المرات ، لكن والله لا أشبع منه !

((عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ قالا : أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقُلْنَا : هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]

 والله زوال الدنيا أهون على الله من أن تدع شيئاً لله ثم تخسر ، أو تصاب بخيبة أمل ، أو تكون في آخر المركبة في المؤخرة ، إذا تركت شيئاً لله عوضك الله خيراً منه فكيف الحال في دينك ؟ قالوا : في دينه ودنياه ، أجيبوني :

((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]

 لم يقل النبي إلا عوضه الله ، بل عوضه خيراً منه ، واضحة .
 أما ما معنى في دينه ودنياه ؟ من يجيبني ؟ في الدنيا يأتيه شيء خيراً منه ، فإن ترك هذا المبلغ خوفاً من الله آتاه الله مبلغاً أكبر منه بطريق حلال ، وإن ترك هذه المرأة التي في دينها رقة آتاه الله امرأة أحسن منها وأكرم منها وأرقى منها ، وإن ترك هذا البيت لشبهة فيه أكرمه الله ببيت أكبر منه وأفضل منه ، دائماً ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه هذا في دنياه فماذا عن دينه؟

((إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]

 في دنياه واضحة ، ترك مئة يرزق بألف ، السيدة عائشة مرة يبدو أنها خافت على سيدنا أبي عوف كان غنياً جداً فقالت : أخاف أن يؤخره كثرة ماله عن اللحاق بأصحابه ، أصحاب النبي متفوقون في المقدمة أوائل ، قالت السيدة عائشة : " أخاف أن يؤخره كثرة ماله عن اللحاق بأصحاب النبي " فبلغته هذه الكلمة ، قالت : " أخاف أن يدخل الجنة حبواً أي زحفاً" فقال رضي الله عنه : " والله لأدخلنها قائماً ، ماذا أفعل إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء " ما هو ذنبي ؟ ماذا أفعل ؟ والله أنا أقول لكم : إن رأيت فقيراً مؤمناً يجوز أن تكون هذه الكلمة فيها تجاوز والله قد تشتهي الفقر منه ، من تواضعه وسخائه ، أو من تجمله ومن صبره ، فإن رأيت رجلاً مؤمناً تشتهي الغنى منه ، من تواضعه وسخائه وحبه للناس ، إن رأيت إنساناً غير متعلم ولكنه مؤمن والله تحبه حب الجنة ، وتراه عالماً حقيقة لأنه عرف الله ، واستقام على أمره ، وهذا أذكى إنسان ، دائماً الإيمان إذا دخل بشيء يصبح متألقاً ، إذاً عوضه الله خيراً منه في دنياه واضحة ، في دينه كيف ؟ عندما الإنسان يؤاثر جانب الله لا يبقى الطريق سالكاً يتسع الطريق ، لا تبقى سرعته اعتيادية بل تزداد سرعته ، مادام ترك شيئاً لله ، لذلك أكثر شيء في التجارة صفقة فيها شبهة ، سلعة كاسدة ، لو آثرت رضا الله قلت : هذه السلعة فيها العيب الفلاني ، لكن إذا جاءك من يشتريها أنت تريد أن تبيعها إياه بأية طريقة تخفي عنه العيب أو بعض المواصفات لكن المؤمن يؤثر جانب الله عز وجل يعطي ويوضح كل شيء ، لذلك ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه ، تأتي دنياه أشد وأكثر وأفضل وأريح مما كانت ، ويبقى الطريق مع الله سالكاً ، ويزداد إقباله على الله لأنه آثر رضا الله عز وجل ، هذا رقم اثنين. أول إنسان عرف الحكم فطبقه ، الثاني ما عرف الحكم ، هذا جاهل جهلاً بسيطاً قال : والله شبهة ، معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين .
 الرجل الثالث : خطأه مقبول من هو ؟ أمام شبهة قرأ فرأى أنها حلال ، ففعلها لكنها حرام ، من اجتهد فأخطأ فله أجر ، حمله على أن يجتهد لكن الذي لا يجتهد ويقع في الشبهات هذا هو الذي وقع في الحرام ، رجل عرف الحكم الصحيح ففعله فهذا أرقى إنسان ، رجل ما عرف فامتنع ، هذا إنسان جيد وورع ، ورجل اجتهد كل جهده حتى وصل إلى حكم ليس صحيحاً لكن الله غفور رحيم ، ولكن الله يقبل من هذا المؤمن الذي اجتهد وحرص على طاعة الله عز وجل اجتهاداً .

