بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 51 - بيروت في مؤسسة الدكتور محمد خالد - المحاضرة الأولى


2004-11-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فإنني أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة وأرجو الله أن يكون موضوع المحاضرة نافعاً لنا جميعاً.
 أيها الأخوة:
 بادئ ذي بدء، فرق كبير بين الطقوس وبين العبادات، الديانات الأرضية الوثنية عندها طقوس، والطقوس حركات وسكنات وإيماءات وتمتمات لا معنى لها إطلاقاً، إلا أن العبادات في الإسلام كما قال الإمام الشافعي معللة بمصالح الخلق، ولنستعرض هذه العبادات:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

( سورة العنكبوت الآية: 45 )

 هذا الذي يسمى في علم النفس الوازع الذاتي، الأنظمة الوضعية تقوم على الرادع الخارجي، بينما الأديان السماوية تقوم على الوازع الداخلي.
 سيدنا عمر التقى براعٍ أراد أن يمتحنه، قال بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال ليست لي، قال قل لصاحبها ماتت، قال والله إنني أشد الحاجة لثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟
 أعظم ما الدين أنه يخلق ما في نفس المؤمن وازعاً داخلياً، فالحياة أيها الأخوة والله الذي لا إله إلا هو لا تستقم إلا بالإيمان بالله، لأن كل الأنظمة الوضعية لا تستطيع أن تحاسب الإنسان وهو في بيته، أو وهو الفرن في الساعة الثانية ليلاً، يا ترى يده طاهرتان وهو يعجن العجين، هل أهمل في غذاء الناس ؟ لا يمكن أن تنتظم الحياة إلا بالإيمان بالله هذه الصلاة.
 الصيام:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

 

( سورة البقرة )

 الإنسان إذا ترك الطعام والشراب، وسائر المفطرات، تقرباً إلى الله عز وجل أقبل عليه، إذا أقبل عليه، يعني انعقدت بينه وبين الله صلة، هذه الصلة تورث نوراً يقذفه الله في القلب، يرى به الخير خيراً والشر شراً، وهذا ورد في قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 29 )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾

( سورة الحديد الآية: 28 )

 إذاً: لعلكم تتقون أن تعصوا، لعلكم تتقون سخط الله عز وجل، هذا الصيام.
 الزكاة:

 

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 103 )

 الزكاة تطهر نفس الغني من الشح، تطهر نفس الفقير من الحقد، تطهر المال من تعلق حق الغير به، تزكي نفس الغني يشعر بعمله الطيب، تنمو نفسه في مبادئ علم النفس والفقير يشعر أن المجتمع لم يهمله تنمو نفسه أيضاً، والمال ينمو.
 أيها الأخوة:

 

(( ما تلف مال في بر أو بحر إلا بحبس الزكاة ))

 

[ أخرجه الطبراني عن في الأوسط عن عمر رضي الله عنهما ]

(( وحصنوا أموالكم بالزكاة ))

[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم والخطيب عن ابن مسعود ]

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

( سورة التوبة )

 الحج:

 

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 97 )

 وحينما تعلم أن الله يعلم استقمت على أمره وسعدت في الدنيا والآخرة، إذاً العبادات معللة بمصالح الخلق، ولكن موضوع هذه المحاضرة القصير هو أدرج شيء في العبادات أن العبادات الشعائرية، ومنها الصيام، الصلاة عبادة شعائرية، والصيام عبادة شعائرية والحج عبادة شعائرية، العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل، وهذا أخطر شيء في شهر الصيام إلا إذا صحت العبادات التعاملية، والعبادة التعاملية كالعام الدارسي، 9 أشهر حضور محاضرات، إصغاء إلى المدرسين، كتابة وظائف، مذاكرة، مراجعة، كتابة أطروحة شهرية أو سنوية، وتأتي ساعات الامتحان كالعبادة الشعائرية، في هذه الساعات الثلاث يصب الطالب العلم الذي تعلمه على الورق، وينجح، فساعات الامتحان لها معناً لا يوصف إذا كان الطالب مجتهداً، أما إذا كان كسولاً لا معنى لها إطلاقاً.
 هذه الفكرة نظرية أيها الأخوة، ولكن في التطبيق العملي النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه الكرام قال:

 

(( من المفلس ؟ ـ بحسب ما فهموا من سؤاله ـ قالوا المفلس من لا درهم له ولا متاع قال لا، المفلس من أتى بصلاة، وصيام، وصدقة، وقد ضرب هذا، وشتم هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته، طرحوا عليه سيئاتهم حتى يطرح في النار ))

 

[ رَوَاهُ مُسْلِم ]

 إذاً ما قيمة الصلاة إن لم ترافقها استقامة على أمر الله.

