بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 105 - الصدقة وآثارها.


2010-10-25

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الصدقة و آثارها :

 أيها الأخوة الكرام: الله جل جلاله لأنه رحيم يسترضى، بينما تجد إنساناً جباراً قوياً مهما بذلت جهداً في استرضائه لا يسترضى، قال تعالى:

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 130 ]

 لكن الله جلّ في علاه ملك الملوك، ومالك الملوك، وبيده ملكوت كل شيء، ومع ذلك إن استرضيته يرضى، وهناك ألف طريقٍ وطريق لإرضائه، وألف طريقٍ وطريق لكسب وده، وألف طريقٍ وطريق لطلب مغفرته، وألف طريقٍ وطريق للعفو عن المذنبين، فهذا من عظمة الله عز وجل، لولا أن الله فتح باب التوبة، لولا أن الله فتح باب الاستغفار، لولا أن الله فتح باب العفو، لهلك الناس.
 موضوع الدرس اليوم الصدقة وآثارها.
 قال بعض العلماء: إن للصدقة تأثيراً عجيباً في دفع أنواع البلاء - لكن تحملوا هذه الكلمة- ولو كانت من فاجرٍ، أو من كافر، هذا الكافر لماذا دفع هذه الصدقة؟ لأنه يعلم أن لهذا الكون إلهاً، وأن هذا الإله قوي، وأنه الآن على وشك أن يقع في مصيبة كبيرة، فهناك أناس كثيرون ليسوا ملتزمين، ولكنهم حينما يلوح لهم شبح مصيبة يذبحون الخرفان، ويقدمون الصدقات طلباً من الله عز وجل، فإذا كانت الصدقة تقبل من غير الملتزم، ومن غير المطيع، فلأن تقبل من المطيع من باب أولى، لذلك أيها الأخوة، ما من محنة يمر بها الإنسان- وما أكثر المحن!- إلا وللصدقة أثر فعال في صرف هذه المحنة، لأن الله يسترضى، هذا كلام يحتاج إلى دليل، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي في جامعه من حديث أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ‏

((إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء‏))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 أي الله يغضب، ما الذي يطفئ غضبه مجازاً؟ أن تندم، وأن تبادر إلى عمل تنقذ نفسك من غضبه، كلام طيب، كلام مريح، كلام مسعد، إنسان زلت قدمه، إنسان لاح له شبح مصيبة، ما الذي بيده أن يفعله؟ بيده أن يسترضي الله بالصدقة.
 هناك حالة أخرى، إنسان تاب توبة نصوحة، ثم زلت قدمه، وعاد إلى ذنبه مرة ثانية، لو قلنا له: تب مرة ثانية، يقول لك: و الله أستحي من الله أن أتوب ثانية وقد عاهدته على ألا أقع، نقول له: أضف إلى توبتك صدقة، لقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾

[ سورة هود: 114 ]

 والله أيها الأخوة، عندي أمثلة والله بالمئات، والله بعشرات المئات، أنه ما من مؤمنٍ أو غير مؤمن أصيب بمحنة، ولاح له شبح مصيبة فاسترضى الله بصدقة إلا كشف الله عنه محنته، وصرف عنه البلاء، والله شيء جميل، بيدك وسائل فعالة، بأن يكشف عنك البلاء، وأن تصرف عنك المصائب، وأن تطفئ بها غضب الله عز وجل، وهذا كلام طيب، كلام النبي.

((إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء‏))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

 وقال شراح الحديث: أي إنها تطفئ الذنوب والخطايا كما تطفئ الماء النار، صار معنا وسيلة فعالة، كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، زلت قدم، حجبت عن الله، شعرت بجفوة فيما بينك وبين الله، رأيت الطريق إلى الله ليس سالكاً، بادر إلى عمل طيب، لعل الله عز وجل يقبل هذا العمل، ويصرف عنك السوء.
 وفي الترمذي أيضاً عن معاذ بن جبل رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير فقال: ‏

((ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تطفئ الخَطِيئَةَ كما يطفئ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْل‏ - شعار الصالحين - ثم تلا قوله تعالى ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾))

[مسند الشهاب عن معاذ بن جبل ]

الحكمة من التضييق على الإنسان :

 أنا قلت: هناك ألف طريقٍ وطريق لاسترضاء الله، وألف طريقٍ وطريق لإطفاء غضب الله، وألف طريقٍ وطريق لمغفرة الله، وألف طريقٍ وطريق لعفو الله، وكلها وسائل بين أيدي الناس، ولكنهم لبعدهم، ولجهلهم، ولانصرافهم عن مجالس العلم، يقعون في متاهات، وفي ضلالات، وفي ترهات، وفي ضيق، وفي قلق، الله عز وجل بيده كل شيء.
 والله أخ من أخواننا الكرام قبل أكثر من ستة عشر عاماً ذهب إلى بلد غربي للمعالجة، قال لي: وأنا مضطجع على سرير الفحص، وكان يحتاج إلى عملية، ولعلها خطيرة، قال لي: بكيت وناجيت الله عز وجل، وقلت: يا رب اشفني من عندك، ودعا دعاء طيباً، أي الرجل صادق، من ذلك التاريخ حتى الآن هو معافى بل في أتمّ الصحة، أنت تتجاهل الله؟ الله موجود، بيده كل شيء، بيده كل أعضائك، كل جوارحك، كل حواسك، كل معطياتك.
 قال: كنت مع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه، ونحن نسير، قال يا معاذ:‏

((ألا أدُلُّكَ على أبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تطفئ الخَطِيئَةَ كما يطفئ المَاءُ النارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ ـ شعار الصالحين ـ ثم تلا قوله تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾))

[مسند الشهاب عن معاذ بن جبل ]

 أخ كريم قال لي بالحرف الواحد: أنا كنت شارداً عن الله - وهذه الكلمة تكفي، فهمكم كفاية- أي ما من معصية إلا واقترفها، لا يحلل ولا يحرم، كان شارداً، وكان غارقاً بالآثام والمعاصي والفسق والفجور، ثم جاءته أزمة، أزمة صحية شديدة، قال لي: وأنا في غرفة العناية المشددة ناجيت الله، قلت يا رب: أتحب أن ألقاك عارياً؟ ألا تسترني بأن تمد في عمري قليلاً كي أتوب إليك؟ الله عز وجل كريم أعطاه فسحة من الأمل، ولزم الدروس، وصار عنده شوق إلى الدروس عجيب، الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، والجمعة والسبت والأحد والاثنين، وقال لي: الثلاثاء والأربعاء والخميس مشكلة كبيرة لا يوجد دروس، ماذا أفعل؟ ثم قال لي كلمة والله أبكاني، قال: ناجيت الله عز وجل قلت له: يا رب كل هذه السعادة بالقرب منك، لما لم تسق لي هذه المصيبة قبل عشر سنوات؟!
 فالله عز وجل عندما يضيق على الإنسان يريد أن يقربه، يريد أن يذيقه طعم حلاوة مناجاته، حلاوة سؤاله، حلاوة التذلل له، حلاوة الإقبال عليه، حلاوة القرب منه، حلاوة الاستلام له، حلاوة الرضى بقضائه، حلاوة الرضى بقدره:

((باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها))

[البيهقي في الشعب من حديث بشر بن عبيد]

 أخوان كرام - جزاهم الله خيراً- يأتون إلى صلاة الفجر ويقولون: أريد أن أدفع صدقة لإنسان فقير، يا أخي و الله الوقت مازال باكراً لا يوجد أحد، بقي لأن الحديث يقول: باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها، ساعة المباكرة ليست وقتاً أي الإنسان لا يتأخر عن الذنب، لا يؤخر التوبة عن الذنب، باكر، فهم الأخ أن تدفع الصدقة مع صلاة الفجر، مقبول هذا الفهم، باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.