البيان يطرد الشيطان :

((فَمَن اتَقَى الشُبُهَاتْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه ))

[متفق عليه عن النعمان بن البشير]

 لدينه ، فقد خاف على دينه ، سيدنا عمر كما تعرفون كان إذا أصابته مصيبة قال: الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، الدين سليم كله سهل ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، هذا الذي ترك الشبهة استبرأ لدينه .
 فما معنى بعرضه ؟ العرض هنا في الحديث موضع المدح والذم في الإنسان ، سمعته ، إذا إنسان تساهل بالشبهات تضعف مكانته الاجتماعية ، هذا دينه رقيق ، أقل كلمة تقال له : ليس دقيقاً وغير منضبط ومنتظم ، سبب لسمعته خدشاً ، لكن المؤمن يستبرئ بدينه وعرضه ، لماذا النبي الكريم حينما كان مع السيدة صفية رضي الله عنها في رمضان ومرّ صحابيان جليلان وأسرعا لماذا قال عليه الصلاة والسلام هذه زوجتي ؟

(( عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ فَجَاءَ فَقَالَ : يَا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَتِي فُلانَةُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ))

[ مسلم عَنْ أَنَسٍ]

 الآن رسول الله استبرأ لدينه أم لعرضه ؟ لعرضه فقط ، أنت مثلاً يمكن أن تكون شخصاً مؤمناً إيماناً عالياً وورعاً وتقياً ونقياً ، ذهبت للنزهة مع زوجتك من دون أولاد في مكان متطرف تسير مع واحدة يجوز أن يظن الناس أنها ليست زوجتك ، الأكمل أن يكون معك ولد ، فإذا كان الوضع مريباً أنت عليك لا أن تستبرئ لدينك هذه زوجتك ، لكن عليك أن تستبرئ لعرضك وتهمك سمعتك ، الإنسان يعيش بسمعته ، فهذا الذي يقول : أنا لا يهمني الناس لا يعرف الحقيقة ، يجب أن تسعى لاستبراء سمعتك ، العرض هنا موضع المدح والذم في الإنسان، فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، إذا قالوا لك : يوجد محل بائع أحذية من الدرجة الأولى بمدخل ملهى هل تدخل ؟ أنت دخلت لشراء الحذاء وعملك مشروع وصحيح ، لكن لو رآك إنسان تدخل لهذا المدخل قد يظن بك ، إذا كنت جالساً مع امرأة متفلتة من قواعد الشرع في مركبة عامة الأولى ألا تجلس جانبها ، أي شيء يسبب لك سمعة سيئة ابتعد عنه ، أنت مضمون ومستقيم لكن يجب أن تزيد إلى استقامتك أن تحرص على عرضك من أن يخدش ، لذلك : رحم الله عبداً جبّ المغيبة عن نفسه .
أنا سأسافر وكلفت أخا زوجتي أن يزورنا كل يوم ليجلب الحاجات ، ولكن لنا جيراناً يجب أن أبلغهم أني مسافر ، وكلفت أخا زوجتي أن يمر عليها في غيابه ، فالجيران أصبح لديهم علم بسبب دخوله لبيت أخته ، دائماً وضّح ! البيان يطرد الشيطان ! أنت تجلس خلف طاولة ويوجد درج غلّة وأنت في محل صديقك فاحتجت لأن تصرف مئة ليرة سحبت الدرج ووضعت المئة ليرة ولكن عندها لم يلحظك أحد ، عندما سحبت الباقي أصبحوا ينظرون إليك هذه مشكلة ، لا تضع نفسك مرة أخرى في هذا الموقف ، أنت الآن تستبرئ لا من دينك فأنت أمين دفعت المئة أخذتهم فراطة ! يجب أن تستبرئ لعرضك ! هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام :

((فَمَن اتَقَى الشُبُهَاتْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه ))

[متفق عليه عن النعمان بن البشير]

أقوال العلماء في استبراء العِرض :

 الآن بعض أقوال العلماء في استبراء العرض ، قال بعض السلف : " من عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه "
 فهناك طرقات مشبوهة ، أو أماكن مشبوهة ، ملاهي ، يوجد أماكن ليست لك ، ليست للمؤمنين ، فعندما تبتعد عن هذه الأماكن المشبوهة تستبرئ لعرضك ولدينك ! فهنا " من عرض نفسه للتهم فلا يلومنّ إلا نفسه "
 في رواية الترمذي يقول عليه الصلاة والسلام :

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الْحَلالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلالِ هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ ! فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِبْرَاءً لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ ، وَمَنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْهَا يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَ الْحَرَامَ ، كَمَا أَنَّهُ مَنْ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ البخاري عن النعمان بن بشير]

 دخلت لبيت شخص قال لك : تعال الساعة السادسة ، فتح طفل الباب وقال : تفضل يا عم ، لم تجد في البيت سيده بل زوجته فقط فلو أنك غضضت البصر أنت الآن في بيت مع امرأة ! فالأولى ألا تدخل ، ممكن أن يساء الظن بك ، فأخوان أصحاب المصالح يصلون إلى البيوت فإذا كان الرجل غير موجود أو نساء متبذلات فهذا يسبب حرجاً كبيراً ، فهذا الحديث من أركان الدين .
 استنبط العلماء من هذا الحديث أن : طلب البراءة للعرض مطلوب كطلب البراءة للدين ! يجب أن تسعى لأن تبقى سمعتك متألقة ، أن يكون اسمك نظيفاً ، دائماً الإنسان قد يكون نظيفاً ، وقد يكون عند الله ليس نظيفاً ، قد يكون أميناً ، وليس عند الناس أميناً ! قد يكون ورعاً ، وليس عند الناس ورعاً ، أنت الآن مطالب أن تكون عند الله ورعاً وعند الناس ورعاً ، أن تكون عند الناس والله أميناً ، هذا معنى : فقد استبرأ لدينه وعرضه .
 هل تصدقون ورد أن كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة ، أي عمل تفعله تقي به عرضك فهو صدقة ! إذا رجل سفيه قد يسكت في سفاهته بشيء من الإكرام ، من يذكر قولاً للنبي الكريم بهذا المعنى ؟ من يقطع لسان هذا ؟بالمقص تقصد ؟ لا بالإحسان ، هناك حديث أوضح

 

(( ذبّوا عن أعراضكم بأموالكم ))

 

[ كنز العمال عن عائشة ]

 معنى ذبوا أي دافعوا عن أعراضكم بأموالكم ، فإذا كانت القضية تحل بالمال وتبقى سمعتك نظيفة لا مانع منها .
 فالسلف كانوا يروون قصصاً لا تصدق ! شخص وضع أمانة في دكان وذهب إلى الحج فلما عاد من الحج التبست عليه الدكان فدخل إلى جاره قال له : أين الأمانة ؟ قال له جاهزة كم هي يا أخي ؟ خاف على سمعته ، كان السلف الصالح حريصاً على سمعته حرصاً لا يصدق ! فالإنسان يعيش بسمعته ومكانته ، متى الإنسان يؤثر كلامه ؟ عندما يكون نظيفاً و سمعته طيبة ، فإذا لم يسأل - أخي لا يهمني - كيف لا يهمك إذاً أنت أحمق ، لا بل أنا تهمني سمعتي ، لذلك أحرصوا عليها حرصاً شديداً ، ألا تكونوا في مكان مشبوه ، إذا رجل صاحَبَ الأراذل تجرح عدالته ، شخص زان ، شارب خمر ، ذهبت معه في نزهة ثم قلت : أنا لا دخل لي لكن هو حر ، لا فصحبة الأراذل تجرح العدالة ، التنزه في الطرقات يجرح العدالة ، أكل لقمة من حرام يجرح العدالة ، تطفيف بتمرة يجرح العدالة .
 لذلك قيل : من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله ! فيجب أن تستحي من الناس .

