٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0347 - مفهوم العبادة ( الحج ) - ما الحكمة؟.


1991-05-24

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً لربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان خلق في الدنيا ليعبد الله :

 أيها الأخوة المؤمنون؛ بمناسبة اقتراب موسم الحج لا بدّ من معالجة هذا الموضوع وتبيان حكم الحج، ومع اقتراب مناسك الحج نتحدث إن شاء الله عن حكمة هذه المناسك.
 يا أيها الأخوة الأكارم؛ الإنسان موجود على هذه الأرض لمهمة واحدة نستنبطها من قوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 أنت خلقت في الدنيا لتعبد الله، وهل تصدق أيها الأخ الكريم أن العبادة تسع الحياة كلها، وتسع الأوقات كلها، وتسع الأماكن كلها، وتسع نشاطاتك كلها، هناك عبادة يومية هي الصلوات الخمس، أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل منه في اليوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا، قال: كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا، أنت عندك في كل يوم وليلة خمس صلوات، خمس مناسبات سمح الله لك أن تقف بين يديه، خمس مناسبات سمح الله لك أن تناجيه، إذا أردت أن تحدث ربك فادع الله، وإذا أردت أن يحدثك ربك فاقرأ القرآن، ففي الصلوات الخمس تدعو الله أي تحدثه، وحينما تتلو الآيات في أعقاب سورة الفاتحة يحدثك الله عز وجل.
 هذه عبادة يومية، وهناك عبادة أسبوعية يغلب عليه الطابع التعليمي، لا بدّ من أن تصلي الجمعة في جماعة، ولا بدّ من خطبة فيها تبيان وتوضيح وشرح وتفسير لآية من كتاب الله، أو لحديث من سنة رسول الله، ليس في الأديان دين فيه عبادة طبيعتها تعليمية كصلاة الجمعة، لا بدّ من خطبة، فأي مسلم فرض الله عليه صلاة الجمعة ليجدد إيمانه، ليزداد علماً، ليفهم، ليتعرف، ليعقل، هذه عبادة أسبوعية، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

[ موطأ مالك عن صفوان بن سليم]

 وهناك عبادة سنوية، في الصلاة تجتزئ من وقتك وتتصل بالله عز وجل، لكن في الصيام تجتزئ مما هو مباح لك، تدع الطعام والشراب وهما في الأصل مباحان حباً بالله عز وجل.

 

الحج عبادة ماليّة وبدنيّة وشعائريّة :

 أيها الأخوة الأكارم؛ الصلاة عبادة بدنية، والصيام عبادة امتناع، يغلب عليها الطابع السلبي في ظاهرها، والزكاة عبادة مالية، ولكن الحج يا أيها الأخوة الكرام، ونحن على مشارف هذا الموسم العظيم عبادة مالية وبدنية وشعائرية، يضاف إلى ذلك إذا مررت في الطريق، وغضضت بصرك عما حرمه الله عليك فأنت في عبادة، إذا سألك إنسان وكنت صادقاً فأنت في عبادة، أنت مأمور بالصدق والأمانة والإخلاص والنصح، لذلك فرق العلماء بين العبادات الشعائرية كالصلاة والصوم والحج وبين العبادات التعاملية، في البيع هناك أمر ونهي فإذا طبقت الأمر وتركت ما نهاك الله عنه فأنت في عبادة، إذا كسبت المال من طريق مشروع وأنفقته على أهلك تبتغي بذلك وجه الله عز وجل فأنت في عبادة، ألم أقل لكم قبل قليل إن العبادة تسع الأوقات كلها وتسع نشاطات الإنسان كلها؟
 إذا دعوت الله عز وجل بين الصلوات.. إذا دعوت الله وأنت داخل إلى بيتك، أو أنت خارج منه، أو أنت داخل إلى مقرّ عملك، أو أنت خارج منه.. إذا دعوت الله إذا واجهت مشكلة.. إذا دعوت الله شاكراً على نعمة أسبغها الله عليك فأنت في عبادة، فالدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار عبادة، وغض البصر عن محارم الله عبادة، وأن تكون صادقاً في بيعك وشرائك عبادة، وأن ترعى أهلك وأولادك فأنت في عبادة، فالعبادة إذا سبقتها معرفة بالله عز وجل كل حركاتك وسكناتك هي عبادة أي طاعة لله، لأن منهج الله عز وجل منهج تفصيلي، كل حركة وسكنة.. كل نشاط له حكم شرعي، هذا مباح، وهذا مكروه، وهذا محرم، وهذا مندوب، وهذا مستحسن، وهذا سنة، وهذا واجب، وهذا فرض.

