بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 46 - جمعية مكارم الأخلاق بطرابلس - الصيام .


2004-05-01

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الأحبة في الله نحيكم بتحية أهل الجنة، وتحية أهل الجنة بسلام والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 يسرنا في جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية في طرابلس أن نرحب بكم مع......... موسمها الديني والثقافي والرمضاني لهذا العام، حيث نستقبل مجموعة من كبار العلماء والدعاة بإذن الله تعالى، ونبدأ موسمنا هذا بداية مسلم مع ضيف يدغدغ أريج علمه كل فضل في مدينة طرابلس التي أحبته وأحبها، وضيفنا غني عن التعريف، هو الدكتور محمد راتب النابلسي، الذي دخل قلوب أهل مدينتنا بدون استئذان فأصبح جزء منا، ويشرفنا ضيفنا الكريم بمحاضرة قيمة حول موضوع حكمة الصيام، راجين الله أن يتقبل منا ومنكم صيامكم وقيامكم وعبادتكم، وأن يحف مجلسنا هذا بالملائكة إنه سميع متقبل الدعوات وليتفضل ضيفنا مشكورا.

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام:
 لا يسعني إلا أن أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وعلى هذا الحضور فهو إن دل على شيء فعلى الثقة بي، وأسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم في هذه المحاضرة.
 أيها الأخوة الكرام:
 لو قرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن في أصل خلق الإنسان ضعفاً، قال تعالى:

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً (28)﴾

( سورة النساء )

 ولو قرآنا القرآن الكريم أيضاً لوجدنا آية أخرى تقول:

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

 

( سورة المعارج )

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً (11) ﴾

( سورة الإسراء )

 هذه النقاط نقاط الضعف في أصل خلق الإنسان هي لصالحه، لأنها سبب عبوديته لله عز وجل، لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد في افتقاره.

 

﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾

 ومعنى هلوع.

 

 

﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾

 أيها الأخوة:
 لعل هذه النقاط التي في أصل خلق الإنسان تدعوه إلى التدين، هذه النقاط تقتضي أن يركن إلى قوي، أي يلجأ على عزيز، أن يحتمي بقوي، لذلك الإنسان بحث عن إله ليعبده.
 ففي شعوب كثيرة في العالم اخترعت إلهاً كالشمس والقمر، والحجر والمدر، والبقر وما إلى ذلك.
 والذين آمنوا بالإله الحقيقي، وهذه نعمة لا تقدر بثمن هم المسلمون ومن صحت ديانته من أهل الأديان السماوية، فلذلك قضية نقاط الضعف في خلق الإنسان هي سبب تدينه فالدين للإنسان كالهواء يحتاجه بشكل مستمر، فإن لم يصل إلى الإله الحقيقي الذي يسمعه ويستجيب له، وينصره، ويحفظه، بحث عن إله آخر، وهذا هو الضلال البعيد، فمن نعم الله علينا أيها الأخوة أننا نعبد خالق السماوات والأرض، هل تصدقون أنه في بعض البلاد تُعبد الجرذان في الهند ؟ وتعبد الشمس والقمر، وتعبد النار، ويعبد موج البحر، وقد لا تصدقون أنه في دولة عملاقة من الدول الصناعية الشرقية التي هي محور الصناعة في العالم يعبدون ذكر الرجل.
 إذاً حاجة الإنسان إلى إله عظيم يعبده كحاجته إلى الهواء، لكن المسلم عرف الإله الحقيقي الذي فطر السماوات والأرض، إذاً هو بحاجة بحسب نقاط ضعفه إلى إله يعبده، ما معنى يعبده ؟
 أيها الأخوة:
 وهذه مشكلة كبيرة في العالم الإسلامي، ما إن ننطق بكلمة عبادة حتى يقفز إلى أذهاننا أن نصلي، وأن نصوم، هذه عبادات شعائرية، الصلاة والصيام والحج عبادات شعائرية، لها معنى دقيق جداً، سوف آتي عليه بعد قليل، لكن الإسلام في الحقيقة منهج منهج تعاملي أخلاقي، هذا الكلام يؤكده قول سيدنا جعفر، حينما قابل النجاشي وسأله عن الإسلام قال:
 أيها الملك كنا قوم أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء.
 هذا كلام سيدنا جعفر بن أبي طالب، أحد أكبر صحابة رسول الله، بماذا عرف الإسلام ؟ عرفه بالصدق والأمانة والعفة وصلة الرحم وحسن الجوار، إذاً هو مجموعة مكارم أخلاقية.
 أيها الأخوة الكرام:
 كيف مُسخ هذا الدين من عدد لا يحصى من المكارم الأخلاقية، من الانضباط، من الوفاء بالوعد، من إنجاز الوعد، من تحقيق العهد، من الصدق، من الأمانة، من العفة من الاستقامة، من التضحية، من الإيثار، إلى عبادات تؤدى أداء شكلياً، كيف نفهم أن مليار وثلاثة مليون مسلم لا وزن لهم الآن، لأن هذا الدين العظيم الذي نقلهم من رعاة الغنم إلى قادة الأمم مُسخ إلى عبادات شعائرية تؤدى أداء شكلياً ليس غير.
 أيها الإخوة الأحباب:
 أن مضطر أن أقف متأنياً في الحديث عن العلاقة العبادة التعاملية للعبادة الشعائرية وهذا الحديث مهم جداًَ في رمضان.
أولاً: هناك فرق بين الطقوس وبين العبادات، في الديانات الوثنية هناك طقوس الطقوس حركات وسكنات وإيماءات وتمتمات لا معنى لها، إطلاقاً لكنه في الإسلام هناك عبادات وللإمام الشافعي رحمه الله تعالى كلمة رائعة يقول:
 العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق.
 من أين جاء بهذا الكلام ؟ قرأ آية الصلاة !!

