بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 42 - طرابلس - مقدمات الهجرة .


2004-02-21

 المذيع: أيها الأخوة الأكارم نرحب بكم جميعاً فرداً فرداً، وأخص بالذكر الأخوة في جمعية
مكارم الأخلاق الإسلامية بطرابلس وبعد.
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، لقد كانت الهجرة النبوية الشريفة هي النصر الأول لأن النصر الذي جاء بعدها كان ثمرة لها، فهي باب للفتح وعودة لله سبحانه وتعالى في كتابه العلي فقال:

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ﴾

(سورة التوبة)

 لقد هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من مكة المكرمة وهي أحب أرض الله تعالى إليه إلى المدينة المنورة بأمر الله تعالى، الذي أراد لهذا الدين أن ينتقل من مرحلة تهذيب النفوس وبناء العقيدة إلى مرحلة أشمل وأوسع مرحلة إقامة دولة تقيم الحق وتزهق الباطل وتنشر التعاون بين الناس وتمنع الظلم، وتمحو كل الفوارق بين بني البشر التي تجعل بعض الناس يتحكم بالبعض الآخر، وتمنع الفساد في الأرض، لهذا الهدف السامي كانت الهجرة النبوية الشريفة، ثم من بعدها كانت هجرة الدعاة والمصلحين لنشر دين الله تعالى في الأرض، واليوم تزهو بلدة القلمون بلدة العلم والنور مسقط رأس الشيخ العلامة شيب رضا رحمه الله تعالى وتفخر بواحد من هؤلاء الأماجد الأفاضل الذين يسيحون في الأرض ليسمعوا القلوب قبل الآذان حديث الإيمان النابع من القلب العامر بالنور والإيمان، معنا اليوم العلامة الشيخ الدكتور راتب النابلسي حفظه الله تعالى، أهلاً وسهلاً به في بلدة القلمون، الأستاذ المحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق وخطيب جامع الشيخ عبد الغني النابلسي في دمشق أيضاً رحمه الله تعالى ومدرس ديني في مساجد دمشق، له مشاركات واسعة في المؤتمرات الإسلامية على الصعيد العالمي الإسلامي والغربي، دروسه ومحاضراته تذاع في كثير من الإذاعات العربية والأجنبية، نترك المجال لشيخنا الجليل المربي الفاضل فليتفضل مشكوراً.
 الأستاذ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
 أيها الأخوة ك بادئ ذي بدء اشكر لكم دعوتكم الكريمة التي إن نمت عن شيء فتم عن حسن الظن، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بالعلم جميعاً، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم،والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، والعلم وبال على صاحبه ما لم يعمل به، وطالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
 أيها الأخوة الكرام: الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك، والعقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، فإذا غذى أحدنا عقله بالحقائق الناصعة، وإذا غذى قلبه بمحبة الله عز وجل وغذى جسمه بالغذاء فقد تفوق، أما إذا اكتفى بواحدة فقد تطرف، وفرق كبير بين التفوق والتطرف.
 أيها الأخوة: هناك معلومات كثيرة في فروع الدين لا تعد ولا تحصى، وهناك حقائق كبيرة في أصول الدين، أرى أنا أننا ما لم نربط أصول الدين بفروعه لن نستطيع أن نفلح، نبدأ بأمثلة بسيطة:
 إنسان سافر إلى باريس نزل في أحد الفنادق استيقظ في صبيحة اليوم التالي وتناول طعام الإفطار وارتدى ثيابه وقال إلى أين أذهب ؟ ما هذا السؤال ؟! نسأله نحن: لماذا جئت إلى هنا ؟ إن كنت جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، ماذا يستنبط ؟
 لا تصح حركة الإنسان في الدنيا إلا إذا عرف سر وجوده، هذا الطالب الذي ذهب لبلد غربي لينال دكتوراه إذا كان هذا الهدف واضح تماماً هذا الهدف ينعكس على مليون جزئية في حياته، مثلاً: يختار بيتاً قريب من الجامعة، يختار صاحباً يتقن لغة البلد ليتعلم منه اللغة، يشتري مجلة متعلقة باختصاصه، يتناول طعاماً يعينه على الدراسة، إذا كان الهدف الكبير واضحاً آلاف الجزئيات تنسجم مع هذا الهدف، فأول حقيقة لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سر وجوده وغاية وجوده، الآن: متى يسعد ؟ لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري، هذا الامتحان يقرر نجاحه في الحياة وتعينه في وظيفة مرموقة ثم زواجه، أهداف كبرى أن يكون لك دخل وزوجة وأولاد وبيت ومادة أساسية في سنة التخرج، وبين الطالب وبينها بضعة أيام، جاء أصدقاءه وأخذوه لمكان جميل مطل على بحر، وفي رأس جبل أخضر، وأطعموه أطيب طعام، لماذا يشعر هذا الطالب بضيق ما بعده ضيق ؟ لأن هذه الحركة تتناقض مع هدفه، أنا أؤكد لكم أنه لو جلس في غرفة قميئة وقرأ الكتاب المقرر واستوعبه يشعر براحة ما بعدها راحة،وهو في أجمل مكان ويأكل أطيب طعام ! ومع كل أحبابه يشعر بضيق ! لأن الحركة الأولى لا تتناسب مع هدفه، الحقيقة الثانية: الإنسان متى يسعد ؟ يسعد إذا جاءت حركته في الحياة مطابقة لهدفه
 الآن مثل بين أيديكم جميعاً: تاجر لا يوجد بيع ولا شراء جالس في المكتب مرتاح جداً تأتيه المشروبات والمرطبات والعصير والقهوة والشاي والمجلات أمامه لماذا يشعر بألم شديد ؟ لأنه هذه الراحة لا تتناسب مع التجارة، أما إذا كان هناك بيع ويقف على قدميه وينسى أن يأكل هو في قمة سعادته، لأن التجارة تؤدي للربح.
 فمتى نسعد ؟ إذا جاءت حركتنا مطابقة لأهدافنا، السؤال: لماذا نحن في الأرض ؟ والله أيها الأخوة: المشكلة الكبيرة أن المسلمين بلا هوية وبلا هدف وحركتهم عشواقية وكلمة تأخذهم وكلمة تفرقهم، لا يعرفون من هم، الدنيا لا يفهمونها، يفهمونها دار بقاء، هي دار امتحان، يفهمون التفوق في جمع المال، والمال في خدمة الإنسان، فلأن القيم مضطربة، ولأن المفهومات متعاكسة، ولأن الضلالات منتشرة، ولأن الهوية مفقودة، ولأن الهدف غير مراعى والوسائل غير واضحة، فالمسلمون في ضياع شديد.
 هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ قَالَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنْ يُغْلَبَ قَوْمٌ عَنْ قِلَّةٍ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ))

