بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 45 - طرابلس .


2004-05-01

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، و على آله و صحبه أجمعين و بعد:
 أحلفت في هذا اللقاء أن يكون أن يكون محوره تساؤلات و مداخلات حول هذه المادة أو حول مضمون هذه المادة أو حول هذه المادة في حياة المؤمن. فأنا سأستمع إليكم ضمن منهج هذه المادة، و التي هي التربية الإيمانية.
 كلكم يعلم أن الإنسان عقل يدرك و قلب يحب و جسم يتحرك، و ما لم يتلق الإنسان غذاء لعقله و غذاء لقلبه و غذاء لجسمه فإنه يصاب بالخلل أو بالتطرف أو بالغلو، أما إذا أعطى كل جانب غذاءه تفوق و هذا المطلوب، و لا أدل على ذلك من أن علة وجود الإنسان العبادة، و العبادة فيها جانب معرفي غذاء العقل، و جانب سلوكي، و جانب جمالي، فالعقل له نصيب و الجسم له نصيب و القلب له نصيب.
 هل هناك من أسئلة، لعل الأسئلة التي تعانون منها أو المشكلات التي تعانون منها حيال هذه المادة تجتمع في هذا اللقاء و سأجيب عنها إن شاء الله.
 أنا في هذه الأشهر ألقي درساً في الشام عن العقيدة الإسلامية، و هناك تصور عند معظم المسلمين أن العقيدة الإسلامية هي أن تعلم ما ينبغي أن تعتقد، و لكنني أكدت في هذه الدروس أن العقيدة الإسلامي فضلاً عن أن تعرف ما ينبغي أن تعتقد يجب أن تعرف ما ينبغي أن تكون عليه ؟ فما قيمة أن نؤمن بحقائق موجودة و صارخة لا أدل على ذلك من أن إنساناً بحاجة ماسة إلى أشعة الشمس ليشفى من مرض جلدي، فهو إذا أقر بوجود الشمس و لم يتعرض لها ما قيمة هذا الإقرار ؟ ما فعل شيئاً، ما زاد عن أن أقر بحقيقة موجودة صارخة واضحة للناس، لذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء: الآية 147]

 سألني طالب في الشام لماذا قدم الله الشكر على الإيمان ؟ قلت له هذا تقديم رتبي لا ترتيب زمني، الإنسان يؤمن أولاً فيشكر لكن الله عز وجل قال:

 

﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 147]

 ليس معنى ذلك أن الشكر قبل الإيمان و لكن معنى ذلك أن الإيمان طابعه سلبي، أنت أقررت بحقيقة موجودة صارخة لا ينكرها إلا مختل العقل، إذاً حينما أقررت بها ما فعلت شيئاً، و هذه مشكلة المسلمين الأولى، أقروا ببنود العقل، الله عز وجل واجب لذاته، أقروا بأنه خالق و مرب و مسير، أقروا بألوهيته و ربوبيته، أقروا بوحدانيته و كماله، و أقروا بأسمائه الحسنى و صفاته الفضلى، لكن لم يتقربوا إليه و لأن الله سبحانه و تعالى يقول:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 الآن القرآن في هذه الآية سيلخص الله جل جلاله كل القرآن:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 ماذا يوحى إليه ؟ قال:

 

﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 110]

 الله عز وجل ربط عطاءه بالعمل فقط:

 

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا ﴾

 

[ سورة الإسراء: الآية 19]

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

 إذاً مهما قلت إنني على علم بالعقيدة الإسلامية بأدق تفاصيلها، مهما تطابقت تصوراتك مع حقائق الدين و لم تتحرك، و لم تأخذ موقفاً، و لم تدع لله، و لم تأخذ لله، و لم ترض لله، و لو تغضب لله، و لم تعط لله، و لم تمنع لله، فلست مؤمناً، لذلك قدم الله الشكر على الإيمان، لأن الشكر عمل:

 

﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً﴾

 

[ سورة سبأ: الآية 13]

 فأرى هذه الشمس الساطعة مهما تحدثت عن إشراقها و عن ضوئها و عن فوائدها و عن سطوعها و عن أنها في كبد السماء و أنا بحاجة لأشعتها، فما لم أخرج و أعرض جسمي لأشعتها لا قيمة لإيماني إطلاقاً.
 لا يغيب عنكم أن الله سبحانه و تعالى سخر الكون تسخيرين تسخير تعريف و تسخير تكريم، رد فعل التعريف أن نؤمن، و رد فعل التكريم أن نشكر، فالذي يؤمن و يشكر حقق الهدف من وجوده عندئذ تتوقف المعالجة لقوله تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

[ سورة النساء: الآية 147]