 

 

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 

( سورة العنكبوت الآية: 45 )

﴿الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

 يعني لو أن الصلاة لا تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر، هل قطفنا ثمارها، هل عشنا بين الناس في وئام، هل كان الصدق بيننا نظاماً، هل كانت الأمانة ديدن ؟ هل كانت العفة خلقاً ؟

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

 الصيام:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 

( سورة البقرة )

 أنا متى أتقي الشر ؟ لو أنني أركب مركبة والطريق وعر، وعن يمينه وادٍ سحيق وعن يساره وادٍ سحيق، أنا في أشد الحاجة إلى نور يكشف ليس معالم الطريق، هذا النور إذا توافر عندئذٍ أسلم وأسعد، إذاً حينما قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 إنكم إذا صمتم صياماً صحيحاً وقبله الله عز وجل قذف في قلوبكم النور، بهذا النور ترون الحق حقاً والباطل باطلاً، الدليل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

 

( سورة الحديد الآية: 28 )

 أخوتنا الكرام:
 سلوك الإنسان وراءه رؤية، السارق لماذا يسرق ؟ تصور أو رأى أنه بهذا يفلح بجهد قليل يأخذ مالاً كثير، تصور أنه ما من حركة يتحركها الإنسان إلا ورائها رؤية، إما أن تكون الرؤية صحيحة، أو رؤية خاطئة، ما مهمة الصيام ؟ إنك حينما تدع الطعام والشراب تقرباً إلى الله عز وجل ويقتضي مع ترك الطعام والشراب ضبط اللسان، وضبط العين، وضبط الأذن، وضبط اليدين، والرجلين والجوارح، هذا الضبط طوال النهار، هذا يعطيك ثقة أن الله راض عنك، بهذه الثقة تقبل عليه، بهذا الإقبال يأتي إلى قلبك النور فترى الخير خيراً والشر شراً، إذاً:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 المؤمن يرى نتائج الأعمال، لأن في قلبه نور، وغير المؤمن يرى ظواهرها، تغريه ظواهرها فيقع في مأزق كبير.
إذاً أيها الأخوة: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 والزكاة: قال تعالى:

 

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 103 )

