بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 44 - البقاع بلبنان - دروس الهجرة .


2004-03-03

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد.....
 الشيء الذي يلفت النظر في هذا اللقاء الطيب أنني مع الشباب وريح الجنة في الشباب وسأضع بين أيدكم لقطات من شباب أمتنا.
 سيدنا عمر عملاق الإسلام كانت له هيبة، مشى في أسواق المدينة فإذا بمجموعة من الصغار رأوه فلما رأوه تفرقوا لهيبته إلا واحداً منهم واقف بأدب، لفت نظره ! قال: يا غلام لما لم تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير لست مذنباً فأخشى عقابك ولست ظالماً فأخشى ظلمك، والطريق يسعني ويسعك.
 مرة دخل على سيد عمر بن عبد العزيز وفد الحجاز يتقدمهم شاب، فقال له: اجلس أيها الشاب وليقم من هو أكبر منك سناً، فتبسم هذا الشاب وقال: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام، ولو كانت الأمة كما تقول، لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس !!!!
 ومرة دخل على عبد الملك بن مروان وفد يتقدمهم شاب فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علي حتى دخل حتى الصغار ؟ فقال: أيها الأمير إن دخولي عليك لن يقلل من قدرك ولكنه شرفني، أصابتنا سنة أكلت اللحم وسنة أذابت الشحم وسنة دقت العظم وعندكم فضول أموال فإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا، وإن كانت لله فنحن عباده ن وإن كانت لنا فعلام تحبسوها عنا؟
 أيها الأخوة الكرام: أيها الشباب أنتم غيض المستقبل وأمتكم اليوم كبت، والمعوض عليكم في أن تنهضوا بها وتتسلحوا بالعلم.
 فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لن يعطك شيئاً.
 القرآن الكريم اعتمد قيمتين لا ثالث لهما، اعتمد قيمة العلم وقيمة العمل وقال:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

(سورة الزمر)

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

(سورة المجادلة)

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

(سورة الأنعام)

 والأمة العربية والإسلامية كبت والمعول على الشباب إذا تسلحوا بالعلم وبالقيم أن ينهضوا بهذه الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، ولكن هذه الخيرية لها علة، علة خيريتها أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.
 أيها الشباب الطيب حبانا الله بدين لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه، وحبانا برسول هو سيد الأنبياء والمرسلين، ولكن لا بد من وقفة متأنية عند هذا الإنسان الأول الذي هو قمة البشرية جمعاء، هذا الإنسان الأول كان مهبط وحي السماء، الوحي حقيقة مطلقة جاءتنا عن طريق سيدنا جبريل.
 والنبي عليه الصلاة والسلام ببيانه شرح هذا الوحي لتبين للناس ما نزل إليهم وبسلوكه جسد هذا الوحي وقد ذعن عن هذه المحاضرة أنها حول هجرة النبي عليه الصلاة والسلام.
 بادئ ذي بدء الهجرة حركة وما لم يتحرك الإنسان بناء على إيمانه فليس مؤمناً.

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 

(سورة الأنفال)

 صحيح أن باب الهجرة أغلق بين مكة والمدينة لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ))

 

(صحيح البخاري)

 ولكن باب الهجرة مفتوح بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة.
 أيها الشباب لو أن واحداً منا سافر إلى بلد ونزل في إحدى الفنادق واستيقظ في صبيحة اليوم الأول وسأل إلى أين أذهب ؟ سؤال عجيب غريب !! تسأل هذا السؤال: لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن كنت جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن كنت جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن كنت جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، لا تصح الحركة في مكان ما إلا إذا عرف السبب.
 لو كبرنا هذا المثل: نحن على سطح الأرض متى تكون حركتنا صحيحة ؟ الإنسان كائن متحرك ويمكن أن نضغط سلوك الإنسان وأعماله بكلمة واحدة حركته في الحياة، فمتى تصح حركة الإنسان بناء على هذا المثل الأول ؟ تصح إذا عرف سبب وجوده، ما علة وجودنا على وجه الأرض ؟ نحن بشر ومعنا وحي السماء خطاب الله لعباده، معنا وحي تولى الله حفظه.

