بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات فقهية متفرقة - الدرس : 56 - الهبة أصولها وأحكامها ومع من تصح.


1997-07-26

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة الأكارم، من حين إلى آخر أجد من المناسب أن نعالج موضوعاً في الفقه تشتد الحاجة إليه، كما عالجنا من قبل موضوع الوصايا، وموضوع النذر، واليوم نعالج موضوع الهبة، فأكثر الناس يقعون في إشكالات مع أولادهم في حياتهم، فيما يعطونهم فيما يمنعونهم، فيما يوصون إليهم..إلخ.
فموضوع اليوم هو الهبة، وهناك موضوع آخر نعالجه فيما تبقى من الدرس عن فضل هذه المدينة كما ورد في الأحاديث الصحيحة.

الهبة:

1 ـ ما هي الهبةُ ؟

جاء في القرآن الكريم:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾

( سورة آل عمران )

الهبة تمليك إنسان مالاً لغيره في الحياة بلا عوض.

2 ـ الفرقُ بين الهبة والبيع والإعارة والوصية:

الآن عندنا عدة حالات، فإذا كان بعِوَضٍ صارت بيعاً، إذًا: التمليك في الحياة فقط صار إعارة، فإذا استردت الهبة انتفع بها لوقت معلوم صارت إعارة، وإذا وهب الشيء، وأضيف إلى ما بعد الوفاة صار وصية.
هناك شيء دقيق، الهبة في الشرع عقد موضوعه تمليك الإنسان ماله لغيره في الحياة بلا عوض، فإذا أباح الإنسان ماله لغيره لينتفع به، ولم يملّكه إياه كان إعارة، الهبة شيء والإعارة شيء، الإعارة أن تهب مالك لينتفع به أخوك لكن على أن تسترده صار إعارة.
أما إذا أهديت ما ليس بمال فليس هدية، الخمر ليس بمال إطلاقاً، لحم الخنزير ليس بمال، الشيء المحرم ليس مالاً، والشيء الذي لا قيمة له ليس مالاً، والشيء الذي لا تملكه ليس مالا.
وإذا كان التمليك مضافاً إلى ما بعد الحياة صار وصية، وإذا كان بعوض صار بيعاً، والعبرة للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، فإذا قلت لمن يشتري منك مصحفاً: يا أخي بيع المصحف حرام، هذا هبته 40 ليرة، هبته 100 ليرة، هذا وهبته أخي، لا تقل: بيع، لا تقل لي: ما ثمنه ؟ قل لي: وهبته بـ 100 ليرة، لا يا سيدي، هذا عقد بيع، لو تقول: هبة مليون مرة، ما دام بِعِوَضٍ فقد صار عقد بيع، الشرع دقيق، العبرة للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، لو قلت لك: وهبتك هذا المصحف بمئة ليرة فهذا عقد بيع، لو قلت لك: بعتك هذا المصحف بلا ثمن هذا عقد هبة، لو قلت لك: بعتك بلا ثمن فهو عقد هبة، وهبتك بمئة ليرة فهو عقد بيع.

3 ـ الهبة المطلقة:

الهبة المطلقة، معنى المطلقة أيْ: في حدها الشرعي، لا تقتضي عوضاً، الهبة المطلقة، لكن هناك توجيهات من رسول الله عليه الصلاة والسلام نأخذها بعد قليل، أما الهبة مطلقاً فلا تقتضي عِوَضاً.

4 ـ بعضُ معاني الهبة:

هناك معان فرعية للهبة، الإبراء هبة، لك على فلان مبلغ من المال، تقول له: وهبتك هذا الدين، أنت ما قدمت له شيئًا، ما مسكت شيئًا وسلمته إياه، ما ملكته إياه، لك عليه ذمة.
فالهبة في بعض معانيها تعني الإبراء ممن هو عليه، والصدقة تأخذ معنى الهبة، أنت قدمت لإنسان مبلغا من المال، حاجة، لباسًا، شيئًا ينتفع به، أنت نويتها صدقة، فالهبة تأخذ معنى الصدقة أحياناً، وتأخذ معنى الإبراء أحياناً، وتأخذ معنى الهدية أحياناً أخرى.
مثلاً: أنت ضحيت في العيد، الشرع سمح لك أن تقدم ثلث الأضحية لأصدقائك، فإذا طُرق باب الرجلِ، وأعطوه قطعة لحمة فليس معناها أنه فقير، أحب أخوك، أو صديقك، أو جارك أن يتودد إليك بقطعة لحمة، هذه ما فيها شيء.
الشيء الثاني: وقسم للفقراء، وقسم أن تأكله أنت، فما كل شيء يقدم لك اسمه صدقة، قد يكون يأخذ مأخذ الهدية، أنت لست بحاجة للشيء، لكن هناك معانٍ نبيلة جداً أرادها الشارع الحكيم من الهدية.
إذا نشأ مع أخيك شيء من الجفاء فحلّه بهدية، قدم له هدية، لك قريب جاءه مولود فقدمت له هدية، الهدية كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا، وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ ))