من تهاون بالشبهات يوشك أن يخالط الكبائر :

 هناك حديث مخيف ومعنى مخيف أي دقيق وعليه مسؤولية كبيرة :

(( إِنَّ مَنْ خَالَطَ الرِّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ ))

[سنن النسائي عن النعمان بن بشيرٍ]

 إذا الإنسان اقتحم الشبهات ولم يسأل لا بد من أن يقتحم بعد قليل المحرمات ، أصبح لديه جسارة ، أي جرأة على الحرام ، إذا اجترأت على الشبهات بعد قليل تجترئ على الحرام ، من يرعى بجنبات الحرام يوشك أن يخالطه ، ومن تهاون بالمحقرات يوشك أن يخالط الكبائر .
 عندنا قاعدة وهي : من ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان أترك ، ومن وقع فيما اشتبه عليه كان لما استبان أوقع ، فإذا الشيء الشبهة تركته من باب أولى أن تترك الواضح ، وإذا وقعت في الشبهة بعد قليل تقع فيما هو واضح .
سئل أحد العلماء طبعاً لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق هذه ثابتة ، السؤال : أيجوز أن نطيع والدينا في الشبهات ؟ في المحرمات لا يجوز واضحة لكن في الشبهات من يجيب عن هذا السؤال ؟ لا يجوز لأن الشبهة طريق في الحرام ، هذا حكم شرعي ، إذا قال لك أبوك : اشرب الخمر من باب أولى ألا تفعل ، لكن لو أمرك أبوك أن تفعل شيئاً بعضهم يراه حلالاً وبعضهم يراه حراماً ، والأدلة على حرمته جيدة ، وعلى حله ضعيفة ، وأمرك أبوك أن تفعل هذا فالحكم الفقهي يجب ألا تطيعه حتى في الشبهات .
 لدينا قاعدة أصولية : ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ما أدى إلى معصية فهو معصية ، لذلك درء المفاسد مقدم على جلب المنافع ! دع خيراً عليه الشر يربو .
 قال : كان بعض السلف لا يأكل شيئاً إلا يعلم من أين هو ! وقال بعضهم : وتلك حدود الله فلا تقربوها .

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

[سورة البقرة : 229]

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة]

 كيف نوضح هاتين الآيتين ؟ أن تدع بينك وبينها هامش أمان ، أنا مرة ضربت مثلاً أعتقد أنه يوضح تماماً : إذا لدينا تيار ستة آلاف فولت ويوجد توتر عال وهذا التيار يجذب الإنسان من ستة أمتار ويحرقه فوراً وفضل وزير الكهرباء أن يضع لوحة لتحذير الناس يقول : ممنوع مس هذا التيار أم ممنوع الاقتراب منه ؟ إذا كان ممنوع مسه فقبل ستة أمتار يسحبه ، فإذا كان التيار فيه قوة جذب يجب أن نكتب : ممنوع الاقتراب من التيار :

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

 هذا للمنهيات ، أما إذا كنت في الحلال فإياك أن تتجاوزه إلى الحرام .

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

 بكل شيء حلال فيه قدر حرام ، البيع أليس حلالاً ؟ إذا كان الشاري جاهلاً بالسعر وأنت بعته ولكنك تجاوزت الحد المعقول ، أنت بالحلال لكنك تجاوزته إلى الحرام ، فإذا كنت في الحلال فلا تخرج عنه إلى الحرام ، وإذا نهيت عن الحرام فدع بينك وبينه هامش أمان ، إذا كنت في المباحات والحلال إياك أن تتجاوزها إلى ما هو محرم .
 حتى في العلاقات الزوجية يوجد شيء مباح ، وشيء محرم ، حتى وإذا كانت زوجتك هناك شيء مسموح ، وشيء غير مسموح ، لو كانت العلاقة مباحة ، لكن يوجد نوع من العلاقة غير مباحة .

