بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة- لبنان - المحاضرة : 53 - جامعة طرابلس - زلزال آسيا ودور البيت المسلم في التربية .


2005-01-11

 بسم الله الرحمن الرحيم، من نعمة الله علينا أن بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم للإنسانية مؤدباً، ومن فضل الإسلام على البشرية أن جاءها بمنهاج كامل قويم، فما هو دور البيت المؤمن في استعادة مجدها واسترجاع عزتها ؟ وكيف السبيل إلى أن نؤسس بيوتنا على قواعد إيمانية ؟ وما هو دور الفئة المثقفة من الشباب المسلم في تشكيل نواة المجتمع الفاضل يمكننا من بلوغ أمة قوية في إيمانها وأخلاقها وعلومها ؟ ومن أجد من ضيفنا الكريم للإجابة على هذه التساؤلات وصفات البيت المؤمن وأدواره في التربية والتوجيه والإصلاح، أشهر من أن يعرف قلما يخلو بيت ملتزم من كتاب أو شريط له، تميز بأسلوبه اللطيف الهادئ الذي أدخله قلوبنا قبل أن يدخل بيوتنا عبر وسائل الإعلام فيحل فيها ضيفاً عزيزاً كما حل في جامعتنا اليوم، ولد في دمشق من أسرة حظها من المال قليل ومن العلم كثير، فقد كان والده وجده من كبار علماء دمشق تخرج من كلية الآداب قسم اللغة العربية من جامعة دمشق عام 1964 م حاصلاً على شهادة الليسانس في آداب اللغة العربية وعلومها ثم نال الدبلوم في التأهيل التربوي بتفوق ثم الماجستير في الآداب وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية من جامعة دبلين في بريطانيا في موضوع تربية الأولاد في الإسلام، عام 1999 م، عمل في حقل التعليم الجامعي في كلية التربية في جامعة دمشق قرابة ثلاثين عاماً مدرساً لمادة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، شارك في العديد من المؤتمرات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم، له مؤلفات عدة أبرزها موسوعة أسماء الله الحسنى، نظرات في الإسلام، تأملات في الإسلام، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والكثير الكثير من المؤلفات والإصدارات التي تلامس موضوعات التربية والإصلاح، إنه أحد كبار علماء الشام والعالم الإسلامي وأهم وعاظ العالم الإسلامي على الإطلاق العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي فليتفضل مشكوراً مأجوراً.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، إنني أيها الإخوة الكرام أشكر لكم هذه الدعوة الكريمة فهي إن دلت على شيء فعلى حسن ظنكم بي، أسأل الله جل جلاله أن أكون عند حسن ظنكم، أيها الإخوة الكرام، موضوعات كثيرة تتوارد إلى ذهني في هذا اللقاء الطيب ولكن كما تعلمون بعد تحديد موعد هذه المحاضرة قفز إلى الساحة حدث لم يسبق أن وقع منذ ثلاثمئة عام ولأن الناس تناولوا هذا الحدث تناولاً سطحياً أو أرضياً أو شركياً وتكلموا بكلمات لا معنى لها إطلاقاً كأن قالوا غضب الطبيعة، فلا بد من رؤية إسلامية شرعية لهذا الحدث الكبير الذي غطى على كل حدث، أعدكم أن أعالج الموضوع المقرر بعد حين ولكن لا بد من أن نمس هذا الحدث مساً سريعاً.
 أيها الإخوة الأكارم أيتها الأخوات الأكارم، كل شيء وقع أراده الله بمعنى سمح به لأن الله عز وجل قد يريد شيئاً ولا يأمر به ولا يرضى به لكن لأن الإنسان مخير وأصل هويته أنه مخير فإذا أراد الإنسان شيئاً تعلقت إرادة الله بتحقيق هذا المراد لأنه مخير وسيدفع ثمن اختياره، الإنسان مخير قال تعالى:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

[ سورة الكهف: الآية 29]

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3)﴾

[ سورة الإنسان: الآية 3]

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 148]

 ما دام الإنسان مخيراً ولا يكون عمله مثمناً إلا إذا كان مخيراً، وحينما اعتقد المسلمون عقيدة الجبر شلت الأمة وأصبحت في مؤخرة الأمم، سيدنا عمر جاءه رجل شارب خمر قال أقيموا عليه الحد، قال و الله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، قال أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، و مرة لأنه افترى على الله، قال ويحك يا هذا إن قضاء الله لن يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار. في اللحظة التي نلغي اختيار الإنسان ألغينا المسؤولية وألغينا حمل الأمانة وألغينا التكليف وألغينا الثواب وألغينا العقاب وألغينا الجنة وألغينا النار وجعلنا الحياة الدنيا تمثيلية سمجة، لأن الإنسان مخير سمح الله له أن يحقق اختياره بقوة الله عز وجل.
 كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، معنى أراد أي سمح، إذا كان الذي وقع شراً سمح ولم يأمر، سمح ولم يرض، إذا كان الذي وقع خيراً سمح وأمر ورضي، المسلمة الأولى من مسلمات الإيمان أن كل شيء وقع أراده الله وأن كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، الخير المطلق هو الأصل والشر المطلق لا وجود له في الكون، إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، قال تعالى:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 26]

 لم يقل والشر.

 

﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 26]

 أيها الإخوة الأحباب، فهذا الذي وقع في جنوب آسيا أراده الله لأنه لا يعقل ولا يقبل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، العالم الغربي يعتقد أن الله خلاق وليس فعالاً، لكن المؤمن من خلال وحي السماء يعتقد أن الله خلاق وفعال، قال تعالى:

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

 

[ سورة هود: الآية 123]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف: الآية 84]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

[ سورة الكهف: الآية 26]

 ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، بل عن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً ملخصة في آية واحدة، قال تعالى:

 

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾

 

[ سورة الأنبياء: الآية 25]

 ملخص دعوة الأنبياء جميعاً أنه:

 

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

 

[ سورة الأنبياء: الآية 25]