استرضاء الله عز وجل بالصدقة :

 النبي عليه الصلاة والسلام ضرب مثلاً وكان مربياً حكيماً، وكان معلماً كريماً، قال: إن الصدقة تفدي العبد من عذاب الله تعالى، فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب وتفكه منه، كيف ؟ قال: ذلك كمثل من قدم ليضرب عنقه، فافتدى نفسه بماله، هذا يحدث، في بعض البلاد الإسلامية القاتل يقتل، يأتي ولي المقتول فيجلس، فإذا استرحمه، أو أعطاه ماله كله، قد يعفو عنه، فإذا عفا عنه ألغي حكم الإعدام، فقال: كمن قدم لضرب عنقه، فافتدى نفسه منهم بماله، فقبلوا معنى ذلك أنك مع إنسان قد تعطيه بعض مالك، أو كل مالك، فتفتدي نفسك من عقاب محتم، فكيف بالله عز وجل؟؟ وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد:

((يا معشر النساء تصدقن، ولو من حليكن))

[أحمد عن عبد الله بن مسعود ]

 أي من الأساور. فإنكن أكثر أهل النار‏.
 لأنه المرأة حينما تتكشف، وتبرز مفاتنها، تسيء إلى عدد لا يحصى في الطرقات، كلهم يشتهيها، ولا سبيل إليها، فقد ينحرفون، وقد تسوء علاقاتهم بزوجاتهم، وقد ينحرفون إلى الزنى، إلى ممارسة عادات تؤذي، لأن هذه المرأة أبرزت كل مفاتنها في الطريق، فقد تكون المرأة هي السبب في الفتنة، لذلك قال تعالى:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ﴾

[ سورة النور: 2 ]

 بدأ بالزانية لأنها هي السبب. ‏تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن، فإنكن أكثر أهل النار‏. هذه كلها أحاديث صحيحة أيها الأخوة، تبين أن الصدقة تطفئ غضب الرب، وأن البلاء لا يتخطى الصدقة، وأن الصدقة يسترضى بها الله جل جلاله.

 

الأعمال الصالحة تبعد صاحبها عن النار :

 وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قال: قال عليه الصلاة والسلام:

((‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان))

[البخاري عن عدي بن حاتم]

 يوم القيامة. ‏

(( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه عز وجل يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئاً قدمه - أعمال سيئة - وينظر أشأم منه - إلى الشمال- فلا يرى إلا شيئاً قدمه ، وينظر أمامه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة فليفعل))

 اعمل عملاً صالح، اعمل عملاً لوجه الله، اعمل عملاً تبتغي به وجه الله عز وجل، لا ترجو منه لا سمعة، ولا ثناء، ولا مديحاً، ولا رفعة، ولا شهرة، اعمل عملاً لوجه الله، أدخره لهذا اليوم العصيب.
 وفي حديث أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ قال: سألت النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ماذا ينجي العبد من النار ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((الإيمان بالله ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 شيء بديهي ـ فقال يا نبي الله: مع الإيمان عمل؟ قال:

((أن تعطي مما أعطاك الله ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 أن تنفق ـ قلت يا نبي الله: فإن كان فقيراً لا يجد ما ينفق أو ما يعطي؟ فقال:

((يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 قلت يا رسول الله: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا أن ينهى عن المنكر؟ قال:

((فليعن الأخرق ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 ليعن ضعيفاً ـ قلت يا نبي الله: أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال:

((فليعن مظلوماً ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 قلت يا رسول الله: أرأيت إن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً ؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((أما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 لا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا إعانة أخرق، ولا نصرة مظلوم، ولا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا إنفاق، ولا شيء، فقال عليه الصلاة والسلام:

((ليمسك آذاه عن الناس ))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 قلت يا رسول الله: أرأيت إن فعل هذا أيدخل الجنة؟ فقال عليه الصلاة والسلام:

((ما من مؤمن يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة))

[ شعب الإيمان عن أبي ذر ]