[ مالك في الموطأ ]

إذاً: من المعاني الفرعية للهبة الإبراء، والصدقة، والهدية، لما شرع ربنا عز وجل الهدية فمن أجل تأليف القلوب، وتوثيق عُرى المحبة بين الناس.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ... إِنَّهَا تَحْلِقُ الدِّينَ ))

[ الترمذي ]

(( إياكم وفساد ذات البين، فإنها الحالقة، لا أقول: حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين ))

[ البزار بإسناد جيد عن ابن الزبير ]

إذا نشأ بينك وبين أخيك فساد، أو قطيعة، أو هجران، هذا أسلوب يفتت العلاقات، يمزق الجسد الإسلامي.
عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ))

[ متفق عليه ]

وقد أمضينا درساً خطيراً جداً حول الهجران، ورأيتم كم من الأحاديث الصحيحة التي رواها الإمام البخاري والإمام مسلم في مغبة الهجران، وكيف أن المؤمنين إذا تقاطعا، ومات أحدهما دخلا النار، كلام النبي الذي لا ينطق عن الهوى، لأن الله عز وجل يريد المؤمنين صفاً واحداً، يريدهم كالبنيان المرصوص، يريدهم متحابين، لهذا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
عَنْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ:... إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

(( وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

[ أخرجه أحمد ].

(( والمُتَحَابّونَ فيّ جَلاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النّبِيّونَ وَالشّهَدَاءُ ))

[ رواه أحمد عن عبادة بن الصامت ]

إذاً: كما أن الكلمة القاسية، والتعليق الساخر، والغيبة، والنميمة، كما أن الاستكبار، كما أن ترك السلام، كما أن عدم تلبية الدعوة، كما أن هذه الأشياء تبعد، وتفسد وتقطع، وتفتت، بالمقابل الهدية تقرب، الهدية كما قال النبي الكريم:

(( تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ )).

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

الهدية رسول الحقيقة، أحياناً ينشأ خلاف زوجي، منك كلمة، منها كلمة صار الخلاف، (( تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ )).
أقول لك شيئًا أدق من ذلك، أحيانا شعر أنك قصرت مع الله عز وجل، والله يسترضى بهدية، لكن لمن ؟ للفقير، لأنهم عياله.

(( الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ رواه أبو يعلى، عن ابن مسعود]

ممكن أن تسترضي خالق الكون بهدية، فـ:

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود الآية: 114 )

لابد للإنسان أن يعوّد نفسه إذا غلط غلطة مع ربه ؛ فاته وقت صلاة، صلى بعد الفجر، بعد الشمس مثلاً، تكلم كلمة فيها إساءة، غلط واغتاب، نظر نظرة من غير قصد، وامتدت النظرة أكثر من ثانية غير الأولى، فإذا كان بهذا الحجاب فوراً يرجع.
سيدنا أبو لبابة، يوم الجمعة ذكرت لكم أنا كنت في الحج هذا العام من فضل الله عليّ، لفت نظري في الروضة الشريفة سارية مكتوب في أعلاها: أسطوانة أبي لبابة، بماء الذهب، تحدثت يوم الجمعة أن هذا الصحابي الجليل لما أرسل النبي رسول إلى أبي قريظة، وكيف نصحهم أن ينزلوا عند حكم رسول الله، وكيف أشار إشارة فضحت سر النبي عليه الصلاة والسلام، قال: والله ما زالت قدامي عن موضعها إلا شعرت أنني خنت الله ورسوله، فذهب إلى هذه السارية التي كتب في أعلاها: سارية أبي لبابة، وربط نفسه، وقال: والله لا أغادرها حتى يتوب الله عليّ، فلما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، أريد أن أنخلع من مالي كله شكرًا لله عز وجل.
أقولها مرة ثانية وثالثة: الله عز وجل يسترضى، يسترضى بالصدقة، بالهدية.

(( باكروا بالصَّدقة، فإن البلاء لا يتخطاها ))

[ رواه أبو الشيخ، وابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أنس ]

(( صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس ]

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

( سورة هود الآية: 114 )

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( اتّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السّيّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ))

[ رواه الترمذي ]

5 ـ الحكمةُ من تشريع الهبة:

إذاً: شرع الله الهبة لما فيها من تأليف القلوب، وتوثيق عُرى المحبة بين الناس فعن أبي هريرة رضي الله عنه يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وأخرجه البيهقي، وقال الحافظ: إسناده حسن، قال:

(( تَهَادَوْا تَحَابُّوا ))

[ مالك في الموطأ ]

معنى: تهادوا:

