بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 38 - البقاع بلبنان - حكم الصيام .


2003-11-04

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين و على آله و صحبه كل أجمعين، و بعد:
فأيها الإخوة الكرام:
لابد من أن يكون الأمر متناسقاً و متناسباً مع الآمر، فإذا كان الآمر هو خالق السماوات و الأرض، صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى ينبغي أن يكون للصيام حكماً لا تعد و لا تحصى، لكنه بالتأكيد ليس ترك الطعام و الشراب فحسب ؛ و لكن له حكماً لا يعلمها إلا الله.
أيها الإخوة الكرام:
الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز و لهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم هو الله، و لهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل و الصيانة، فالإنسان انطلاقاً من حبه لذاته ينبغي أن يطيع الجهة الصانعة، و ما من جهة أولى أن تطاع إلا الجهة الصانعة، فالله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

[ سورة البقرة: الآية 183]

أيها الإخوة:
الإنسان في الأصل مخلوق متميز، هو مخلوق مكرم بنص الآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾

[ سورة الإسراء: الآية 70]

لكنه مكلف، مكلف بعبادة الله عز وجل، و قد ذكرت في لقاءات سابقة تعريف العبادة ألا و هي طاعة طوعية و ليست طاعة قسرية، لو أنها طاعة قسرية ليست عبادة لأن الله يقول:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 256]

الله عز وجل يريدنا أن نأتيه طائعين، أن نأتيه محبين، أن نأتيه بمبادرة منا، فهو طاعة طوعية، الآن ممزوجة بمحبة قلبية، فما عبد الله من أطاعه و لم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه و لم يطعه، طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، إن أردتم أن أضغط الدين كله في ثلاث كلمات تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه، الأصل تطيعه و السبب تعرفه و النتيجة تسعد بقربه، يوجد جانب معرفي و جانب سلوكي و جانب جمالي.
العبادة أيها الإخوة مكانها في الدين، الدين عقيدة و عبادات و معاملات و فضائل، مكارم أخلاق، فالعبادات نوعان، عبادات شعائرية و عبادات تعاملية.
وبادئ ذي بدء العبادات التعاملية تشبه تماماً العام الدراسي، تسعة أشهر دوام، حضور في الساعة الثامنة، إصغاء إلى المدرس، كتابة وظائف، كتابة أبحاث، مراجعة مواد، أداء مذاكرات، أداء امتحان، تسعة أشهر فيها تكاليف عديدة و منوعة و مستمرة، بقي ساعات الامتحان الثلاث هي العبادة الشعائرية، العبادة التعاملية العام الدراسي كله، و العبادة الشعائرية ساعات الامتحان الثلاث، لو أن طالباً لم يحضر و لا محاضرة، و لم يقرأ و لا كتاب، و لم يؤد و لا مذاكرة، و دخل الامتحان الأخير و معه ستة أقلام و معه شطيرة ليأكل إذا جاع و حبوب مسكنة إذا شعر بألم في الرأس و لكن لا يوجد معه و لا معلومة ماذا يفعل بهذه الساعات الثلاث ؟ لا معنى لها إطلاقاً، فأنا متى أصلي أو لماذا أصلي ؟ لأقطف ثمار استقامتي، لماذا أصوم ؟ لأقطف ثمار طاعتي، كيف أحج ؟ لأقطف ثمار معاهدتي لله عز وجل، فما لم نربط بين العبادة التعاملية و الشعائرية فنحن لا نفلح، هذه الإله العظيم له منهج لا أبالغ ربما زادت فقرات المنهج عن مئة ألف منهج، الصوم و الصلاة و الحج و الزكاة خمس فقرات، كيف ضغط الإسلام إلى خمس عبادات شعائرية ليس غير ؟ أين الصدق ؟ أين الأمانة ؟ أين العفة ؟ أين الاستقامة ؟ أين الحلم ؟ أين الرحمة ؟ أين الإنصاف ؟ أين العفو ؟ أين البذل ؟ أين العطاء ؟ أين التضحية ؟ عندما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن الإسلام، عرّف الإسلام تعريفاً رائعاً قال: كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الرحم و نسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته و صدقه و عفافه و نسبه فدعانا إلى الله لنعبده و نوحده، و نخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة و الأوثان و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء.
إخوتنا الكرام:
الإسلام مجموعة قيم أخلاقية مستندة إلى عبادات شعائرية، ما لم نربط بين العبادة الشعائرية و بين العبادة التعاملية لن نفلح، سأقول هذه الحقيقة: العبادة الشعائرية و منها الصيام لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادة التعاملية، طالبوني بالدليل لأن هذا الدين له أدلته، و لا يجرؤ أحداً في الأرض أن يتكلم في الدين برأيه، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء.
نأتي على الصيام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))