 إلهنا وربنا وخالقنا يقول الزكاة تطهر وتزكي، كيف ؟ تطهر قلب الغني من الشح وتطهر نفس الفقير من الحقد، وتطهر المال من تعلق حق الغير به، هي طهارة، وتزكيهم تنمي نفس الغني، حينما يرى الناس من حوله يلهجون بالشكر له، حينما يرى عمله بسمة على وجوه الصغار، حينما يرى عمله طعاماً في بطون الجياع، حينما يرى عمله كساء يكسو المحرومين، حينما يرى السرور قد عم الأسرة بإعطائه المال للفقير، إذاً الغني تنمو نفسه، والفقير تنمو نفسه، حينما يشعر أن مجتمعه لا ينساه، هو له في مجتمعه مكانة هناك من فكر في مشكلته، من مد يد العون إليه، وكيف ينمو المال ؟ ينمو المال إما بالطرق الاقتصادية بمعنى أن الفقير حينما تضع في يديه قوة شرائية يعود ليشتري من الغني الحاجات نمو البيع يأتي من دفع الزكاة، يعني وضعت في أيدي الناس الفقراء قوة شرائية، فاشتروا بها هذا نمو طبيعي بحسب القوانين، وهناك نمو آخر سماه العلماء بالعناية الإلهية المباشرة إذاً الزكاة تطهر وتزكي، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصيام لعلكم تتقون والحج:

 

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 97 )

 أنت حينما تعلم أن الله يعلم حُلت كل المشكلات، هذه العبادات الخمس كلها معللة بمصالح الخلق، أما إذا أوديت أداءً شكلياً، وغفل عن حكمتها، وعن هدفها، وعن غايتها التي أرادها الله لها، فكأنه ضيع صيامه، الآن العلاقة بين العبادة التعاملية والعبادة الشعائرية هناك علاقة دقيقة جداً بل وخطيرة، بمعنى:
 العبادة الشعائرية ومنها الصلاة ومنها الصيام ومنها الزكاة ومنها الحج، العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، هذه أخطر فكرة في هذه المحاضرة، العبادة الشعائرية ومنها الصيام لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية الدليل:
 نبدأ بالصلاة النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:

 

((عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هل تدرون من المفلس؟ " قلنا: المفلس يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال " المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))

 

[ رواه ]

 ‏إذا لا قيمة للصلاة إطلاقاً إن لم تعتمد على عبادة تعاملية صحيحة هذه الصلاة التي هي عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات هذه الصلاة التي هي أصل التدين تسقط قيمتها إذا لم ترافقها عبادة تعاملية صحيحة.

 

(( المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار))

 إذاً لئلا تضيع الأوقات، لئلا نقوم بجهود لا طائل لها، لئلا نأتي يوم القيامة ونسأل عن الصلاة، ماذا فعلت بنا، هل نهتنا عن الفحشاء والمنكر، هذه حقيقة أولى...
 حديث آخر يقطع الظهر:

 

 

(( حدّثنا عِيسى بْنُ يونُسَ الرَّمْلِيُّ. حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ خَدِيجٍ الْمَعَافِريُّ عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَلْهَانِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ أَنَّهُ قَالَ: ﴿ لأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مَنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ، بِيضاً. فَيَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾ قَالَ ثُوْبانِ: يَا رَسُولَ اللهِ ! صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لاَ نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لاَنَعْلَمُ. قَالَ ﴿ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتَكُمْ. وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ، إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ، أنْتَهَكُوهَا﴾ ))

 

[ أخرجه ابن ماجه ]

 هذان الحديثان أضعهما بين أيديكم، ما قيمة الصلاة إن لم ترافقها عبادة تعاملية صحيحة، ما قيمة الصلاة إن لم ترافقها صدق وأمانة وعفة واستقامة وإنجاز وعد وتحقيق عهدٍ أبداً.
 لو أتينا إلى الصوم:

 

(( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ))

 جوع وعطش فقط، هذا صيام العوام.

 

 

(( ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب))

 

 الآن لست بعيداً عن واقع الحياة في بلاد المسلمين، هذا الذي يمضي سهرة رمضانية في فندق، تبدأ بأناشيد وتنتهي بالرقص، كيف يعد مسلماً ؟ كيف يعد صائماً ؟ هذه للصائمون طبعاً، فحينما نجمد العبادة التعاملية، حينما نجمد الاستقامة، والورع، والعفة، والصدق والأمانة، ونصوم، هذا صيام لا يقدم ولا يؤخر.
 شيء آخر: لو أتينا إلى الحج:

(( الإنسان إذا حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال لبيك اللهم لبيك، ينادى أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك ))

 الآن إذا أنفق وكان غنياً ولم يكن مستقيم صادقاً آميناً عفيفاً.