 إذاً الحقيقة أن هذه المادة فيما أرى إنها أهم مادة في المنهج لأن العبرة لا ما ينبغي أن تعتقد، لا ما ينبغي أن تفهم، لا ما ينبغي أن تتصور، ما ينبغي أن تكون عليه، هل تتصورون إنسان يملك ملايين و يمشي في الطريق حافياً ؟ معنى ذلك لا يملك شيئاً، هذه دعوى، و كنت أقول دائماً بين من يدعي الإيمان و بين من يكون مؤمناً حقاً كما ينطق بكلمة مليار دولار و لا يملك شيئاً، النطق بها شيء و أن تتملكها شيء آخر.
 أنا حينما أتعرف إلى الله كيف أسلك إليه ؟ لابد من الإخلاص، لابد من الاستقامة، لابد من الصبر، لابد من الصدق، لابد من الإحسان، هذه مدارج السالكين إلى رب العالمين.
 العقيدة حديث عن الذات الإلهية و مدارج السالكين ما ينبغي أن تكون عليه، فأنت في هذه المادة تتجه لا إلى ما ينبغي أن تعتقد، ما ينبغي أن تعتقد ربما أخذته في مقررات أخرى هنا ما ينبغي أن تكون عليه، من إخلاص، من استقامة.
 ذكرت لكم من قبل فيما أذكر أن التجارة التي ذكرها الله في القرآن نشاطات لا تعد و لا تحصى، بدءاً من دراسة التجارة بشكل أكاديمي إلى تأمين رأسمال ضخم إلى شراء محلات تجارية، مكاتب، مستودعات، تعيين موظفين، هيئة محاسبة، هيئة إعلان، هيئة تسويق بذل أموال طائلة، سفر إلى أوربا، التجارة تشمل آلاف النشاطات و لكنها تضغط بكلمة واحدة هي الربح، فما لم تربح لست تاجراً، الآن ممكن أن أدرس جامعة و أؤلف كتاباً و أقتني مكتبة ضخمة و مكتبة سمعية و مكتبة بصرية، و ممكن أن أعمل مداخلات و أحضر مؤتمرات، ممكن أن أدرس، ممكن أؤلف، ممكن أن تقوم بمليون نشاط ديني، ما لم تستقم على أمر الله لا قيمة لكل هذه النشاطات.
 كيف أن التجارة ضغطت كلها بكلمة واحدة كذلك هذا الدين ينبغي أن يضغط بكلمة واحدة هي التطبيق.
 ما الفرق الجوهري بين بضعة آلاف ملكوا ناصية العالم و كلمتهم هي العليا و أمرهم نافذ في الأمم كلها و ما جعل الله لأعدائهم عليهم سبيلا، بضعة آلاف و بين مليار و ثلاثمئة مليون ليست كلمتهم هي العليا، و أمرهم ليس إليهم، و للطرف الآخر عليهم ألف سبيل و سبيل ؟ هذه مشكلة يا إخوان.
 فجوابي للأخت الكريمة هذه المادة ما ينبغي أن أكون، ما ينبغي أن أعتقد في العقيدة الإسلامية، في علم التربية مثلاً، في تاريخ التربية، هناك مواد تدرسونها كما هي في أكثر الجامعات العادية، هذا هو الجواب.
 س ـ في مواد التعليم بالجزئيات ليس بالعموميات من خلال سفرتك، نريد ماذا رأيت ؟
 الدكتور راتب: من خلال خبرتي سأقول لكم هذه الكلمة حال واحد في ألف خير من مقال ألف في واحد، واحد موصول بالله أتقن مفردات هذه المادة، سلك إلى الله، أخلص له، استقام على أمره، أحبه، كان منضبطاً، كان مستقيماً، كان منصفاً، كان عفيفاً، كان أميناً، كان صادقاً، هذه مواد الكتاب، الصدق و الأمانة و العفة و الاستقامة و الإخلاص و المحبة، هذه مواد بالكتاب، حال شخص موصول بالله و هذه صفاته في ألف أبلغ من مقالة ألف في واحد، تقريباً دين من دون تطبيق لا معنى له، فالمعلم يكفي أن يكون المعلم موصولاً بالله، محباً له، الله عز وجل يعطيه نتائج العقل لا يصدقها، ماذا يعطيه ؟ يعطيه الحكمة و التعليم، يعطيه الهيبة، يعطيه حسن التصرف، يعطيه قوة التأثير، و الله كنت بالعمرة قبل أسابيع في طريقي إلى مكة المكرمة صليت في مسجد العمرة الإحرام، لفت نظري درس فيه تفاصيل فيه تفاصيل فيه تفاصيل مذهلة، المستمعون أربعة أشخاص، قوة التأثير هذه لا تتأتى إلا من إخلاصك لله، قوة التأثير هذه لا تتأتى إلا من طاعتك له، لأن أي إنسان ذكي يحفظ و قد يكون بليغاً، و قد يكون فصيحاً، و قد يكون صاحب بديهة، و قد يكون صاحب طرفة، قد يكون صاحب....قوة التأثير لا تتأتى من الفصاحة تتأتى من الإخلاص لله عز وجل.
 فأنت معلم و الله الذي لا إله إلا هو لا أعلم على وجه الأرض حرفة أقدس من التعليم، لأن الحداد يعالج الحديد، و النجار يعالج الخشب، و الطبيب يعالج المرضى، و المحامي يعالج أصحاب السوابق، و أية حرفة تتجه إما إلى إنسان مريض أو إلى سلعة مادية، لكن المعلم يتجه إلى أشرف نخبة في المجتمع، يتجه إلى هؤلاء الصغار الذين هم أحباب الله، و لا تنسى أن الإمام علي كرم الله وجهه يقول: لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً، قال له النبي:

 

(( يا علي لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.))

 أنا أقول لكم هناك حرف مجزئة لذاتها، كيف ؟ و هناك حرف مجزئة لغيرها، لو أن بناء و الوقت شتاء و البرد قارس و الأمطار غزيرة و البرد لا يحتمل لكن يوجد ربح فلكي من قيامك بهذا العمل، فالذي ينسيك تعبك الربح، نقول البناء في الشتاء عمل شاق و يوجد برد لكنه مجزئ لغيره لإغراء بالأجر، إلا أن التعليم مجزئ لذاته، قد يكون الدخل أقل من طموحك، و قد يكون المرتبة الاجتماعية أقل مما تتصور، لكنك حينما تؤثر في هؤلاء الصغار و تمنحهم فهماً صحيحاً لهذا الدين، و تمنحهم تخلقاً بأخلاق رسول الله، و تمنحهم قدوة لهم، أنت بهذا في مرضاة الله، و هل تصدق أن حقيقة بعثة النبي و هو سيد الخلق و حبيب الحق أنه يعلم، قال:

 

 

((إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.))

 فأنت من أجل أن تؤثر ينبغي أن تتأثر، دائماً كمعلومات أنا أحارب أن يكون الدين ثقافة كأية ثقافة أخرى، هذا حقوق، آداب، آداب إنكليزي، آداب فرنسي، فلسفة، طب، هندسة، شريعة، فرع من فروع الثقافة، فإذا بقي الدين فرعاً من فروع الثقافة فهناك مشكلة كبيرة جداً، لذلك أحياناً يذهب طالب إلى فرنسا ينال دكتوراه من يهودي لأن قضية العلوم المادية سهلة، أي إنسان ذكي يقرؤها، الآن أنتم قد لا تصدقون أن أضخم الموسوعات و المعاجم الإسلامية من عمل أجانب، الموسوعات موضوعات القرآن الكريم، معاجم الحديث، من عمل أجانب، معنى ذلك الإسلام كمعلومات يتقنه المؤمن و غير المؤمن، لكن المؤمن يقطف ثمار هذا الإيمان.
 أنا فيما أرى أن هذه المادة هي ما ينبغي أن تكون عليه، فإذا كنت على ما ينبغي أن تكون عليه أحدثت في صفك أثراً بليغاً، هؤلاء الدعاة الكبار في العالم الإسلامي الذين تركوا بصمات كبيرة في مجتمعاتهم ما سر توفيقهم ؟ هل تعتقد أنهم أذكياء فقط ؟ هناك أذكى منهم، هل تعتقد أنهم بحاجة العلم ؟ هناك من هو أشد منهم تبحراً في العلم، لكنني أعتقد أن إخلاصهم لله كبير، و أن اتصالهم بالله كبير، و أن ثقتهم بالله كبيرة، فلذلك أنت كمعلم حينما تتمثل هذه المدارج مدارج السالكين في:

 

 

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

 

[ سورة الفاتحة: الآية 5]