[ البخاري، الترمذي، أبو داود، ابن ماجه، أحمد ]

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ... ))

[ ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

الزكاة:

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

[ سورة التوبة: الآية 53]

الحج:

(( من حج بمال حرام وضع رجله في الركاب، ناداه مناد و قال لبيك اللهم لبيك نودي أن لا لبيك و لا سعديك و حجك مردود عليك ))

بقي الشهادة:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل و ما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

بقي الصلاة:

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا))

[ ابن ماجه ]

سقطت صلاتهم.

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

أنا ماذا فعلت إلى الآن ؟ بينت بالأدلة القرآنية و النبوية الصحيحة أن العبادة الشعائرية و منها الصيام لا تقطف ثمارها كاملة إلا إذا صحت العبادة التعاملية، لذلك قال عليه الصلاة و السلام:

((إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.))

إذاً ينبغي ألا نفكر أن ترك الطعام و الشراب هو الصيام، الصيام كما تفضل سماحة المفتي جزاه الله خيراً في لقاء تلفزيوني شاهدته، الصيام: إعادة تأهيل المسلم، أي تفتح مع الله صفحة جديدة، تصطلح مع الله، تذوق طعم القرب، تذوق طعم تلاوة القرآن، تذوق طعم الإنفاق، تذوق طعم قيام الليل، تذوق طعم غض البصر، تذوق طعم القرب من الله، أي أراد الله و قد ذقت كل شيء أن تذوق طعم القرب، تذوق طعم الحب، لماذا قال بعض العارفين و قد كان ملكاً: و الله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف ؟ لماذا قالوا: السكينة تسعد بها و لو فقدت كل شيء و تشقى بفقدها و لو ملكت كل شيء ؟ لماذا وجد أصحاب الكهف هذه السكينة في الكهف و لم يجدوها في القصور ؟ لماذا وجد إبراهيم عليه السلام السكينة و هو في النار ؟ لماذا وجد النبي الكريم السكينة و هو في الغار ؟ لماذا وجد يونس عليه الصلاة و السلام السكينة و هو في بطن الحوت فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك ؟ نريد أن تنعقد الصلة مع الله، نريد أن نذوق طعم القرب، نريد أن نناجي الله في الليل، نريد أن نتقرب إليه، أرادك الله عز وجل في دورة مكثفة سنوية أن تدع الدنيا و أن تقبل عليه، ماذا فعل معك ؟ منعك من المباحات، من أن تأكل، الأكل حلال، من أن تشرب، من أن تقرب زوجتك، منعك مما هو مباح، فهل تستطيع و أنت تارك ما هو مباح أن تقترف ما هو محرم ؟ يختل توازنك، تركت الطعام و الشراب من أجل ربك أتكذب ؟ أتخون ؟ أتعتدي ؟ أتستكبر ؟ أتأخذ ما ليس لك ؟ أتلتوي في معاملاتك ؟
حكمة بالغة قوّى لك إرادتك في الاستقامة، منعك مما هو مباح، فلأن تدع ما هو محرم من باب أولى، لذلك بالتأكيد ومن دون مواربة و لو أن العبارة قاسية ليس الصيام ترك الطعام و الشراب هذا ليس صيام المؤمن هذا صيام إنسان ينتسب إلى الإسلام انتساباً شكلياً، الصيام ترك لكل مخافة و لكل معصية مع ترك الطعام و الشراب، أي في هذا الشهر تقوى إرادتك على طاعة ربك.
الآن أحياناً يكون هناك حرب أهلية فتكون هدنة لشهر يذوق الناس طعم السلام يتمنون استمراره، فأنت حينما تصلي كل يوم الفجر في مسجد و قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، و من صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