 

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾

 

(سورة الحجر)

 هذا الوحي يقول:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

 

(سورة الذرايات)

 لكن مفهوم العوام عن العبادة مفهوم ضيق جداً، يتوهم العبادة صياماً وصلاة وحج وزكاة ليس غير، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

 

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))

 

(صحيح البخاري)

 فالإسلام شيء والخمس شيء آخر، الإٍسلام بناء عقبي قيمي في وقت واحد، ينبغي أن تعتقد وقد قدم الله وهو خالق السماوات والأرض تفسيراً رائعاً عميقاً ملتزماً للكون والحياة والإنسان
 لذلك المسلم إذا قرأ القرآن وتعمق في فهم آياته يملك فلسفة مقطوع بصحتها، يملك فلسفة عن الكون وفلسفة عن الحياة وفلسفة عن الإنسان، يقول الله عز وجل:

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

(سورة طه)

 لا يضل عقله ولا تشقى نفسه، والإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك، فإذا اتبع الإنسان تعليمات الصانع وما من جهة في الأرض ينبغي أن تتبع تعليماتها كالصانع.

 

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

 

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

(سورة البقرة)

 لو جمعنا الآيتين الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ولا يندم على ما فات ولا يخشى مما هو آت، فماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة ؟ مع أن كل إنسان من بين ستة آلاف مليون عدد سكان الأرض ما منهم واحد من أي دين من أي انتماء إلا ويبحث عن سلامته وسعادته، والسلامة والسعادة لا تكون إلا باتباع تعليمات الصانع لأن الصانع هو الخبير.

 

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

 

(سورة فاطر)

 فالإنسان مفطور على حب وجوده وعلى سلامة وكمال واستمرار وجوده، وملا يشقى إلا بجهله، فالجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
 أروي لكم قصة سريعة تجسد هذا الكلام، عامل تنظيفات في مطار أثناء تنظيف الطائرة وجد أن غرفة العجلة واسعة جداً، وبإمكانه أن يقبع فيها ليصل لبلد بعيد جداً دون أن يدفع شيء، ودون أن يحصل على تأشيرات دخول وما إلى ذلك،وجد نفسه أذكى الأذكياء قبع في هذه الغرفة ولما أقلعت الطائرة بعد حين أرخى الطيار أرض هذه الغرفة ليعلي العجلة فوقع ميتاً، هل أراد أن يموت ؟ أراد أن يكون أذكى من كل البشر، ما الذي قتله ؟ جهله ! الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، بل إن أزمة أهل النار وهم في النار هي الجهل:

 

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

 

(سورة الملك)

 قضية العلم إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا عطيته بعضك لن يعطك شيئاً ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً، فالهجرة حركة.

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

 ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب الإنسان حتى تعبر بحركة عن ذاتها نحو الآخرين، لا بد من أن تعطي أو تأخذ، تصل أو تقطع، لا بد من أن تغضب لمبدئك وترضى لمبدئك، فحركة الإنسان في الحياة هي تعبير عن تصوره وعقيدته، فالهجرة في الأصل حركة، بل إني أطمئن كل مسلم ضبط نفسه واستقام على أمر الله بأن عبادة الله في الهرج في زمن الفتن والمعاصي والآثام كهجرة إليه.

 

 

((عما ورد في الأثر: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا ك أو كائن ذلك يا رسول الله ؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه ؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.))