 

(مسند الإمام أحمد)

 المسلمون اليوم مليار وثلاثمائة مليون، ليست كلمتهم هي العليا وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، وليسوا مستخلفين في الأرض ولا ممكنين وليسوا آمنين، لماذا ؟ لأنهم فقدوا هويتهم ضاع عنهم هدفهم، اضطربت الوسائل التي تحقق أهدافهم، بأسهم بينهم، أضافوا على الدين ما ليس منه، وحذفوا منه ما هو من صلبه، فأصبح دينهم ثقافة واهتمام وأرضية وخلفية ونزعة وعاطفة، أما الدين الذي أراده الله كمنهج هذا ليس متوافراً بين أيديهم تخلى الله عنهم، ماذا نقول إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة الخلق إن الله اختارني واختار لي أصحابي في أحد فلما عصوا تخلى الله عنهم ولم ينتصروا، وقد علق بعض العلماء لو أنهم انتصروا في أحد لسقطت طاعة رسول الله، ولو أنهم انتصروا في حنين لسقط التوحيد، في أحد ارتكبوا خطأ سلوكياً بمعصية قائدهم، وفي حنين ارتكبوا خطأَ توحيدياً بقولهم لن نغلب من قلة، فإذا كان سيد الخلق وحبيب الحق ومعه نخبة الخلق لم ينتصروا لا في أحد ولا في حنين لأنهم وقعوا في خطأ سلوكي في أحد وخطأ توحيدي في حنين، فما بال المسلمين اليوم والشرك متغلغل في أعماق أعماق أعماقهم ؟ ولا يرون إلا الأقوياء، ولا يرون من بيده الأقوياء، يخشون الناس ولا يخشون الله، ما بال هؤلاء المسلمين يعتبون على الله ؟ لأنه لم ينصرهم، وكيف ينصرهم والمسلمون اليوم يريدون أن تتغير سنن الله، أما هم لا يغيرون أبداً.
 أيها الأخوة الكرام: نبدأ بالفقرة الأولى من هذه المحاضرة إن شاء الله لماذا نحن في الدنيا ؟ قال تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

(سورة الذاريات)

 العبادة علة وجودنا، أوضح: كيف هذا الطالب الذي ذهب لباريس لينال الدكتوراه، نيل الدكتوراه سبب وجوده في هذه المدينة فقط، العبادة علة وجودنا، لذلك الإنسان إذا حال بلد بينه وبين أن يعبد الله يجب أن يغادره، الدليل قوي جداً:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾

 

(سورة النساء )