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 53 )

 أخوانا الكرام:
 في قضية الدين لا يستطيع إنسان على وجه الأرض أن يأتي بشيء من عنده، هذه آيات كلها، آيات وأحاديث صحيحة، يعني نستخلص من هذا أن العبادة الشعائرية ومنها الصيام ونحن في شهر الصيام لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية، إلا إذا رافقتها استقامة.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) ﴾

 

( سورة فصلت )

 أيها الأخوة:
 هذه الحقيقة الأولى من أجل توفير جهدنا وأوقاتنا، من أجل تحقيق غاياتنا من أجل فوزنا لقبول عباداتنا ينبغي أن نلتزم بهذه الحقيقة، هناك أحاديث فرعية، دققوا أيها الأخوة:

 

((عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله إن فلانة، فذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قال: " هي في النار ". ))

 

[ رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات ]

 طيب إنسان صائم لكن ينم بين المؤمنين:

 

((عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ".‏))

 

[ رواه البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه ]

 إنسان قاطع رحم:

 

((حدّثنا ابنُ أبِي عُمَرَ وَنَصْرُ بنُ عَلِيّ وَسَعِيدُ بنُ عَبْدِ الرحمنِ المَخْزُومِيّ، قالوا حدثنا سُفْيانُ عن الزهْرِيّ عن محمد بن جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن أبِيِه قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " لا يَدْخُلُ الْجَنّةّ قَاطِعٌ " قالَ ابن أبي عُمَرَ قالَ سُفْيَانُ يَعْنِي قَاطِعَ رَحِم.))

 

[ قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ ]

 لو درسنا الأحاديث والآيات المتعلقة بالتعامل لوجدناها خطيرة جداً، بل لوجدناها تبطل عبادات الشعائرية، فنحن حينما ينقلب شهر الصيام إلى شهر من العادات والتقاليد والفلكلور الاجتماعي هذا ليس شهر الصيام، الصيام صلح مع الله، يعني أجمل كلمة أسوقها لكم أنك في رمضان تستطيع أن تفتح صفحة جديدة مع الواحد الديان، تصور إنسان في عليه تسعين مليون ديون، وأملاكه مصادرة، وعليه محاكمات، بإمكانه أن يلغي كل ذلك بعقد صلح مع الطرف الآخر، هكذا رمضان، لذلك في صحيح البخاري يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( من صام رمضان كما أراد الله))

 لا كما ألفنا في العادات والتقاليد.

 

 

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ))

 إذاً هي فرصة سنوية لإلغاء الماضي ومغفرة الذنوب السابقة وفتح صفحة مع الله جديدة، ولكن أيها الأخوة توضيحاً للحقيقة الذنوب التي تغفر في رمضان هي الذنوب التي بينك وبين الله فقط، أما التي بينك وبين العباد فهي ذنوب لا تغفر إلا بإحدى حالتين: بالأداء أو المسامحة، تودي هذا الدين، أو يسامحك صاحب الدين، أما أن تقول عليك ديون طائلة أن أصوم ويعفو الله عني إذا لم أؤديها إلى أصحابها.
 صحابي جليل خاض مع النبي كل الغزوات، وفاته المنية، فجاء النبي ليصلي عليه لكنه سأله أعليه دين، قالوا نعم، قال صلوا على صاحبكم، فقال أحد الصحابة أعلي دينه يا رسول الله، سأله في اليوم الثالث أأديت الدين ؟ قال لا، سأله في اليوم الثالث، أأديت الدين ؟ قال لا، سأله في اليوم الرابع أأديت الدين ؟ قال نعم، قال:

 

 

((الآن ابترد جلده.))