 

(( إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها، وصيامها، وصدقتها، لولا أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

(( يؤتى برجال يوم القيامة، لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباء منثورا، قيل يا رسول الله جلهم لنا، قال إنهم يصلون كما تصلون، ويأخذون من الليل كما تأخذون ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

 بدد الله أعمالهم.

 

[ أخرجه ابن ماجة عن ثوبان ]

 الحج:

 

 

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، ونادى لبيك الله لبيك، ينادى ألا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

 

[ أخرجه ابن عدي في الكامل والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عمر ]

 أريد أن أؤكد هذه الماحية العبادات الشعائرية الصلاة ـ الصيام ـ والحج ـ والزكاة الزكاة:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53)﴾

 

( سورة التوبة )

 فهذا المسلم الذي لا يغير ولا يبدل، ولا يقلع عن عادات لا ترضي الله عز وجل وعن ممارسات تغضب الله عز وجل، وعن شبهات واقع فيها، هذا المسلم إذا صام أصبح صيامه صياماً فلكلورياً، صيام اجتماعي، صيام ما له علاقة بالعبادة إطلاقاً، لأن الله عز وجل أمرنا أن ندع الطعام الشراب فلأن ندع ما حرم علينا من باب أولى، شيء بديهي جداً الشيء المباح الذي تأكل على مدى الأعوام، على مدى الأشهر كلها أنت في رمضان ممنوع أن تأكله، أيعقل أن تدع المباح وأن تقع في الحرام ؟
 أيها الإخوة الكرام:
 مرةً ثانية العبادات الشعائرية، ومنها الصلاة ـ والصيام ـ والحج ـ والزكاة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، لأن صلاتك لك، أما أخلاقك، وصدقك وأمانتك، وعفتك، وإنجاز وعدك، والوفاء بعهدك هذا للمجتمع، ما الذي يجذب الناس إلى الدين أيها الأخوة ؟ صدقوا، مهما كنت تؤدي الصلاة والنوافل لا تجذب الناس إلى الدين ولكن يجذب إلى الدين معاملتك لهم، هذا ما حمل الإمام الكبير ابن القيم الجوزي على أن يقول الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الإيمان زاد عليك في الخلق.
 الله عز وجل حينما شرع هذه العبادات أراد منها أن تحقق أهدافاً بالنسبة إلينا فالصيام دورة سنوية، كيف أن الإنسان في الصلاة يشحن من صلاة إلى صلاة، أوضح من ذلك هذا الهاتف المحمول لا بد من شحنه، وأنت كالهاتف المحمول، إن لم تشحن ضاعت كل امكاناتك، وكل تألقك، وكل سعادتك، هذا الشحن يجب أن يكون شحناً دورياً، فالصلاة شحنة يومية تعينك إلى الصلاة القادمة، لكن صلاة الجمعة شحنة أسبوعية تمدك بطاقة إلى الجمعة القادمة، لكن هناك شحنة دسمة إنها شهر الصيام، شحنة بثلاثين يوماً تعينك على أن تتابع طاعة الله عز وجل، والعمل الصالح، والانضباط بأمره إلى العام القادم.
 فالله عز وجل حينما اصطفى شهر رمضان على أشهر العام، أراد من هذا الاصطفاء أن يحصل فيه صفاء، وأراد من هذا الصفاء أن ينسحب على أشهر المتبقية، رمضان قفزة نوعية، وليس سلوك طارئ تعود إلى ما كنت عليه، لذلك المنافق مثله كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لمَ حُبست ولا لمَ أُطلقت، الإنسان الشارد عن الله لا يدري لا لمَ صام، ولا لمَ أفطر، صام كعادة من عادات المجتمع، أو كنمط سلوكي يفعله أهله، أما هو العبادة أن تفتح مع الله صفحة جديدة.
 أيها الأخوة:
 جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري أنه:

 

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، ومن أحي ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ))