لكن الذي يعرف اللغة يفهم معنى تهادوا، تهادوا على وزن تفاعلوا، ماضيه فاعَلَ، وزن فاعلَ يفيد المشاركة، تريد أن تقدم هدية، والذي تلقى الهدية عليه أن يقدم هدية، ليس في هذا كسب إطلاقاً، لكن تنشأ مودة، أنت تزوجت فجيء لك هدية، سجلها عندك، لما يتزوج خذ له هدية، جاءك مولد جيء لك هدية، جاءه مولود خذ له هدية، ليس هناك خسارة، عملية مقابلة فقط، لكن سبحان الله ! المقابلة وحدها تنشئ هذه المودة، الآن إذا دفع الرجلُ هدية بألف ليرة، وتلقى بعد سنة هدية بألف ليرة، هل خسر شيئًا ؟ لا، وكسب أخاه، كسب قلبه، كسب وده، كسب حبه، فالهدايا باب كبير من أبواب البر بين الناس.
إذاً: " تهادوا "، ليقدمْ أحد هدية لأخيه، وعلى الذي تلقى الهدية عليه أن يرد الهدية مثلها، لذلك العوام عندهم كلمة بسيطة: الهدية دين ووفاء، إنسان يقول لك: أكل الرجال على الرجال دين، وعلى الأنذال صدقة، دعاك فادعُه، أهداك تهديه، عاونك تعاونه، لذلك النبي الكريم يقول:

(( ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه ))

[ رواه الطبراني عن الحكم بن عمير ]

كلمة " الله يعطيك العافية "، " تفضلت "، " كثر خيرك "، الله يجزيك الخير ، كله كلام لا معنى له إن لم يكن له واقع عملي.

((ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فادعوا له ))

[ رواه الطبراني عن الحكم بن عمير ]

أي أن الدعاء للذي قدم لك معروفاً لا يقبل إذا كنت تستطيع أن تقدم له شيئاً مقابل الذي قدمه لك، فعلى الإنسان أن يعوّد نفسه هذه العادة، فلا تقل: أنا ما لي عند أحد شيء، بل كل شيء قدمه لي الناس هذا فضل منهم، وعليّ أن أرد الجميل، بهذه الطريقة ينشأ مجتمع كالبنيان المرصوص.

انس مقدمته للناس وا\كر ماقدمه الناس لك:

لذلك عندنا قاعدة، هذه قاعدة ذهبية: أيّ شيء قدمته للناس يجب أن تنساه، وكأنه ما كان، وأي شيء قدمه الناس لك يجب ألا تنساه حتى الموت، إذا كنتَ تريد أن تُحب، وتريد أن يحبك الناس، تريد أن يرضى الله عنك، تريد أن تكون سمعتك عطرة، تريد أن يلهج الناس عنك بالثناء، وإذا خدمك أحدُهم خدمة يجب ألا تنساها حتى الموت، والله لا أنسى لك هذا الجميل ما دمت حياً، وإذا قدمت خدمة فإياك أن تذكرها، ولا مرة، قال الشاعر:

 

رقصت الفضيلة تيــهاً      بفضلها فانكشفت عورتها

***

فقط تقول: أنا أعطيتك، أنا قدمت لك، عاونتك، دعوتُك مرتين، قدمت لك هدية في عرسك، بهذا ألغيتَ الهدية.

رقصت الفضيلة تيــهاً      بفضلها فانكشفت عورتها

***

إن عملت عملا فإياك أن تذكره، أنت عاملت الله.
أذكر لكم حديثا شريفا أيها الإخوة، هذا الحديث الشريف يلقي على قلب كل واحد منكم السكينة والاطمئنان، لو أنك خدمت الناس، والناس أساءوا لك، لو خدمت ومقابل الخدمة إساءة، الحديث:

(( اصنع المعروف إلى من هو أهله، وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله ))

[ رواه ابن النجار عن علي ]

علامة الإخلاص لله عز وجل أنك لا تنتظر على عملك الصالح شيئاً، لا ثناء، أخي والله العملية ناجحة، لو كتب هذا المريض عني في الجريدة كلمتين، أنت خدمته لله، لا تنتظر الشكر، ولا الامتنان، ولا التنويه في الجريدة، ولا باقة ورد، ولا شيء إطلاقاً، خدمته لله خذ أجرك من الله، خدمته له طالبه، هنا يفترق الناس بين مخلص ومُراءٍ، المخلص لا يريد شيء إطلاقاً، أما المرائي فينتقد، ويقول: ليس فيه ذوق، ولا إحساس بأن تشكرني، أو يخبرني.
إذا كان هذا الإنسان غاليا عليك، وقدمت لابنه قطعة حلوى أمامه، والابن سخط منها، فأنت قدمتها من أجل الأب لا من أجل الابن، أنت قدمت هذا الشيء للابن أمام الأب، والأب علم به، فالابن كيفما كان موقفه فلا يهمني.

الهداية لا للرشوة:

لكن الله يرضى علينا جميعا، لا تدخلوا الرشوة في الهدية، هذا موضوع ثان، لا علاقة له بموضوعنا إطلاقاً، هذا موضوع آخر.
أحد الولاة قُدم له هدية، أي رشوة، قال له: هذه هدية، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يقبلها، قال له: هي للنبي هدية، ولنا رشوة، اذهب.
أحد القضاة كان معروفاً في المدينة أنه يحب الرطب في بواكيره، طُرق باب، جاء رجل قدم له طبقا من الرطب من الدرجة الأولى، فسأل الغلام: من قدم هذا ؟ قال له: رجل وصفه كيت وكيت، فعرفه أنه أحد الخصوم، قال له: رُدّه، في اليوم التالي كان عنده محاكمة، اليوم الثالث ذهب إلى الخليفة، وقال: أعفني من القضاء، قال له: لمَ ؟ قال له: والله طُرق بابي، وجاءني طبق من الرطب في بواكيره، فرددته، في اليوم التالي تمنيت أن يكون الحق مع هذا الذي قدم لي طبق الرطب، مع أني لم أقبله، فكيف إذا قبلته ؟ فدخل الخطأ في أحكامه.