 حقوق العباد لا تسقط، إلا بالأداء أو المسامحة، لئلا نتوهم أن هذا الدين في فوضى لكنه ما في بينك وبين الله يسقط حينما تؤدي الصيام كما أراد الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام:
 شيء آخر: أحياناً القوانين فيها محرمات، السرقة محرمة بالقانون، والدين فيه محرمات، وأحياناً كثيرة تتفق محرمات الدين مع محرمات التشريع الأرضي، يعني مثلاً السرقة حرام في الإسلام، وتعد محرمة في القوانين أيضاً الوضعية، فهذا الذي لا يسرق بمَ يفسر ذلك ؟ الله أعلم، إما أنه خائف من السلطة أن تقتص منه، أو أن تنزل به أشد العقوبات أو إنه خائف من الله عز وجل، ولكن أراد الله عز وجل لحكمة بالغة أي يطمئننا على أنفسنا، ففي تشريعاته تشريعات لا علاقة لها بالقوانين إطلاقاً، من هذه التشريعات غض البصر، ليست في الأرض جهة إطلاقاًَ تمنعك أن تطلق بصرك في محاسن النساء، ليست في الأرض جهة تستطيع أن تضبط هذه المخالفة، قال تعالى:

 

 

﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) ﴾

 

( سورة غافر )

 فغض البصر عبادة الإخلاص، لا يستطيع أحد أن يضبط هذه المعصية، ولا يستطيع أحد أن يؤاخذك عليها، لكن الدين يقول:

 

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

 

( سورة النور الآية: 30 )

 فالمؤمن حينما يكون وحده ويفتح النافذة ويرى امرأة في البناء المقابل في ثياب متبذلة ويخاف الله عز وجل ويغض عنها البصر هل يمكن أن أقول أن هذا إنسان ليس مخلصاً لله ؟ خاف منه دون أن يكون هناك رقابة عليه من أحد.
 بالمناسبة من أدق تعريفات الأمانة، الأمانة ؛ حينما لا تكون مداناً في الأرض وتؤدي ما عليك فأنت الأمين، لذلك أنا حينما أذهب إلى بلاد الغرب أرى نظام البيع والشراء نظام الكتروني، بحيث أن كل إنسان لا يؤدي الحاجة، هناك أجهزة إنذار تطلق أصواتها في المؤسسة أو في مكان البيع، والأبواب تغلق آلياً، لو في بالسوق مليون إنسان يشتري، هل تعرف من هو الذي لا يسرق خوفاً من الله أم خوفاً من هذه الأضواء، وتلك الأجهزة الحساسة إطلاقاً، لذلك سيدنا عمر عندما امتحن راعي، قال له بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال ليست لي، قال قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال والله لأنني أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟
 إذاً أيها الأخوة:
 هذا الدين العظيم، أنت حينما تصوم رمضان، ويكون الصيام في شهر الصيف، في الأيام الحارة، واليوم يزيد عن 17 ساعة، وتدخل إلى البيت، وتدخل إلى الحمام، وفي الحمام صنبور ماء بالرد، هل تستطيع أن تضع قطرة ماء في فمك ؟ إذاً ما هذه العبادة ؟ هذه عبادة الإخلاص، كما أن غض البصر عبادة تؤكد لك أن مخلص، كذلك الصيام هو عبادة الإخلاص، لذلك ورد في الحديث الصحيح القدسي:

 

((أن كل عمل ابن آدم كله له إلا الصوم فهو لي، وأنا أجزي به ))

 إذاً أنت حينما تصوم أنت في عبادة الإخلاص، لكن أكدت كثيراً على العلاقة بين العبادة التعاملية، والعبادة الشعائرية، بدأت بأن العبادات في الإسلام معللة بمصالح الخلق يعني إياك أن تصومك كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( كالناقة حبسها أهلها، ثم أطلقوها، فلا تدري لا لمَ حُبست، ولا لمَ أطلقت ))

