بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 52 - بيروت في مؤسسة الدكتور محمد خالد - المحاضرة الثانية


2004-11-06

 أيها الأخوة والأخوات نجدد ترحيباً بكم عبر إذاعة القرآن الكريم من لبنان التابعة لدار الفتوى في الجمهورية اللبنانية من مؤسسة الدكتور محمد خالد الاجتماعية أمسية رمضانية جليلة، يحدثنا فيها فضيلة العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي، عندما تم اختياري لتقديم صاحب الفضيلة شعرت بالفخر وبالحرج أمام هذا العالم الجليل وعما أتكلم عنه وهو أشهر من أن يُعرف ولكن لا بأس أن نذكر في هذه العُجالة الطيبة بعض من معالم هذا العلم الإسلامي الكبير الذي نرجو الله سبحانه وتعالى أن يطيل عمره وأن يبقيه ذخراً للعلم والعلماء في هذا العالم.
 العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي من مواليد دمشق في عام 1938 من أسرة حظها من المال قليل ومن العلم كثير، فقد كان والده عالماً من علماء دمشق ومدرساً في جامع الشيخ محي الدين بن عربي، وفي جامع الشيخ عبد الغني النابلسي، وترك مكتبة كبيرة تضم بعض المخطوطات، والتحق فضيلته بمدراس دمشق الابتدائية ثم الإعدادية فالثانوية ثم التحق بمعهد إعداد المعلمين وتخرج فيه بالعام1965 ثم التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة دمشق وتخرج منها عام 1964 حيث حصل على الليسانس في آداب اللغة العربية وفي علومها، ثم التحق بكلية التربية بجامعة دمشق ليتابع الدراسات العلية، فحصل في عام 1966 على دبلوم التأهيل التربوي بتفوق، ثم التحق بجامعة ليون فرع لبنان وحضر رسالة الماجستير في الآداب، وكان موضوعه أطروحته آنذاك توفيق الحكيم ناقد، حيث وافقت وزارة الثقافة والإرشاد القومية في سورية على طبع الكتاب على نفقتها وقد حصل على شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة دوبلن من بريطانية في موضوع تربية الأولاد في الإسلام عام 1999، عمل العلامة النابلسي في حقل التعليم الثانوي الرسمي ثم الجامعي حيث عُين أستاذاً محاضراً في كلية التربية بجامعة دمشق بدءاً من عام 1969 حتى 1999 وقد ألف وشارك في تأليف عدة كتب متعلقة بعمله الوظيفي أبرزها كتاب المطالعة المقرر بشهادة بدراسة الشهادة الثانوية بفرعيها الأدبي والعلمي، ثم استمر تدريس هذا الكتاب قرابة عشر سنوات، وله أيضاً كتاب أصول تدريس اللغة العربية لطلاب الدراسات العليا بكلية التربية بجامعة دمشق، طبعاً كان يمارس إلى جانب هذا العمل كل المهام الدينية في أهم المساجد في العاصمة السورية، كما مثل الجمهورية العربية السورية في الكثير من المؤتمرات الدولية وألقى محاضرات كثيرة في عدة دول عربية وأجنبية، وله الكثير من المؤلفات أبرزها نظرات في الإسلام طبع ثلاث مرات، وكتاب تأملات في الإسلام طبع مرتين، وكتاب كلمات مضيئة ولقاءات مثمرة مع الشعراوي، وكتاب الإسراء والمعراج، وكتاب الهجرة وكتاب الله أكبر، وكتاب موسوعة الأسماء الحسنة وهو ثلاث مجلدات، وتحت الطبع الآن وموسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، وأيضاً ومضات في الإسلام، وأيضاً تفسير سورة النور، وله مقالات كثيرة كتبت في العديد من الصحف العربية، وبعضها في لندن والعلامة النابلسي عنده موقع على الانترنيت يزوره حوالي العشرة آلاف زائر في الأسبوع هذا غيض من فيض نحن في النبذة التاريخية عن حياة العلامة النابلسي لا نؤديه حقه، ولكن الوقت يداهمنا، ومعنا وقت قليل والمحاضرة بأذن الله ستكون بين المحاضرات القيمة التوفيقية في هذا الوقت المعاصر، وهي تحت عنوان:

ورقة العمل الإسلامي

 آسف صاحب الفضيلة عن هذا التطويل وهو حق لكم وأترك الكلمة لفضيلتكم جزاكم الله خيرا.
 بارك الله بكم.