النبي يقبل الهدية ويكافئ عليها:

وقد كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية، ويثيب عليها، وكان يدعو إلى قبولها، ويرغب فيها، يقبلها، ويثيب عليها، وكان يدعو إلى قبلوها، ويرغب فيها، فعند أحمد من حديث خَالِدِ بْنِ عَدِيٍّ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ، وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ))

[ أحمد ]

الإشراف معناه التطلع، أحيانا تكون حاملا لغرض، وأحدهم ظل يرمقه بعيون، فهذا إشراف.

((مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ ))

لا سألت، ولا تمنيت، أيهما أبلغ ؟ ما تمنيت، فلا سؤال، ولا تمني.

(( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ، وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ))

ما الشرط ؟ عدم السؤال، والثاني عدم التمني، لا سألت، ولا طلبت، لكن أخاك أحب أن يتقرب إليك، أهلاً وسهلاً.

(( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ، وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ))

هذا حكم شرعي، هناك إنسان يسأل، وإنسان يتطلّع، وإنسان يشارط، كله غلط، وهناك إنسان يرفض الشرط، ويرفض العطاء، يا أخي أنت ما سألت، ولا طلبت، ولا تمنيت، وأحببت أنا أن أتقرب إلى الله بخدمتك، وهو لا يقبل، هذا أيضاً تعنت، وهذا أيضاً مخالفة للسنة.

(( مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ، وَلَا يَرُدَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ ))

اقبل الهدية ولو كانت شيئا يسيرا:

عندنا عادات سيئة، تأتيك هدية أول شيء يقفز إلى ذهنك ما ثمنها ؟ ما قيمتها، وشيء آخر تتمنها، أرى قيمتي عنده، غلطان، قيمتك حينما قدم لك هذه الهدية، قيمتك أنه تذكَّرك بهدية، له ظروفه.
لذلك النبي الكريم حض على الهدية ولو كان شيئاً حقيراً، واحد قدم لك حبة حلوى من أرخص الأنواع، فقل له: كثّر الله خيرك، وجزاك الله خيرا، خذها، وأعطها لطفل صغير، وهناك شخص يعدّها إهانة !
قال أحد العلماء الكبار كان يقرأ القرآن في الجامع الأموي أمام مقام سيدنا يحيى، ومرة حسبه أحدهم فقيرا فأعطاه فرنكا، أخذه ووضعه في جيبه أدباً.
النبي الكريم يقول:

(( ولو أهدى إلي كراع ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

ليس فخذ شاة، ولا قطعة لحم، لا، بل كراع، وليس كراعين اثنين.

(( ولو أهدى إلي كراع لقبلت ))

هذه أخلاق النبي اللهم صل عليه،

(( ولو أهدى إلي كراع لقبلت ))

يجب أن نتعلم الأدب، فإذا قدم لك أحدُهم هدية صغيرة رخيصة فقل له: جزاك الله خيرا، والله معناها كبير يا أخي، والله أنا غالٍ عليك، طيّب له قلبه، دعه يشعر بعمله الطيب، تفضلتَ علي، جزاك الله خيرا، شجعه على تطبيق السنة، قال النبي اللهم صل عليه:

(( ولو أهدى إلي كراع لقبلت ))

قال:

(( ولو دعيت إلى كراع لأجبت ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس ]

هذه أخلاق النبي الكريم.
هناك حديث أنا لا أذكره، لو أن الكراع والدعوة في مكان بعيد، بالغميم، أخي تعال، وأحيانا يدعوك أخوك دعوة، فتدفع ثمن البنزين ثلاثة أضعاف الذي أكلته، انتهى، من دعاك وجب حقه عليك.

(( ولو أهدى إلي كراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت )).

هذه أخلاق النبي اللهم صل عليه.
بالمناسبة، النبي عليه الصلاة والسلام ما عاب طعاماً قط في بكل حياته، فلا تقل: هذه غير طيبة، الملح زائد.
النبي عليه الصلاة والسلام ما رؤي في كل حياته ماداً رجليه قط، ولا عاب طعاماً قط.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ:

(( إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي: قَالَ: إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا ))

[ البخاري ]

الأقرب فالأقرب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَهَادَوْا ))

أمر نبوي:

(( تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ ))

[ الترمذي ]