 أنت لو تقرأ العناوين، انظر إخلاص، استقامة، طاعة، صدق، أمانة، أليس كذلك ؟ ما ينبغي أن نكون عليه، هذا الجواب.
 س ـ تعودنا في المواد الأخرى هناك يوجد عملية بحث، امتحان شفهي، امتحان خطي، أي العملية الإجرائية، هل سنكتب امتحاناً خطياً مقالياً موضوعياً تعريف مفاهيم، أسئلة كيف تكون، تدور حول، هل نشرح محاضرة كما تشرحها حضرتك ؟
 الدكتور راتب: هل تصدق و الآن استطراد علمي أنه إلى جانب القلب غدة اسمها التيموس إلى عقدين من الزمن أطباء العالم يظنون أن هذه الغدة لا قيمة لها إطلاقاً و لا وظيفة لها، السبب أنه بعد الولادة بسنتين تضمر و تتلاشى كلياً، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في جسم الإنسان، إنها مدرسة حربية بكل ما في هذه الكلمة من معنى يدخل إليها الكريات البيضاء المقاتلة، هذه الكريات البيضاء المقاتلة كريات همجية غير مثقفة معها سلاح قوي و هي جاهلة فقد تقتل الصديق قبل العدو، لذلك تدخل هذه الكريات البيضاء إلى هذه الغدة، و قد كبرت أربعة آلاف مرة فإذا بها كالمدرج الروماني، هذه الكريات البيضاء قابعة في مقاعد الدراسة تتلقى بطريقة أو بأخرى تعليمات من هو الصديق و من هو العدو ؟ ذكرتني بكلمة كيف الامتحان ؟ بعد سنتين من متابعة الدراسة طبعاً تعطى هذه الكريات البيضاء آلاف المعلومات حول الأصدقاء و الأعداء قد يكون هناك عشر آلاف مادة نافعة للجسم بروتينات، مواد نشوية، سكرية، فيتامينات، معادن، أشباه معادن، هذه كلها أصدقاء، يوجد سموم، و تتعرف إلى أعداء الجسم، كنت أقول لأخوتي الطلاب هل تعتقدون أن جامعة في الأرض لا امتحان فيها، لابد من امتحان.
 هذه الكرية البيضاء المقاتلة بعد أن تلقت الدروس سنتين، تخرج من مخرج امتحاني تعطى عنصراً صديقاً فإن قتلته رسبت و قتلت، و إن تركته نجحت و سلمت، يوجد مخرج امتحاني ثان تعطى عنصراً عدواً فإن لم تقتله رسبت و قتلت، و إن قتلته نجحت و سلمت، فمستحيل أن لا يكون هناك امتحان، و مستحيل أن يكون امتحان غير منطقي، الامتحان يقيس القدرات العامة و المعلومات، أي امتحان، و الامتحان بحسب تعليمات الخبراء التربويين لن يضعك في مشكلتين، إذا إنسان غير خبير بالامتحان يضع الطلاب أمام مشكلتين الأولى هل تعرف ماذا أريد من هذا السؤال ؟ هل تعرف جواب هذا السؤال ؟ لا، ممنوع أن يوضع الطالب إلا أمام مشكلة واحدة، السؤال واضح وضوح الشمس، بقي إذا درست هذا المقرر الآن هل تعتقد أن العلامة التامة على كل فقرات الموضوع ؟ لا، العلامة التامة على ثلثي فقرات الموضوع، لأن الإنسان قد ينسى، سئل الإمام الغزالي قيل له فلاناً حفظ كتاب الأم للشافعي فابتسم، و قال زادت نسخة، أنا لا أريد أبداً أن يكون أحدكم نسخة أخرى لكتاب مدارج السالكين، أريد فهماً لهذه المادة، فالامتحان يقيس الفهم العام.
 س ـ هل هذه المادة هي لنربي أنفسنا كأساتذة و معلمين أم أن نتعلم كيف نربي الآخرين ؟
 الدكتور راتب: الجواب جامع مانع، ما لم تربِ نفسك لا تستطيع أن تربي أحداً، المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نملة، لذلك حينما ندخل في موضوع الجهاد أنا أرى أن أعظم جهاد عند المسلم جهاد النفس و الهوى، لأنه لا أحد على وجه الأرض يحاسبك إذا كنت صادقاً، و إذا كنت أميناً، و إذا كنت عفيفاً، و إذا كنت منصفاً، هذه أشياء بين أيدينا، فنحن دائماً الإنسان حينما يقصر يدع ما هو مكلف به و ما هو في قدرته و يحشر أنفه فيما لا يستطيعه، فبالنهاية ما فعلنا شيئاً، الذي كلفنا به تركناه، و الذي لا نستطيعه لا نستطيعه، فلذلك الإنسان ما لم يرب ِ نفسه لا يستطيع أن يربي أحداً، لذلك فاقد الشيء لا يعطيه.
 حدثني أخ بمدرسة شرعية في الشام، دخل مدرس حدثهم عن التواضع بكلام بليغ رائع ساحر مع الأدلة و الأمثلة و المنهجية و التفاصيل ثم قبع في غرفة المدرسين و لف رجلاً على رجل و كأنه فوق البشر جميعاً، ما قيمة هذا الدرس ؟
لذلك الفرق البسيط جداً بين الدعاة الذين لم يؤثروا في أحد و بين سيد الخلق و حبيب الحق أن النبي عليه الصلاة والسلام علم الناس بسلوكه، لذلك و نحن في عيد المولد يقول الله عز وجل:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 21]