 

الحج عبادة العمر :

 أيها الأخوة الأكارم؛ عبادة يومية، عبادة أسبوعية، عبادة شهرية، عبادة سنوية، الحج عبادة العمر، قال عليه الصلاة والسلام:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ؟ قَالَ : بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ ))

[أَبُو دَاوُد عن ابْنِ عَبَّاسٍ]

 ما حكمة الحج؟ أنت في الصيام تؤكد للناس أن حب الله عز وجل أغلى عليك من الطعام والشراب، وما هو مباح لك، لكنك في الحج تؤكد أن حب الله عز وجل أغلى عليك من بلدك، ومن متجرك، ومن أهلك، ومن أولادك، ومن مالك، ومن راحتك، إنفاق للمال، بذل للجهد، ترك للأهل والعمل والبلد، إذاً كأن العبادات ترتقي درجة درجة، الصلاة تجتزئ من وقتك، والصيام يجتزئ من وقتك، وتدع من أجله طعامك وشرابك، والحج يجتزئ من وقتك، وتدع من أجل الله عز وجل أهلك، زوجتك، أولادك، من هم حولك، مكانتك، بيتك، بلدك، وتنفق من مالك.

 

الحج رحلة إلى الله :

 أيها الأخوة الأكارم؛ يقول الله عز وجل في كتابه العزيز:

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 96 ]

 لماذا وضع الله البيت ونسبه إلى ذاته؟ أن طهرا بيتي، الله عز وجل في كل مكان فلماذا اتخذ بيتاً ونسبه إلى ذاته وأمرنا أن نزوره؟
 أيها الأخوة المؤمنون؛ بشكل أو بآخر الإنسان جزء من كيانه مادي، أو الطبيعة المادية جزء من كيانه المادي في الدنيا، فالحج كما فسره بعض المفسرين رحلة إلى الله، الله في كل مكان، ولكن الله اتخذ بيتاً ونسبه إلى ذاته ودعانا إليه، فإذا لبيت الدعوة فأنت في رحلة إلى الله، قال تعالى:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

[ سورة الذاريات: 50]

 قال تعالى:

﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الصافات: 99]

 هذه حكمة الحج الأولى رحلة إلى الله، ما الذي يمكن أن يشغلك في هذه الرحلة؟ مكانتك الاجتماعية، ما الذي يعبر عن هذه المكانة؟ ثيابك الأنيقة، اخلع ثيابك وارتدِ ثوبين غير مخيطين، الدنيا كلها في اللباس، نزعت الثياب فصار الناس سواسية، الكل سواسية، إذا نظرت إلى عرفات والحجاج يقفون في عرفات فهذا تصغير أو نموذج للمحشر يوم القيامة.

 

إعجاز القرآن العلمي في كلمة من كل فجّ عميق :

 الله عز وجل قال:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾

[ سورة الحج: 27]

 في هذه الآية إشارة علمية بل هي من إعجاز القرآن العلمي لم يقل الله عز وجل وعلى كل ضامر يأتينا من كل فج بعيد، الأرض ليست مسطحة، لو أنها مسطحة مستوية لقال الله عز وجل: وعلى كل ضامر يأتينا من كل فج بعيد، لأن الأرض كروية، والكرة تحتل الفراغ، والفراغ فيه أبعاد ثلاثة، فإذا ابتعدت عن مكة المكرمة ابتعدت عنها أفقياً وعمودياً.