ذقت في ثلاثين يوماً صلاة الفجر في المسجد و صلاة العشاء في المسجد لعلك تستمر بعد رمضان إلى نهاية العام على هذه الصلاة، ذقت في رمضان قراءة القرآن كل يوم لعلك تستمر بعد رمضان إلى نهاية العام بتخصيص جزء تقرؤه كل يوم، ذقت طعم الإنفاق.
إخوتنا الكرام:
يوجد شيء أي حكمة رائعة جداً أن الفقير المعدم إذا كان يملك قوت يومه وجبة طعام واحدة عليه أن يؤدي زكاة الفطر لماذا ؟ قال: أراد الله أن يذوق هذا الفقير طعم الإنفاق مرة في العام، الإنفاق له طعم، كنت في الكويت قبل أسبوع في لوحات إعلانية رائعة عن رجل و شاب قد أدى زكاة ماله أي اختاروا إنساناً له وجه وضيء بشكل غير معقول، أي ممتلئ سعادة، ممتلئ فرحاً، هذا الذي يؤدي زكاة ماله و قد قال عليه الصلاة و السلام:

((برئ من الشح من أدى زكاة ماله، و برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، و برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله ))

فأراد الله عز وجل أن تقوى إرادتنا على طاعته ثم تمنى علينا و انتظر منا أن تستمر هذه الطاعات و هذه العبادات و هذه العزائم و هذه التضحيات على مدى العام، أصبح رمضان قفزة نوعية نحو الأعلى و استمرت، رمضان آخر قفزة نوعية و استمرت، رمضان ثالث، أي أراد أن يكون رمضان درجاً تصعده إلى الله عز وجل، هذه واحدة.
الإنسان أحياناً أيها الإخوة يكون قوياً و يكون غنياً و يكون عالماً و متمكناً و ذا شأن كبير، الآية الكريمة الدقيقة:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

[ سورة العلق ]

من لوازم التمكن إلا من رحم ربي، دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً مطأطئ الرأس تواضعاً لله عز وجل حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله، لكن من شأن الفاتحين الطغاة أن يستعلوا و أن يستكبروا و أن يتغطرسوا، فالمؤمن حينما يقوى و حينما يزداد علماً و شأناً و مكانة و غنى ربما قالت له نفسه من أعظم منك ؟
سيدنا عمر و هو على المنبر قطع الخطبة و قال: يا بن الخطاب كنت ترعى الغنم على قراريط لأهل مكة و تابع الخطبة، فلما نزل سئل ماذا قلت لم نفهم ماذا قلت ؟ قال: جاءتني نفسي و قالت لي ليس بينك و بين الله أحد، أردت أن أعرفها قدرها، فالإنسان في رمضان على شأنه العظيم و على مكانته و على غناه و على مركبته العالية كل خواطره كأس ماء أو كأس شراب أو أكلة طيبة يحبها، أراد الله أن يشعره بعبوديته له، كيف أن الأنبياء بشر قال: كانوا يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق، من دلائل بشريتهم أنهم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، بل و مفتقرون إلى ثمن الطعام يمشون في الأسواق، كانوا يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق، فأنت حينما تصوم و تشعر بالعطش الشديد، حينما تصوم و تشعر بالجوع الشديد، حينما تأتي الخواطر بعد الظهر إلى كأس عصير أو إلى كأس مرطبات أو إلى طبق طعام تحبه من أنت ؟ أنت عبد لله.
إذاً من حكم الصيام أن الله يشعرك بالعبودية له، لكن يوجد حكمة ثالثة هو أن هناك أعمالاً كثيرة تفعلها و ترتفع في نظر الناس بها، إلا أنك إذا كنت في البيت وحدك و كان الصيام في أشهر الصيف و تكاد تموت من العطش و دخلت إلى غرفة الطعام و فتحت الثلاجة و قوارير الماء الباردة يسيل لها اللعاب هل بإمكانك أن تضع في فمك قطرة ماء واحدة ماذا يدل هذا ؟ على أن الصيام عبادة الإخلاص، لا أحد يطلع عليك، فالصيام تقوية إرادة و الصيام إشعار لك بالعبودية و الصيام عبادة الإخلاص.
الإنسان حينما تأتيه نفسه تقول له: أنت منافق و أنت مرائي، جالس في غرفته في البيت، البناء المقابل فيه شرفة خرجت امرأة بثياب مبتذلة تظهر كل مفاتنها، من يستطيع أن يعلم أنك تنظر إليها إلا الله:

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾

[ سورة غافر: الآية 19]

فحينما تغض البصر عنها و أنت وحدك في الغرفة، و أنت في غرفة ليست منيرة و هي في مكان منير أنت ترى و لا تُرى أليس كذلك ؟ و لا أحد يمكن أن يضبطك في هذا.
إخوانا الكرام:
يوجد بالدين شيء دقيق جداً، يوجد أوامر في الدين تنطبق على أوامر القوانين الوضعية، فكما أن السرقة محرمة في الدين أيضاً محرمة في القوانين الوضعية، هذا الذي لا يسرق و الله لا نعرف لماذا ؟ إما خوف من الله أو خوف من القوانين و المحاسبة، فحينما تتحد القوانين و الشرائع و يأتي الإنسان فيستقيم على أمر الله، الله يعلم وحده ما إذا كان مستقيم بسبب خوفه من الله أو بسبب خوفه من مديره العام الذكي القوي الذي يضبط الأمور، لكن شاءت حكمة الله أن يكون في الدين أوامر لا يوجد مثلها في القوانين كغض البصر، ليس على وجه الأرض نظام يأمرك بغض البصر على وجه الأرض إطلاقاً، و ليس على وجه الأرض إطلاقاً جهة تحاسبك على إطلاق البصر، فأنت حينما تغض البصر تؤكد لنفسك أنك تحب الله، و أنك مخلص له، و أنك تعلم أن الله معك و يراقبك، هذه النقطة في الدين شيء لا يصدق بدليل: لو تخيلنا ليس في الدين صيام و الدولة و هي دماغ الأمة تريد أن تفرض الصيام على المواطنين بقوة القانون، طبعاً ممنوع في الطريق أن تشرب لأنه يوجد محاسبة و شرطة و مسؤولية لكن كم مواطن بالمئة مليون يصوموا بقانون ؟ و لا مواطن، يدخل إلى البيت فيأكل أما في الطريق لا يفعل هذا، أوضح مثل: غض البصر و استخدام الخلوي أثناء القيادة ممنوع عندنا و عندهم لكن متى تمتنع ؟ إذا وجد شرطي يقف، أما إذا لا يوجد شخص تخبر، القانون لا يمكن أن يحل مشكلاتنا.
سيدنا عمر أمسك ذراعه قال له: بعني هذه الشاة و خذ ثمنها ؟ قال له: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب؟ قال له: ليست لي، قال له: خذ ثمنها، قال له: ليست لي، عندما ألح عليه قال له: و الله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، و لو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين و لكن أين الله ؟ هذا هو الدين كله، إذا قلت أين الله أنت مؤمن، هذا الأعرابي، هذا البدوي، هذا الراعي، وضع يده على جوهر الدين أين الله ؟ حينما تخافه و أنت وحدك، حينما تخشاه و لا رقيب عليك، الصيام يقوي ثقتك بنفسك، أنت جائع و أنت محتاج إلى شيء تشربه و الشيء أمامك و بين يديك و لا أحد مطلع عليك و مع ذلك تمتنع.
الصيام عبادة الإخلاص، أولاً قوى إرادتك، و حجمك أشعرك بعبوديتك، أشعرك أنك مخلص، نأتي بمثل: لكن أحياناً يكون أخ من إخوانا الكرام زوجته في بيت أهلها و يوجد مشكلة بينه و بينها، مضى أسبوع و أسبوعان و شهر و شهران هو وحده و هي وحدها ليس هناك من يضع له الطعام و لا من يقضي حاجته إلى النساء، فصديقه علم بهذا الأمر مشكلة الأول عند الثاني فكرة لكن ليس هناك معاناة، أحياناً أنت تأكل و تشرب كل شيء ميسر في البيت و مشكلة الفقير فكرة أما حينما تصوم و تجوع تذوق ألم الجوع أصبحت معاناة.
يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه رسول من عامله على أذربيجان معه هدية ثمينة فتحها وضع لقمة منها في فمه ـ طعام طيب ـ فقال: يا هذا هل يأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا، هذا طعام الخاصة، فأخرج اللقمة من فمه و قال: حرام على بطن عمر أن يذوق طعاماً لا يطعمه فقراء المسلمين، و أرسل كتاب تعنيف للوالي قال: كيف يعنيك من أمر المسلمين إن لم تأكل ما يأكلون ؟ الآن أنت في الصيام تذوق ألم الجوع الذي يعانيه الفقير بشكل مستمر، إذاً مشاركة وجدانية، من مشاركة وجدانية إلى تقوية إرادة إلى إشعار بالعبودية إلى إشعار بالإخلاص إلى ترسيخ قيم اجتماعية.
أي أعتقد أن مجتمع المسلمين متميز بهذا، أي في دقيقة واحدة يدع المسلمون طعامهم، في دقيقة واحدة يباشر المسلمون طعامهم، في دقيقة واحدة يقفون ليصلوا العشاء و التراويح، هذه العبادة الجماعية توثق روح الجماعة لأن الله عز وجل يريدنا أن نكون اجتماعيين بالمعنى الأمثل لذلك قال يد الله مع الجماعة، و قال عليه الصلاة و السلام:

(( عليكم بالجماعة و إياكم و الفرقة، فإن الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد، و إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ))

بالمناسبة لو إنسان سكن وحده هل له عمل صالح ؟ لا، علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، هو ثمن الجنة، و الدليل الإنسان إذا جاءه الأجل هل يقول يا ربي أنظرني إلى أن أبيع البضاعة ؟ أبداً، أنظرني إلى أن أصب السقف ؟ أنظرني إلى أن أخلص البضاعة ؟ أبداً:

﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: الآية 100]

إذاً علة وجودك في الدنيا بعد الإيمان بالله العمل الصالح، كيف تعمل صالحاً إن لم تكن في جماعة ؟ مرة كنت في مكان جميل في اللاذقية، في فيلا رائعة جداً لها إطلالة جميلة جداً قلت لصديقي لو أن إنساناً جاء إلى هنا و سكن بشكل مستمر يأتي يوم القيامة مفلساً، لابد من الموت، أين عملك الصالح ؟ في المجتمعات، في المدن، مكان التلوث يوجد عمل صالح، مكان الضجيج، مكان المشكلات، هنا العمل الصالح، فلذلك أرادك الله أن تكون في مجتمع، لذلك الصيام يؤكد القيم الاجتماعية، صومكم يوم تصومون لا يوجد تفرقة، ممنوع أن تصوم يوم الشك، و فطركم يوم تفطرون، و صوموا لرؤيته، و أفطروا لرؤيته، إذاً فضلاً عن كل هذه الحكم الصيام يؤكد القيم الاجتماعية، لكن لابد من أن نذكر شيئاً لو قصدته لما كنت صائماً هو علاقة الصيام بالصحة، صدقوا أيها الإخوة و لا مجال للتفاصيل و قد اقترب الوقت من نهايته أن الصيام دورة لصيانة أجهزة الجسم كلها، دورة صيانة، و دورة لمعالجة بعض الأمراض، و دورة لتنشيط جهاز الدوران و القلب، أنا سمعت أنه في هذه الأسابيع عرضت في الفضائيات ندوات طويلة جداً عن فوائد الصيام، لكن لابد من توجيه، أنك إن أردت الصيام من أجل الصحة ما عبدت الله عز وجل أبداً، أما أنت تصوم طاعة لله و امتثالاً لأمره و لكن حكم الصيام الصحية تنالها، و تأتيك و لو سألت طبيباً متعمقاً عن قضية الصيام و علاقته بالصحة لحدثك ساعات طويلة ؛ كيف أن العبء الكبير على القلب يخف كثيراً، و على الهضم و على الأوعية، ثم إن كل هذه التراكمات في ثنايا الأمعاء تزول و تجرف، أي الحديث عن الصيام يحتاج إلى لقاء مستقل عن فوائده الصحية، لكن أنا لا أصوم لأنه أنا محتاج إلى تجديد للخلايا و الأجهزة، أنا أصوم طاعة لله و لكن الله عز وجل حين يأمر تحقق بأمره حكم لا تعد و لا تحصى، على كل للصائم فرحتان فرحة يوم يفطر و فرحة يوم يلقى الله عز وجل فرحاً لصيامه.
شيء آخر: المنافق إذا صام مثله كالناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لما عقلت و لا لما أطلقت، و نحن حينما نعاهد الله في رمضان ـ بقي الفقرة الأخيرة، تصور تاجر عليه مئة مليون دولار ديون، ألقي الحجز على كل أمواله المنقولة و غير المنقولة و داخل بمحاكمات و بمتاهات، جاءه من يقول له: في ثلاثين يوماً افعل كذا و كذا و تعفى من كل هذه الديون، و تفك كل هذه الحجوزات، هكذا قال النبي الكريم:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي ]

و:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي ]

أي أنت في رمضان تفتح مع الله صفحة جديدة، الماضي كله انتهى لكن ما كان من حقوق الله، أما حقوق العباد هذه مبنية على المشاححة لا تسقط إلا في أحد حالين بالأداء أو بالمسامحة، حقوق الله مبنية على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنية على المشاححة، لذلك حديث الحج:

(( سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، ابن ماجه، أحمد، الدارمي ]

فيما بينك و بين الله، أما فيما بينك و بين العباد صلوا على صاحبكم إذا كان عليه دين، الصيام كذلك فيما بينك و بين الله، الماضي كله يطوى بكلمة يا رب أنا قد تبت، يقول عبدي و أنا قد قبلت.
أيها الإخوة:
لو يعلم المعرضون كما ورد في بعض الآثار القدسية انتظاري لهم و شوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، و لماتوا شوقاً إلي، يا داود هذه إرادتي في المعرضين فكيف في المقبلين ؟ إذا قال العبد يا ربي و هو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا ربي و هو ساجد، قال الله له لبيك يا عبدي، فإذا قال يا ربي في رمضان و هو عاص قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك، أي رمضان شهر التوبة، افتح مع الله صفحة جديدة، و تب إليه، صعد النبي المنبر فقال: أمين، ثم صعد الدرجة الثانية فقال أمين ثم صعد الدرجة الثالثة فقال أمين، فلما انتهت خطبته سأله صحابي جليل يا رسول الله علام أممت ؟ قال: جاءني جبريل فقال لي رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى ؟ فقلت أمين، أما في الدرجة الثانية قال: رغم أنف عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت أمين، و في الدرجة الثالثة قال: رغم أنف عبد أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة فقلت أمين، أو كليهما.
لذلك نحن في مناسبة التوبة مع الله، فيا أيها الإخوة:
و الله ـ أي ماذا أقول لكم ـ بدوي راكب ناقته عليها طعامه و شرابه جلس ليستريح أخذته سنة من النوم، أفاق فلم يجد الناقة أيقن قطعاً أنه هالك في الصحراء، فبكى و بكى و بكى حتى نام ثانية فاستيقظ فإذا ناقته أمامه، اختل توازنه قال: يا رب أنا ربك و أنت عبدي، فقال عليه الصلاة و السلام ـ دققوا الآن ـ

((و الله لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))

الله يفرح، فالله أفرح لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد و العقيم الوالد و الظمآن الوارد.
نحن في شهر التوبة، تب إلى الله، افتح معه صفحة جديدة، راجع حساباتك، و على الله الباقي، و كل شيء سابق ينتهي هذا رمضان، رمضان فرصة ذهبية لا تعوض للصلح مع الله، لفتح صفحة مع الله، و أرجو لكم دوام التوفيق و النجاح، و أن نكون جميعاً من عتقاء رمضان، أشكر لكم حضوركم و اهتمامكم و حسن ظنكم بي و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
أيها الإخوة و الأخوات شكراً لفضيلة الدكتور السيد محمد راتب النابلسي على هذه المحاضرة القيمة، شكراً لصاحب السماحة على حضوره معنا، شكراً للمستمعين جميعاً و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018