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
 أيها الإخوة الكرام:
 حضوراً ومستمعين لا يسعني إلا أن أشكركم على حضوركم وعلى تلك الدعوة القيمة وأسأل الله جل جلاله أن أقدم لكم شيئاً ننتفع به جميعاً في هذه الأمسية الرمضانية.
 أيها الإخوة الأحباب:
 الله جل جلاله ربط فضله وعطاءه وجنته بالعمل، قال:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

( سورة الأنعام الآية: 132 )

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

( سورة الكهف الآية: 110)

 ليس في الإسلام ما يسمى بالإعجاب السلبي أن تكتفي أن تعجب بهذا الدين العظيم وبقيمه وبمبادئه وألا تتحرك، فضل الله عز وجل ومراتب الإيمان العالية لا ينالها الإنسان إلا بالعمل، وشاءت حكمة الله جل جلاله أن يكون الأمر متداولاً بين الجميع، فلذلك في عصر قوي فيه الطرف الآخر وضعف فيه المسلمون ليس أمامنا إلا العمل، وما دمنا نتألم ونعبر عن ألمنا، ونعبر عن ضعفنا، ولا نتحرك فالله سبحان الله لا يمكن أن يعطينا ما نتمنى، لا يعطينا ما نتمنى إلا بالعمل، أخشى أن تكون السمة السلبية والاستسلام واجترار الآلام والتعبير عن خيبة الأمل هو السلوك الوحيد الذي يعيشه المسلمون اليوم، لا بد حركة، لا بد من أن نعمل شيئاً، ورغم كل الظروف الصعبة وعلى الرغم من كل المعطيات التي لا ترضي يمكن أن نعمل كل شيء، لأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نعمل.
 أيها الإخوة الكرام:
 العمل قيمة متاحة لكل مسلم، والعبرة أن تتحرك، فمن يمنعك أن تقيم الإسلام في نفسك، من ؟ من يمنعك أن تكون صادقاً ؟ وأمنياً ؟ وعفيفاً ؟ من يمكنك أن تقيم الإسلام في بيتك ؟ فتربي أولادك، من يمنعك أن تقيم الإسلام في عملك ؟ فتؤدي ما عليك، وتطلب ما لك، ليس في جهات الأرض كلها من يحول بينك وبين أن تكون مسلماً في شخصك، وفي بيتك، وفي عملك، هذا الشيء الذي متاح لنا ولا نعفى من أجل أن نتذرع بالذرائع والمبررات التي ليست مقبولة عند الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام:
 يجب أن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يمكن أن يكون التكليف فوق طاقتنا، ومهما ساءت الظروف، ومهما ادلهم الخطب، ومهما تآمرت على المسلمين كل قوى الأرض المسلم بإمكانه أن يعمل، والله عز وجل ينتظرنا أن نعمل.

 

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 105 )

 أيها الإخوة الكرام:
 نحن كلما ذكرنا الجهاد دون أن نشعر يقفز إلى أذهاننا ما يسمى بالقتال الجهاد، مع أن في الإسلامي أنواع منوعة من الجهاد، يقع في رأس القائمة جهاد النفس والهوى المهزوم أمام نفسه، وأمام شهواته، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، أنا أرى أن جهاد النفس والهوى هو البداية، أنت حينما تضبط جوارحك فتوقعها وفق مرضاة الله، تضبط عينك ولسانك وأذنك وتضبط حركتك، وتضبط كسب مالك، وإنفاق مالك، وتضبط نفسك وأولادك ومن يلوذ بك، وتضبط عملك، تكون قد قدمت شيئاً ثميناً والله سبحانه وتعالى يتولى الباقي إذاً جهاد النفس والهوى هو الجهاد الأول ولا تستطيع جهة في الأرض أن تمنعك عن أن تكون كاملاً، أنا أتكلم بالواقع، أنا أريد أن أضع بين أيديكم السبل الواقعية للعمل، ليس على وجه الأرض من يمنعك أن تكون متمسكاً بدينك، متمسكاً بقيم الإسلام، عاملاً لمبادئه، وبواجبات المسلم تجاه ربه وتجاه من حوله، هذه واحدة، ثم أن هناك جهاداً آخر هو الجهاد الدعوي يقول الله عز وجل:

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾

 

( سورة الفرقان الآية: 52 )

 أي بالقرآن.