﴿ وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾

[ سورة الحج: 27-28]

الحكمة من الحج :

 إذا ذهب الحاج إلى بيت الله الحرام، وطاف، وسعى، ووقف في عرفات ومنى، ورجم إبليس، وعاد كما ذهب، وقال: سبحان الله! ما وجدنا شيئاً، هكذا أمرنا الله عز وجل، معنى ذلك أن هذه الآية لم تتحقق عند هذا الإنسان، إذاً في حجه خلل لم يستكمل شروط الحج، لم يحج كما أراد الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾

[ سورة الحج: 28]

 وفي قمة هذه المنافع أن يزداد إيمانك، أن تزداد معرفتك، أن يزداد ورعك، أن يزداد حبك، أن تعود إنساناً آخر، أن تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمك.

 

الحج برهان عملي يقدمه المؤمن لله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم؛ بادئ ذي بدء الحج برهان عملي يقدمه المؤمن على أن أمر الله تعالى أغلى عليه وأحب إليه من ماله - نفقات باهظة - ومن أهله، ومن أولاده، ومن بيته، ومن عمله، ومن رتبته، ومن مكانته، الحاج إذا ذهب إلى الديار المقدسة اقتلع من جذوره وكان هناك شخصاً عادياً لا أحد يعرفه، هكذا يوم القيامة الناس يأتون ربهم فرادى.
 شيء آخر، اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم. اخشوشنوا وتمعددوا، فالإنسان إذا تعود حياة الرفاه، حياة الليونة، حياة الاستقرار، هذا الإنسان لا يقدر على مواجهة الصعاب، لا يقوى على الجهاد في سبيل الله، فكأن الحج تدريب عملي على بذل الجهد، وتحمل المشقة، وتحمل الحر، وتحمل أن تذهب إلى بلاد بعيدة، تحتاج إلى مكان تسكن فيه، وإلى مركبة تقلك من مكان إلى آخر، تحتاج إلى كل شيء، إذاً كأن الحج كما الصيام تعويد المؤمن على تحمل الشدائد ليكون جاهزاً لطلب بذل الجهد عند اقتضاء الضرورة.

الحج عبادة مديدة :

 أيها الأخوة الأكارم؛ حكمة أخرى من حكم الحج: الحج عبادة مديدة، عشرون يوماً لا شيء يشغلك، لا تجارة تقلقك، لا مشكلة تزعجك، عبادة مديدة كلها ذكر، كلها تلاوة قرآن، كلها إقبال، كلها صلوات، كلها معروف، لعل في هذه العبادة المديدة يزداد إيمانك، يزداد إقبالك، يزداد حبك، لعل الحج بشكل أو بآخر نقلة نوعية، قفزة إلى مستوى أعلى لم تعهده في بلدك، وما من مسلم شهد الله يأتي الديار المقدسة لا يبتغي إلا مرضاة الله عز وجل إلا ويشعر أن الله يكرمه إكراماً يكاد لا يوصف، والدليل أن الذي يذهب إلى الديار المقدسة حاجاً، ويتحمل المشاق كلما جاء موسم الحج حنت نفسه إلى تلك الديار، لماذا؟ لأن الله تجلى عليه، لأن الله أكرمه، قيسوا عليه الحديث القدسي: " إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر" .

في الحج الناس سواسية كأسنان المشط :