 آية كالشمس واضحة علة وجودنا أن نعبد الله، لكن المشكلة الكبيرة أن هذه العبادة التي هي علة وجودنا والتي هي غاية الخضوع لله ومع غاية الحب والتي هي طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية في هذا التعريف جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي الجانب السلوكي هو الأصل.
 الآن سأذكر آية:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 

(سورة الأنفال)

 ما لم تتحرك وما لم تتخذ موقفاً وتعطي لله وتمنع لله ما لم ترضى لله وما لم تغضب لله ما لم تصل لله ما لم تقطع لله ما لم تتحرك، ما لم تأخذ موقف، فإيمانك لا قيمة له إطلاقاً، بل هو إيمان كإيمان إبليس، ماذا قال إبليس ؟ قال:

 

﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾

 

(سورة ص)

 فاعترف بالله رباً واعترف به عزيزاً وقال:

 

﴿خَلَقْتَنِي﴾

 

(سورة الأعراف)

 واعترف به خالقاً وقال:

 

﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)﴾

 

(سورة الأعراف)

 آمن باليوم الآخر، ومع ذلك هو إبليس، فالإيمان الذي لا يؤدي إلى حركة إلى سلوك إلى امتناع إلى أخذ إلى إحسان إلى مودة إلى غضب إلى رضا ليس إيماناً إطلاقاً.
 فالعبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية لكن هذه العبادة مع الأسف الشديد مسخت إلى أداء العبادات الشعائرية ليس غير، ماذا يميز المسلم الآن ؟ أنه يصلي وأنه يصوم ويحج بيت الله الحرام ويؤدي زكاة ماله، أما في حديثه وكسب ماله وإنفاقه وبيته غير منضبط أولاده غير منضبطين.
 أيها الأخوة: أنا أقول لا يمكن أن تغري أحداً في هذا الدين من خلال عبادتك لكن الذي يغري الناس بالدخول في هذا الدين المعاملة الخلق الصدق الأمانة العفة البذل التضحية الإنصاف هذا هو الدين وأنا أقسم بالله وأقسمت هذا القسم والله مئات المرات، لو أن الصحابة الكرام فهموا الإسلام كما يفهمه المسلمون اليوم والله الذي لا إله إلا هو ما خرج الإسلام من مكة وصل إلى أطراف الدنيا والصين والأندلس بالعدل بالصدق بالأمانة بالوفاء، فالمسلون اليوم تخلوا عن أخلاق الإسلام وتمسكوا بشعائره هذه الشعائر لا تنفعهم ولا يمكن أن تحل مشكلاتهم.
 أضرب لكم بعض الأمثلة: قال بعض العلماء الأجلاء: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام،والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجد هذا، سيد الخلق أن يمشي مع أخ في حاجته خير من صيامه هو شهر بأكمله مع الاعتكاف ! الإسلام امتناع وعطاء، امتناع عن معصية وعطاء.
 لكن كيف مبادئ الدين ضغطت وأصبحت الصلاة والصيام والحج والزكاة ليس غير لذلك تخلى الله عنا، ولا أحد يحتاج إلى دليل كيف أن الله تخلى عنا، هؤلاء الأقوياء الذين يهددون ويتوعدون ويرعدون ويزبدون ويريدون التدخل في أدق خصوصياتنا في ثقافتنا وديننا ومناهجنا وكتبنا وكل ما يقال عن ديننا، هناك تقنين وسيكون الأمر صعب جداً ما لم يرحمنا الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام: الله عز وجل حينما أمرك أن تعبده أعطاك مقومات هذه العبادة، أكبر مقوم لهذه العبادة هذا الكون بشمسه بقمره بأرضه ببحره بسمائه ببحيراته بأمطاره بأسماكه بأطياره ألف وثلاثمائة آية في كتاب الله تتحدث عن الكون وقد أمرنا بالتفكر قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 

(سورة آل عمران)