 

﴿جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

( سورة الفرقان )

 أنت حينما تتعلم القرآن وتعلم القرآن، حينما تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر حينما تكون قدوة أنت لمن حولك، فهذا عمل عظيم، العبرة أن نطبق الكلام وأن نسلك طريق العمل لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

 

( سورة فاطر الآية: 10 )

 لا يرفعنا عند الله إلا العمل، وقد لا نحتاج إلى معلومات كثيرة بقدر ما نحتاج إلى أعمال جليلة وأعمال مخلصة.
 أيها الإخوة الكرام:
 إذا بدأنا بجهاد النفس والهوى وهذا متاح لكل إنسان، وهذا قال عنه النبي العدنان:
 رجعنا من الجهاد الأصغر ـ الجهاد القتالي ـ إلى الجهاد الأكبر ـ جهاد النفس والهوى.
 هذا متاح لنا جميعاً في العالم الإسلام كله، ولا أحد يمنعك أن تجاهد نفسك وهواك ثم إنك إذا تعلمت كتاب الله وعلمته، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، انتقلت إلى جهاد آخر ؛ هو الجهاد الدعوي، وسماه الله جهاداً كبيراً بنص الآية الكريمة:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾

 البند الثالث في ورقة العمل: هذه الأمة تحتاج إلى التعاون، وإلى التناصر، كل منا في موقع، ما منا واحد على الإطلاق إلا وله موقع، لو عمق خبرته، وأتقن عمله، وقدم هذا الإتقان، وذاك العمل لأمته، فلعلها تقوى، هذا أيضاً نوع من الجهاد، أنا ممكن أن اسمي هذا الجهاد ؛ الجهاد البنائي، هناك جهاد النفس والهوى، وهناك جهاد دعوي، وهناك جهاد بنائي، فهذه الأمة تحتاج إلى أن نستخرج ثرواتها، وأن نيسر فرص العمل، ولذلك حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾

 

( سورة الأنبياء )

 من أدق ما قاله المفسرون حول هذه الآية أن الصالحون هنا، هم الصالحون لإدارة الأرض، بتقديم الخدمات، بضبط الأمور، بتهيئة فرص العمل، لإقامة العدل، ولبعض العلماء كلمة رائعة جداً هو أن هذه الدنيا تصلح للكفر والعدل، ولا تصلح للإيمان والظلم فإذا كان المؤمن الذي يعرف الله عز وجل كان صالحاً بإدارة هذه الدنيا استخلفه الله عز وجل فإن لم يكن صالحاً لاستخلاف، لأن يكون خليفة الله في الأرض، إن لم يكن صالحاً لإعمار الأرض يستخلف الله الصالحين لإعمار الأرض، ولحسن إدارتها، هذا الكلام مؤلم، لكنه واقعي، هذا الكلام يفسر لنا لماذا ضعف المسلمون وقوي الطرف الآخر، الذي يصلح لإدارة الأرض ولإعمار الأرض، ولكي يكون خليفة الله في الأرض هو الذي يرث الأرض، فلذلك على المسلمين فضلاً عن إيمانهم وعن استقامتهم وعن عملهم الصالح، أن يكونوا مؤهلين ليكونوا خلفاء الله في الأرض، وليكونوا ممن يعمرها، فلذلك أيها الأخوة، هذه الساعة التي بيدي ساعة رقمية، وهناك ساعة بيانية أساسها المسننات والعقارب، وهذه الساعة أساسها الأرقام، كل ساعة لها نظام، نظام الأرض يرثها عباده الصالحون، نظام الآخرة يرثها المؤمنون المستقيمون الذين يعملون الصالحات، فإذا جمع المؤمن بين حسن إدارة الأرض وحسن إقامة العدل فيها وبين الإيمان، استخلفه الله في الأرض.

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 أيها الإخوة الكرام:
 هذا الجهاد النفسي، ويليه الجهاد الدعوي، ويليه الجهاد البنائي، هذه الأمة تحتاج إلى أن تكتفي ذاتياً لا أن تكون عالة على بقية الأمم، تحتاج أن تأكل ما تزرع، تحتاج أن تلبس ما تنسج، تحتاج أن تستخدم الآلات ما تصنعها، فإذا أتقن كل واحد منا اختصاصه وطوره وقدمه للأمة تقوى هذه الأمة، وإذا قويت يمكن أن يستخلفها الله في الأرض.
 أيها الإخوة الكرام:
 ورقة العمل التي في رمضان، نحن على مشارف ليلة القدر، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

( سورة القدر )

 أيها الإخوة الكرام:
 الألف شهر تقترب من 83 سنة، 83 سنة تعبد الله فيها عبادة جوفاء خير منها ليلة واحدة تقدر الله حق قدره، هذا المعنى مستنبط من قوله تعالى:

 

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 67 )

 في علم أصول الفقه ما يسمى بالمعنى المخالف، المعنى المخالف المعنى العكسي.