 هذا هو التوحيد لا معطي ولا مانع ولا رافع ولا خافض ولا معز ولا مذل إلا الله بعدل مطلق وبحكمة مطلقة وبرحمة مطلقة، هذه مقدمة فهذا الذي وقع أراده الله لأنه لا يعقل أن يقع في ملكه ما لا يريد هذا يتناقض مع ألوهيته ومع ربوبيته.
 أيها الإخوة الأحباب، ولكن كيف ندخل بشرح هذا الحدث ؟ قد يركب أحدكم مركبة ويتألق في لوحة البيانات ضوء أحمر المشكلة ليست في تصديق هذا التألق أو عدم تصديقه لقد تألق ولقد رأى تألقه بأم عينه قبل ألف عام، المشكلة في التصديق لم يكن هناك اتصالات يشاع أنه وقع في البلد الفلاني هذا الخبر بين مصدق ومكذب، كان الناس يخرجون إلى مداخل المدن ليتلقون الركبان فيسألوهم عن صحة وقوع هذا الخبر هذه المشكلة الآن انتهت العالم كله كان خمس قارات ثم صار قرية ثم صار بيتاً ثم صار غرفة ثم صار سطح مكتب فالذي يقع في أي مكان في العالم نعرفه بعد دقائق ونراه بأعيننا، فهذا الضوء تألق في لوحة البيانات فالمشكلة ليس في تصديق التألق أو عدم التصديق لقد تألق لكن المشكلة في فهم هذا التألق وفي تحليله وفي معرفة السلوك الذي ينبغي عليه هذا التألق، إن فهم صاحب السيارة أن هذا الضوء تألق تألقاً تزيينياً تابع السير واحترق المحرك وتوقفت الرحلة وتعطل الهدف وكلفه إصلاح المحرك مبلغاً فوق طاقته، أما إذا فهم التألق تألقاً تحذيرياً أوقف المركبة وأضاف الزيت وسلم المحرك وتابع الرحلة وحقق الهدف فالبطولة في فهم التألق لا في تصديقه، في فهم التألق وفي معرفة السلوك الذي ينبغي أن يبنى على هذا التألق.
 لو أن زلزال آسيا كان هو الضوء الأحمر كيف نفهمه وكيف نحلله ؟ بادئ ذي بدء هناك من يكتفي بالتحليل العلمي فقط، بالتحليل الأرض ولا يقبل أن نرتفع بهذا التحليل إلى الإيمان بالله ولا إلى ألوهية الإله ولا إلى وحدانية الإله ولا إلى ربوبية الإله، لا يقبل إلا أنه تصادم بين لوحين، أما هؤلاء القتلى بمئات الألوف وهذا الدمار الذي كاد يصل إلى خمسين مليار دولار إنه تصادم لوحين، أيها الإخوة الأحباب، لا بد من وقفة علمية وبعدها لا بد من وقفة إيمانية.
 كلكم يعلم أن مركز الأرض فيه مائع ناري لزج مضطرب، بل شديد الاضطراب وأن فوق هذا المائع الناري اللزج قاعدة صخرية هي القاعدة التي تستند عليها القارات الخمس والمحيطات كلها هذه القاعدة ورد ذكرها في القرآن الكريم حيث قال الله عز وجل:

 

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12)﴾

 

[ سورة الطارق ]

 هذه القاعدة مصدعة، الصدوع في هذه القاعدة قسمتها إلى اثني عشر لوحاً آسيا كلها ترتكز على لوح وأستراليا على لوح...، الذي حصل أن هذا المائع الناري إذا اندفع نحو الأعلى تتباعد هذه الألواح فتكون الزلازل وأن هذا المائع إذا اتجه نحو مركز الأرض تتقارب هذه الألواح فتكون الزلازل لكن هذه المرة الذي حصل أن هذه الألواح تصادمت ولم تقترب فقط تصادمت الذي تصادم اللوح الذي ترتكز عليه قارة أستراليا مع اللوح الذي ترتكز عليه قارة آسيا هذا التصادم قدر من علما ء الجيولوجيا والزلازل بما يساوي مليون قنبلة ذرية، ما الذي حصل بعد ذلك ؟ اختفت جزر وظهرت جزر وانشطرت جزر وتزحزحت سومطرة التي تزيد عن مساحة سوريا ولبنان تزحزحت ثلاثين كيلو متر نحو الجنوب واضطرب محور الأرض وقل اليوم أجزاء من الثانية ولا بد من إعادة رسم الخارطة في جنوب شرق آسيا، الذي نتج عن هذا التصادم وعن هذه الزحزحة نتج مد بحري هذا المد البحري انطلق من المحيط الهادي اسم على غير مسمى، المحيط الهادي، انطلق هذا المد البحري من المحيط الهادي باتجاه المحيط الهندي بسرعة ألف كيلو متر بالساعة أسرع من الطائرة وقطع المسافة ألف و ستمئة كيلو متر في ساعة ونيف وصل إلى شواطئ المحيط الهندي، شواطئ الهند شواطئ سيريلانكا، شواطئ ماليزيا، شواطئ تايلاند، شواطئ بقية الدول حتى وصل إلى عمان وإلى إفريقيا، هذه الأمواج ليست كأمواج العواصف، هذه أمواج الزلازل وصلت هذه الأمواج إلى سواحل الهند بسرعة سبعين كيلو متر وهي تستطيع أن تقتلع صخرة وزنها عشرين طن لتلقيها بمسافة بعيدة، حطمت الموانئ نقلت السفن إلى البر نقلت بعض السفن إلى الأسطحة حطمت سكك الحديد هدمت الجسور هدمت كل البيوت إلا المساجد، وهذه رسالة من الله عز وجل حدث زلزال في تركيا في إزميت والصورة عرضتها ب ب س وهي عندي ونشرتها في المسجد كل ما حول المسجد والمعهد الشرعي ركام وبعلم الهندسة يجب أن تقع المنشأة المرتفعة ذات القاعدة الصغيرة وهي المئذنة، مسجد بقي كما هو ولم يتأثر إنها رسالة من الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام أيتها الأخوات الكريمات، الذي حصل أن هذه الشواطئ من أجمل شواطئ العالم على الإطلاق وأن هذه الشواطئ يرتادها صفوة أغنياء العالم وفيها منشآت من مستوى العشر نجوم وأن رواد هذه المنشآت رأوا هذه النجوم العشر ظهراً، والرقم يقترب من خمسة وعشرين ألف، في الحادي عشر من أيلول قتل ثلاثة آلاف و ستمئة لكن هذا الحدث جير للعرب والمسلمين فقامت الدنيا ولم تقعد وصار التاريخ ما قبل الحادي عشر وما بعد الحادي عشر، فكان من هذا الحدث حرب أفغانستان وحرب العراق ومكافحة الإرهاب وما إلى ذلك، لكن هذا الذي وقع في شرق جنوب آسيا جيره الله إلى ذاته وحدها فمن يتهمون ؟ الزرقاوي أم ابن لادن أم سوريا أم إيران، هذا الحدث مجير إلى الله وحده، على كل صفوة أغنياء العالم كانوا في هذه السواحل الوقت في حكمة بالغة عطلة عيد الميلاد وكل من كان من أطراف الدنيا وزير خارجية أمريكا صرح بخمسة آلاف مفقود، ألمانيا خمسة آلاف، السويد ألفين الرقم جمعته إلى خمسة وعشرين ألف.
 أيها الإخوة الأحباب، لكن الشيء الذي لا يصدق أن إذاعة البي بي سي أن ذكرت وسمعت الخبر بأذني وهي إذاعة ليست مبتذلة كما أنها ليست مخلصة لكنها قالت لم يعثر على جثة حيوان واحد، وهذه من آيات الله الدالة على عظمته لأنه زود هذه الحيوانات بحاسة سادسة تكشف له الخطأ قبل وقوعه يؤكد هذا أن هذا الذي حدث وقع في أغادير تماماً وفي كل زلزال في العالم الحيوانات البرية تغادر موقع الزلزال قبل وقوعه، هذا التفسير العلمي أنها تملك حاسة سادسة، أما التفسير الإيماني أنها ليست مكلفة ولا علاقة لها في الفساد في الأرض.
 هذا الإنسان الذي غزا الفضاء وهذه الكلمة فيها سوء أدب مع الله، كم قطع من الفضاء ؟ قطع ثانية ضوئية واحدة بينما بعض المجرات تبتعد عن الأرض عشرين مليار سنة ضوئية والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر في الدقيقة ضرب ستين في الساعة ضرب ستين في اليوم ضرب أربع وعشرين في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، ضرب عشرين مليار، قطع الإنسان ثانية ضوئية واحدة فقال غزونا الفضاء، والذي غاص في الأعماق وصل الإنسان إلى خليج مريانة في المحيط الهادئ عمقه اثني عشر ألف متر، وهذا الإنسان الذي جعل القارات الخمس كما قلت قبل قليل سطح مكتب عن طريق الاتصالات العالم كله بين يديك، واخترع الكومبيوتر وقد يقرأ الكومبيوتر مليار حرف بالثانية الواحدة، واخترع الإنترنت الذي أزال الحدود والسدود بين الأمم والشعوب والحضارات، هذا الإنسان الذي اخترع القنبلة الذرية والقنبلة النووية والقنبلة الحرارية والقنبلة التي تعطل الاتصالات والقنبلة التي تعطل الطاقات ومنها الكهرباء، والقنبلة العنقودية والإنشطارية والذكية والخارقة ثم الحارقة، يعني ضرب قنبلة بملجأ ببغداد بحرب الخليج الأولى سماكة السقف متر ونصف باطون مسلح هذه القنبلة تخرق هذا السقف ثم تنفجر لتميت كل من في الملجأ، هذا الإنسان الذي صنع كل هذا صنع القنوات الفضائية وحرك الأقمار الصناعية لا يستطيع أن يتنبأ بوقوع الزلزال ولا قبل ثانية ولكن الحمار وحده يتنبأ قبل عشرين دقيقة، قال تعالى:

 

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 255]

 من أغرب الأخبار أن قرية أمية تقريباً على سواحل الهند نجت بأكملها لأنها رأت الحيوانات تنطلق مذعورة فقلدتها فنجت.
 السؤال الآن لماذا زود الله عز وجل هذا الحيوان بحاسة سادسة تكشف له الخطر قبل وقوعه ؟ شرحت هذا بخطبة في دمشق قلت هذه الحيوانات لا تعرف الفساد في الأرض، لا تعرف أن تبني مجدها على أنقاض بقية الحيوانات، لا تعرف أن تبني حياتها على قتلهم، لا تعرف أن تبني غناها على فقرهم، لا تعرف أن تبني عزها على ذلهم، هذه الحيوانات إذا جاعت تأكل فإذا شبعت تسمح لبقية الحيوانات أن تأكل أما الإنسان يمارس سياسة الإفقار يريد أن يأكل وحده، هذه الحيوانات لا تعرف التطهير العرقي، موت كعقاس الغنم لا يدري القاتل لما يقتل ولا المقتول فيما قتل، هذه الحيوانات لا تعرف إتلاف المحاصيل من أجل الحفاظ على أسعارها المرتفعة تم إطلاق النار على عشرين مليون رأس غنم في بلد كبير وتم دفنها في الأرض حفاظاً على أسعار الغنم المرتفعة والأمم تموت من الجوع، هذه الحيوانات لا تعرف تسميم المحاصيل الزراعية حتى لا يأكلها الفقراء فيخف الطلب على السلعة يجمعون محصولاً كبيراً ويسممونه حفاظاً على أسعار هذه السلع، هذه الحيوانات لا تعرف تجارة الرقيق الأبيض ففي كل سنة يقتنص سبعمئة فتاة من الدول النائمة لتعمل في الدول المتقدمة بغايا إرضاء لنزوات الأغنياء، هذه الحيوانات لا تعرف الشذوذ الجنسي، في تايلاند ثمانمئة ألف طفل أعدت للبغاء، الفساد الذي كان في هذه البلاد يفوق حد الخيال، ولكن أيها الإخوة الأحباب، تحقيقاً للموضوعية ما كل من هلك في هذا الزلزال مذنب يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي عن السيدة عائشة:

(( أن الله إذا أنزل نقمته بقوم فأهلك من صالحيهم ماتوا على نياتهم وأعمالهم ))

 فهذا الزلزال يعد ترقية للذين ماتوا فيه وعقاباً للمذنبين وإنذاراً لمن نجا منهم، هذه رؤية إيمانية لأن الله عز وجل يفعل ما يريد وحينما يؤدب بعض الأقوام ليرتدع الباقون، قال تعالى:

 

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) ﴾

 

[ سورة الروم: الآية 41]

 الله عز وجل لا يؤدب كل الفاسدين يؤدب بعضهم ردعاً للباقين ولا يكافئ كل المحسنين يكافئ بعضهم تشجيعاً للباقين، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 185]

 أيها الإخوة الأحباب، لو أن لهذا الزلزال لسان لقال يا أيها الناس هذه أهوال أهل الدنيا، هذه أهوال زلزال الدنيا فماذا أعددتم للنجاة من زلزال الآخرة ؟ قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾

 

[ سورة الحج ]

 أيها الإخوة الكرام، هناك نداءات كثيرة ينادي بها الزلزال، ينادي لمن ؟ ينادي المحبطين من المسلمين هؤلاء الذين توهموا أن الله تخلى عنهم ولن ينصرهم فخضعوا وخنعوا لقوى الشر والطغيان، هذا الزلزال يناديهم، قال تعالى:

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 139]

 هذا الزلزال ينادي المتحررين الذين توهموا أن الحرية تعني التفلت من كل قيد ديني أو أخلاقي أو اجتماعي لذلك الله عز وجل يقول:

 

﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾

 

[ سورة النحل: الآية 45]

 هذا الزلزال ينادي الصالحين، الصالح لا ينجو أيها الإخوة، تروي بعض الآثار النبوية:

 

(( أن الله أرسل الملائكة لإهلاك قرية فقالوا يا رب إن فيها صالحاً ؟ قال به فابدءوا، قالوا ولما يا رب ؟ قال لأن وجهه لم يكن يتمعر إذا رأى منكراً.))