 أضع بين أيديكم آية عن الإنسان، وآية عن الأكوان: في المرأة قرص ينزل مع الجنين قرص من اللحم يسميه الأطباء المشيمة، ويسميه العوام الخلاص، هذه المشيمة تلتقي فيها دورة دم الأم مع دورة دم الجنين، ومن مسلمات الطب أنك إذا أعطيت إنساناً دماً من زمرة غير زمرته مات فوراً بانحلال دمه، ودم الأم من زمرة ودم الجنين من زمرة، ويلتقيان في المشيمة ولا يختلطان بينهما غشاء، هذا الغشاء لا يستطيع أن يحله محله أكبر طبيب نسائي في الأرض، ولو أوكل أمر هذا الغشاء إلى أولى علماء الطب مجتمعين لمات الجنين خلال ساعة واحدة ! ماذا يفعل هذا الغشاء ؟ سماه الأطباء الغشاء العاقل، هو الحقيقة عناية الله، هذا الغشاء يأخذ من دم الأم الأوكسجين ويلقيه في دم الجنين، فهو يقوم مقام جهاز التنفس، الأوكسجين من أجل حرق السكر، لكن السكر لا يحترق إلا بدرجة مائة، لكن بفضل الأنسولين الذي يفرزه البنكرياس يحترق بدرجة سبعة وثلاثين، هذا الغشاء العاقل يأخذ من دم الأم الأنسولين ويلقيه في دم الجنين كي يحترق السكر بالأوكسجين بدرجة سبعة وثلاثين، فصار هذا الغشاء يقوم مقام البنكرياس، هذا الغشاء يأخذ من دم الأم مناعتها، أنواع اللقاحات التي تلقتها منذ أن كانت صغيرة إلى أن تزوجت والأمراض التي أصيبت بها، مجموع مناعة الأم يأخذه الغشاء العاقل من دم الأم ويلقيه في دم الجنين، فالجنين محصن من كل الأمراض التي حصنت منها أمه.
 هذا الغشاء يأخذ من دم الأم المواد الدسمة والبروتينية والنشوية والسكرية والمعادن وأشباه المعادن والفيتامينات، يأخذها بنسب تتبدل يومياً ! وهذا شيء يعجز عن إدراكه كبار الأطباء فضلاً عن تنفيذه، ألم أقل لكم إنه الغشاء العاقل، ولو أوكلنا أمر هذا الغشاء إلى أكبر طبيب لمات الجنين في ساعة واحدة، الآن صار في مواد دسمة وبروتينية ونشوية وسكرية ومعادن وأشباه المعادن وفيتامينات، صار في الجنين استقلاب نواتج احتراق ومواد سامة وثاني أكسيد الكربون، يأتي هذا الغشاء فيأخذ من دم الجنين ثاني أكسدي الكربون والمواد السامة فيطرحها في دم الأم كي تطرحها عن طريق الكليتين والتنفس، هذا الغشاء كليتين ورئتين، هو قرص من اللحم تتم فيه عمليات العقل لا يصدقها !

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

 

(سورة لقمان)

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

(سورة البلد)

 علمونا في الجامعة أن الإنسان تقل فيه المنعكسات وتكثر فيه الخبرات بينما الحيوان تكثر فيه المنعكسات وتقل فيه الخبرات، والنمل يقوم بسلوك ذكي جداً لا على أنه خبرات بل منعكسات، بينما الإنسان أودع الله فيه منعكساً واحداً، هو منعكس المص، الآن ولد طفل لتوه بعد ساعة تعطيه ثدي أمه فيلتقمه ويحكم إطباق شفتيه ويسحب الهواء، هل في الأرض قوة تستطيع تعليم الطفل الذي ولد لتوه كيف يأخذ الحليب من ثدي أمه ؟! يا بابا الله يرضا عليك يجب أن تأكل !!! لا يصح لا يوجد قوة في الأرض يمكن أن تعلم الطفل إلا أن هذا الطفل زوده الله بمنعكس المص كمنعكس فيزيولوجي أودعه الله فيه.
 من جعل المادة الأولى من حليب الأم مادة مذيبة للشحوم ؟ الله عز وجل جعل في جهاز هضم الجنين شحماً لئلا تلتصق الجذر ببعضها بعضاً ففي مادة مشحمة والشحم لونه أسود، في أول أربعة وعشرون ساعة حليب الأم ليس حليباً إنما هو مادة مذيبة للشحوم، لو دققنا في خلق الله عز وجل لخررنا لله ساجدين.

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

 أول شيء يمكن أن يكون مقوماً من مقومات عبادة الله هو هذا الكون، وهذا الكون يقر به كل إنسان كائناً من كان مؤمن أو غير مؤمن ملحد فاشق فاجر هذا الكون تخضع له الرقاب، لذلك الآن الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة يعد أيسر طريق لإقناع الناس بعظمة هذا الدين.
 الله عز وجل خلق الشمس والقمر وخلق الأرض، بين الشمس والأرض مائة وست وخمسين مليون كيلو متر، يقطعها الضوء في ثماني دقائق، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، أي أن جوف الشمس يتسع لمليون وثلاثمائة ألف أرض !! وفي برج العقرب نجم صغير متألق اللون اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما !!
 أيها الأخوة: لا بد من أن نعرف الله، إنك إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر.
 أضرب مثل لعله طريف: قد تأتيك ورقة من البريد لعلها تعال يوم الخميس وتسلم رسالة مسجلة، لا تتحرك فيك شعرة وقد تذهب وقد لا تذهب، أما قد تأتي ورقة من جهة أخرى فلا تنام الليل ! ما الفرق بين الورقتين ؟ الآمر الذي وقع، بين رئيس شعبة البريد وبين جهة قوية جداً تخاف منها.
 فلذلك إذا عرف الآمر ثم عرف الأمر تفانينا في طاعة الآمر، أما إذا عرف الأمر ولم يعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر.
 أكبر خلل في إيماننا أننا أتقنا الأمر ولم نعرف الآمر، مع أن في القرآن ألف وثلاثمائة آية تتحدث عن الكون، وقد أمرنا بالتفكر من أجل أن نعرف الله.
 المقوم الثاني: الله عز وجل أعطانا عقل، قال:

 

 

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8)﴾

 

(سورة الرحمن)

 والعقل مناط التكليف والعقل مهمته أن تتأكد من صحة النقل وأن تفهم النقل، أما أن يكون العقل حكماً على النقل مستحيل، النقل هو الوحي الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، لكن العقل للتأكد من صحة النقل وفهمه، العقل متوافق في مبادئه مع الكون في مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض، وهذا الكون بني على السببية وعلى الغائية وعلى عدم التناقض، فكل شيء تراه عينك له غاية كبيرة جداً، أنت حينما تعرف أن هذا الصوص الذي ينمو في البيضة كيف يكسرها ؟ ينمو له على منقاره نتوء مؤنف كالإبرة يكسر بها قشر البيضة فإذا خرج تلاشى هذا النتوء بعد حين، فيوجد خالق مصمم يصمم.
 هذا الماء الذي نشربه شأنه شأن أي عنصر، إذا بردناه انكمش إلا أنه يتميز وحده من بين كل العناصر أنه في الدرجة زائد أربعة تنعكس الآية يزيد حجمه، ولولا هذه الخاصة لما كنا في هذه الطاعة ولما كانت طرابلس ولا بلاد الشام ولا القارات الخمس ولا كان هناك إنسان.
 لو أن الماء كلما بردته انكمش أي زادت كثافته، فإذا زادت كثافة الثلج انغمس في أعماق البحار وبعد حين تصبح البحار متجمدة، ينعدم التبخر وتنعدم الأمطار يموت النبات والحيوان والإنسان من هذه الظاهرة.
 لو أن أحدنا سافر لبلاد اسكندنافيا الحرارة سبعين تحت الصفر، أخفض حرارة تبلغها الأرض ! إذا ذهب أحدنا إلى هناك وارتدى معطف وألبسة صوفية وجوارب صوفية وحذاء مبطن بالفرو وقبعة وقفازات هل بإمكانه أن يغطي عينيه ؟ عينه على تماس مع هواء حرارته سبعين تحت الصفر، فشيء بديهي جداً أن يتجمد ماء العين فوراً، لكن ماء العين لا يتجمد ولو كنت هناك لأن الله أودع في ماء العين مادة مضادة للتجمد، لولا هذه المادة ما بقي إنسان يرى بعينه هناك.

 

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

 

(سورة النمل)

 إخواننا الكرام: الآن أبعد مجرة اكتشفت تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية، نحن قلنا بحمق ما بعده حمق أننا غزونا الفضاء لأننا اخترقنا ثانية ضوئية واحدة، الإنسان وصل للقمر لكن قطع ثانية ضوئية واحدة !!! ثلاثمائة وستين ألف كيلو متر، بينما أحدث مجرة عشرين مليار سنة ضوئية، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمائة ألف كيلو متر بالدقيقة ضرب ستين بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين بالنسبة ضرب ثلاثمائة وخمس وستين، أقرب نجم ملتهب للأرض يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، هذا النجم لو أردنا أن نصل إليه بمركبة أرضية لاحتجنا إلى خمسين مليون سنة، حساب بسيط جداً يفعله طالب صف تاسع، ثلاثمائة ألف كيلو متر بالثانية ضرب ستين بالدقيقة ضرب ستين بالساعة ضرب أربعة وعشرين باليوم ضرب ثلاثمائة وخمس وستين بالسنة ضرب أربعة هذا الرقم قسمه على مائة كم ساعة بدك ؟ قسمه على ثلاثمائة وخمس وستين كم سنة يلزم ؟ على أربعة وعشرين كم يوم على ثلاثمائة وخمس وستين كم سنة، يكون الناتج خمسين مليون سنة كي تصل لأقرب نجم ملتهب للأرض، والعشرين مليار سنة متى نصل إليها ؟
 أهذا الإله العظيم يعصى ؟ ألا يرجى ما عنده ؟ ألا يخشى وعيده، أهذا الإله العظيم يتجاهل ؟ هذا الذي وقع به العالم اليوم.
 أيها الأخوة: الكون والعقل والفطرة، الفكرة أنت مبرمج على حب الحق وعلى طاعة الله وعلى الرحمة، الدليل:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

(سورة الشمس)

 الإنسان يلهم تفوقه ومعصيته ذاتياً هذه فطرة، الفطرة متوافقة تماماً مع منهج الله عز وجل الله عز وجل أودع فيك حب الرحمة وأمرك أن ترحم وتصدق الدليل: إذا سرقوا عصابة لصوص سرقة يقول لصديقه: بالعدل ! هذه فطرتهم، العمل كله غير مشروع، لكن يقتسمون المال بالعدل لأن الإنسان فطر على حب العدل والرحمة وعلى العفو، فكل أمر أمرنا به نحن في الأصل مبرمجين عليه ومفطورين عليه، لذلك الإنسان حينما يعصي الله تعذبه نفسه وفطرته.