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 ماذا ينبغي أن نكون نحن ؟ أن نقدر الله حق قدره، لذلك هذا هو الفرق بين العلم وبين العبادة.

 

 

((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ))

 

[ رواه الترمذي وابن ماجه ]

(( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان، عن أبي الدرداء ]

 العابد أيها الأخوة قد يلج قبل مئة عام، لكنه في زمن الشبهات، وفي زمن الشهوات وفي زمن الضالات، وفي زمن النساء الكاسيات العاريات، وفي زمن يُضام فيه الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، في زمن يُكذب فيه الصادق، ويصدق فيه الكاذب، في زمن يؤتمن فيه الخائن ويخون الآمين، في زمن يوسد الأمر فيه لغير أهله، في زمن الفتن في زمن الضالات، في زمن التطاول على الإسلام، وعلى نبي الإسلام، وعلى قرآن الله عز وجل، في هذا الزمن الذي يذوب فيه قلب المؤمن مما يرى ولا يستطيع أن يغير إن سكت استباحوه، وأن تكلم قتلوه، في هذا الزمن الصعب، الذي تعيشه الأمة الإسلامية، في هذا الزمن الصعب لا يكفي أن نكون عبّاد لله، لأن العبادة لا يمكن أن تقف أمام الضغوط الشديدة، ولا أمام الإغراءات الشديدة، لا يمكن أن يقف العابد أمام سبائك الذهب اللامعة ولا أما سياط الجلادين اللاذعة، لا بد من علمٍ يكون صاحبه كالجبل الراسخ.

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 نحن في زمن لا يستطيع العباد أن ينجو، لأن مقاومته هشة، لا تصمد أمام الضغوط التي تتلقها اليوم نحن، ولا تصمد أمام إغراءات الحياة، الفتن يقظة، والشهوات مستعرة وكل شيء يدعو إلى المعصية.
 أيها الأخوة الأحباب:
 حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

 نتابع:

 

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 67 )

 معنى ذلك أنه ينبغي أن نتفكر في خلق السماوات والأرض.
 أخوتنا الكرام حضوراً ومستمعين:
 بربكم هل يقبل عاقل أن يكون في القرآن كلاماً لا معنى له، أن قرأت آية فيها أمر ماذا تقتضي هذه الآية ؟ تقتضي أن تأتمر بما أمر الله، وإن قرأت آية فيها نهي، ماذا تقتضي هذه الآية ؟ تقتضي أن تنتهي عما نهى الله عنه، وإذا قرأت آية فيها مشهد من مشاهد يوم القيامة، ماذا تقتضي هذه الآية ؟ أن تعمل للآخرة، وإذا قرأت آية فيها آية كونية، وفي القرآن 1300 آية كونية، هل يعقل أن تكون هذه الآيات 1300 لا موقف لنا منها، هل يعقل أن تكون هذه الآيات لا تقدم ولا تؤخر، تقتضي التفكر.

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

( سورة آل عمران )

 أخوتنا الكرام حضورا ومستمعين:
 المرحلة المكية التي بقي فيها النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طويلة يتنزل عليه الآيات المكية التي تتحدث عن الكون:

 

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) ﴾

 

( سورة الشمس)

﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) ﴾

( سورة الفجر)

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾

( سورة عبس)

 هذه الآيات الكونية تمثل مرحلة إيمانية ينبغي ألا نغفلها، فلذلك لا بد من أن نتعرف إلى الآمر وبعدها نتعرف إلى الأمر، إنك إذا تعرفت إلى الآمر تفانيت في طاعته، لكنك إذا تعرفت إلى الأمر ولم تتعرف إلى الآمر تفننت في التفلت من هذا الأمر وهذا حال المسلمين اليوم، الأوامر والنواهي بين أيديهم، ولا أحد يجهلها، ولكن لماذا لا تطبق ؟ لأنهم ما عرفوا من هو الآمر، ما ينتظر الإنسان من هذا الإله العظيم لو أطاعه، وما ينتظر الإنسان من هذا الإله العظيم لو عصاه، إذاً نحن حينما نقف وقفة متأنية عند ليلة القدر يجب أن نعلم أنه ينبغي أن نقدر الله حق قدره، مع أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، لكن العقول تصل إليه لأن كل هذا الكون يجسد أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا تفكر الإنسان وعد التفكر عبادة من أجل العبادات، هذا الفكر أوصله إلى الإيمان بالله والخشية منه.