 و أنا أرى أن مهمة النبي عليه الصلاة والسلام مهمتان مهمة كبيرة جداً لا يستطيعها إلا الأنبياء أنه قدوة، و مهمة أوكل بها النبي و يفعلها كل داعية التبليغ، التبليغ سهل جداً لا يكلف شيئاً، إلا أن تجلس في مكان و أن تلقي كلاماً واضحاً مبرمجاً مدللاً بالأدلة و الشواهد.
 س ـ دائماً تخاطب العقل و الفكر و أثناء المحاضرة السابقة في مادة طرق التدريس تعرضنا لموضوع قد يكون شائكاً قليلاً أثناء تدريس العقيدة، إلى أي حد يسمح باستخدام العقل في مواد مثلاً الإلهيات في تدريس العقل ؟
 الدكتور راتب: و الله هذا الموضوع دقيق جداً نحن في شيء أمامنا ظهرت عينه و آثاره، سبيل اليقين به الحواس الخمس فقط، هذا مصحف أمسكه بيدي و أتصفحه فهذا شيء مادي، طبعاً غير أنه كلام الله كتاب الله، هذا قلم، هذا مكبر، هذا لاقط، هذا ضوء متألق، هذه مروحة كبيرة، الأشياء الحسية المادية إذا ظهرت عينها و آثارها سبيل الإيمان بها الحواس الخمس فقط، و هذه نشترك بها مع بقية المخلوقات، أما الأشياء التي غابت عينها و بقيت آثارها العقل وحده هو سبيل اليقين بها، أنا لا أرى الكهرباء أرى آثارها، فأنا أحكم يقيناً مئة بالمئة أن في هذا البناء كهرباء تسري في الجدران و الدليل حركة هذه المروحة و تألق هذا الضوء و تكبير الصوت أليس كذلك ؟
 لكن يوجد أشياء غابت عينها و آثارها، هذا القسم العقل لا دور له به إطلاقاً، سبيل اليقين به الخبر الصادق فقط، فرضاً في هذا الجيب مهما كان أحدكم ذكياً لا يستطيع أن يخرق القماش ليرى ما في هذا الجيب، و إذا كنت عندكم صادقاً و أنا كذلك إن شاء الله و أخبرتكم أنه لا يوجد شيء مثلاً فتصدقوني، فهذا الموضوع خاضع للخبر الصادق واضح ؟
 الآن الإيمان بالماضي السحيق بالعقيدة أنه بدأ العالم بآدم و حواء هذا سبيل اليقين به الخبر الصادق فقط، لذلك أنا أحذر أية داعية من أن يطرح مع الطرف الآخر الذي لم يؤمن بالله الإيمان الكافي قضايا غيبية كأنك تعطيه مذبحك، كأنك تعطيه حجة أن يكذبك، قال له يوجد جن ؟ أين الجن ؟ لا يوجد جن، قل له مثلاً آدم و حواء لا يوجد عندنا إلا إنسان حجري و إنسان متوحش كان كما ترون في كل دوائر المعارف، المستقبل البعيد ماذا بعد الموت ؟ العقل لا دور له، ذات الله عز وجل، فيوجد موضوعات في العقيدة العقل لا دور له إطلاقاً، بطولتك أي قضية في الدين أول مهمة أين أضع هذه القضية ؟ إما في دائرة المحسوسات أحتاج إلى تلسكوب و ميكروسكوب، أو في دائرة المعقولات أحتاج إلى استنباط و استنتاج، أو في دائرة الغيبيات أحتاج إلى خبر صادق.
 الآن العقل، دور العقل مع الإنسان جهاز استشاري كالآلة الحاسبة بالضبط إن سألته أجابك، يجب أن تسأله في قضية لها أصل مادي فقط، أنا يجب أن أرى آثار عجلة سيارة أقول لك هذه سيارة تاكسي صغيرة من المسافة بين العجلتين و عرض الدولاب، أما إذا وجدت عرض الدولاب كبير و المسافة كبيرة هذه شاحنة، سيارة كبيرة، أنا يجب أن أضع يدي على شيء مادي حتى أُعمل عقلي، فالعقل يحتاج إلى أثر مادي.
 هذا الكون يدل على الله إذاً الإيمان بالله بالعقل، واضح، هذا القرآن فيه إعجاز إذاً هو كلام الله لأن الإعجاز كان دليلاً عقلياً على أنه كلام الله.
 الذي جاء بهذا الكتاب حتماً رسول الله، فالعقل مهمته أن يؤمن بوجود الله و كماله و وحدانيته بالعقل فقط، و أن يؤمن بكلامه بالعقل فقط من خلال إعجازه، و أن يؤمن بالذي جاء به أنه رسوله، انتهى دور العقل، جاء النقل، الشيء الذي عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به، لكن ما لم تعتقد أن العقل محدود المهمة، الغرب مشكلتهم أنهم ظنوا أن العقل وحده أداة المعرفة، العقل يقدم لك الحقائق التي لها أصل مادي أما الحقائق التي ليس لها أصل مادي لا سبيل إليها إلا بالخبر الصادق لذلك العقل يتكامل مع الوحي، نأتي بمثل هذه البقالية تحتاج إلى ميزان و يوجد موازين غالية جداً بها حوالي خمسة و عشرين ذاكرة و من أعلى المصانع، هذا الميزان مع أنه من أرقى الموازين لا يمكن أن يزن إلا من خمس غرامات لخمسة كيلو بالبقالية، أما أن تفكر أن تزن سيارتك بالميزان تحطمه، أنت حينما وضعته على الأرض و سرت فوقه كسرته و لم يزن لك سيارتك، أنت حينما تكلف العقل ما لا يستطيع تكون جهلت حدود العقل، حينما تقول العقل يعلم شيء كل شيء، العقل يعلم شيء عن شيء غابت عينه بقيت آثاره فقط هذا العقل لذلك الذي عجز عقلك عن إدراكه سيارتك لا توزن بهذا الميزان أما في بلاك على الرفراف تحت المحرك مكتوب وزنها ألف وستمئة واثنين وخمسين كيلو، لأن الميزان عجز عن وزن هذه السيارة أخبرك المصنع بوزنها الدقيق فكل شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به فأنا حينما أصنف المقولات هذه قضية حسية تحتاج إلى وزن أو إلى تحليل كيماوي أو إلى كشف بسبيل صوتها هذه كلها قضايا حسية هذا مجال العلوم المادية أما هذا الكون لابد له من خالق مجال العقل.
 الآن علاقة العقل بالنقل وهي أخطر شيء مستحيل وألف ألف مستحيل أن يتناقض العقل مع النقل في الأصل لأن العقل مقياس أودعه الله فينا ولأن النقل كلامه والمصدر واحد، ولأن الفطرة مقياس عاطفي أودعه الله فينا ولأن الكون خلقه، فالكون خلقه والفطرة مقياسه أودعه فينا والعقل مقياسه أودعه فينا والوحي كلامه فالحق ما هو ؟ دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط خط العقل الصحيح، خط العقل الصريح، والنقل الصحيح، والفطرة السليمة، والواقع الموضوعي، فحيثما توافق العقل الصريح غير التبريري مع النقل الصحيح غير الضعيف أو الموضوع مع الواقع الموضوعي غير المزور مع الفطرة السليمة غير المنطمسة كان حق.
 الآن العقل من أجل التأكد من صحة النقل والعقل لفهم النقل، أما أن يكون العقل حكماً على النقل فهذا انحراف خطير صرنا معتزلة حينما نحكم العقل في النقل مثلاً أنت لك عقل أن تصدق أن في سيدي فيه مئة شريط، ألفين ساعة، مئتي ساعة وألفين صفحة مثلاً، لماذا تصدق ؟ لأنك تملكه وتستخدمه أو لا تستخدمه مثلاً، لكن لو أيقظنا إنسان من قبره قبل خمسين سنة قلنا له في هذا القرص مئة كتاب هل يصدق ؟ لماذا نحن صدقنا وذاك لم يصدق؟ لأن العقل مربوط بالواقع مربوط بالبيئة مربوط بالمعطيات، هل يصدق إنسان قبل خمسمئة عام أنك تبعث رسالة إلى أمريكا بثانية ؟ هل يمكن أن يصدق إنسان قبل خمسين عام أو مئة عام أنه أي شيء يقع في العالم تراه بعينك بعد ثانية، كانوا يتلقون الركبان، عندي كان خطبة إذاعية الأسبوع الماضي بدأتها بالشكل التالي: أن إنساناً راكب مركبته وجد ضوءاً أحمر تألق في لوحة البانيات قلت المشكلة ليست تألق هذا الضوء أو عدم تألقه هو تألق ورآه تألق ورأته زوجته أنه تألق ورآه أولاده تألق، المشكلة لماذا تألق ؟
 أصبح العالم غرفة إعلامية واحدة أما المشكلة قبل ألف سنة ما في غير الركبان، جاءت قافلة قالت إن في مكة ظهر إنسان قال إنه نبي، يا ترى صح لا نعرف، أكثر المشكلات في العالم القديم لا نعرف وقع أم لا وقع، الآن ترى كل شيء ما يجري في معتقلات الأمريكان في العراق صور أليس كذلك المشكلة لماذا تألق ؟ إن ظننته تألقاً تزيينياً انخرب بيتك احترق المحرك كلفك بالسوري خمسين ألف والرحلة تعطلت وانتهى كل شيء وإذا فهمته تألق تحذيرياً أوقفت المركبة أضفت الزيت تابعت الرحلة سلم المحرك فالمشكلة تألق أم لم يتألق أو لماذا تألق ؟ هل واضحة الفكرة.
 نحن أمام منهج الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط خط النقل الصحيح وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة وخط الواقع الموضوعي، الحقيقة في إلحاح على الصفة دائماً، قلت النقل الصحيح هناك نقل غير صحيح يتناقض مع العقل، وقلت العقل الصريح هناك عقل تبريري يتناقض مع النقل، وهناك واقع مزور يتناقض مع العقل والنقل، الواقع الموضوعي وهناك فطرة سليمة لأن هناك فطر طمست قال تعالى:

 

﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)﴾

 

[ سورة المطففين: الآية 14]

 هذا الحق.
 س ـ أيهما أفضل العبادة أم الأخلاق ؟
 الدكتور راتب: أولاً هناك فرق كبير بين أن تعبد الله لا سمح الله ولا قدر وأنت سيئ الخلق وبين أن تكون حسن الخلق لكنك لا تعبد الله، كلا النموذجين مرفوض أن تعبد الله والأخلاق سيئة أو أن تكون دمساً لطيفاً رقيقاً ولا تعبد الله كلا الطرفين مرفوض، يقول عليه الصلاة والسلام إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه. واضح الحديث الدين أن تصلي وأن تصوم وأن تحج وأن تزكي أما الخلق أن تكون صادقاً أميناً عفيفاً وفياً لعهدك منجزاً لوعدك، فلذلك أنا فيما أرى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

((بني الإسلام على الخمس.))

 هل الخمس هي الإسلام ؟ بني الإسلام على خمس، الإسلام بناء أخلاقي، وحينما قال عليه الصلاة والسلام:

((إنما بعثت معلماً إنما بعثت لأتمم مكارم الخلاق.))

 لذلك الأخلاق ثمن الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام ألم يكن فصيحاً إلى أقصى درجة ؟ طبعاً هو أفصح العرب، وتعلمنا في الجامعة أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام أفصح كلام بعد القرآن الكريم على الإطلاق، ألم يكن حكيماً ؟ ألم يكن ذكياً ؟ كان يحفظ من مرة واحدة، حينما أثنى الله عليه بماذا أثنى عليه ؟ قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

[ سورة القلم: الآية 4]

 لأن هذه الخصائص المتميزة هي من خلق الله له أدوات الدعوة منحه الله إياها لكن أين فضله ؟ في أخلاقه مثلاً أنا لا أستطيع أن أعطي ابني سيارة، أعمل حفلاً تكريمياً له لأنني قدمت له سيارة شيء مضحك، لكن أعمل له حفلاً تكريمياً لو كان الأولي في البكالوريا، هذه من جهده، الشيء الذي من جهد النبي خلقه:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

[ سورة القلم: الآية 4]

 فالله أثنى عليه بخلقه لذلك الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى يقول: الإيمان ـ جواب للأخت الكريمة ـ هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.
 مشكلة المسلمين اليوم أنهم مسخوا الدين إلى عبادات شعائرية، و نسوا أو تناسوا أن الدين في الأصل عبادات تعاملية إن صحت قلبت العبادات الشعائرية، و الدليل: عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

 ثم إن الصائم إذا لم يدع قول الزور و العمل به ليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه، ثم إن الذي ينفق ماله و هو مقيم على المعاصي:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 53]

 ثم إن الذي يحج البيت بمال حرام ينادى أن لا لبيك و لا سعديك، هكذا نقدت لكم كل العبادات الشعائرية إن لم يسبقها عبادات تعاملية مخلصة لله عز وجل.
 س ـ كيف ننجح في أن نربي أنفسنا تربية قرآنية ؟
 الدكتور راتب: أولاً:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 119]

 ما لم تكن البيئة، الأصدقاء المحيطون بالإنسان من أهل الإيمان، أهل الدنيا و الزيغ و الضلال أبعد الناس عن أن يعينوا الإنسان على طاعة الله عز وجل، لذلك خوطب النبي عليه الصلاة والسلام فقيل له:

 

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾

 

[ سورة الكهف: الآية 28]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

[ سورة التوبة: الآية 119]