 الصالح لا ينجو والدليل قوله تعالى:

 

 

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾

 

[ سورة هود: الآية 117]

 لم يقل صالحون، نداء لكل الناس، نداء للمحبطين من المسلمين، نداء للمتحررين، نداء للصالحين، نداء للدول التي تؤمن بالسياحة الجنسية، من أجل الأموال الطائلة الخسارة تقترب من خمسين مليار ولا تستطيع هذه الدول أن تقف على أقدامها قبل عشر سنوات قادمة، أيها الإخوة الأحباب، البطولة أن نفهم الحدث في ضوء القرآن الكريم، في ضوء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، البطولة أن نفهم الحدث فهماً إسلامياً، قال تعالى:

 

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ﴾

 

[ سورة الزمر: الآية 45]

 يعني إذا قدمت تحليلاً إيمانياً توحيدياً قرآنياً نبويا ًوتكامل مع التحليل العلمي لا يتناقضان هذا التحليل العلمي تصادم الألواح من سببه ؟ من هو مسبب الأسباب ؟ الله جل جلاله فالتحليل العلمي يكمل التحليل الإيماني والتحليل الإيماني يكمل التحليل العلمي ولا يتناقضان لكن لا ينبغي أن نقول غضب الطبيعة، من هي الطبيعة ؟ كلام لا معنى له، لا ينبغي أن نقول كل هذه الخسائر وكل هذه الأرواح التي أزهقت الرقم قريب مئتي ألف وفي توقع أن يكون خمسمئة ألف لا ماء ولا دواء ولا مأوى ولا شيء، أيها الإخوة الأحباب، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر.
 نعود إلى البيت المسلم أيها الإخوة، لكن لا بد من مقدمة ثمينة، هناك مشكلة كبيرة في العالم الإسلامي يعني المسلمون نائمون في ضوء الشمس والطرف الآخر يعملون ليلاً نهاراً في الظلام، المسلمون يؤمنون ولا يعملون والطرف الآخر يعمل ولا يؤمن ولو فهم الصحابة الكرام الإسلام فهماً كما نفهمه نحن لما خرج من مكة المكرمة ولما وصل إلى أطراف الصين شرقا ًوأطراف باريس غرباً، هناك مشكلة استراتيجية في حياتنا لا بد من عرضها سريعاً.
 أيها الإخوة الأحباب، الإسلام عبادات شعائرية وعبادات تعاملية، فالشعائرية هي الصلاة، الصلاة سأل النبي عليه الصلاة والسلام قالوا من لا درهم له ولا متاع قال:

(( لا المفلس من أتى بصلاة وصيام وصدقة، وقد ضرب هذا وأكل مال هذا وشتم هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإذا فنيت حسناته طرحوا عليه سيئاتهم حتى يطرح في النار ))

 إذاً ما قيمة الصلاة من دون استقامة، أيها الإخوة الأحباب، عَنْ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه ]

 ثم إن الصائم إذا لم يدع قول الزور و العمل به ليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه.
 ثم إن الذي يحج البيت بمال حرام ينادى أن لا لبيك و لا سعديك، وحجك مردود عليك هذا الحج، بقي الزكاة قال تعالى:

 

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾

 

[ سورة التوبة: الآية 53]

 هذه الحقائق المرة أفضل الف مرة من الوهم المريح، الصلاة من دون استقامة لا قيمة لها، أي لا تقطف ثمارها، الصيام من دون انضباط لا قيمة له أي لا تقطف ثماره، الحج من دون استقامة وتوبة لا قيمة له ولا تقطف ثماره، الزكاة إنفاق المال من دون استقامة وطاعة لا قيمة له ولا تقطف ثماره، هذه العبادات الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية.
 سيدنا عبد الله بن عمر رأى راعياً أراد أن يمتحنه قال له بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال ليست لي، قال قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب وخذ ثمنها، قال ليست لي، قال خذ ثمنها، قال والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله ؟
 أرأيت إلى هذا الراعي، على ضعف ثقافته الدينية وضع يده على جوهر الدين أن تقول أين الله ؟ الدين أن يمنعك إيمانك أن تؤذي مخلوقاً، الإيمان أن يحملك إيمانك أن تطيع الله عز وجل، أما العبادات الشعائرية وحدها لا تقطف ثمارها إذا بنيت على طاعة لله عز وجل واستقامة وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((بني الإسلام على خمس ))

 الإسلام شيء والخمس شيء آخر، معنى ذلك أن الإسلام بناء أخلاقي.
 فلما سأل النجاشي سيدنا جعفر بن أبي طالب عن حقيقة الإسلام قال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونأكل الميتة ونقطع الرحم ونسيء الجوار حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
 الإسلام بناء أخلاقي من هنا قال ابن القيم الجوزية رحمه الله عز وجل الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. الحقيقة الأولى في هذه المحاضرة أن العبادات الشعائرية الصلاة والصوم والحج والزكاة لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادات التعاملية، والإسلام في أصله عبادات تعاملية ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام، سيدنا ابن عباس كان معتكفاً فرأى رجلاً كئيباً قال ما لي أراك كئيباً ؟ قال ديون لزمتني ما أطيق سدادها، قال لمن ؟ قال لفلان، قال تحب أن أكلمه لك ؟ قال إذا شئت فقام ابن عباس من معتكفه ليكلم هذا الدائن فقال له أحد المعتكفين يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف ؟ قال لا والله ولكني سمعت صاحب هذا القبر يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم والعهد به قريب ودمعت عيناه والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا. الأصل هو العمل الصالح، وسأل إنساناً يعبد الله ولا يعمل قال من يطعمك ؟ قال أخي، قال أخوك أعبد منك.
 أيها الإخوة الأحباب، هذا الإسلام العظيم يحضرني أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب جاء في عهده جبلة بن الأيهم مسلماً وهو ملك الغساسنة في أثناء طوافه حول الكعبة بدوي من فزارة داس طرف إزاره فانخلع إزاره من على كتفه وهو ملك وهذا أعرابي من دهماء الناس ومن عامتهم ضربه ضربة هشمت أنفه، في شاعر معاصر صاغ هذا الحوار شعراً فقال سيدنا عمر أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
 قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيئا، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيدي.
 قال سيدنا عمر: أرضي الفتى لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه أو يهشمن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك فقال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين ؟ هو سوقة وأنا عرش و تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً ؟ قال عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديدا وتساوى الناس لدينا أحراراً وعبيدا.
 قال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني. فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز عالَم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 هذا الإسلام العظيم الذي فتح به المسلمون أطراف الدنيا، أيها الإخوة الأكارم أيتها الأخوات الأكارم، عصر النبي عليه الصلاة والسلام وعصر أصحابه وعصر التابعين عصر المبادئ فعمر ضحى بملك من أجل مبدأ، وفي عصور أخرى عصر الأشياء الإنسان يستمد قيمته من مركبته بل من رقم على مؤخرة المركبة، يستمد قيمته من مساحة بيته من ثمن ثيابه، قيمة المرء متاعه، نحن في عصر الأشياء وفي عصر الأشخاص، إما أن يكون عصر مبادئ أو عصر أشخاص أو عصر أشياء، أيها الإخوة الأحباب، لا بد من هذا التوضيح الإسلام عبادات شعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية، العبادات التعاملية وأنتم جميعاً طلاب تمثل العالم الدراسي بأكمله لا بد من دوام لا بد من حضور محاضرات لا بد من إصغاء لا بد من كتابة الوظائف كتابة الأطروحات لا بد من مذاكرة لا بد لا بد، والعبادات الشعائرية تمثل ساعات الامتحان الثلاث فالطلاب الذي لا يداوم إطلاقاً ولم يذاكر ولم يقرأ المنهاج ماذا يفعل في هذه الساعات الثلاث ؟ لا معنى لها إطلاقاً.
 أنت بالعبادة الشعائرية تقبض ثمن العبادة التعاملية، أريد أن أركز على هذه الناحية لأننا في عندنا مشكلة، العالم الإسلامي اليوم في أمراض لا تعد ولا تحصى أنا لا أسميها أمراض أنا أسميها أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله، هي أعراض الإعراض، الإنسان إذا أعرض عن الله أصبح بخيلاً أصبح منافقاً أصبح متكبراً كل الصفات الذميمة تأتي من البعد عن الله وكل الصفات الكاملة الرحمة والتواضع والعطاء والسخاء والإنصاف من صفات المتصلين بالله عز وجل لذلك قال تعالى:

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 159]

 السؤال الثالث العبادة الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية والعبادة التعاملية لماذا لا تصح الآن هنا السؤال ؟ أليس أمر الله واضحاً للناس جميعاً الحلال بين والحرام بين، لماذا يقترف الناس الحرام ويبتعدون عن الحلال ؟  الجواب الدقيق لأنهم عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، ما طريقة معرفة الآمر ؟ سؤال دقيق جداً، طريقة معرفة الآمر التفكر في خلق السماوات والأرض، يعني أقدم لكم بعض النماذج، والنموذج الأول لا يصدق لكنه ورد في القرآن الكريم البعوضة، بعوضة هل من مخلوق أهون على الناس من بعوضة ؟

(( لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء ))

 ذكرها الله عز وجل فقال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 26]

 بعد اكتشاف المجاهر الإلكترونية التي يمكن أن تكبر الشيء أربعة آلاف مرة أو أربعين ألف مرة أو أربعمئة ألف مرة، و صورت البعوضة تحت هذه المجاهر فكانت الحقائق المذهلة، في رأس البعوضة مئة عين، وفي فمها ثمانية وأربعون سناً وفي صدرها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح وفي كل قلب دسامان وأذينان وبطينان، وأن هذه البعوضة تملك جهازاً لا تملكه الطائرات، تملك جهازاً سماه العلماء جهاز استقبال حراري أي أنها ترى الأشياء لا بألوانها ولا بأشكالها ولا بأحجامها ولكن بحرارتها وأن حساسية هذا الجهاز واحد على ألف من الدرجة المئوية، فإذا كانت في غرفة مظلمة تتجه إلى جبين الصبي مباشرة لأن حرارته سبعة وثلاثين.
 و البعوضة تملك جهاز تحليل للدم لأنه ما كل دم يناسبها، ينام أخوان على سرير واحد يستيقظ الأول وقد ملئ بلسع البعوض والثاني لم يلسع، تحلل الدم أولاً فإذا ناسبها لسعت وإلا انسحبت.
 تملك جهاز تمييع للدم لأن لزوجة الدم لا تسري في خرطومها، تملك جهاز رابع هو جهاز تخدير لأنها لو لسعت وشعر من لسع بلسعتها لقتلها تخدره فإذا انتهى مفعول التخدير يضرب يده تكون هي في السقف صارت.
 أما خرطومها ست سكاكين أربعة سكاكين لإحداث جرح مربع وسكينان يلتئمان على شكل أنبوب لامتصاص الدم وفي أرجلها مخالب إذا وقفت على سطح خشن ومحاجم على أساس الضغط إن وقفت على سطح أملس، قال تعالى:

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 ضعف تطبيق العبادة التعاملية بسبب ضعف معرفتنا بالله عز وجل، مثل آخر حينما تلد المرأة ينزل من رحمها الجنين ومع الجنين قرص لحمي يسميه العوام الخلاص، يسميه الأطباء المشيمة، هذه المشيمة من آيات الله الدالة على عظمته قرص من اللحم يجتمع فيه دورتا دم الأم ودم الجنين وشيء معلوم عند الإخوة الأطباء أنك إذا أعطيت إنساناً من غير زمرته يموت فوراً بانحلال الدم ودائماً دم الجنين زمرة ودم أمه زمرة والدمان يجتمعان في المشيمة ولا يختلطان لأن بين دورة الأم ودورة الجنين غشاء سماه الأطباء بالغشاء العاقل، لما سمي هذا الغشاء بالغشاء العاقل ؟ يقوم بأعمال لا يستطيعها أطباء الأرض مجتمعين، يأخذ الأوكسجين من دم الأم ويطرحه في دم الجنين، هذا الفعل يشبه جهاز التنفس، ثم يأخذ من دم الأم الأنسولين ويطرحه في دم الجنين حتى يحترق السكر بدرجة سبعة وثلاثين، صار بنكرياس ثم يأخذ مناعة الأم ويطرحها في دم الجنين لئلا يصاب الجنين بالأمراض، ثم إنه يأخذ حاجات الجنين من الغذاء وهذا شيء فوق طاقة الأطباء مجتمعين، يحتاج الجنين في كل ساعة إلى نسب من المواد الغذائية البروتين والشحوم والفيتامينات والمعادن فيأخذ هذه النسب من دم الأم ويطرحها في دم الجنين وهذه أكبر وظيفة له، يعجز عنها أطباء الأرض مجتمعين وهذه النسب تتبدل كل ساعة بحسب نمو الجنين. ثم إن هذا الغشاء العاقل يمنع انتقال المواد السامة من الأم إلى الجنين، الغشاء العاقل يأخذ من دم الجنين ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق السكر يطرحه في دم الأم كي تطرحه عبر تنفسها، ثم يأخذ حمض البول الناتج عن الاستقلاب يطرحه في دم الأم كي تطرحه عبر كليتيها.
 جهاز عاقل يعجز عن تقليده أطباء الأرض مجتمعين ولو كان اختصاصهم في قضايا الطب، آيات الله بين أيدي الناس، أريد أن أؤكد من خلال هذين المثلين أنك إذا تفكرت في خلق السماوات والأرض عرفت الخالق فإذا عرفته تفانيت في طاعته.
 هذه العين من آيات اله الدالة على عظمته أول طبقة في العين القرنية كيف تتغذى هذه الطبقة ؟ كيف تتغذى هذه الطبقة ؟ جسم الإنسان كله يتغذى عن طريق الأوعية الشعرية إلا قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول والتسرب من أجل تحقيق الرؤية الصافية فأول خلية تأخذ غذاءها وغذاء جارتها وينتقل الغذاء عبر الغشاء الخلوي من أجل أن تكون القرنية شفافة شفافية تامة ترى الأشياء بوضوح وإلا لرأيت ضمن شبكة، لو كان القرنية تتغذى عن طريق الشعريات لرأينا من خلال شبكة الأوعية، هذا من حكمة الله عز وجل، لو إنسان ذهب على فيلندة والحرارة تسعة وستين تحت الصفر يضع على رأسه قبعة جيد قفازات يرتدي ألبسة صوفية داخلية ثم معطف ثم جوارب صوفية ثم حذاء فيه فرو ماذا يفعل بعينيه ؟ العين فيها ماء والماء سيلامس تسعة وستين تحت الصفر إذاً نظرياً كل من يذهب إلى هناك ينبغي أن يفقد بصره، أودع الله في ماء العين مادة تمنع التجمد، قال تعالى:

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 الآن في آلات تصوير ديجتال رقمية وآلات المحترفين، آلات احترافية في بالميليمتر مربع عشرة آلاف مستقبل ضوئي، بشبكية العين في مئة مليون مستقبل ضوئي، في شبكية العين مئة مليون مستقبل ضوئي عصيات ومخاريط من أجل أن تفرق العين بين ثمانمئة ألف لون وإذا أخذنا اللون الواحد ودرجناه ثمانمئة ألف درجة العين السليمة تفرق بين درجتين، قال تعالى:

 

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾

 

[ سورة لقمان: الآية 11]

 الآن أيها الإخوة الأكارم أيتها الأخوات الأكارم، في بالماء استثناء لولا هذا الاستثناء لما كانت حياة على سطح الأرض، والماء أحد هذه الأجسام فإذا سخنته تمدد وإذا بردته انكمش إلا أن الماء يمتاز بخاصة لو لم تكن لما كنا في هذا المكان لا نحن ولا أي إنسان في الأرض ما هذه الخاصة ؟ هي أنك إذا بردته ينكمش، ينكمش إلى الدرجة زائد أربعة عند هذه الدرجة تنعكس الآية يتمدد، لو أن كل ماء بردناه انكمش كثافته زادت فغاص في أعماق البحار بعد بعض الحقب تغدو البحار كلها متجمدة ويتوقف التبخر تتوقف الأمطار يموت النبات يموت الحيوان يموت الإنسان، لولا هذه الخاصة التي ينفرد فيها الماء، أقول لكم أيها الإخوة الأحباب، أن التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه إلى الله وأقرب طريق إلى الله عز وجل، وما تفسير ما يجري في العالم الإسلامي من تقصير في طاعة الله إلا لضعف في الآمر.
 الآن حينما نأتي بإنسان عرف الله وعرف منهجه وأطاعه لا يختار إلا زوجة مؤمنة، البت المسلم البيت المؤمن قوامه الزوجة المؤمنة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( فعليك بذات الدين تربت يداك ))

 لأنه من علم شاباً علم شاباً ومن علم فتاة علم أسرة، فإذا سألتني عن أكبر مقوم من مقومات البيت المسلم أقول لك المرأة الصالحة التي تسرك إذا نظرت إليها وتحفظك إذا غبت عنها وتطيعك إن أمرتها، ستيرة ودود ولود، فإذا أردت بيتاً مسلماً فابحث عن الفتاة المؤمنة التي تحب الله وتخشاه وتربي أولادها تربية إسلامية، ابحث عن الزوجة المؤمنة التي هي قوام البيت المسلم.
 الحقيقة في عوامل كثيرة للبيت المسلم، البيت المسلم فضلاً عن الزوجة المؤمنة التي فسرها علماء التفسير حينما فسروا قوله تعالى:

 

 

﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 201]

 قالوا: حسنة الدنيا هي المرأة المسلمة، فلذلك حينما نربي فتياتنا على معرفة الله وعلى طاعته نكون قد أسسنا البيوت المسلمة، هذا المجتمع الكبير ما هي وحدته الأساسية ؟ البيت إن صلح البيت صلح المجتمع وإن فسد البيت فسد المجتمع، الآن أي نظام يدعم الأسرة نظام مربوط بوحي السماء وأي نظام اجتماعي يشتت الأسرة، مرة وقف كلنتون قال: هناك خمس أخطار تهدد المجتمع الأمريكي. وأنا أستمع إلى الخبر قفز ذهني إلى الأخطار قلت لعلها الصين لعله التجمع الأوربي لعل أخطار الدول الكبرى فوجئت أن الأخطار الخمسة التي تهدد المجتمع التفكك الأسري، وشيوع المخدرات والجريمة، المجتمع الأوربي على أنه تفوق تفوقاً عالياً جداً في التقنية الحديثة لكنه كمجتمع في تفتت وفي تشتت كبير جداً.
 أروي لكم قصة من أجل أن تكون نموذج شاب أحب فتاة فاستأذن والده من الزواج منها قال له لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، ثم أحب فتاة ثانية فاستأذن والده من الزواج منها قال له لا يا بني إنها أختك أيضاً وأمك لا تدري، فلما أحب فتاة ثالثة فاستأذن والده من الزواج منها قال له لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، فضجر هذا الشاب وحدث أمه فقالت له خذ ما شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
 أنا كنت في أستراليا وفي المطار ودعني رئيس الجالية الإسلامية هناك ورجاني أن أنقل رسالة إلى أهل الشام ولبنان من الشام طبعاً، قال لي بلغ أهل الشام أن مذابل الشام خير من جنات أستراليا، قلت له ولماذا ؟ قال لأنكم في الشام وأنتم مغمضو العينين أولادكم مسلمون ونحن بأعلى درجة من اليقظة المفاجأة بالمئة خمسين أن أحد الأبناء يضع حلقة في أذنه بالأذن اليسرى لها معنى والعياذ بالله باليمنى لها معنى آخر وبالاثنتين لها معنى ثالث، بالمئة خمسين، و بالمئة خمسين أن تراه لا ديني، يعني قضية الأسرة المسلمة أنا كنت في نيوجرسي بأمريكا وفي أخ تزوج امرأة من أمريكا أول يوم جلست معه ثاني يوم ارتدت أجمل ثيابها إلى أين ؟ قالت لي لقاء مع صديقي، ماذا صديقك هو إنسان شرقي مسلم كاد يخرج من جلده قالت له مثلك مثله، اليوم الثالث صديق ثالث الرابع صديق رابع الخامس له، طلقها بعد ذلك وتزوج امرأة مؤمنة من بلاده، قال لي وهي نائمة أقول لها باللغة العامية الله يخليكِ لي أنت كلك لي.
 نحن نعيش في الشرق في تعبير لطيف أحياناً نطبخ رز بحليب ونسكب الطبخة يبقى قحاطة، نحن عندنا بقية مروءة بقية وفاء بقية تماسك أسري بقية محبة بقية رحمة بقية حياء بقية خجل، كل هذا الخير في هذه البلاد من بقية هذا الخير الذي هو من الدين في الأصل، في مواقف إنسانية تراها في بلاد الشرق لا تراها هناك، مرة إنسان عملوا تجربة في فرنسا بأضخم طريق بين باريس وليون أحضروا إنسان وسيارة عملت حادث إنسان اضجع إلى جانبها وضعوا حبر أحمر كأنه ينزف بعد ست ساعات توقفت سيارة، نحن القطة في الطريق نأخذها إلى الطبيب ونعالجها، نحن لا نعرف قيمة هذه البلاد إلا إذا غادرناها، قسوة ما بعدها قسوة، تصحر ما بعده تصحر، يعني مرة كنت في توليدا في أمريكا بعد ما ألقيت محاضرة قال لي إنسان كلمة يمكن لو اعتذرت عن المحاضرة أموت ولا أنسى هذا الخطأ أنا حاولت أن أعتذر لكن وجدت في معارضة شديدة الطريق مئة وستين كيلو متر قال لي والله قدت سيارتي ستمئة ميل حتى أسمع هذه المحاضرة، نحن في خير شديد يا أيها الإخوة، ما يزال في أسرنا تماسك في محبة في حياء في خجل، يجب أن نعرف قيمة هذه الأسس التي نملكها، الآن الإنسان يشتهي أن يسكن في خيمة لكن يرى رحمة بالصغار، يسكن في بيت متخلف لكن فيه صدق، شبعنا كذباً ونفاقاً ودجلاً وتفلتاً وإباحية.
 فأنا الذي أراه وأتمنى أن يكون الموضوع أطول من ذلك ما في شيء يعلو على البيت المسلم، ما في شيء يعلو على أسرة متماسكة، القارئ قرأ آية جزاه الله خيراً:

 

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾

 

[ سورة الفرقان: الآية 74]

 أجمل ما قرأت عن هذه الآية قرة العين أن ترى الذي تحبه في طاعة الله، ذكرت مرة في أمريكا قلت لهم لو ملكت منصباً ككلينتون كان وفي وقتها كلينتون وحصلت ثروة كأوناسيس وعلماً كإنشتاين ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، فأنا أخاطب شباباً على طريق الزواج إنشاء الله، فإذا أردت أن أضغط المحاضرة كلها في كلمة واحدة ابحث عن فتاة مؤمنة
 تسرك إذا نظرت إليها وتطيعك إن أمرتها وتحفظك إذا غبت عنها بمالك ونفسها، والفتاة المؤمنة ستيرة ولود ودود.
 وأحد كبار القضاة اسمه شريح لقيه صديقه الفضيل قال يا شريح كيف حالك في بيتك ؟ قال والله منذ عشرين عاماً لم أجد ما يعكر صفائي، الآن يقول لك عشرين سنة ما نمت يوماً مرتاح، قال وكيف ذلك يا شريح ؟ قال خطبت امرأة من أسرة صالحة فلما كان يوم الزفاف وجدت صلاحاً وكمالاً، يقصد صلاحاً في دينها وكمالاً في خلقها فصليت ركعتين شكراً لله على نعمة الزوجة الصالحة فلما سلمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي وتشكر شكري، ومن السنة أن يصلي الإنسان ركعتين إذا تزوج شكراً لله عز وجل على نعمة الزواج، فلما سلمت من صلاتي وجدت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي وتشكر شكري، فلما دنوت منها قالت لي على رسلك يا أبا أمية انتظر وقامت فخطبت ألقت خطبة قالت أما بعد، فيا أبا أمية إنني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب ولا ما تكره فقل لي ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه، ويا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفء لك وكان لي من رجال قومي من هو كفء لي ولكن كنت لك زوجة على كتاب الله وسنة رسوله ليقضي الله أمراً كان مفعولاً فاتق الله في وامتثل قوله تعالى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ثم قعدت قال: فألجأتني على أن أخطب وهو ليس ينوي أن يخطب في هذا الوقت، ليس وقتها وقفت وقلت أما بعد، فقد قلت كلاماً إن تصدقي فيه وتثبتي عليه يكن لك زخراً وأجراً وإن تدعيه يكن حجة عليك، أحب كذا وكذا وأكره كذا وكذا وما وجدت من حسنة فانشريها وما وجدت من سيئة فاستريها. والنبي الكريم وصف المرأة المؤمنة بأنها ستيرة بينما الفاسقة فضاحة، قالت فمن من الجيران تحب أن أسمح لهن بدخول بيتك ومن تكره ؟ قال بنو فلان قوماً صالحون وبنو فلان قوم غير ذلك، قالت: كيف نزور أهلي وأهلك ؟ قال نزورهم غباً مع انقطاع بين الحين والحين لئلا يملونا وفي الحديث الشريف:

(( زر غباً تزدد حباً ))