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ ﴾

 

﴿مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر الآية: 28 )

 أيها الإخوة الكرام:
 لقطة واحدة، لأنه ينبغي أن نتابع ورقة العمل، هذه القطة هو أنه أقرب نجم ملتهباً إلى الأرض، بعيداً عن درب التبابنة وعن المجموعة الشمسية يبعد عنا أربع سنوات ضوئية والضوء يقطع بالثانية الواحدة 300 ألف كيلومتر، كم يقطع بالدقيقة ضرب 60 = 18000000، وكم يقطع بالساعة ضرب 60 = 1080000000، وكم يقطع باليوم ضرب 24 = 25920000000، وكم بقطع بالسنة ضرب 365 = 9460800000000، وكم يقطع بالسنوات الأربع ضرب 4 = 37843200000000، هذا الرقم الكبير، لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم بمركبة أرضية سرعتها 100 لو قسمنا هذا الرقم على 100 = 378432000000، كم ساعة نصل إلى هذا النجم، لو قسمنا على 24 = 15768000000، كم يوم، لو قسمنا على 365 = 43200000 كم سنة، هل تصدقون أننا من أجل أن نصل إلى هذا النجم الذي هو أقرب نجم ملتهب إلى الأرض نحتاج إلى 43200000 عام، متى نصل على نجم القطب، الذي يبعد عنا أربع آلاف سنة ضوئية الأربع سنوات ضوئية 43200000 عام، متى نصل إلى المرأة المسلسلة التي تبعد عنا مليونيين سنة ضوئية، متى نصل إلى بعض النجوم التي تبعد عنا 20 مليار سنة ضوئية.

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ﴾

 

( سورة الواقعة )

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 أنت حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض تعرف من هو الإله الذي تعصيه، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن أنظر على من تجترح، أنا ألح على أن البند الأول من ورقة العمل أن تتعرف إلى الله، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وحينما لا نعرف الله عز وجل نتفلت من منهجه ونستغل الدين، ونتاجر به، ونسيء إلى خلقه.
 أيها الإخوة الكرام:
 ليلة القدر تعني أن تعرف الله، يجب أن نعلم علم اليقين أن ليلة القدر، ليلة واحدة خير من ألف شهر، أن تعبد الله ثمانين عام عبادة دءوبة جوفاء من دون أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، ليلة واحد تعرفت إلى عظمة الله، إلى أسمائه الحسنى، إلى صفاته الفضلى، إلى كماله، إلى وحدانيته، إلى أن هو الخالق، والرب والمسير، هذه الليلة خير من ألف شهر، ففي ورقة العمل الإسلامي أن تكون عالماً لا أن تكون عابداً، وقلت قبل قليل لعله قبل مئة عام حيث كان الصلاح عاماً، لعله قبل مئة عام أو قبل خمسين عام يمكن أن تنجو بعبادتك، ولكنه في زمن الفتن، وفي زمن الشبهات، وفي زمن التطاول على الدين وفي زمن التطاول على القرآن الكريم، وفي زمن التطاول على نبي الإسلام، وفي زمن الفتن المستعرة والشهوات اليقظة لا تكفي العبادة، ففي ورقة العمل لا بد من أن تكون عالماً وطرق أن تكون عالماً بين يديك.
 أيها الإخوة الكرام:
 لذلك نحن مضطرون أن نذكر أن أول آية أنزلت في القرآن الكريم:

 

﴿اقْرَأْ﴾

 

( سورة العلق الآية: 1 )

 أي تعلم، والقراءة مفتاح التعلم، وإذا أغفلنا المفعول به أطلق الفعل، أقرأ في الكون والكون قرآن كريم لكنه صامت، أقرأ في القرآن والقرآن كون ناطق، أقرأ في سيرة النبي العدنان والنبي العدنان قرآن يمشي، أقرأ، اطلب العلم، في الإنسان حاجات سفلى نحن والبهائم فيها سواء، وفي الإنسان حاجات علية، أول هذه الحاجات المعرفة، طلب العلم معرفة الحقيقة، وما لم نلبِ الحاجة العلية فينا لسنا من بني البشر، وما لم نلبِ الحاجة العلية فينا لسنا ننتمي إلى هذا الصنف الأول الذي كرمه الله عز وجل.