الحقد، والألم، والضيق، والشقاق، والخصومة، هذه تذهبها الهدية.
قبول هدية غير المسلم:
الشيء الدقيق أن النبي عليه الصلاة والسلام قبِل هدية الكفار، فقبل هدية كسرى، وهدية قيصر، وهدية المقوقس، كما أهدى للكفار بعض الهدايا.
إذا كنت موظفًا، ومعك موظف غير مسلم، وجاءه مولود، وقدمت له هدية فلا حرج في ذلك أبداً، تألفته، حتى قال عنك: والله هذا المسلم صاحب ذوق، لبق، فهيم، طبعاً هذا أخ لك في الإنسانية، حتى إن بعض العلماء فسروا:
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))
[ متفق عليه ]

لو أردت أن تفهم هذا الحديث فهماً أصولياً أخيه مطلقة، وإذا أطلقت الكلمة أخذت أوسع معانيها، لذلك قالوا:

(( حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ))

في الإنسانية

(( ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))

لو كان غير مسلم، استنصحك فانصحه بأحسن شيء.

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))

فالنبي قبِل الهدية، قبِل هدية الكفار، قبِل كسرى، وهدية قيصر، وهدية المقوقس، كما أهدى هو الهدايا والهبات.

حالات ترفض فيها الهدية:

لكن يبدو أن هناك حالة خاصة، إذا قدم الإنسان لك هدية، ويريد منك شيئاً لا يرضي الله عز وجل، أو أراد أن يحرجك بها، أو أن يظهر فضله عليك بها، فإنه يمكن أن ترفض الهدية، روى أبو أحمد والترمذي عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً لَهُ أَوْ نَاقَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ ))

[ الترمذي ]

فكيف نوفق بين قبول هدية قيصر وكسرى والمقوقس مع هذا الحديث ؟
إذا كانت الهدية قصدها التودد فيجب أن تقبلها، أما إذا قصدها إملاء شروط معينة، هدفها الإحراج، هدفها أن ينتقص من قيمتك، فلا أقبلها، كشخص يقف موقفا ضدك، لا آخذ هديته، مادام مصرًا على موقفه العدائي فهديته ضعف بالنسبة لي، أو يقف موقف العدائي المصر عليه، لا يتراجع عنه، وينهش بك، وأحب أن يهدي لك، لا، لا آخذ الهدية، أنا غني عنها.
يبدو أن هذا الإنسان رفض النبي هديته، قال:

(( أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِينَ ))

بعضهم قال: هذا الحديث منسوخ، تحب أن توفق بينه وبين البقية أنه منسوخ، أما الأقوى أنه إذا كانت الهدية سوف تحرجك، وتضعف من قيمتك، أو يملي عليك مهديها شروطاً عندئذٍ يمكن أن ترفضها.

من شروط الهبة والهدية:

هناك أشياء فقهية عجيبة، تحتاج إيجاب وقبول، يجب أن يقف، ويقول: قدمت لك هذه الهدية، وأنا قد قبلت، هذه أشياء شكليات، غير واقعية، أما أحد الفقهاء قال:

((الهدية تصح بالمعاطاة))

الأشياء النفيسة تحتاج إلى قبول وإيجاب:

الآن هناك أشخاص شكليون، إذا كان الإنسان شكليًا يقع في إشكالات، أنه أي بيع لا يصح إلا بالإيجاب والقبول، كأن تكون واقفا عند بائع العصير، تقول له: أتبيعني كأساً من العصير ؟ يقول لك: نعم، بكم ؟ بكذا، وأنا قد قبلت، ناولني إياه، قال العلماء: ((الأشياء النفيسة تحتاج إلى إيجاب وإلى قبول، والأشياء الخسيسة يكفيها المناولة "، تأخذ الكأس تشربها، وتعطيه ثمنها، وتمشي، وأنت ساكت لا تنطق بكلمة، هذا بيع صحيح أساسه المناولة.
أما بيع البيت وأنت ساكت فلا يصح، البيت يحتاج إلى طابو، يحتاج إيجارا، يحتاج قبولا، يحتاج شهودا، يحتاج محاميا، فغير معقول أن تسكت، فالأشياء النفيسة تحتاج إلى إيجاب وإلى قبول، أما إذا كانت الهدية بيتًا، لكن هذه لا أحد يفعلها، فتحتاج إلى إيجاب وقبول، أنا سأقدم لك بيتا، الله يجزيك الخير، غداً عندنا لقاء بالطابو، هذه تحتاج إلى كلام ما دام الهبة بيتا.
العلماء قالوا:

((الهدية أركانها الإيجاب والقبول، وإذا كانت من الأشياء العادية الخسيسة تكفي فيها المعاطاة))

قد يدخل الرجلُ على مريض ومعه علبة شكولا، يقول له: أخي هذه هدية، هل تقبلها ؟ نعم أقبلها، إذاً: شكراً، تدخل معك هذه العلبة، تضعها على الطاولة فقط.