 وجرى نقاش حول خطة العمل في المستقبل قال وبعد عام عدت فيه إلى البيت فإذا أم زوجتي عندنا، بعد سنة جاءت رحبت بها أجمل ترحيب وكانت قد علمت من ابنتها أنها في أهنأ حال، قالت يا أبا أمية كيف وجدت زوجتك ؟ قلت والله هي خير زوجة قالت يا أبا أمية ما أوتي الرجال شراً من المرأة المدللة فوق الحدود فأدب ما شئت أن تؤدب وهذب ما شئت أن تهذب ثم التفتت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ومضى علي عشرون عاماً لم أجد منها ما يعكر صفائي إلا ليلة واحدة كنت فيها أنا الظالم.
 هذا البيت المسلم البحث طويل في حوالي أربعين خمسين بنداً لكن طغى علينا موضوع الزلزال وموضوع العبادة الشعائرية و التعاملية ولكن إن شاء الله في مناسبات قادمة نبسط هذه العوامل الدقيقة لكن أكبر عامل في البيت المسلم الزوجة الصالحة والحمد لله رب العالمين.
 سؤال: هل الإنسان مخير أم مسير ؟
 الدكتور راتب: أنا ذكرت في المقدمة أنه مخير لأنه مخير يسمح الله له أن يفعل ما اختار فإذاً لو ألغي الاختيار ألغي التكليف ألغي حمل الأمانة وألغينا الثواب وألغينا العقاب وألغينا الجنة وألغينا النار، وقلت عن سيدنا عمر، قال و الله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليّ ذلك، أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، و مرة لأنه افترى على الله.
 سؤال: ما حكم تلاوة القرآن الكريم للفتاة المسلمة البالغة في احتفال على الملأ وإن كان الهدف التسابق في الحفظ ؟
 الدكتور راتب: المسابقة العلمية والعسكرية بالإسلام مسموحة، ليس فقط للمغنيات والمغنين هذا موضوع ثاني، ستة وثمانين مليون اتصال جاء لسوبر ستار من أجل مغنيتين، هذه ممنوعة أما المسابقة العلمية في القرآن الكريم وفي العلم حتى في العلوم العسكرية في الرمي مسموحة لأنها تقوي الأمة من جهة وتنور عقولها من جهة ثانية، المسابقات مسموحة في حقل العلم والحقل العسكري.
 سؤال: الزوجة إذا أخذت من مال زوجها بغير علمه حرام مع العلم أنه يعطيها ولكن لا يكفي لحاجة البنات مع العلم أنه أحياناً يعلم وهي لا تنفقهم إلا على بيتها وأولادها ؟
 الدكتور راتب: هذه أخطر فتوى طول بالك، لكن حالات نادرة جداً زوج بخيل جداً والابن يكاد يموت من المرض أو يموت من الجوع ما في دواء ولا طعام سمح النبي عليه الصلاة والسلام، لكن حالات إذا توسعنا بها انتهت بالبيت كله. ما فينا نتوسع بها إطلاقاً زوج بخيل معه مرض البخل ولا يعطي لا ثمن طعام ولا ثمن دواء أما ناقصها فستان النبي عليه الصلاة والسلام سمح، لا غير واردة.
 سؤال: جزاك الله خيراً أرجو إلقاء الضوء على حجاب الفتاة المسلمة ومدى أهميته ولا سيما هناك من يحاول تغيير معالم اللباس الشرعي فأصبح الحجاب كاسيات عاريات ؟
 الدكتور راتب: لم يعد حجاباً، صارت الفتاة محجوبة عن الله عز وجل، الكاسية العارية محجوبة ليست محجبة.
 سؤال: ما هي حدود الدعوة إلى الله ؟ وهل أصبح الاختلاط ضرورياً لا نستطيع الاستغناء عنه وحدوده تتغير حسب الظروف والمكان أم أن الدين ثابت لا يتغير ؟
 الدكتور راتب: بالإسلام يوجد ثوابت ومتغيرات، الشيء الذي لا بد منه لتحقيق سلامتك وسعادتك من الثوابت، والشيء الذي يدمر سعادتك من الثوابت، فالثوابت تغطيها نصوص قطعية الدلالة يعني أعط فلاناً ألفاً و خمسمئة درهم، هذا نص قطعي الدلالة فكل الثوابت تغطيها نصوص قطعية الدلالة وكل المتغيرات تغطيها نصوص ظنية الدلالة لأن الله أراد كل المعاني المستنبطة من هذا، أعط فلاناً ألف درهم ونصفه، على من تعود النصف على الألف أم على الدرهم ؟ هذا نص اسمه احتمالي ظني الدلالة، القضايا الأساسية في الإسلام الثابتة تغطيها نصوص قطعية الدلالة والقضايا المتغيرة تغطيها نصوص ظنية الدلالة.
 سؤال: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض فما هي الأمانة ؟
 الدكتور راتب: الأمانة هي نفسك التي بين جنبيك، قال تعالى:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 نفسك أمانة بين يديك أنت مخير إما أن تعرفها بالله وأن تحملها على طاعته وإما أن تبقيها جاهلة وتدفعها إلى المعاصي، هي أمانة بين يديك والفلاح كل الفلاح والنجاح كل النجاح والفوز كل الفوز في حملها على طاعة الله هي أمانة بين يديك.
 سؤال: أنا بحمد الله أدعو من حولي في الجامعة وأجد ثماراً طيبة ولكنني لا أستطيع أن أذكر أو أدعو أهلي رغم بعدهم عن الدين لأنهم لا يتقبلون ولا يعتبرون أنني أتطاول عليهم فهل علي إثم ؟
 الدكتور راتب: لا نبي في قومه، قاعدة، كان صغيراً هذا الطفل أنت سوف تعلمنا لا يقبل، الأب والأم صعب يقبلوا من ابنهم إن كان صغيراً، على كل لا يوجد طريق لدعوة الأهل إلا الإحسان، الإحسان هو أوسع طريق إلى قلب الأم والأب.
 سؤال: هل زيارة القبور محرمة على النساء بما في ذلك قبر الرسول صلى الله عليه وسلم؟
 الدكتور راتب: ليست محرمة إذا المرأة كانت محجبة ومحشومة أما ارجعن مأزورات غير مأجورات إذا في تفلت وفي صياح ورفع صوت.
 سؤال: امرأة تظن بزوجها إذا خرج من البيت ولكن هذا ليس بيدها فتبعته إلى المكان الموجود فيه فتجده يعمل بعمله عندئذ تحاسب نفسها لماذا وما رأت عنه يوماً شيء فهل هذا الظن تحاسب عليه ؟
 الدكتور راتب: نعم إن بعض الظن إثم، هذا اسمها غيرة مرضية، في غيرة طبيعية بالمرأة من حقها أما إذا في دلائل أما ما في ولا دليل وغيورة هذا مرض بالمرأة.
 سؤال: هل شرطاً أن تضع المرأة غطاء على وجهها ؟
 الدكتور راتب: تحتاج إلى محاضرة ثانية.
 سؤال: البعض يقول إن الزلزال من علامات الساعة وإنه من إحدى الزلازل الثلاثة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيأتي زلزال في المغرب و آخر في المشرق و آخر في الحجاز كما صح في هذا القول ؟
 الدكتور راتب: من علامات قيام الساعة كثرة الزلازل.
 في الختام ليس لنا إلا أن نشكركم على هذا اللقاء فاسمحوا لي أن أقول كلمة صغيرة:
 يروى أن العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله في رحلة إلى بلاد الهند زار الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله تعالى فقال الشيخ أبو الحسن لمريديه ستقولون يوماً أنكم قابلتم الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة و أنا أقول لكم من الآن فصاعداً تستطيعون القول أنكم قابلتم العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي.
 الدكتور راتب: أستغفر الله.
 المذيع: وأقول قد قدمت المحاضرة وإلى لقاء آخر نستودعكم الله ونرجو ونشكر كل من ساهم لنجاح هذا اللقاء وخصوصاً مجلس الطلبة في كلية العلوم الإنسانية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018