 أخونا الكرام:
 رمضان فرصة سنوية كي تفتح مع الله صفحة جديدة، كي تصفو العلاقة بينك وبين الله، كي تشعر أن أحمال كالجبال أزحيت عنك، كي تشعر أن كل الذي كان بينك وبين الله يغفره الله لك في رمضان، إلا أنه لا بد من تحفظ، الذي يغفر في رمضان ما كان بينك وبين الله، أما ما كان بينك وبين الناس هذا لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، إذا أديت الحق إلى صاحبه أو سامحك صاحب الحق يغفر، لكن الذنب الذي بينك وبين الله هذه تغفر في رمضان إذاً أنت مدعو إلى فتح صفحة جديدة مع الله، أنت مدعو إلى أن تزيل كل رُكام الماضي بهذا الشهر الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾

 

( سورة النجم )

 أيها الأخوة الأحباب:
 اصطفى الله شهر رمضان ليكون فيه الصفاء، ولينسحب الصفاء على كل شهور العام فالبطولة أنك إذا ألفت الصلاة في المسجد، أنك إذا ألفت غض البصر، أنك إذا ألفت ضبط اللسان، أنك إذا ألفت البعد عن الغناء، أنك إذا ألفت البعد عن المسلسلات، أنك إذا ألفت تركت الغيبة والنميمة، هذا الانضباط إذا حصل في شهر رمضان كل بطولتك، وكل الهدف من الصيام أن يستمر على مدى أشهر العام، فقط بـ 1 شوال نفطر على الطعام والشراب ولكن ما تبقى مما تركناه في رمضان ينبغي أن يستمر إلى سائر العام،.
 بل أن الله اصطفى بيت الله الحرام، مكان مقدس، الصلاة فيه بألف ثواب، ما اصطفى بيت الله الحرام إلا ليكون الصفاء فيه للحاج، وما أراد الله أن يكون الصفاء فقط في أيام الحج، أراد أن ينسحب هذا الصفاء على كل مكان، أراد من الصيام أن ينسحب الصفاء على كل أشهر العام، وأراد من الصفاء في بيت الله الحرام أن ينسحب الصفاء على كل مكان ثم إنه اصطفى النبي العدنان، وأراد من هذا الاصطفاء أن يكون قدوة لكل بني البشر، الله عز وجل يدعونا إليه، يدعونا إلى طاعته، يقول في الحديث القدسي:

 

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب ))

 

[ أخرجه الحكيم البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الدرداء ]

 أخوانا الكرام:
 شهر رمضان شهر المناجاة، شهر القرب، شهر الحب، شهر تلاوة القرآن، شهر إنفاق الأموال، شهر صلة الأرحام، يجب أن يكون هذا الشهر متميز، يجب أن تتمنى أن يكون العام كله رمضان، يجب أن تشعر أنك مع الواحد الديان، فلذلك:

 

(( أهل ذكر أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ))

 إما إنه حبيب أو أنه طبيب.

 

 

(( ابتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))

 وفي بعض الآثار القدسية:

 

 

(( عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعَ بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين، عبدي لي عليك فريضة، لك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض بها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلملِ فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 

(( ليس كل مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، كف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسى العريان، ورحم المصاب وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما، والظلمة نورا، يدعوني فألبيه، يسألني فأعطيه، يقسم علي فأبره، أكلؤه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ رواه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 معظم الناس من دون استثناء يؤمنون أن الله خالق السماوات والأرض إلا قلة قلية ممن ركبت رأسها، لكن الذي أراده الله أن تقيم معه علاقة طيبة.

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)﴾

 

( سورة مريم )

 هل من مودة أعظم من أن تكون لك مودة مع الله، أرادك في هذا الشهر أن تزداد علماً بالله، مرةً أنا ضربت مثلاً:
 أنه لو قال لك طفل صغير أنا معي مبلغ عظيم، كم تقدر هذا المبلغ ؟ يعني ألف ليرة لبناني، معي مبلغ عظيم ألف، مئة ليرة ؟ أما لو قال موظف كبير بالبنتاغون أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً كم تقدر هذا المبلغ ؟ بالضبط، الطفل قال عظيم، وهذا المسؤول الكبير قال عظيماً، كلمة المسؤول الكبير تقدر بمئة مليار دولار، فإذا قال ملك الملوك إذا قال رب السماوات والأرض:

 

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) ﴾

 

( سورة النساء )