 فأولاً أنا حينما أؤدي العبادات و أتفكر في خلق الأرض و السماوات و حينما أستقيم على أمر الله و أتقرب إليه بالعمل الصالح أي يوجد بالدين أربع أعمدة، صحة العقيدة و إحكام الصلة بالله و الاستقامة و العمل الصالح، و كل ما في الدين شرح لهذه الأعمدة الأربع، صحة العقيدة و إحكام الصلة بالله و دقة الاستقامة و العمل الصالح، فمن حصّل هذه الأشياء ما فاته شيء.
 س ـ نحتاج في دروسنا للعامة أن نعطيهم قيماً إيمانية ما الأسلوب النافع حتى يصل إليهم، نحن نعطيهم دروساً عاماً في الأمور العادية تكون سهلة لكن في الأمور الإيمانية أو العقائد يصعب علينا أن نوصل الفكرة ما الوسيلة أو الفكرة التي نلجأ في أن نوصل هذا الأمر للناس؟
 الدكتور راتب: بأمر العقيدة و الله أنا عندي عقدة كبيرة جداً من كتب العقيدة التقليدية، إن هذه الكتب أخذت من فلسفة اليونان، فأنت أمام ألغاز و عقد لا سبيل إلى فهمها، و الدين يجب أن يكون كالهواء نستنشقه ببساطة، لذلك أنا انصح أن نأخذ العقيدة فقط من كتاب الله و ما صح من سنة رسول الله، و أن نبتعد عن كل هذه الأقيسة المنطقية أي مثلاً بالجوهرة لا يجب على الله الأصلح هذه لا تصح، إله كامل يفعل خلاف الأصلح ؟ صوابها الله عز وجل لا يفعل إلا الأصلح لكن عقولنا تقصر أحياناً عن فهم الأصلح، فلابد من تجديد العقيدة و أن نقتصر على أن نأخذها من كتاب الله، و أنا لي دروس في العقيدة بالشام ببساطة يمكن أن تأخذوها عن طريق الانترنيت، الانترنيت من فضل الله درس الجمعة يوم السبت على الانترنيت للخمس قارات، هذا درس تفسير، درس الأحد درس عقيدة الاثنين على الانترنيت خطبة الجمعة السبت على الانترنيت، ممكن بالانترنيت أن تأخذ الدروس اليومية أولاً بأول من فضل الله، فأنا عامل دروس عقيدة ليس لها مصدر إلا القرآن و السنة فقط، بسيطة جداً.
 أخواتنا الكريمات هذا الدين يجب أن يكون كالهواء، يجب أن نبسطه و أن نعقلنه و أن نطبقه، أما إذا أقمنا حرباً شعواء بين العقل و الدين العقل أصل للدين، هناك من يروق له أن يهمل العقل و أن يحتقره في نص، النص من عند الله و العقل مقياس أودعه الله فينا و لا يمكن أن يتناقض العقل مع النقل إلا حينما تشك في قطعية أحدهما.
 دققوا بهذه الكلمة لا يمكن أن يتناقض العقل مع النقل إلا إذا كان هناك خللاً في قطعية أحدهما، إما النص غير صحيح موضوع، ضعيف، أو الفكرة ليست حقيقة علمية إنما هي مقولة علمية أو نظرية علمية لم تثبت بعد، لكن فرضاً لو صدمت احتمال أنا أعرف هناك لقاحات، لو جاء جرثوم قال لك هذه الحقيقة العلمية خلاف الآية القرآنية، هل تتذكروا الذي سألناه قبل ألف عام هل تصدق أن بهذا السيدي، بهذا القرص يوجد ألف كتاب ؟ لا يصدق، فالعقل مربوط بالواقع، و الوحي مربوط بالحقيقة المطلقة، فلو تعارض العقل مع النقل أنا مع النقل، لكنه مستحيل أن يتعارض، واضح.
 س ـ ما يجري اليوم في فلسطين و العراق نجد أنفسنا في حيرة أن نقدم السلوك التربوي و الأخلاقيات و الإيمانيات أم نبحث عما تعيشه الأمة اليوم من مآزق فبرأيكم أيهما في البحث أولى في المجتمع ؟
 الدكتور راتب: أنا كنت في العمرة و حضرت خطبة المسجد النبوي الشريف و كان للفلوجة يموت منها سبعمئة في أسبوع واحد و الحديث عن صلة الأرحام لا تنتمي إلى هذا العصر أبداً، فالمدرس العالم الداعية الخطيب ما لم يضع يده على جراح الأمة لا يؤثر فيها، لكن أنا لا أريد أن أكون غوغائياً، أنا أريد أن ألقي ضوءاً قرآنياً على ما يجري، نرجع للمثل أنا لا يهمني أن أقول لك الضوء تألق، لماذا تألق ؟ أنا عقيدتي أن هذا الذي يجري في العالم الإسلامي و الله لا يحتمل، و الله لولا الإيمان باليوم بالآخر و أن هناك إلهاً عادلاً سيعطي كل إنسان حقه لكان بطن الأرض خير من ظهرها، و لكن أنا مهمتي أن أفهم هذه الأحداث على أنها رسالة من الله، الدليل:

 

﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة القصص: الآية 47]

 لقالوا أي يوم القيامة، ما معنى هذه الآية ؟ لو أن هذا الذي وقع لم يقع لكان الله ملوماً يوم القيامة، لو أن هذا الذي وقع لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله عز وجل لكن لا نكشف هذه الحقيقة إلا يوم القيامة.
 أما الآن لو طالب بالصف الخامس سأل والده أن يعفيه من الدراسة و الوالد ـ كمثل افتراضي ـ قال له كما تريد، على أول كلمة بلا دراسة، هذا الطالب نام للظهر، أكل على كيفه، نزل إلى السينما، قضى السهر مع رفاقه بالشدة و الطاولة، وجد الحياة رائعة جداً كل هؤلاء الطلاب مجانين هو ارتاح من الدراسة، عندما كبر وجد نفسه نوري لا شهادة و لا بيت و لا تجارة و لا زوجة و لا أولاد فحقد على أبيه، قال له يا أبت عندما قلت لك لا أريد أن أدرس لماذا لم تضربني كفين عميتني بهم ؟ لماذا لم تركلني بقدميك ؟ لأنه لم يكن يعرف، فالله يعرف خلقنا الله للجنة، نحن أردنا الدنيا فقط فجاءت الأمور على خير ما نريد، لكن تقول لي الأجانب، الأجانب خارج العناية الإلهية:

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 

[ سورة الأنعام: الآية 44]

 أنت طبيب جاءك مريض قال لك أنا معي التهاب معدة، تعطيه قائمة حمية و إذا خالفها تعاقبه، جاء شخص معه سرطان قال لك ماذا آكل ؟ قل له كل ما تشاء، طبعاً إذا شخص ميؤوس من شفائه لا تحاسبه أبداً، يوجد له حساب واحد يوم القيامة، فنحن إذا الله عدنا من المؤمنين المقصرين و هو يعالجنا في الدنيا هذه نعمة كبيرة جداً، لذلك الأب الذي عنده ثلاثة أولاد ولد ذكي و متفوق يضربه ؟ مستحيل، ولد منغولي يضربه ؟ أيضاً مستحيل، نازل ضرب بالثالث، الذي عنده ذكاء و مقصر هؤلاء هم نحن، مؤمنين نخاف من الله قليلاً، نقرأ قرآناً، نصلي، و نريد أن نصبح مثل الأجانب مثلاً، فنحن مشكلتنا مشكلة، الصحابة الكرام عرفوا الله و طبقوا شرعه، و الكفار قالوا نحن لسنا مؤمنين، نحن مؤمنين بالدنيا فقط كما تريدون، خذوها و اذهبوا، أما هؤلاء المؤمنين يحيروا، مذبذبين لا هم مؤمنين قاطفين ثمار الإيمان و لا هم كفار مستريحين من المعالجة.
 س ـ ذكرت أن العقيدة لا تؤخذ في هذا العصر بالذات إلا من القرآن و السنة و لكن هل هذا الأمر ينطبق على جميع الدعاة، هناك بعض الدعاة ليس عندهم مقدرة على استنباط العقيدة من القرآن و السنة ؟
 الدكتور راتب: أنا لم أكلفهم أن يؤلفوا كتاباً هم، يأخذوا كتاباً فيه عقيدة من القرآن و السنة.
 س ـ ذكرت بعض الأشياء عن الكتب في العقيدة، أليس هناك نقص في جانب من جوانب أو جهود العلماء في تأليف العقائد مثلاً، أم أنا لا أنصح بأي كتاب بالنسبة للعقائد ؟
 الدكتور راتب: و الله أنا لا أرى أن هناك علماً في هذا الدين أخطر من عقيدة المسلم، لأنها إن صحت صح عمله، و إن فسدت فسد عمله.
 شيء آخر: دقق أن المبتدع لا يتوب لماذا ؟ لأنه يرى أنه على حق، أما العاصي يتوب، أي ألف معصية أهون من أن تظن بالله ظن السوء، فلذلك أنا لا أرى مادة في الدين الإسلامي تفوق العقيدة، و يوجد الآن الحمد لله كتب كثيرة، أنا درست كتاب العقيدة الإسلامية لحبنكة هذا من الكتاب و السنة فقط لا يوجد فيه أي قياس منطقي، و كتاب الطحاوية أيضاً درسته أيضاً بالجامع، و أُدَرس الآن عقيدة من الكتاب و السنة، فالشيء مبذول الحمد لله لأن العقيدة أخطر شيء.
 بالمناسبة إذا الطيار أخطأ بالقنبلة فوق ميليمتر واحد على الأرض كيلو متر، فأي خطأ بالعقيدة سيترجم إلى خطأ بالسلوك، لو تصورنا أن الخطأ في العقيدة لا ينعكس على السلوك اعتقد ما شئت، لكن لأنه ما من خطأ في العقيدة إلا و له أثر في السلوك، مثلاً أنت إذا فهمت لا سمح الله و لا قدر بسذاجة أن النبي يشفع لكل المذنبين، تجد نفسك مرتاح بالذنب لا يوجد مشكلة، لا تحس بحاجة للتوبة أبداً، أما عندما يقول لفاطمة ابنته يا فاطمة بنت محمد أنقذِ نفسك من النار أنا لا أغني عنك من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم و تأتوني بأنسابكم.
 أنا عندما أقرأ القرآن:

 

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 19]

 أي يا محمد:

 

﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 19]

 حينما أقرأ الحديث الصحيح: أمتي أمتي، يقال له لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ؟ يقول سحقاً سحقاً.
 قال لي شخص البارحة من قال لا إله الله دخل الجنة، قلت له هكذا بهذه السذاجة ؟ إذا كان شارون قبل أن يموت قالها انتهى، لا يوجد عليه شيء أبداً، إذا قالها بوش انتهى، أسلم قالها، هذا الحديث الشريف يجب أن يوضع على الطاولة مع بقية الأحاديث:

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل و ما حقها ؟ قال أن تحجزه عن محارم الله ))

 انتهى كل شيء، فيوجد وضوح تام نحن إذا اكتفينا بالصحاح، و اكتفينا بالكتاب و السنة، و استنبطنا حقائق العقيدة و درسناها بأسلوب مبسط، أنا ضد التعقيد في الدين، ما لم يقم العلماء بتبسيط الأمور الدينية و جعلها في متناول كل الناس، و ما لم يربط بين العقل و النقل، و ما لم يطبقوا فلا أمل في تقدم المسلمين.
 س ـ بالنسبة لجراح الأمة هل علينا الذكر و التسبيح أم الجهاد ؟
 الدكتور راتب: و الله يا أختي الكريمة العلماء قالوا هناك عبادة العصر، إذ العدو دخل إلى بلادنا أنا لا أعتقد أن التسبيح و الذكر النفل و ليس الفرائض، شخص أربع خمس ركعات قيام الليل بكى و العدو على الأبواب و الله الجهاد هو العبادة الأولى، و إذا كان الطرف الآخر أراد إفقارنا و الله كسب المال الحلال و حل مشاكل المسلمين عبادة أولى، و إذا أرادوا إضلالنا ترسيخ معالم الدين عبادة أولى، و إذا أرادوا إفسادنا صون أبناءنا بمؤسسات تربوية عالية جداً هي العبادة الأولى، نحن عندنا عبادة العصر ذكرت البارحة أنه يوجد عندنا عبادة العصر و عبادة الهوية، أنت من ؟ أنت قوي، أول عبادة إحقاق الحق، غني إنفاق المال، عالم تعليم العلم، أنت امرأة أول عبادة رعاية الزوجة و الأولاد، هذه عبادة الهوية، أما عبادة الوقت عندك ضيف أول عبادة إكرام الضيف، عندك ابن مريض أول عبادة رعاية المريض، الآن يوجد حرب أول عبادة الجهاد، عبادة العصر إذا كان الهدف الإفقار كسب المال الحلال.
 شخص قال لي أنا لا أربح إطلاقاً المصروف يكفي المعمل، عندي ثمانين عاملاً سأسرحهم و أغلق معملي، قلت له أنت تدع المعمل لا تربح قرشاً و أنت فاتح ثمانين بيتاً هذه عبادة، هذا أكبر أجر لك، فقط عندما تعرف الله، و تعرف لماذا خلقك الله، تتحرك حركة صحيحة، لم يعد الربح مالاً فقط، أحياناً الربح حل مشكلات الناس.
 اليوم و أنا قادم بالطريق جاءني سؤال من إذاعة دمشق قال يريدون كلمة منك عن عيد المولد، أنا بلبنان جالس على الخلوي، قلت لهم هذا الإنسان العظيم جاء الحياة فأعطى و لم يأخذ، الطغاة أخذوا و لم يعطوا شيئاً، الأنبياء أعطوا و لم يأخذوا شيئاً، هذا الإنسان قدس الوجود كله و رعى قضية الإنسان، زكا سيادة العقل و نهنه قطيعة القطيع، نحن نعيش الآن في غابة، الآن هذا الإنسان هيأه تفوقه ليكون واحداً فوق الجميع فعاش واحداً بين الجميع، هذا عاش للناس، و الطغاة عاش الناس لهم، يا من كانت الرحمة مهجته، و العدل شريعته، و الحب فطرته، و السمو حرفته، و مشكلات الناس عبادته، هذا الإنسان قدوة لنا، فنحن نريد أن نأخذ تفاصيل سيرته ؟ لا تفاصيل شخصيته بالحقيقة لأنه هو الإنسان الأكمل.
 س ـ بالنسبة للعقيدة قلت السلوك ترجمة عن ما يعتقده الإنسان، إذا الآن من شذ عن هذه القاعدة بين المسلمين فسلوكيته إذاً إما أنها عبرت عن عقيدة سيئة أو أن هناك انفصام ؟
 الدكتور راتب: لا، السلوك محصلة العقيدة و الإرادة، شخص قنعان أن الدخان حرام و لكنه معه إدمان على الدخان.
 س ـ أضرب مثلاً إنسان يعلم أن هنا حقل ألغام و يعتقد ذلك فإذا لم يسر في هذا الطريق فإذاً سلوكه يصدق هذا، أما لو هو سار فمعنى ذلك إما أنه يكذب على نفسه أو هناك مشكلة في عقله ؟
 الدكتور راتب: أنا أجيبك عن هذا السؤال، لو شخص على كتفه عقرباً مخيفة قلت له انتبه عقرب على كتفك بقي هادئاً جداً و التفت ناحيتك و ابتسم قال لك أنا شاكر لك على هذه الملاحظة و أرجو أن يمكنني الله أن أجزيك عليها خيراً، هو إذاً لم يفهم ما قلت له، لو فهم سيركله و يصرخ لو فهم ما قلت له، لذلك قال تعالى، الآية كيف ؟

 

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 21]