1 ـ يجب أن يكون الواهبُ مالكًا للموهوب:

الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب، أول شرط للهدية لها ثلاث أشياء، الهبة فيها واهب، وموهوب له، وموهوب فيه، أي: المادة، والمعطي، والآخذ، فيها ثلاثة عناصر، الواهب يجب أن يكون مالكاً للموهوب، وإلا:

وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية: 188 )

قد يتكرم أحدُهم من مالِ غيره، يكون وصيا على أموال أيتام، فيقيم الولائم، ويقدم هدايا، وقد يكون شريكا، مثلاً، يأتي مندوب شركة ويقدم له سوارا من ذهب من مال الشركة، الشركة ليست لك وحدك، فيها مستثمرون، فيكون قد كسب وجاهة من مال غيره، فالهدية يجب أن يملكها الواهب، هذا أول شيء.

2 ـ أن يكون الواهبُ بالغًا غير محجور عليه:

وألا يكون الواهب محجوراً عليه لسبب من أسباب الحجر، وأن يكون بالغاً.
إياك أن تقبل هدية من غير بالغ، أنت مؤاخذ، دخلت محلا تجاريا، الأب في البيت، وضع ابنه صغير في المحل، وأعطاك ساعةً، إنه طفل صغير، كيف تأخذها وتمشي ؟ هذه الهدية غير مقبولة من واحد صغير، ممنوع، لابد أن يكون بالغاً، لأن الصغير ناقص الأهلية، أن يكون مختاراً، لأن الهبة عقد يشترط فيه صحة الرضا، أما إذا كان بالقهر فليست هدية، لأنه:

((ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام))

قد تكون قويًا، هذا ضعيف يحتاج منك إجازة، أرني ساعتك، خذها سيدي، هذه ليست هدية، هذا أُخذ بسيف الحياء، فهو حرام، هذا شرط الواهب، أن يكون مالكا للموهوب، وألا يكون محجورا عليه، وأن يكون بالغا.

3 ـ أن يكون الواهبُ مختارًا:

وأن يكون مختار، أما الموهوب له أن يكون موجوداً حقيقة، أيام يكتب بالمصاريف هدايا لأسماء خلبية، كله واقع هذا، يكتب بالمصاريف بالشركات هدايا لأسماء ما لها وجود، هدية قدمناها لواحد، من هذا هو الشخص ؟ سعيد أحمد، أين هويته هذا ؟.

4 ـ أن يكون الموهوب له موجود حقيقة:

أن يكون الموهوب له موجود حقيقة.

5 ـ أن يكون الموهوب مالاً متقوَّماً:

وأن يكون الموهوب مالاً متقوماً، يمكن أن يستغربوا، لأن هناك مسلمين يُصلُّون في المساجد ويقدمون الخمر هدايا إذا طلبه إنسان منهم، الشرع دقيق جداً، يجب أن يكون الموهوب مالاً متقوماً، والخمر ليس بمال.

6 ـ أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال:

أيضاً يجب أن يكون الموهوب شيئًا يقبل الانتقال، لا يوهب مثلاً سمك بنهر ، لا يوهب هذا المقصف لك، في أشياء يجب أن تنتقل معك.
لا يجوز أن تهب شيئاً متصلاً بمال الواهب اتصال قرار، توهب الأشجار بأرض لك، هذه صعبة، وهبت الأشجار، وبقيت الأرض، كالزرع والشجر والبناء دون الأرض، بل يجب فصله وتسليمه، وكل شيء مشاع لا تصح هبته، لأنه يصعب أن يتملكّه، وكذا الشيء المرهون، والشيء غير المقسوم.

من أحكام الهبة:

1 ـ هبة المريض مرضَ الموت:

الآن أخطر شيء في الموضوع هبة المريض مرض الموت، هنا المشكلة، كما يقال اليوم: كتب لي هذه السجادة، كتب لي هذا البيت، كتب لي هذه الدكان، فينازع، فإذا كان الشخص مريضا مرضَ الموت، ووهب غيره هبة فحكم هبته كحم الوصية، وينطبق عليها حكم الوصية لا حكم الهبة، لأن كل شيء أضيف إلى ما بعد الموت صار وصية، فإذا وهب هبة لأحد، ثم مات فهذا شيء يعد كالوصية تماماً.
إذا وهب إنسان شيئًا وهو مريض مرض الموت فالهبة وصية، شُفيَ بعد هذا المرض، وعاش عشر سنوات تصح الهدية، لأنها انقلبت من وصية إلى هبة.

2 ـ هل يُشتَرط القبضُ في الهبة ؟

عندنا بحث لطيف ملخصه موضوع خلافي بين العلماء، بعضهم لا يرى أنها تصح أو تقع إلا بالقبض، فإذا وهبك شخصٌ شيئًا، ولم يعطك إياه، ومات، هل ذهب الموهوبُ عليك ؟ لا، لن يذهب عليك، بعضهم يقول: تصح بالإيجاب والقبول، لأن القبض شيء ثانوي، وبعضهم قال: لا بد من القبض، فهذا الحكم مرن، يتحول بحسب الظروف والحالات والملابسات.