 فعبادة الله في وقت أصبح فيه المعروف منكر والمنكر معروفاً هجرة إلى الله خالصة، بل إن أي إنسان هجر ما نهى الله عنه، فهو عند الله مهاجر.
 أيها الشباب الطيب: علة وجودنا هي العبادة، ومن أدق تعريفات العبادة: أنها طاعة طوعية مزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، وما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، طاعة طوعية مزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 في هذا التعريف الدقيق للعبادة جانب معرفي وجانب سلوكي وجانب جمالي، فالسلوك هو الأصل ما لم ننضبط وفق منهج الله إن لم نفعل شيئاً.
 التجارة فيها مجموعة نشاطات كثيرة بدءا من شراء محل ومستودعات والمكاتب واستيراد البضاعة وتوزيعها وبيعها وجمع ثمنها، وإقامة العلاقات والدعايات والنشرات كل هذه النشاطات تلخص في التجارة بكلمة واحدة هي الربح، فلو لم تربح لست تاجراً !!!
 الآن كل ما في الدين من حقائق وقيم ومبادئ وسير وقصص يضغط كله في كلمة واحدة هي الالتزام، ما لم نلتزم فلسنا من الدين في شيء، فالالتزام هو الأصل، الطاعة سببه المعرفة وثمرته المعرفة.

 

 

فلو شاهدت عيناك من حسـننا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المـحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمـت غريباً واشـتياقاً لقربـنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائـح  تـركت جميع الكـائنات لأجلنا
فما حبنا سهل وكل من ادعـى  سهولته قـلنا لـه قـد جهلـتنا
***

 فالعبادة التزام سببه المعرفة نتيجته السعادة وهذا مطلب أي إنسان.
 كلمة ثانية: لو أن طالباً على مشارف امتحان مصيري امتحان التخرج، ويبنى على نجاحه تعيينه في منصب رفيع، ويبنى على تعيينه زواجه، ويبنى على زواجه شراء بيت، كل أهدافه مجتمعة في هذا العام، والامتحان بعد أيام وجاء أصدقاء له وأخذوه لمكان جميل و أطعموه أطيب الطعام لماذا يشعر بانقباض، لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه الأساسي، لكن لو قبع في غرفة مظلمة وقرأ الكتاب المقرر وفهمه واستوعبه لشعر براحة ما بعدها راحة
ماذا نستنبط ؟
 أن الإنسان لا يسعد إلا إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه، فالتاجر الذي لا يجلس من كثرة البيع هو أسعد الناس، والتاجر الذي يجلس في مكتبه الوثير ويشرب القهوة والشاي ويطالع الصحف ولا بيع ولا شراء يكاد يكون من الانتظار، فالإنسان لا يسعد إلا إذا جاءت حركته مطابقة لهدفه، فالهجرة رمز للتحرك، ما لم تتحرك نحو طاعة الله ونحو معرفة الله ونحو تطبيق منهج الله ونحو عمل صالح يؤكد وجودك فأنت لست مهاجراً هذا المعنى الأول.
 المعنى الثاني: لأنك مخلوق لطاعة الله وعبادته، سأضرب على ذلك مثلاً: لو ذهب أحدكم إن شاء الله لبلد لينال الدكتوراه علة وجوده في هذا البلد نيل الدكتوراه، ما دام هذا الهدف واضح جداً أمامه كل جزئيات حركته مربوط بهذا الهدف، يستأجر بيتاً قريباً من الجامعة، يصاحب صديقاً يتقن اللغة التي هو فيها، يشتري طعاماً يعينه على الدراسة يقتني مجلة متعلقة باختصاصه، يزور متحفاً يغني ثقافته هناك، فكل جزئيات حركته مرتبطة بهدفه فإذا عرف الإنسان أن هدفه عبادة الله ومعرفته وطاعته والسعادة بقربه، فجاءت كل حركاته في الدنيا مطابقة لهذا الهدف.
 لذلك: أي شيء يحول بين الإنسان وبين عبادة الله ينبغي أن يكون رده على هذا الشيء مغادرة المكان الذي حال بينه وبين طاعة الله عز وجل، هذه علة الهجرة، إذا حال مكان ما في أي مكان بالأرض بينك وبين طاعة الله ينبغي أن تغادره، والآية الحاسمة:

 

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً (97)﴾

 

(سورة النساء)