 هذه حالة صعبة جداً، إذا شخص بلّغته و لكنه لم يسمع، لذلك فرقوا بين الإحساس و الإدراك، لو فرضنا جاء إنسان يتكلم بالفارسي، الصوت ألم يصلكم ؟ هل تفهموا شيئاً ؟ لا، عندكم إحساس بالصوت و لكن لا يوجد إدراك للموضوع، لذلك كم من إنسان يستمع و لا يستمع، من هنا يوجد استنباط رائع بالقرآن الكريم:

 

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾

 

[ سورة التحريم: الآية 4]

 علامة أنك أصغيت إلى الله في قرآنه التوبة، لذلك ما لم تترجم العقيدة لسلوك و التزام لا قيمة لا إطلاقاً.
 س ـ من يؤثر أكثر في تربية الولد الأهل أم الأصدقاء ؟
 الدكتور راتب: بحسب التجارب ستين بالمئة الصديق، أخطر شيء بحياة أولادك أصدقاؤه، الأب الناجح يختار أصدقاء ابنه، و الله أعلم بالشام إنسان بمستوى عالي جداً هو اختار لابنه أصدقاءه، علمه يزورهم و يأخذهم إلى الرياضة، أخطر شيء الصديق فما لم ينتبه ألب لأصدقاء ابنه هذا الصديق الغير مختار لغم.

 س ـ إذا وجد الإنسان أقاربه يؤثرون على أولاده بشكل سلبي ماذا يفعل ؟
 الدكتور راتب: نقول له دع خيراً عليه الشر يربو، نقول له درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، نقول له قاطعهم:

 

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 51]

 نحن لا نقاطع رحم، شخص فاسق فاجر يريد أن يري ابنك فيلم فيديو ماجن نقول صلة رحم ؟ سذاجة هذه، نقاطعه.
 س ـ إذا أردنا أن نتكلم عن الإقناع أو العقيدة مع الفريق الآخر، أي إنسان كافر كيف نكلمه ؟
 الدكتور راتب: تعلم من الله، الله عز وجل خاطب الكفار بأصول الدين، و خاطب المؤمنين بفروع الدين، ما ممكن أن تقنع كافر إلا بالعلم الآن و لا نص، تحضر له حقيقة علمية تريه أن الله موجود، يوجد عقل وراء الكون، يوجد حكمة، ابدأ معه بالإيمان بالله و بأسمائه و بصفاته. و الطريق الآخر مسدود.
 س ـ نجن بحاجة الآن إلى كتب عقيدة للفريق الآخر لا تستعمل غير الأدلة المباشرة من القرآن أو السنة ؟
 الدكتور راتب: و الله لأقول لك أنا عملي الآن بالشام أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن و السنة فلي مؤلف يوجد عندكم نسخة أستاذ، أنا قدمت نسخة لكم هدية، موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب و السنة، أنا أرى الآن لا يوجد موضوع يؤثر بالطرف الآخر كفعل السحر كالإعجاز العلمي في القرآن و السنة، لأنه يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل.
أنا أعتقد مع الطرف الآخر هذا الموضوع المجدي الآن، هو عقيدة، أنت حينما تقرأ آية يستحيل على أي عاقل في الأرض أن يصدق أن الناس عرفوها وقت نزولها، الآن عرفت، معنى ذلك هي من عند الله عز وجل.
 س ـ أي أكثر آية أثرت بك في مسألة الإعجاز ؟
 الدكتور راتب: و الله كثر يريدون جلسة، مثلاً ممكن هذا الكتاب العظيم كلام خالق الأكوان يحكى فيه عن أحقر حشرة بعوضة بعد أن اكتشفنا المجهر الإلكتروني يكبر أربعة آلاف مرة و أربعين ألفاً و أربعمئة ألف، ترى برأسها مئة عين، بفمها ثمانية و أربعين سناً، بصدرها ثلاثة قلوب قلب مركزي و قلب لكل جناح، و بكل قلب أذينان، بطينان، دسامان، ظهر بالبعوضة جهاز لا تملكه الطائرات المقاتلة الأميركية جهاز استقبال حراري، ترى الأشياء لا بأشكالها و لا بألوانها و لا بأحجامها و لكن بحرارتها، حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، عندها جهاز تحليل دم، جهاز تخدير، جهاز تمييع، عندها بخرطومها ست سكاكين أربع سكاكين تحدث جرحاً مربعاً سكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم، و بأرجلها محاجم و مخالب:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 ظهر معي بالإعجاز أنه يوجد آية فيها كلمة أنا أتحدى أن يقرأها عالم فلك و لا يخر ساجداً لله عز وجل، الله عز وجل قال:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾

 

[ سورة الواقعة: الآية 75]

 فقط كلمة مواقع.
 النجم الذي اكتشفوه حديثاً بعده عنا عشرين مليار سنة ضوئية، سرعته مئتي و أربعين ألف بالثانية يمشي كيلو متر، كان بهذا المكان و أصدر ضوءاً و بقي الضوء يمشي عشرين مليار سنة حتى وصل إلينا، أين بقي النجم ؟ الذي مشى مئتي و أربعين بالثانية هذا المحل اسمه موقع ليس نجم، لو الله قال لو وجد بالقرآن آية: فلا أقسم بالمسافات بين النجوم هذا ليس قرآناً، ماذا قال الله ؟

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) ﴾

 

[ سورة الواقعة: الآية 75]

 هذا المكان موقع و ليس نجماً، النجم أين ؟ إذا يمشي في الثانية مئتي و أربعين ألف كيلو متر بالثانية، و مضى على مسيره عشرين مليار سنة أين بقي ؟ هذا موقع:

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

[ سورة الواقعة ]

 يوجد آيات كثيرة، و الكتاب ألف صفحة تقريباً.
 س ـ الخطاب الإسلامي للدعاة و خاصة مما يجري للمسلمين إزاء الواقع الذي نحن فيه السيطرة و الاحتلال و الجرائم و غير ذلك يوجد نوعين من الخطباء منهم من يهيج إلى حدود كأننا الآن سوف نقوم إلى الجهاد و منهم من يوصف الواقع بشكل تسود القلوب جرائم و ما إلى ذلك، و يوجد ناس يحاولوا أن يستدركوا من خلال هذه الوقائع بشارة عظيمة أن هذه تؤدي إلى أما و نصر و ما إلى ذلك، فما الموقف الذي نقفه ؟
 الدكتور راتب: الكمال أن نقلد القرآن رغباً و رهباً، أحضر جوانب سلبية و إيجابية، قال له يا رب إنك تعلم أني أحبك و أحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال ذكرهم بآلائي و نعمائي و بلائي.
 بآلائي كي يعظموني، بنعمائي كي يحبوني، ببلائي كي يخافوني، إذاً لابد أن تكون الخطبة أو الدرس في جانب إيجابي و جانب سلبي و جانب تعظيمي لله عز وجل، هذا الجواب.
 لقاؤنا غداً إن شاء الله في التاسعة و النصف.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018