 أيها الأخوة الأكارم؛ في الحياة الدنيا مراتب ودرجات وطبقات، أغنياء وفقراء، أقوياء وضعفاء، سادة ومسودون، أصحاء ومرضى، ولكن من حكمة الحج أن الناس إذا وقفوا في عرفات، وإذا طافوا، وإذا سعوا هم سواسية كأسنان المشط، لعل في الحج - كما يقول الناس اليوم- تحجيماً لهذا الإنسان، لعله في الحج يعود إلى حجمه الحقيقي، عبد لله ضعيف، قد تغريه قوته، قد يغريه ماله، قد يظن أنه شيء عظيم، ولكن الحج إذا كان الحاج صادقاً في حجه يعود إلى حجمه الحقيقي، يعود فرداً، يعود عبداً، يعود ضعيفاً وهذه حقيقته، لأن الدنيا كما قيل تغر وتضر وتمر، كأن في الحج عودة إلى الأصل، كأن في الحج تحجيماً لهذا الإنسان المستطيع، وقد فرض على المستطيع، والاستطاعة في شقها الأول الغنى.
 أيها الأخوة الأكارم؛ حينما نشأ المسلم يستمع إلى آيات الله تتلى عليه، وفي هذه الآيات ذكر للأماكن المقدسة التي ظهر فيها الإسلام، فإذا ذهب إلى هذه الأماكن ورأى نشوء الإسلام، ومكان ظهور الإسلام، وأرض المعارك التي خاضها المسلمون، وهذه الأماكن التي نزل فيها القرآن، والتي ذكرها الله عز وجل في البيان الإلهي، تاقت نفسه واضطربت وعاش ذكريات الدعوة الأولى، وهذه حكمة أخرى من حكم الحج.

الحج رحلة قبل الرحلة الأخيرة :

 يا أيها الأخوة الأكارم؛ وهناك حكمة نضيفها إلى هذه الحكم وهي أن الإنسان إذا غادر الدنيا بحسب الظاهر يدع كل شيء إلى قبر صغير أو إلى لا شيء، والإنسان إذا لم يوطن نفسه على مغادرة الدنيا يأتيه الموت كالصاعقة، الحج أسلوب لطيف جداً من أساليب المولى جلّ وعلا ليذكر الإنسان بهذه الرحلة الأخيرة، يدع الإنسان كل شيء، ويرتدي ثوبين غير مخيطين، إذاً يكاد يكون الحج الرحلة قبل الأخيرة، فيا أيها الإنسان هل أنت مستعد للرحلة الأخيرة؟ للرحلة التي لا عودة منها؟ للرحلة التي تدع فيها كل شيء؟ كل شيء إطلاقاً، كل شيء حصلته في الدنيا تدعه وتذهب بمترين أو ثلاثة من القماش، توضع في حفرة صغيرة، هذه هي الرحلة الأخيرة، فكأن الحج تدريب ولفت نظر وتذكير برحلة أخيرة، حيث يحشر الإنسان فرداً، حيث يقف الناس سواسية أمام رب العالمين، حيث يقيّم الإنسان تقييماً آخر بمقياس السماء لا بمقياس الأرض، كل منّا يقيّم الآخر بمقياس الأرض، يقولون: فلان كم حجمه المالي؟ فلان كم هي قوته؟ فلان كم عدد أولاده؟ فلان في أي منطقة يسكن؟ فلان ماذا يركب؟ ماذا يأكل؟ هذه كلها مقاييس الدنيا، ماذا يحمل من شهادة؟ من أية جامعة؟ بأي درجة؟ هذه مقاييس الدنيا، ولكن الحج يلفت نظر المؤمن إلى أن هناك وقوفاً بين يدي الله رب العالمين، وهناك تقييماً لا علاقة له بمقاييس الدنيا، لذلك:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

[سورة الواقعة: 1-3]

 ترفع أناساً وتخفض آخرين، رب أشعث اغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.

 

الحج لقاء بين المسلمين :

 أيها الأخوة الأكارم؛ وفضلاً عن كل هذا الحجاج العرب المسلمون يأتون إلى الديار المقدسة فإذا حجاج من شرق آسيا، هذا اللقاء بين المسلمين يزيد الأواصر تماسكاً، هذا اللقاء بين المسلمين يزيد التعارف بينهم، تعرف أوضاع المسلمين، قد تعرف أناساً سبقوك في الإيمان، وقد تعرف أناساً تخلفوا عنك، تعرف أناساً بأشدّ الحاجة إلى مساعدتك، إذاً كأن الحج موسم سنوي يلتقي فيه المسلمون في شتى بقاع الدنيا يلتقون، يتعارفون، يتشاورون، يتدارسون، وهذا من حكم الحج أيضاً.