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

 اقرأ، لا بد من طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخر فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطيك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.
 أيها الإخوة الأحباب:
 ما لم نطلب العلم لا نؤكد إنسانيتنا، بل نؤكد حيوانيتنا، لذلك ما من تعريف جامع مانع للعولمة، تعريفها بكلمة على وزنها الحيونة، أن نعود إلى حيوانيتنا، إلى شهواتنا السفلى.
 أيها الإخوة الكرام:
 البند الأول في ورقة العمل أن نطلب العلم، هذا العلم الذي ينجي، هذا العلم الذي يعرفنا برسالتنا، بمهمتنا، بربنا، بمنهجنا، بطريقنا إلى سلامتنا وسعادتنا، ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويحب وجوده، ويحب سلامة وجوده، ويحب كمال وجوده، ويحب استمرار وجوده.
 أيها الإخوة الكرام:
 اقرأ، الكلمة الأولى التي نزلت على قلب النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان اقرأ ؛ أي تعلم، القراءة مفتاح العلم، قراءة في الكون، وقراءة في القرآن، وقراءة في شرح المعصوم في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن ؟ يجب أن نعلم علم اليقين أن هناك أربع قراءات في سورة اقرأ، القراءة الأولى يجب أن تكون مقيدة بالإيمان بالله.
 أيها الإخوة:
 ما يطبع كل يوم من كتب في العالم باللغة الإنكليزية وحدها لا يستطيع الإنسان أن يقرأ هذه الكتب في مئتين عام، ماذا تقرأ ؟ العمر محدود، لا بد من أن تصطفي، لو أنك في مكتبة وفيها أربع جدران ممتلئة بالكتب، وفي هذه الكتب كتاب واحد هو الكتاب المقرر الذي سوف تؤدي فيه امتحان، ويبنى على نجاحك بالامتحان مستقبلك ودخلك وزواجك ووظيفتك هل يعقل أن تقرأ كتاب قصة والامتحان على الأبواب، لا بد من أن تقرأ الكتاب المقرر ماذا ينبغي أن تقرأ بالكون قال:

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾

 ينبغي أن تقيد قراءتك بإيمانك بالله الذي خلقك، أما العلم للعلم، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن أذن لا تسمع، ونعوذ بك من هؤلاء الأربع ))

 دخل عليه الصلاة والسلام على أصحابه في المسجد فرآهم متحلقين حول رجل سألهم سؤال العارف من هذا ؟ قالوا هذا نسابة، قال:

 

 

((هذا علم لا ينفع صاحبه إذا تعلمه، ولا يضره إذا جهله.))

 إذاً ينبغي أن نصطفي ماذا نقرأ ؟ يجب أن نقرأ لنؤمن بالله،يجب أن تقيد القراءة والعلم من أجل أن نؤمن بالله العظيم.
 أيها الإخوة:
 لقطة دقيقة جداً، يقول الله عز وجل:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 قال علماء التفسير: الأمر ينصب على الذكر الكثير، على الذكر الكثير فقط، لأن المنافق يذكر الله، لكنه لا يذكره إلا قليلاً، الآن:

 

﴿إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

 

( سورة الحاقة )

 معظم البشر يؤمنون بالله خالقاً، لكنهم لا يؤمنون به عظيماً، يخشعون أمامه يؤدون طاعته، يتقربون إليه.

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 ينبغي أن نقرأ في الكون وفي القرآن، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام قراءة تفضي بنا إلى الإيمان بالله، الإيمان الذي يحملنا على طاعته، وتفضي بنا إلى الإيمان باليوم الآخر، الإيمان الذي يردعنا أن نوقع الأذى بالآخرين.
 أيها الإخوة:
 هذا هو البند الأول القراءة الإيمانية، لكن الله ما كلفك أن تكون رائد فضاء، ولا إنساناً يعمل في محطة فضائية كبيرة، ولا على مجهر الكتروني، قال:

 

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) ﴾

 فكر في وجودك، فكر في ذاتك، فكر في نفسك.

 

 

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

( سورة الذاريات )

 فكر في طعامك، فكر في شرابك، فكر مما خلقت:

 

﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) ﴾

 

( سورة الطارق )

 فكر في الجبال، فكر في الشمر والقمر، في الليل والنهار.