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

 هذه الفطرة، الكون مقوم والعقل مقوم والفطرة مقوم، آية العقل:

﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) ﴾

 أنت عندك مكواة لم تحمي، كيف يعمل عقلك ؟ هل يمكن أن لا يكون في البيت كهرباء ؟ تذهب إلى مصباح تدير الضوء اشتعل الضوء إذاً يوجد كهرباء، العلة ليست كما توهمت.
 تأتي إلى هذا المأخذ لعل المأخذ في خلل تأتي بالبلورة تستخدم المأخذ لجهاز آخر فاشتغل الجهاز الآخر فالعلة ليست المأخذ، تأتي للمكواة بشريط آخر اشتغلت العلة بالشريط لم تشتغل إذاً بالمكواة، الله أعطانا فكر دقيق جداً.
 أؤكد لكم أن العباقرة في الأرض انهم ما استخدموا من خصائص دماغهم واحد بالمليون لأن هذا الدماغ فيه مائة وأربعين مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، مغطى بأربعة عشرة مليار خلية قشرية موطن المحاكمة والتفكر والاستنباط والاستنتاج، كل النشاط الفكري في قشرة الدماغ، أما الخلايا الاستنادية حتى الآن لم تعرف وظيفتها أبداً.

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

 مرة كنت في محل بيع آلات تصوير فأطلعني على أحدث آلة حتى الآن كثافة نقاطها ستة ملايين نقطة بالبوصة المربعة هذه أعلى آلة، يوجد آلات مليون مليونين خمسمائة ألف، شبكية العين بحجم حبة العدس مائة وثلاثين مليون عصية ومخروط من أجل دقة الصورة، لو درجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة العين السليمة تدرك الفرق بين الدرجتين، لون واحد لو درجناه ثمانمائة ألف درجة العين السليمة تدرك.
 العصب الشمي عشرين مليون عصب شمي كل نهاية عصبية تنتهي بسبعة أهداب، والهدب مغمس بمادة تتفاعل مع الرائحة يتشكل شكل هندسي رمز الرائحة، مثلث موشور أسطوانة مكعب هذا الرمز يشحن للدماغ للذاكرة الشمية، بالذاكرة الشمية يوجد ذاكرة مؤلفة من عشرة آلاف بند، هذا الرمز الشمي يعرض على بنود الذاكرة عليها واحداً واحداً ينما توافق تقول هذا ياسمين عملية معقدة جداً، الرائحة دخلت للأنف ومن الأنف للدماغ، وبالدماغ عرضت على عشرة آلاف بند فلما توافق البندان عرفت أن هذه الرائحة راحة ياسمين، هذا الأنف إذا برد الإنسان يحمر أنفه لماذا ؟ لأنه مزود بأوعية تتميز بوجود عضلات يمكن أن تضاعف قطر الأوعية، فالهواء صفر بأيام البرد والحنجرة ثمانية وثلاثين فحتى ينتقل الهواء من درجة صفر للثمانية والثلاثين من الأنف للحنجرة يحتاج لجهاز بالغ التعقيد، فالأنف عبارة عن سطوح متداخلة، فالهواء يجب أن يمر هكذا بالأنف هذه السطوح مزودة بأوعية عند البرد تتوسع يأتيها دم مضاعف تمر مثل الراديتير تماماً، يمر الهواء من درجة صفر بسطوح متداخلة حتى تصبح درجته ثمانية وثلاثين عند الحنجرة، هذه السطوح مغطاة بمادة لزجة تصطاد الغبار، ولو صورنا ذرة غبار استطاعت أن تمشي بالفراغ تصطادها الأشعار، فإذا تنفس الإنسان من فمه يكون عطل أخطر جهاز بالجسم وأكثر الرشوحات المزمنة سببها التنفس من الفم.
 الله عز وجل قال:

 

 

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾

 

(سورة السجدة)

 فهذا الكون قال تعالى:

 

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

(سورة الذاريات)

﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ ﴾

(سورة عبس)

((عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ أَصَبْنَا سَبْيًا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَكُنَّا نَلْتَمِسُ فِدَاءَهُنَّ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ اصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَمَا قَضَى اللَّهُ فَهُوَ كَائِنٌ فَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ ))

(مسند الإمام أحمد)

 من يعرف هذه الحقيقة ؟ الآن عرفت، باللقاء الزوجي يكون في أربعمائة لخمسمائة مليون حوين تحتاج البويضة لحوين واحد، لذلك:

((فَلَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ ))

 من حوين واحد، هذا كشف الآن !!
 الأمطار تهطل بغزارة في مكان وتجف في مكان ومناطق قاحلة ومناطق مطيرة، لكن بعض ما وضعت مقاييس الأمطار في العالم اكتشف هذه الحقيقة المتأخرة جداً أن كمية الأمطار في الأرض لا تتغير أبداً، لكنه يتغير توزعه، الآن مع معدلات الأمطار بالعالم كله جمعت نفسها ! لكنها تنتقل من منطقة إلى منطقة !

 

((النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ما عام بأمطر من عام.))

 

(ورد في الأثر)

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)﴾

(سورة النجم)

 كلام النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي ألا يؤخذ على أنه من ثقافته ولا من خبرته ولا من ثقافة عصره ولا من معطيات عصره.

 

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

(سورة النجم)

 لذلك فرغ الله وعاء النبي من كل ثقافة أرضية، وأبقاه خاصاً للسماء، لذلك:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

(سورة النجم)

 فالمقوم الأول هو الكون والثاني هو العقل والثالث هو الفطرة والرابع هو الشهوة، الإنسان يشتهي بشكل دقيق جداً، أنت مركبة فيها محرك ولها مقود ويوجد طريق معبد، المحرك هو القلب وغذاؤه الحب، والمقود هو العقل وغذاؤه العلم، والمرجع الشرعي هو الطريق المعبد، الآن مهمة العقل أن يبقي المركبة على الطريق مندفعة بقوة القلب، فالقلب يحدث الاندفاع والعقل يحدث السيطرة على هذا الاندفاع، والهدف السيطرة على أن نبقى على طريق الله عز وجل، هذا هو الأمر، فمقود من دون قلب لا فائدة له، يقول لك فكر إسلامي لكن لا يوجد حركة أبداً موت أو هيمان بحب الله مع الجهل، أيضاًَ مشكلة نريد قلباً متقداً بالحب وعقلاً يقود هذا الحب، كيف يقوده ؟ كي يبقيه على منهج الله، فأحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما خالفوا في مذهب الحب شرعاً.
 لو رأيت الولي يطير في الهواء أو يمشي على وجه الماء ليس ولياً ولكن الولي كل الولي من تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك.
 أول مقوم هو الكون والثاني العقل مناط التكليف بمبادئ الثلاث السببية والغائية وعدم التناقض المقوم الثالث هو الفطرة الرابع هو الشهوة، ما أودع الله فينا شهوة إلا كي نرقى بها لرب الأرض والسماوات لكنها حيادية يمكن أن تكون سلماً نرقى بها أو دركات نهوي بها، حيادية، يمكن أن تأكل طعام حلال بمال حلال، ويمكن أن تأكل الطعام الحرام بمال حرام.
 بشكل أو بآخر بستان في طرابلس يزرع التفاح البستان العاشر في هذه المنطقة، الشجرة التاسعة الغصن السابع التفاحة الرابعة هذه لفلان هو باختياره يأكلها بمال حلال أو يسرقها أو يأكلها ضيافة أو يشتريها بماله أو يتسولها، التسول والسرقة والضيافة والهدية والشراء باختياره أما هي له، فاصبر على الحرام يأتيك الحلال.
 أيها الأخوة: الكون والعقل والفطرة والشهوة بالإسلام لا يوجد حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ترقى بالشهوة مرتين، لو أنك ملأت عينيك من محاسن امرأة لا تحل لك تسقط عند الله في الامتحان فإذا غضضت البصر ترقى إلى الله صابراً، وإذا ملأت عينيك ممن تحل لك ترقى إلى الله شاكراً مثل المنشار، بالترك ترقى، وبالأخذ ترقى، إن تعاففت عن مال حرام ترقى وغن كسبت المال الحلال ترقى.
 ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا من أجل أن تكون سلماً ترقى به إلى الله، لكنها يمكن أ تكون دركات تهوي بها إلى جهنم، الشهوة حيادية، ولأن الإنسان مخير كل خصائصه حيادية وكل حظوظه حيادية، بالمال يرقى إلى أعلى عليين وبالمال يهوي إلى أسفل سافلين.
 إخواننا الكرام:

 

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)﴾

 

(سورة الفجر)

 اسمع الجواب:

 