 أيها الأخوة: الاستضعاف في الأرض أن تمنع أن تطيع الله أو أن تكون المغريات لدرجة أنه يمكن أن تضعف أمامها إما استضعاف قهري أو استضعاف نفسي، إذا كنت ضعيفاً إما قهراً أو غلبة أمام شهوات الدنيا، ولن تستطع أن تعبد الله في هذا المكان ينبغي أن تغادره إلى مكان آخر، هذه الحقيقة الأولى في هذه المحاضرة.
 الحقيقة الثانية: النبي عليه الصلاة والسلام كما أنه علمنا بأقواله علمنا بأفعاله،ماذا فعل في الهجرة ؟ علمنا أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وهذا الدرس يحتاجه المسلمون في كل بقاع الأرض من هذه الناحية هم مقصرون، وعلمنا أيضاً أن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، البطولة أن تأخذ بالأسباب تعبداً دون أن تعتمد عليها، وتتوكل على الله يقيناً، لكنه سهل جداً أن تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها وتؤلهها كما يفعل الغرب، وسهل جداً أن لا تأخذ بها كما يفعل الشرق وكلاهما مقصر، الصواب أنك تمشي على طريق ضيق بين واديين سحيقين فإذا أخذت بالأسباب واعتمدت عليها ونسيت الله عز وجل وقعت في وادي الشرك، وإن لم تأخذ بها لجهل أو لسذاجة وقعت في وادي المعصية، المرض الأول وقع به الغربيون والمرض الثاني وقع به الشرقيون، لكن الإسلام ليس هذا ولا ذاك، الإسلام أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 أيها الشباب الطيب: إذا قلت أيها الشباب فمن جملتها أيتها الشابات: سيدنا عمر رضي الله عنه هاجر وتحدى المشركين بهجرته قال: من أراد أن تثكله أمه فليلحقني إلى هذا الوادي، لما لم يهاجر النبي كما هاجر عمر ؟ مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قمة في الشجاعة، وكان أصحابه الكرام يلوذون به إذا حمي الوطيس، فلم يكن أحد أقرب إلى العدو منه، هو شجاع لماذا خرج من مكة متخفياً ؟ ولماذا اتجه نحو الساحل ؟ ولماذا قبع في غار ثور ؟ ولماذا هيأ من يأتيه بالأخبار ؟ ومن يمحو له الآثار ؟ ولماذا اعتمد على دليل رجح فيه الخبرة على الولاء ؟ الأريقط لماذا ؟ لم يدع ثغرة إلا وأغلقها، هذا هو الأخذ بالأسباب هذا هو الدين.
 سيدنا عمر رأى جماعة يتكففون الناس في الحج قال من أنتم ؟ قال: نحن المتوكلون، قال كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله.
 سيدنا عمر رأى أعرابياً معه جمل أجرب قال: يا أخا العرب – ماذا تفعل بهذا الجمل الأجرب ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا ويعلم أمته إلى يوم القيامة أنك لن تملك ذمام أمور الدنيا إلا إذا أخذت بالأسباب، والطرف الآخر أخذوا بأسباب الدنيا فتملكوها، وهذا قانون إلهي أخذوا بأسباب الدنيا فتملكوها، وبعد أن تملكوها أملوا إرادتهم على العالم أجمع، لا يعني هذا أن لهم في الآخرة شيئاً.

 

﴿وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) ﴾

 

(سورة البقرة)

 لكن الدنيا هذا قانونها.

 

﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾

 

(سورة الأعراف)

 يعني الصالحون الذين أخذوا بالأسباب.

 

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (84) فَأَتْبَعَ سَبَباً(85)﴾

 

(سورة الكهف)

 ينبغي كمسلمين كمؤمنين كمتبعين لسيد المرسلين أن نأخذ بالأسباب كما أخذ بها في الهجرة وكأنها كل شيء، ولكن السؤال لماذا هاجر عمر رضي الله عنه جهاراً ومتحدياً ولم يأخذ بالأسباب ؟ قال العلماء: سيدنا عمر ليس مشرعاً هذا موقف شخصي فإن نجح فله وإن لم ينجح فعليه لكن النبي عليه الصلاة والسلام هو مشرع لو هاجر كعمر لعدّ أخذ الأسباب حراماً ولعد اقتحام الأخطار واجباً، لهلكت أمته من بعده !! هو مشرع أقواله تشريع وأفعاله تشريع وإقراره تشريع وصفاته تشريع.
 السؤال: لماذا وصل إليه المطاردون ؟ والأمر بيد الله، أراد الله أن يعلمنا أن هذا النبي الكريم أخذ بكل الأسباب ومع ذلك وصلوا إليه، فلو كان اعتماده على الأسباب لانهار ساعة وصوله، ولكنه أخذ بالأسباب تعبداً واعتمد على الله توكلاً.