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) ﴾

 هذه القراءة الأولى.
 القراءة الثانية: الأولى سأسميها قراءة البحث والإيمان، أما القراءة الثانية فهي قراءة الشكر والعرفان.

 

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) ﴾

 منحك نعمة الإيجاد، منحك نعمة الإمداد، منحك نعمة الهدى والرشاد، هذه القراءة الثانية هي قراءة الشكر والعرفان،.
 أيها الإخوة:

 

 

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

 هذه الأمانة حملها الإنسان، وتصدى لحملها، وقال يا ربي أنا لها، لذلك سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، والمسخر له أكرم من المسخر، إذاً الإنسان هو المخلوق الأول ينبغي أن يشكر الله على أنه سخر له هذا الكون، ولكن كيف سخر له هذا الكون ؟ سخر له الكون تسخير تعريف وتكريم، تماماً كما لو كنت بحاجة إلى آلة بالغة التعقيد فجاء صديق لك واخترع هذه الآلة، ولا بد من أن يكون على علم كبير حتى اخترعها، ثم قدمها لك هدية، رد فعلك حالة الإكبار لهذا المخترع المدهش، وحالة الشكر والامتنان لأنها قُدمت لك هدية، والله عز وجل سخر هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، موقفك من التعريف أن تؤمن، ومن التكريم أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، الآن ننتبه إلى قوله تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

 

( سورة النساء الآية: 147 )

 أنت حينما تشكر أن الله أوجدك وأمدك وهداك، حينما تشكر ذلك، وحينما تؤمن بالله عز وجل تكون قد قدمت الذي عليك، تكون قد قرأت الكون قراءة شكر وعرفان، لا يكفي أن نقرأ ما في الكون قراءة بحث وإيمان، بل ينبغي أن نضم إليها قراءة الشكر والعرفان هذه القراءة الثانية.

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)﴾

 دقق الآن في هذه النعمة نعمة الكبرى البيان:

 

 

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

 

( سورة الرحمن )

 أرقى اتصال بين بني البشر هو البيان، لو أن دولة أرادت لأسباب قومية، أو لأسباب وطنية أن تمنع التجول، يكفي إلى أن يستمع المواطن إلى كلمات عدة في الإذاعة فيدخل إلى بيته، ما الذي حصل ؟ حصل اتصال بين كل هؤلاء الناس وبين الآمر عن طريق اللغة، فاللغة أعلى أداة اتصال بين أفراد النوع، هذه نعمة الله عز وجل تفضل بها علينا.

 

﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 أنت بالبيان تعبر عن أفكارك، تعبر عن مشاعرك، تعبر عن حاجاتك ت تعبر عن ما تريد وأنت بالبيان تستمع إلى أفكار الآخرين، وإلى مشاعر الآخرين، وإلى حاجات الآخرين، فأعلى أداة، أداة اتصال بين أفراد النوع هو البيان، ولكن دقق في الآية:

 

 

﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) ﴾

 

( سورة العلق )

 أنت بالمشافهة تتصل مع من تعاصر، مع من تلتقي، لكنك في الكتابة والقراءة تتصل مع من لم تلتقِ، تتصل مع أجيال أخرى، مع شعوب أخرى، مع أمم أخرى، مع أجيال لاحقة، مع أجيال سابقة، هذا التواصل بين بني البشر سببه الجانب الكتابي في اللغة.

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)﴾

 فإذا أضفنا الترجمة أصبحت المعارف الإنسانية مخزونة في مكان واحد، فيمكن أن تنتقل الثقافة من أمة إلى أمة، ومن جيل إلى خيل، لذلك قضية البيان قضية اختص الله بها الإنسان.

 

 

﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾

 القراءة الأولى: قراءة البحث والإيمان.
 القراءة الثانية: قراءة الشكر والعرفان.
 القراءة الثالثة: فهي قراءة الوحي والإذعان.