الحج بركة تأتيك من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم؛ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾

[سورة آل عمران:96]

 بيت مبارك، والمبارك كثير البركة، إذاً حكمة الله عز وجل من أمرنا بالذهاب إلى بيت الله الحرام أن تأتيك بركة الله عز وجل، وهذا البركة ربما كثرة استعمال هذه الكلمة أفقدها بعض مدلولها، بركة الله عز وجل عطاؤه الذي لا ينقطع، إذا ألقى في قلبك نوراً رأيت به الحق حقاً، والباطل باطلاً، وسرت على المنهج القويم بقية حياتك، فهذه أعظم بركة من بركات الحج، إذا عرفت الله عز وجل، وعرفت أن الله كل شيء، ولا شيء مع الله ووحدته في الحج فهذه بركة من أعظم بركات الحج، إذا عاهدت الله على طاعته التامة، وعدت إلى بلدك، وقد نفذت هذا العهد فهذه بركة ثالثة من بركات الحج، إذا ذقت من طعم القرب شيئاً لا تعرفه من قبل، ودفعك هذا الذوق إلى أن تتابع السير إلى الله عز وجل فهذه بركة رابعة من بركات الحج، إذا زرت المدينة المنورة، ووقفت أمام قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وشعرت بالوجد والحب، هذه بركة خامسة من بركات الحج.

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾

[سورة آل عمران:96-97]

 لك أن تحمل هذه الآية على المعنى النفسي، ولك أن تحملها على المعنى المادي، على المعنى المادي وجه المفسرون هذه الآية أي أنتم يا عبادي خلفائي في الأرض اجعلوه آمناً، أي ينبغي أن يكون آمناً، هذا المعنى الثاني أما المعنى الأول فإذا اقتربت من الله عز وجل وشعرت أنه قد قبلك، وشعرت أنه يحبك، وشعرت أنه قد رضي عنك، فهل هناك أمن يعدل هذا الأمن؟ إذا رضي عنك رجل قوي وخصك بشيء من الود تتيه على الناس بهذا الشيء، فإذا خصك خالق الكون؟!

 

السكينة لا تعطى إلا للأصفياء من المؤمنين :

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا ﴾

[سورة آل عمران:97]

 نعمة الأمن لا يعرفها إلا من فقدها.

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 81-82]

 إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكن يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين:

﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾

[سورة آل عمران:97]

 وقد وقف المفسرون عند قوله تعالى

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ ﴾

 إذا كنت تائباً في بلدك، صائماً، مصلياً، مستقيماً، وذهبت إلى الحج، ارتقيت بالحج إلى أعلى عليين، أما إذا ذهب إلى الحج عامة الناس ففي الحج تحصل له التوبة، أي الحج وما ابتغي به، قد تتوب في الحج، وقد ترقى في الحج، وقد يزداد إيمانك في الحج، وقد تنتقل من مرتبة إلى مرتبة في الحج، قد تنتقل من الصراع النفسي إلى متابعة الترقي، قد تنتقل من طلب الجنة واتقاء النار إلى طلب الواحد القهار، لذلك الحج يمكن أن يستفيد منه عامة الناس، ويمكن أن يستفيد منه الخاصة.

 

من ترك الحج إنكاراً لحقه فقد كفر :

 ثم قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ ﴾

[سورة آل عمران:97]

 قال بعض العلماء: معنى من كفر أي من ترك الحج إنكاراً لحقه فهذا كفر، إذا أنكرت أي فرض في الإسلام فالإنكار كفر، ومن ترك الحج غير منكر له وهو مستطيع فهذا يوصف عند العلماء بأنه فسق.