3 ـ هل يجوز هبةُ جميع المال ؟

أما أن يتبرع الإنسان بكل ماله فهذا موضوع شائك، الإمام أبو حنيفة يقول:

(( لا يصح التبرع بكل المال، ولو في وجوه الخير))

هناك امرأة عندها أملاك كثيرة جداً، في خريف عمرها أصابها فالج، فلما تنازع أولادها، كلهم رفض أن يجعلها في بيته، ثم اتفقوا على أن يجعلوها في مأوى العجزة، فلما استيقظت فإذا هي في مأوى العجزة، استدعت كاتب العدل، ووهبت له كل أملاكها قاطبة من دون أن تدع لأولادها شيئاً، عند الأحناف لا تجوز هذه الهبة، ولا تصح.
أفضل شيء الثلث، طبعاً الهبة تأخذ حكم الوصية في الثلث، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ ))

[ متفق عليه عن ابن عباس ]

دائماً دع لأولادك ثلاثة أرباع، إذا كنتَ في بحبوحة، وعندك أموال طائلة، تحب أن تتقرب إلى الله عز وجل بهبة في حياتك، أو بوصية بعد وفاتك، فاجعل أقصى شيء فيها الربع، لقول النبي:

(( وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ))

والهبة لها ميزة، أنه أحيانا يكون عندك بنت مثلاً بحاجة إلى بيت، عندك أربع بنات، الثلاثة أزواجهم أغنياء، وبنت واحدة زوجها فقير جداً، وبيته بالأجرة، وعليه دعوى إخلاء عليه، أنت في حياتك قدمت لها بيتا صغيرا مناسبا، هذا يدخل تحت باب الهبة لا الوصية، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ:

(( إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ))

[ رواه الترمذي ]

فإذا كان معك جواب لله عز وجل، فإذا أخذت موقفا موضوعيا أخلاقيا بدافع الرحمة والإنصاف فهو أمرٌ مقبول.

4 ـ المكافأة على الهدية:

قال يستحب المكافأة على الهدية، الدليل، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا )).

[ البخاري ]

وفي رواية:

(( ويثيب ما هو خير منها ))

بعضهم قال: هبة الأعلى للأدنى هبة إكرام وإلطاف، وهبة الأدنى للأعلى هبة منفعة وثواب، وهبة النظير لنظيره هبة تودد، إكرام، منفعة، تودد، من أعلى إلى أدنى إكرام، من أدنى إلى أعلى منفعة.
قد يحب إنسان أن يستفيد من إنسان، فيتقرب له بشيء، فمن مستوى إلى مستوى موازٍ تودد.

5 ـ العدل في الهبة بين الأولاد:

الحديث الذي بين يدي، وهو من أهم الأحاديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ ))

[ رواه البخاري]

هذا حديث مهم جداً:

(( إن أحدكم ليعمل طوال حياته بعمل أهل الجنة، حتى يأتيه الموت فيضار في الوصية فيستحق النار فيدخلها ))

[ ورد في الأثر ]

لذلك الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري عن ابن عباس

(( اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ ))

الحديث الشهير الذي هو محور هذا الدرس قال عن الشعبي عن النعمان بن البشير قال:

(( أَنْحَلَنِي أبِي نُحْلاً ـ النحل يعني العطاء ـ فَقالَتْ لَهُ أُمّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ائتِ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَأَشْهِدْهُ ـ ما قال: أبي نحلني نحلاً ـ فَأتَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ: فَقالَ لَهُ: إنّي نَحَلْتُ ابْنِي النعْمَانَ نُحْلاً، وَإنّ عَمْرَةَ زوجتي سَألَتْنِي أنْ أُشْهِدَكَ عَلَى ذَلِكَ، قالَ: فقالَ:
ألَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ ؟ قالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قال: فَكُلّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أعْطَيْتَ النعْمَانَ ؟ قالَ: لاَ: قالَ: فَقَالَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ المُحَدّثِينَ: هَذَا جَوْرٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا تَلْجِئَةٌ، فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، قالَ مُغِيرَةُ في حَدِيثِهِ: قال النبي: ألَيْسَ يَسُرّكَ أنْ يَكُونُوا لَكَ في الْبِرّ وَاللّطْفِ سَوَاءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ، قال: فَأشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي، فإني لا أشهد على جور ))

وقال في رواية أخرى ذكرها مجاهد:

(( إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، كَمَا أنّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقّ أنْ يَبَرّوكَ، إنّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقّ أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ ))

هذا الحديث وقف العلماء عنده وقفات طويلة، لكنه يفيد الحديث أنه لا يجوز أن لا تكون عادلاً بين أولادك في العطية.
يقول لي واحد: هذا يبرني، هذا الذي ما برك لما فضلت الأول عليه ازداد عداوة لك، وإذا سويته مع أخيه اقترب منك، فإذا كان ابنك الذي برك خدمك لله الله يجازيه، أنت اعدل بينهم جميعاً، عليك أن تعدل.