﴿كَلَّا ﴾

 ليس هذا صحيحاً، كلا أداة رفع ونفي، قد تقول لواحد: هل أنت جائع ؟ يقول: لا، إذا قلت له: هل أنت سارق يقول: كلا، هو في البداية أجابك نفى عنه الجوع، أما حينما اتهمته بالسرقة قال: كلا أراد أن ينفي ويردعك عن أن تتوهم ذلك، الله قال:

 

 

﴿كَلَّا ﴾

 يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء فقط، لذلك كل حظوظ الدنيا المال نعمة ؟ لا، نقمة ؟ لا، الذكاء الوسامة الغنى، حظوظ الدنيا حيادية، إما أن تكون سلماً نرقى به أو دركات نهوي بها لأنك مخير.
 أيها الأخوة: هذه الشهوة، هي قوة اندفاع كبيرة تحتاج لمقود وهو العقل وشرع وهو المنهج وهي حيادية نرقى بها أو نهوي بها، بقي أن الإنسان مخير وفي أية لحظة يتوهم أنه مسير فقد ألغى الدين كله، ألغى التكليف وحمل الأمانة والثواب والعقاب والجنة والنار، لم يبق شيء بالدين ألقاه إلى اليم مكتوفاً وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء !
 لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً وأعط على القليل كثيراً.
 جيء بشارب خمر إلى سيدنا عمر قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه افترى على الله، ومرة لأنه شرب الخمر، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخير، فإذا توهمنا كما يقول العوام: كله شغل سيدك، وإذا واحد شرب الخمر طاسات معدودة بأماكن محدودة، لا تعترض تنطرد...هذا كله كلام جهل، أنت مخير.

 

 

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

 

(سورة الكهف)

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

(سورة الإنسان)

 والإنسان مسير هذه مقولة المشركين، الدليل:

 

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾

 

(سورة الأنعام)

 الكون والعقل والفطرة والشهوة والاختيار، الآن كل واحد عنده ميزات وعنده كيلووات، لو فرضنا شككنا بموازين بائع عندنا موازين مركزية نظامية بالبلدية نعرضها عليها، فأنت فكر وادرس وتعلم واقرأ واستمع وصدق ولا تصدق لكن عندك ميزان مركزي وهو الشرع، فالحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع.
 أخي نحن عاملين يا نصيب شرعي ! غير صحيح هذه ليست واردة، سنعمل حفلة للمغنية يرد ريعها للأيتام، هذا غير صحيح ولا أصل له بالدين، الشرع ينهى عن ذلك.

 

﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ﴾

 

(سورة النمل)

 العمل الصالح الذي يرضاه الله ما كان خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة فقط، فنحن عندنا ميزان، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع.
 أيها الأخوة: هذه مقدمات لموضوع الهجرة، الحقيقة الهجرة هي الحركة وأنا أقول لكم المعنى الضيق لها أن تهاجر بين مكة والمدينة وقت الهجرة، لكن بعد فتح مكة لم يعد هناك هجرة، لكنها باقية إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة، فالأرض التي تحول بينك وبين عبادة الله يجب أن تهاجر منها، إذا أقمت ببلد وبالمائة تسع وتسعين ابنك لن يكون مسلماً ولن تكون ابنتك محجبة بل ربما كانت غير مسلمة فأية أرض تحول بينك وبين عبادة الله ينبغي أن تغادرها.
من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله، هذه أول حقيقة، فعندنا هجرة في سبيل الشيطان أن تدع بلد نامي فيه آلاف المشكلات لكنك بين أهلك، وهذا البلد أعون لك على تربية أولادك هذا الشيء النظري الذي أقوله، فأن تدع بلد تقوم فيه شعائر الله ويمكن أن تستطيع بشكل أكبر أن تربي أولادك إلى بلد ترتكب المعاصي على قارعة الطريق.
 واحد أحب فتاة في أوروبا فأعلم أباه أنه يحبها ويرغب في الزواج منها قال له: يا ولدي إنها أختك وأمك لا تدري، فلما رأى فتاة ثانية أعجبته أيضاًَ سأل والده وقال: لا لا أيضاً هذه أختك وأمك لا تدري فلما رأى ثالثة وأعجبته قال: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري فتكلم لأمه هذا الحديث قالت له: خذ أياً شئت فأنت لست ابنه وهو ليس والدك ولا يدري ‍‍‍‍!!! هكذا يعيشون، فنحن عندنا بقية قليلة من ورع ومروءة وفاء زوجي وحياء وخجل هذه البقية ثروة.
 والله أيها الأخوة: أشنع المعاصي يفتخر بها هناك، أما بلاد جميلة جداً على الشبكية جنة الله في الأرض، أما للدماغ جحيم لا يطاق، أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018