 إنسان يؤدي عبادة أداء شكلي، أداء أجوف، اقتربت هذه العبادة من الفلكلور اقتربت من العادات والتقاليد، فقدت معناها، ينبغي أن تؤدي العبادة وتعلم أنت علم اليقين أن وراء هذه العبادة هدفاً كبيراً ينبغي أن تحققه، لكن حالة المسلمين اليوم أن الأشياء التي هي معصية صارخة يقال عنها في أثناء عرضها في الإعلان إنها إكراماً لشهر رمضان المبارك أليس كذلك ؟ يعني كأنه موسم أفلام، موسم مسلسلات، موسم ولائم، موسم سهرات حتى الفجر، موسم إهمال الصلوات أحياناً، موسم لقاءات، موسم اختلاط، موسم تبذل، موسم فرح، هذا هو الصيام ؟ الحقيقة الشيء الذي لا يصدق أن المواد الغذائية تباع في رمضان خمسة أضعاف الأشهر الأخرى، إحصاء دقيق جداً، هو الصيام من أجل أن تخفف من الطعام والشراب، لكن الذي يباع في الأسواق خمسة أضعاف تقريباً ما يحتاجه الإنسان.
 أيها الأخوة:
 شيء آخر في الصيام دقيق جداً: وهو أن الإنسان حينما يدع المباحات، الطعام والشراب مباح في كل أشهر العام، حينما يدع المباحات في الصيام لا يستطيع أن يكذب لأنه هو ترك المباح، فلأن يقع في المحرم يختل توازنه، لذلك أنت حينما تدع المباحات في رمضان ينبغي أن تدع المعاصي والآثام من باب أولى، وإلا يختل التوازن، إذاً كان الله أراد أن يعينك على نفسك فتصوم.
 في نقطة دقيقة جداً، هذا الشاعر حينما قال:

 

 

رمضان ولا هاتها يا ساقي  مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
***

 ألفَ الناس أنهم في رمضان يطيعون الله عز وجل، لكن بعد رمضان يعودون إلى ما كانوا عليه، والله فكرة لا أحب أن أرويها في محاضرة كهذه المحاضرات أعلمني أحدهم في الشام أن في كثير من الملاهي، في بالملاهي راقصات كلهن يمتنعن عن الرقص في رمضان لكن الذي أراده الله عز وجل أنك ترتقي بقفزة نوعية ينبغي أن تسير مع كل العام، يعني مثلاً الله عز وجل اصطفى من أشهر العام شهر الصيام، لماذا ؟ ليحصل لك فيه الصفاء، لكن إرادة الله أرادت أن يستمر هذا الصفاء طوال العام، وأنت في 1 شوال تفطر على الطعام والشراب فقط، أما أنت في رمضان ألفت الصلاة في المسجد، ألفت غض البصر، ألفت تلاوة القرآن، ألفت صلاة الليل، ألفت ضبط السمع، لا تسمع الأغاني، ألفت ضبط اللسان لا تكذب، ولا تغتاب، فهذا الذي حققته في رمضان ينبغي أن يستمر، إذاً الله عز وجل ما اصطفى من الأشهر شهر الصيام ليكون فيه الصفاء إلا لينسحب الصفاء على بقية أشهر العام.
 بالشكل الهندسي صار رمضانات كالدرج، قفزة نوعية مستمرة، 12 شهر، قفزة ثانية 12 شهر، قفزة ثالثة، لكن هو ليس صعود وهبوط، صعود وهبوط، التغت حكمة الصيام لله في ذلك، إذا الإنسان عاد بعد رمضان إلى ما كان عليه قبل رمضان كأنه عطل حكمة الصيام وكأنه أفسد على الله هدا التشريع.
 الآن الله عز وجل اصطفى من بين الأمكنة بيت الله الحرام، وأنت في بيت الله الحرام يكون لك صفاء مع الله، أراد الله من هذا الصفاء الذي حصل لك في بيت الله الحرام أن يستمر في كل الأمكنة، لو عدت إلى بلدك أحكمت الاتصال مع ربك، فما اصطفى شهر الصيام إلا ليعم الصفاء في كل أشهر العام، وما اصطفى بيت الله الحرام إلا ليعم الصفاء كل مكان، وما اصطفى سيد الأنام إلا ليكون قدوة لنا نحن جميع البشر.
 أيها الأخوة الكرام:
 إذاً في هذا الشهر تقوية للإرادة الإنسانية، حينما تطيع الله عز وجل، في شيء آخر في هذا الشهر أيها الأخوة:
 الإنسان له مكانة كبيرة، وله سلطة أحياناً، وله مؤلفات، وله هيمنة، وله قوة شخصية، هذا الإنسان على مكانته الكبيرة، وعلى هيبته، في رمضان كل خواطره متعلقة بكأس من العصير، أو كأس ماء بارد، أو طعام يحبه، أين قيمته ؟ كأن الله أراد في رمضان أن يعرفنا ببعضنا، وأن يعرفنا بعبوديتنا:

 

 

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) ﴾

 

( سورة العلق )

 لذلك أحد وزراء هارون الرشيد لما طلب كأس ماء قال له يا أمير المؤمنين بمَ تشتري هذا الكأس إذا منع عنك ؟ قال بنصف ملكي، قال فإذا منع استخراجه ؟ قال بنصفي ملكي الآخر.
 يعني أنت في رمضان تشعر بضعفك، أنك جائع، أنك تريد أن تشرب، تريد أن تدخل إلى خوفك شيء، هذا في الإفطار مباح، أنت في الإفطار تأكل في استمرار وتشرب وتطلب الشارب الساخن والبارد، والمنوع، والجاف، والحامض، والحلو إلخ... لكن في رمضان تشعر بضعفك أمام الله عز وجل، هذا من أجل ألا تنطبق الآية الكريمة:

 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾

 في شيء آخر في رمضان:
 رمضان تشعر الناس جميعاً أن هناك نظام، الناس جميعاً يأكلون في وقت واحد يفطرون في وقت واحد، يؤدون الصلوات جماعة في وقت واحد، هذا يشعر بانتمائك إلى الجماعة، فمن انتماء إلى الجماعة، من إحساسٍ بعبوديتك، إلى تقوية لإرادتك، إلى إشعارك بإخلاصك لله عز وجل، إلى مالا نهاية من حكم الله عز وجل من هذا الصيام.
 أيها الأخوة:
 يمكن أن يكون هذا الشهر الكريم شحنة روحية سنوية، الصلاة شحنة روحية يومية تماماً الإنسان كهذا الهاتف المحمول، إن لم يشحن يسكت، فالصلاة شحنة يومية، وصلاة الجمعة شحنة أسبوعية، والصيام شحنة سنوية، والحج شحنة العمر.
 أيها الأخوة الكرام:
 الحديث عن أهداف الصيام حديث يطول، ولكن الإنسان حينما يقرأ القرآن الكريم تأتي آية عجيب موقعها في آيات الصيام، ضمن آيات الصيام أقحمت آية كما تبدو لنا:

 

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

 

( سورة البقرة )

 كأن الله أراد أن يبين لك ثمرة يانعة من ثمرات الصيام ألا وهو أنك تكون في هذا الشهر مستجاب الدعوة، والإنسان متى يدعو الله عز وجل، العلماء قالوا في معنى قوله تعالى:

 

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً (77) ﴾

 

( سورة الفرقان )

 أن تدعو من تؤمن بوجوده أولاً، وتدعو من تؤمن أنه يسمعك، وتدعو من تؤمن أنه قادر على تلبية حاجتك، وتدعو من تؤمن أنه يحب أن يلبي حاجتك، ففي عنا أربع صفات إيمان بالوجود، وإيمان بالسماع والعلم، إيمان بالقدرة، إيمان بالرحمة، فالإنسان حينما يدعو الله عز وجل، يعني قبض على جوهر الدين وكأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما يقول:

 

(( الدعاء هو العبادة ))

 

[ رواه الترمذي عن النعمان بن بشير ]

 يعني العبادة من صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، ضغطت في الدعاء، فلذلك الصائم له دعوة مستجابة.

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

 شيء آخر أيها الأخوة:
 هو أننا في رمضان ندع الطعام والشراب، ترتاح الأجهزة، جهاز الهضم، جهاز الدوران، جهاز الإفراز، هذه الأعباء التي يسببها إدخال الطعام على الطعام يعد هذا الشهر الفضيل يعد دورة سنوية لصيانة أجهزة الجسم، وهذا شيء ثابت يُخاض به أبحاث كثيرة جداً حول حكمة الصيام من الناحية المادية، أجهزة كثيرة ترتاح في هذا الشهر، وأجهزة كثيرة يجدد نشاطها، وحينما تعلم أن الذي أمر بالصيام هو خالق الأكوان، هو العليم، هو الخبير إذاً الحكم التي تنتج عن الصيام لا تعد ولا تحصى.
 وأسأل الله أن يعننا على الصيام والقيام، وغض البصر وحفظ اللسان، وأن يجعلنا من عتقاء رمضان.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018