 

(( حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا قَالَ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ))

 

(صحيح البخاري)

 تروي بعض الروايات سمع من أبي بكر هذه الكلمة قال: يا رسول الله لقد رأونا قال:

((يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون.))

 أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا أبلغ درس يحتاجه المسلمون في هذه الأيام !! لم نأخذ بالأسباب.
 الطائرة بي 52 صنعت في عام 1960 لها ثماني محركات تستطيع أن تنطلق من أميركا وتقصف بلد في آسيا وتعود دون أن تتزود بالوقود، هذه صنعت في عام ستين ومعدل عام 2040 أعددنا لهم أم أعدوا لنا ؟ لماذا سيطروا على العالم ؟ لأنهم أخذوا بالأسباب هذا الدرس الأول الذي نحن في أشد الحاجة إليه.
 أيها الأخوة: درس الهجرة نحن في مسيس الحاجة إليه لأننا ضعفنا وتواكلنا.
 مرة جيء بشارب خمر إلى سيدنا عمر رضي الله عنه فقال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر علي ذلك فقال: أقيموا عليه الحد مرتين مرة لأنه شرب الخمر ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
 فلذلك نحن ينبغي أن نعزو ما نحن فيه إلى تقصيرنا، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

(سورة النور)

 شيء بين أيديكم هل نحن مستخلفون في الأرض لا والله، هل نحن ممكنون في الأرض ؟ لا والله هل نحن آمنون في الأرض ؟ لا والله، لسنا مستخلفين ولا ممكنين ولا آمنين، وزوال الكون أهون على الله من أن لا يحقق وعوده للمؤمنين، فما تفسير ذلك قال تعالى:

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

(سورة مريم)

 وقد لقينا ذلك الغي، أليس كذلك !!!!

 

﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 فإن لم يمكنهم معنى ذلك أن هذا الدين الذي هم عليه لم يرتضيه الله له، رجل هداه الله إلى الإسلام في أميركا وزار بريطانيا والتقى بالجالية الإسلامية، فقال كلام رائع: قال: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ولكنني موقن أشد اليقين أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لأن في الإسلام خلاصاً للعالم، ولكن بشرط أن يحسن المسلمون فهم دينهم وتطبيقه وعرضه على العالم، فالأزمة إما في فهم الدين وإما في تطبيقه وإما في عرضه، وإذا سأل أحدكم أين الخلل ؟ هنا الخلل إما في فهم الدين وإما في عرضه وإما في تطبيقه.
 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر: هو أن الأزمة الآن هي أزمة في التقصير في التطبيق، ذكرت قصة في مجالات عديدة ولكن نحن في أمس الحاجة إليها: إمام مسجد في بريطانيا نقل إلى بلدة في ظاهر لندن فاضطر أن يركب المركبة كل يوم ومن غرائب الصدف أنه كان يركب المركبة نفسها مع السائق نفسه وفي أحد المرات صعد إلى المركبة وأعطى السائق ورقة نقدية ورد له السائق البقية عدها فإذا هي تزيد عشرين سنت عما يستحق لأنه إمام مسجد قال: ينبغي أن نعيد هذا المبلغ لهذا السائق، ثم جاءته فكرة ليست صحيحة قال هي شركة عملاقة ودخلها فلكي وهذا المبلغ زهيد جداً ولا يتأثر به ولعله هبة وهبني الله إياها فليبقى معي هو في حوار مع نفسه، فلما حان وقت نزوله من المركبة دون أن يشعر أمسك بالنقود ودفعها للسائق، تبسم السائق، قال له: ألست إمام هذا المسجد ؟ قال: بلى، قال: والله حدثت نفسي قبل أيام أن أزورك في هذا المسجد لأتعبد الله ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك، القصة تروي أن هذا الإمام وقع على الأرض من الصدمة، فلما استعاد وعيه قال: يا رب كدت أبيع الإسلام كله بعشرين سنت !
 فنحن في أزمة تطبيقية، فالإنسان حينما يطبق الإسلام يكون علماً وقدوة.
 الهجرة تعني أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ونتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، تعني فيما تعني أن الإنسان مخلوق لهدف كبير فإذا عرف هدفه ضحى بالغالي والرخيص والنفس والنفيس.
 الإنسان أكبر من حاجاته اليومية وأكبر من مصالحه، هو يعيش المبدأ، الله عز وجل يقول:

 

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

 وجعل كل ما في الكون يدل على الله عز وجل، وفي القرآن الكريم ألف وثلاثمائة آية تتحدث عن خلق السماوات والأرض وعن بعض المخلوقات، أضرب لكم مثل بسيط عن حشرة حقيرة، لا أحد يعبأ بها، ما من شيء أهون على الناس من هذه الحشرة إنها البعوضة

 

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 

(سنن الترمذي)

 بعد اختراع المجاهر الإلكترونية التي تكبر الشيء أربعين ألف مرة وفي بعض المجاهر أربعمائة ألف مرة ‍‍! كل ما عندنا من مكبرات ثلاث أمثال أو ثمانية أمثال أعلى شيء بعد أن اخترعت هذه المجاهر ووضعت تحتها البعوضة، وجد أن في رأسها مائة عين وفي فمها ثمانية وأربعين سناً، وفي صدرها ثلاثة قلوب قلباً مركزياً وقلباً لكل جناح، وانه في كل قلب أذينان وبطينان ودسامان وأن هذه البعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهاز استقبال حراري لا تملكه الطائرات إنها ترى الأشياء لا بأشكالها ولا بأحجامها ولا بصورها ولكن ترى الأشياء بحرارتها فقط، وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، ولأنه ما كل دم يناسبها تملك جهاز تحليل دم، فقد ينام أخوان على فراش واحد يستيقظ الأول وقد ملء بلسع البعوض ويستيقظ الثاني ولا أثر للسع البعوض على جبينه، ولن خرطومها دقيق جداً لا يتسع للزوجة دم الإنسان معها جهاز تمييع دم، ولئلا يقتلها الإنسان وهي تمص دمه معها جهاز تخدير، فمن جهاز استقبال حراري إلى جهاز تمييع إلى جهاز تخدير إلى جهاز تحليل، أما خرطومها ففيه ست سكاكين أربع سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم وفي أرجل هذه البعوضة مخالب كي تقف على سطح خشن ومحاجم كي تقف على سطح أملس، من منكم يصدق أن الله ذكر البعوضة في القرآن الكريم ؟ قال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 

(سورة البقرة)

 هذا من إعجاز القرآن العلمي، لأن البعوضة فيما مضى هي حشرة قميئة.

 

((عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

 لكن الآن اكتشف أن البعوضة شيء معجز، لذلك الله عز جل جعل هذه الآيات دالة على عظمته، فإذا أردنا أن نعرف الله هذا الكون كله يدل على الله، إن أردنا الدائرة الأضيق في القرآن الكريم ألف وثلاثمائة آية تدل على الله، لو تفكرنا فيها لعرفنا من هو الله، وماذا عنده إن أطعناه، وماذا ينتظرنا إذا عصيناه، وإذا عرفنا الآمر ثم عرفنا الأمر، تفانينا في طاعة الآمر، أما إذا عرفنا الأمر ولم نعرف الآمر تفننا في التفلت من الأمر.
 أرجو الله لكم التوفيق والنجاح وأن تكونوا في المستقبل أعلام كبار إن شاء الله تنهضون بهذه الأمة التي ذكرها الله عز وجل فقال:

 

 

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

 

(سورة آل عمران)

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018