 أرادك في رمضان أن تتصل به، أن تقيم علاقة طيبة معه، أن تناجيه في التراويح أن تصغي إلى قرآنه الكريم، أن تغض بصرك عن محارم الله، حتى يريك الله نبذة تفوق كل شيء، أرادك أن تضبط لسانك، أرتد أن تقوم الليل.
 أيها الأخوة:
 لكن مع الأسف الشديد أحياناً في بعض بلاد المسلمين ينقلب رمضان من عبادة شعائرية راقية جداً تقيم علاقة بين العبد وربه، يعتقه الله من النار، يعفيه من كل الذنوب والخطايا، لكن أصبح رمضان في بعض البلاد موسم غذاء وطعام وشراب، ولقاءات وسهرات وندوات.
 والله مرة دعيت إلى إلقاء محاضرة في بيروت، وعقب هذه المحاضرة في رمضان دعينا إلى طعام الإفطار، في مطعم كبير جداً، كله ممتلئ بالذين حضروا، وكلهم صائمين طبعاً فتناولوا الطعام وأذن العشاء ولم يصلِ واحد منهم المغرب، والأراكيل على الطاولات والنساء كاسيات عاريات، قلت يا رب ما هذا الصيام ؟ هذا أصبح فلكلور، هذا الصيام عادات وتقاليد لا علاقة له بالدين.
 نريد أن نجدد هذا الدين أيها الأخوة، فتجديد الدين يعني أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس من الدين، هذا هو التجديد، فأنت ذقت الطعام والشراب، وأكلت من طعام الولائم، وذقت طعم الزواج، وذقت السياحة في الأرض، يعني كل هذه اللذائذ الحسية ذقتها هلا جربت في رمضان السعادة الروحية ؟ اللذة أيها الأخوة متعلقة بالمال، ومتعلقة بما حولك وتأتيك من الخارج، وتأثيرها متناقص، فإن كانت في معصية عقبتها كآبة، تحيل حياة الإنسان إلى جحيماً، ولكن السعادة تنبع من الداخل، وهي في نماء، وتنهي إلى الجنة، فرق كبير، كأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الشهر دورة تدريبية مكثفة، كأن الله في هذا الشهر أغلق أبواب النار وفتح أبواب الجنة.
 فيا أيها الأخوة الأكارم:
 نحن في العشر الأخير، وهذه الليلة ليلة القدر خير من ألف شهر، بمعنى أنك لو عبدت الله 83 عاماً بكل العبادات العشائرية ولم تقدر الله حق قدره ليلة واحدة قدرت الله حق قدره خير من ألف شهر، والدليل قوله تعالى:

 

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 67 )

 معنى ذلك أنك إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض ربما نشأ عندك تعظيم لله.

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

 

( سورة فاطر)

 أنا ذكرت مرة أن هذه البعوضة الصغيرة، التي ذكرها الله في القرآن الكريم حيث قال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

 

( سورة البقرة الآية: 26 )

 هذه في رأسها مئة عين، بعد أن اكتشفت المجاهر الالكترونية، في فمها 48 سناً في صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وفي كل قلب دسامان، وأذينان وبطينان، ومعها جهاز استقبال حراري، ترى الأشياء بحرارتها، وحساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المؤوية، ومعها جهاز تحليل للدم، ما كل دم يناسبها، ومعها جهاز تمييع للدم، ومعها جهاز تخدير، وفي خرطومها ستة سكاكين، أربع سكاكين لأحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب، وفي أرجلها محاجم ومخالب:

 

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

 

( سورة غافر )

 فيا أيها الإخوة الكرام:
 يمكن أن أضغط الدين كله في كلمات ثلاث: تعرفه فتطيعه، فتسعد بقربه في الدنيا والآخرة.
 لذلك العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، كل واحد منا مجبول على حب وجوده، وعلى حب سلامة وجوده، وعلى حب كمال وجوده، وعلى حب استمرار وجوده، فإذا تعرف إلى الله، يا ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، إن تعرفت إلى الله كان الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك.

 

(( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له،مَنْ كَانَتْ الاَخِرَةُ هَمّهُ جَعَلَ الله غِنَاهُ في قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدّنْيَا وَهِيَ راغِمَة ))

 

[ رواه الترمذي عن أس رضي الله عنهما ]

(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه وأرسخت الهوى من تحت قدميه، وما من عبد يطعيني إلا وأنا معطيه قبل أن يسألني، وغافر له قبل أن يستغفرني ))

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

 أيها الإخوة الكرام:
 يجب أن نعرف قيمة هذا الشهر، ويجب أن نعرف قيمة العشر الأخير، ويجب أن نكون عند حسن ظن الله بنا، فلعل الله يرحمنا، ويزيح عن كاهل هذه الأمة هذا الكابوس الذي أصاب العالم كله.

 

(( فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة ))

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 أنا آسف جداً لمدة المحاضرة، لأنني على موعد في بيروت مع آذان المغرب أستميحكم عذراً.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018