 

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)﴾

 

﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾

( سورة العلق )

 فالشيء الذي عجز فكر عن إداركه أخبرك الله به بالوحي، أخبرك لماذا خلقك أخبرك ماذا بعد الموت، أخبرك عن الماضي السحيق، عن المستقبل البعيد، أخبرك عن ذاتك، كل شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، هذه قراءة الوحي والإذعان، ونعوذ بالله من القراءة الرابعة.
 قراءة: الطغيان و العدوان.
 نتفوق في العلم كي نصنع الأسلحة الجرثومية، نتفوق في العلم كي نصنع الأسلحة الكيماوية، نتفوق في العلم كي نصنع القنبلة الخارقة الحارقة، ينبغي أن تخترق متر من الاسمنت المسلح وبعدها تنفجر بسكان الملجأ، نخترع القنبلة الانشطارية، والقنبلة الذكية نخترع أسلحة فتاكة تبيد البشر من اليسطرة على أطراف الدنيا، من أجل استغلال ثرواتها هذه قراءة العدوان والطغيان، دقق:

 

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) ﴾

 

( سورة العلق )

 بالعلم:

 

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) ﴾

 

( سورة العلق )

 فبين أن تقرأ الكون قراءة بحث وإيمان وأن تقرأه قراءة شكر وعرفان، وأن تقرأه قراءة وحي وإذعان، بقي أن الطرف الآخر الذي شرد عن الله عز وجل يقرأ ما في الكون ويتعلم ويتفوق من أجل العدوان والطغيان، وقد قدم الله مثلاً من الأمم السابقة قوم عاد قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) ﴾

 

( سورة الفجر )

 الآن دققوا:

 

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) ﴾

 

( سورة الفجر )

 تفوق في شتى المجالات، في الصناعة، والزراعة، والبناء، والحرب، والبطش أول صفة لعاد أنها تفوقت في كل المجالات، الشيء الثاني أنها تفوقت في البنيان.

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

 

( سورة الشعراء )

 وتفوقت في الناحية العسكرية:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) ﴾

 

( سورة الشعراء )

 وتفوقت في الناحية العلمية:

 

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ﴾

 

( سورة العنكبوت )

 لكنهم مع تفوقهم في البناء والعمران، وفي الصناعة، وفي الناحية العسكرية مع تفوقهم في كل المجالات كانوا متغطرسين:

 

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 15 )

 أيها الإخوة الكرام:
 ما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من أشد منهم قوة، إلا عاداً، حينما أهلكها قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) ﴾

 

( سورة فصلت )

 ما كان فوق عاد إلا الله، هذا نموذج من التفوق العلمي من أجل العدوان والطغيان كيف عالجها الله عز وجل ؟

 

﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)﴾

 

( سورة الحاقة )

 ماذا فعلت عاد ؟

 

﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) ﴾

 

( سورة الفجر )

 لا في بلد واحد، في كل البلاد، في كل القارات.

 

﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) ﴾

 

( سورة الفجر )

 يعني قصفوا وأفسدوا، أفسدوا بأفلامهم، وقصفوا بآلاتهم العسكرية.

 

﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾

 

( سورة الفجر )

 والشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى قال:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50) ﴾

 

( سورة النجم )

 وكأن في هذه الكلمة الأولى كلمة الأولى إشارة إلى أن هناك عاداً ثانية، هؤلاء القوم يمثلون قراءة العدوان والطغيان، فينما نقرأ قراءة بحث وإيمان، ثم نقرأ قراءة شكر وعرفان ثم نقرأ قراءة وحي وإذعان، نعوذ بالله أن نقرأ ما في الكون قراءة عدوان وطغيان، نحن في رحاب ليلة القدر، وقد قال الله عز وجل في هذه الليلة:

 

﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

( سورة القدر )

 وقد قال الله عز وجل أيضاً:

 

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(6)﴾

 أيها الإخوة الكرام:
 ألخص ما في المحاضرة ورقة العمل أن أقيم الإسلام في نفسي أولاً، أن أتعرف إلى الله، وأن أحمل نفسي على طاعته، وأن أتقرب إليه بالعمل الصالح، ثم أقيم الإسلام في بيتي أربي أهلي، وأولادي، وبناتي تربية إسلامية، ثم أقيم الإسلام في عملي، أجعل عملي نافعاً لا مفسداً، وأمارسه وفق المناهج الإلهية، وبعدها أقرأ ما في الكون قراءة بحث وإيمان ثم قراءة شكر وعرفان، ثم قراءة وحي وإذعان، وأبتعد عن أن أقرأ ما في الكون قراءة العدوان والطغيان.
 وأسأل الله لي ولكم التوفيق والنجاح، وأن يعيننا على متابعة صيام شهر رمضان وعلى غض البصر وحفظ اللسان، وأن نكون من عتقاء رمضان.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 أشكر لفضيلة الدكتور العلامة الداعية الشيخ محمد راتب النابلسي على هذه المحاضرة العلمية القيمة التي بين فيها الكثير من الأرقام والمعلومات العلمية الإعجازية في كتاب الله عز وجل، وفي سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018