أحاديث في فضائل الشام:

وعدتكم ببعض الأحاديث الذي وردت في الترغيب والترهيب عن فضل الشام.
أنا بقيت أسمع من إخوة كُثر، أن الإنسان حينما يغادر هذه البلدة يعرف قيمتها، كيف قال النبي هذا قبل 1500 عام ؟
استمعوا أيها الإخوة.
الحديث الأول:
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهُمّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا، قالُوا: وَفِي نَجْدِنَا، قَالَ: اللهُمّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، وَبَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا ))

[ متفق عليه ]

الحديث الثاني:
قال أحد أصحاب النبي: يا رسول الله خر لي بلداً أكون فيه، خر يعني اختر، خر لي بلداً أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لن أختار عن قربك شيئاً، لو أنك تبقى طوال الحياة لا أختار على قربك شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عَلَيْكَ بالشّامِ ))

يبدو هذا الصحابي لا يحب الشام، قال فلما رأى كراهيتي للشام، قال: أتدري ما يقول الله في الشام إن الله عز وجل يقول:

(( يا شام ! أنت صفوتي من بلادي، أدخل فيك خيرتي من عبادي ))

[ رواه الطبراني وابن عساكر عن عبد الله ابن حوالة ]

وإن الله تكفل لي بالشام وأهلها، أنا أدعو كل يوم جمعة بالخطبة:
اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً.
لشدة ما أسمع في الأخبار من حروب أهلية وفتن، ومشكلات، ومجاعات وكوارث، نسأل الله أن يديم الأمن علينا، نعمة الأمن في هذا البلد، ونعمة الوئام، ونعمة الرخاء.
الحديث الثالث:
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان، ومعاذ بن جبل، وهما يستشيرانه في المنزل

(( فأومأ إلى الشام، ثم سألاه، فأومأ إلى الشام، ثم قال: عليكم بالشام، فإنها صفوة بلاد الله، يسكنها خيرته من عباده، فمن أبى فليلحق بيمنه ))

[ الجامع الصغير عن واثلة بسند صحيح ]

أخ من إخواننا كان يعمل بمنصب رفيع بالسفارة السورية بواشنطن، قال لي: كنت أمشي أمام المركز الإسلامي في واشنطن، سمعت القرآن الكريم لأحد المقرئين الكبار، قال لي: والله هذا القرآن شدني إلى بلدي، على إثر سماع القرآن الكريم، في هذا المركز الإسلامي، خلال شهر عاد إلى بلده، والله عز وجل أكرمه في الشام بعمل جيد.
إنها نعمة أن هناك مجالس علم في بيوت الله عز وجل، فيها جو لطيف، لك أهل، لك أقرباء، والحقيقة أنه يمكن أن يكون للواحد منا عدة مشاكل، لكن ما تعرف قيمة هذه البلدة إلا إذا غادرتها.
الحديث الرابع:
الحديث الصحيح: عَن عَمْرَو بْن الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( بَيْنَا أَنَا فِي مَنَامِي أَتَتْنِي الْمَلَائِكَةُ، فَحَمَلَتْ عَمُودَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي، فَعَمَدَتْ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا فَالْإِيمَانُ حَيْثُ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))

[أخرجه أحمد]

وفي رواية أخرى:

(( إذا وقعت الفتن فالأمن بالشام ))

تلاحظون أن الله جل وعلا امتن على هذه البلدة بنعمة الأمن.
الحديث الخامس:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ))

[ رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواته رواة الصحيح ]

رواية أخرى:

(( رأيت ليلة أسري بي عمودا أبيض كأنه لواء تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام، قال وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله تخلى عن أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى وضع بالشام ))

[الترغيب والترهيب بسند فيه ضعف]

الحديث السادس:
عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده ـ اسمعوا تتمة الحديث ـ فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة، ومن دخلها من غيرها فبرحمة )).

[ الجامع الصغير بإسناد ضعيف ]

الحديث السابع:
قال النبي الكريم:

(( طوبى لمن له فيها مربط شاة ))

لك محل صغير، لك وظيفة، ساكن ببيت، مستور، متزوج، عندك مصروف يومك، امكث بهذا البلد، أشرف ألف مرة، واحضر مجالس علم ليزداد إيمانك، والله هو الرزاق، الرزاق واحد هنا وفي الخارج، وهناك إنسان من أجل رزق زيادة ترك هذا البلد، فضاع دينه، وضاع أولاده، وضاعت بناته.
الحديث الثامن:
عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ إِذْ قَالَ:

(( طُوبَى لِلشَّامِ، قِيلَ: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا ))

[ أحمد ]

من فضل الله عز وجل في بالشام مجالس علم، ولا أبالغ بقدر ما في العالم العربي كله، الشام وحدها مجالس علم، فهذا من نعمة الله علينا.
الحديث التاسع:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَحْشُرُ النَّاسَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ ))

[ رواه أحمد والترمذي ].

الحديث العاشر:
آخر حديث، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الملحمة الكبرى:

(( فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ ))

[ رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد ].

هذه أحاديث قالها النبي عليه الصلاة والسلام، وبإمكانكم أن تروا الآن كيف أنها وقعت، الآن أرويها لكم بعد أن وقعت، الإيمان هنا، والأمن هنا، والراحة النفسية في هذا البلد، نرجو الله أن يتفضل علينا بحل بعض مشكلاتها.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018