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة آل عمران:97]

 والآية الأخرى:

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ﴾

[سورة الحج :27-28]

 والآية الثالثة:

﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾

[سورة البقرة: 196]

 إذاً إتمام الحج واجب، أن يدع الإنسان هذه العبادة كيفما شاء هذا ليس وارداً إطلاقاً في الدين، مادمت قد لبيت لا بدّ أن تتم الحج إلا إذا كان هناك قاهر، هذا حكم الإحصار، وله بحث طويل.

 

العبادات أعمال هادفة معللة بمصالح الخلق :

 أيها الأخوة الأكارم؛ نرجو الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، والعبادات أيها الأخوة مرة ثانية ليست طقوساً نؤديها، في الديانات الوضعية والوثنية هناك حركات وسكنات يؤديها أتباع هذه الديانات، هذه سماها علماء التاريخ طقوساً، ولكن ديننا الحنيف ليس فيه طقوس بل فيه عبادات، والعبادات أعمال هادفة نافعة معللة بمصالح الخلق.
 ويجب أن تعلم علم اليقين أن مهمة واحدة موكلة لك في هذه الدنيا وهي أن تعبد الله، الصلاة عبادة، والصيام عبادة، والزكاة عبادة، والحج عبادة، وأن تكون صادقاً، وأن تكون مخلصاً عبادة، وأن تكون نصوحاً عبادة، وأن تكون متقناً لعملك عبادة، والعبادة كما قلت في أول الخطبة تسع الأوقات كلها، تسع النشاطات كلها، تسع العمر كله.
 أيها الأخوة الأكارم؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وذريته ومن والاه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

الحكمة من اتخاذ الكعبة في منطقة استوائية :

 أيها الأخوة الأكارم؛ سؤال يخطر في بال كل إنسان، أن الله سبحانه وتعالى اتخذ الكعبة بيتاً له وهي في منطقة استوائية الحر فيها شديد، وشاءت حكمة الله أن يكون الحج في أيام معدودات، إذاً الازدحام شديد والحر شديد، فقد يسأل سائل: ما الحكمة من ذلك؟ أيرضي الله عز وجل أن نشعر بحر لا يطاق؟ أيرضي الله عز وجل أن يتزاحم الناس؟ بعضهم أجاب عن هذا السؤال وقال: لو أن بلاد الحجاز بلاد عليلة النسمات، طيبة الهواء، معتدلة الطقس، جميلة المنظر، جبالها خضراء، سهولها جميلة، لاندفع الناس إلى الحج لا عن عبادة لله عز وجل ولكن للاستمتاع بهذه الأماكن، فلكي يفرز الحاج عن السائح ربنا عز وجل جعل هذا البيت العظيم كما قال في قرآنه الكريم:

﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾

[ سورة إبراهيم: 37]

 لا زرع ولا ضرع، جبال سوداء تشع الحرارة التي لا تطاق، لماذا؟ كي يثبت الله لك أنه إذا تجلى عليك وأنت في هذا الحر الشديد، وأنت في هذا القيظ، وأنت في هذا الازدحام، نسيت الدنيا وما فيها، واسأل الصادقين من الحجاج، واسأل الذين ذهبوا إلى الحج وكانوا على إخلاص شديد، اسألهم كم هي السعادة التي ذاقوها، كم هو السرور الذي نعموا به وهم في هذه الحالة، وهم في هذا الحر، وهم في هذا الضنك، وهم في هذا الازدحام، حكمة الله لا يعرفها الساذج بل يعرفها المتأمل، هذه الأماكن المقدسة شاء الله أن تكون حارة، وشاء الله أن يكون الحج في وقت واحد، إذاً شاء الازدحام من أجل ماذا؟ من أجل أن يفرز الحاج من السائح، لذلك جعل الله هذه البلاد في واد غير ذي زرع.
 فإذا بالغ الإنسان في الرفاه إلى درجة أنه ما شعر بفرق إطلاقاً في بيته عن أماكن الحج لا أقول قد يقل أجره، ولكن أقول: قد لا يشعر بالمتعة التي يشعرها من تجشم هذه المشاق.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018