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾

 أما إذا كنت قد نهيت عن معصية ، المعصية لها قدرة جذب ، فدع بينك وبينها هامش أمان ، لذلك الآيات لا تقربوا الزنا ، ما قال : ولا تزنوا ، الخمر فاجتنبوه ، ابتعد عنه ، لذلك قال العلماء : ما حرم فعله حرم النظر إليه ، وما حرم فعله حرم استماعه ، ويأثم في المعصية فاعلها ، والمعين عليها ، والراضي بها ، والساكت عنها وبإمكانه أن يمنعها ، الفاعل والمعين والراضي والساكت ، ابن عمر رضي الله عنه يقول : "إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها "
 دائماً اجعل بينك وبين الحرام هامش أمان ، إذا كان نهر عميق ومخيف وله شاطئ مائل وكله حشائش زلقة فأنت إذا سرت على هذا الهامش الزلق احتمال كبير أن تقع في النهر ، الأكمل أن تبتعد عنه وتدع بينك وبينه هامش أمان .
 يقول بعض العلماء : لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال .
 لماذا يحرم الخلوة بأجنبية ؟ لأن الخلوة منطقة خطيرة قبل الزنا .
 لماذا يحرم صلاة الصبح مع شروق الشمس ؟ لاشتباهها بعبادة الشمس ، ومع غروبها اشتباهها بعبادة الشمس ، لدينا حكمان شرعيان ضروريان قال : من سيّر دابته ترعى بقرب زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع .

لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه :

 آخر ما في الحديث :

((...ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ))

 قال : ما من يوم إلا والأعضاء تخاطب القلب تقول : نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا ، أي انحراف يبدأ من القلب ، قلب زائر ، قلب غافر ، قلب حاقد ، قلب مقطوع عن الله عز وجل ، قلب فيه جفوة ، قلب فيه كبر ، كل أمراض القلب تترجم إلى معاصي ، إلى انحرافات ، لذلك لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، يستقيم اللسان فيستقيم القلب فتستقيم الجوارح ، من دعاء النبي الكريم :

(( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي صَلاتِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا ، وَلِسَانًا صَادِقًا ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ ))

[سنن الترمذي عن شداد بن أوس]

من أحبّ الله آثر مرضاته على كل شيء :

 آخر ما في الدرس : أن الإمام الحسن يقول :" اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته" وسئل أحد العلماء متى أحب ربي ؟ قال : إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر .
 وقال بشر : ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك .
 وقال بعض العلماء : كل من ادعى محبة الله عز وجل ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة ، كاذب ودجّال .
 وقال يحيى بن معاذ : ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده .
 من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته ، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه ، ومن أعطى لله ، ومنع لله ، وأحب لله ، وأبغض لله ، فقد استكمل الإيمان .
 الإمام الحسن يقول : ما ضربت ببصري ، ولا نطقت بلساني ، ولا بطشت بيدي ، ولا نهضت على قدمي ، حتى أنظر أعلى طاعة أو على معصية ؟ دقق في النص ، فإن كانت طاعة تقدمت ، وإن كانت معصية تأخرت .
 يقول بعض العلماء : والله ما خطوت منذ أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل ، فالإنسان إذا أطاع الله طاعة تامة دخل في سعادة لا يعلمها إلا الله ، ودخل في توفيق ، وفي إكرام وعز ، وفي حفظ ورعاية ، وفي تأييد وسرور ، كل ما عند الله في طاعته ، وكل ثمار الدين لا تجنيها إلا بطاعة الله سبحانه وتعالى ، أدق شيء أقوله لكم : من ازداد علماً ولم يزدد هدىً لم يزدد من الله إلا بعداً .
 الهدى أن تعرف الله ، وأن تطيعه ، العلم أن تحفظ أشياء كثيرة ، وأن تتقنها ، وتسأل عنها ، وتلقيها وتتفنن في عرضها ، وفي تحليلها ، المعلومات والذاكرة والذهن واللسان والطلاقة هذا علم ، أما الهدى فأن تعرف الله وتطيعه .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018