 أي كل عمل طيب ينقلك إلى عمل أطيب، وكل ترك منكر ينقلك إلى ترك منكر أكبر، وهكذا، الخيرات تتلاحق، والأعمال الصالحة تتعانق، إلى أن تنجو من عذاب النار، هذا الكلام له معنى عميق، الإنسان حركة، بالتعبير المعاصر ديناميكي، خطوة نحو الأمام تجره لخطوات، وخطوة نحو الوراء تبعده خطوات.
 سيدنا عمر يقول: إن الأعمال تتباهى فتقول الصدقة: إني أفضلكم، أي المال محبب، والمال شقيق الروح، وقد قال الله عز وجل:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 فالإنسان حينما ينفق شيئاً محبباً يرقى عند الله عز وجل، إذاً تقول الصدقة: أنا أفضلكم.

 

الجزاء من جنس العمل :

 وفي الصحيحين عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏، قال:

(( ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 جبة من حديد، مكبل.

(( ‏قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما و تراقيهما‏ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 مغلف بجبة من حديد، ويداه إلى ثدييه، وترقوته.

((‏ فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله‏ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 كلما دفع صدقة هذه الجبة تبتعد إلى أن يغدو طليقاً.

(( ‏فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه، حتى تغشى أنامله وتعفو أثره، وجعل البخيل كلما همّ بصدقة - ولم يدفعها - قلصت وأخذت كل حلقة مكانها‏ - حتى يحكم أسره-))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أي جبة من حديد، إن تصدقت انفرجت هذه الجبة، وأصبحت طليقاً، وإن لم تتصدق أحكمت حول هذا الإنسان تلك الجبة فقيدته تقييداً تاماً.
 قال شراح الحديث: البخيل محبوس عن الإحسان، ممنوع عن البر والخير، وكان جزاؤه من جنس عمله، فهو ضيق الصدر، ممنوع من الانشراح، صغير النفس، قليل الفرح، كثير الغم والهم والحزن، لا يكاد تقضى له حاجة، ولا يعان على مظلوم، أي أقرب الناس إليه يتمنون موته، إذا إنسان بخيل جداً ومرض، وجاء الطبيب، إذا قال لهم: عرضية، ينزعجون كثيراً، يجب أن يقول: قاضية انتهى، ما الذي يفرحهم و هم أقرب الناس إليه؟ أن يكون مرضه عضالاً، أما إذا كان مرضه سهلاً بسيطاً فينزعجون، أما الكريم فكل من حوله يتمنى بقاءه، والبخيل كل من حوله يتمنى موته، فشتان بين أن تكون بين أناس يتمنون حياتك، وبين أن تكون بين أناس يتمنون موتك، كن كريماً يتمنى كل من حولك حياتك وإلا يتمنون موتك.
 قال: المتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره.
 سيدنا عبد الرحمن بن عوف قال: ماذا أفعل؟ والله لأدخلن الجنة خبباً، ماذا أفعل؟ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء، أنت كريم، الله أكرم منك، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 9 ]

 سيدنا عبد الرحمن بن عوف، وسيدنا سعد بن أبي وقاص، كانا يطوفان بالبيت وليس لهم دأب إلا هذا الدعاء، رب قنِ شح نفسي، فقيل لهما: أما تدعوان بغير هذه الدعوة؟ فقالا: إذا وقينا شح نفسينا فقد أفلحنا، والدليل قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 9 ]

الفرق بين الشّح و البخل :

 العلماء فرقوا بين الشح وبين البخل، قال: إن الشح هو شدة الحرص على الشيء، والاحتفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله، وحبه وإمساكه، فقبل حصول الشيء شح، بعد حصوله بخل، الحرص على اكتسابه، الحرص على أخذه، واتباع كل وسيلة لنيله شح، الآن إمساكه ومنع إنفاقه بخل، فرق بين الشح وبين البخل، البخل ثمرة الشح، والشح يدعو إلى البخل، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه، ووقي شره، ذلك هو المفلح.

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر: 9 ]

 أما السخي فقريب من الله تعالى، ومن خلقه، ومن أهله، و قريب من الجنة، بعيد عن النار، من الله ومن خلقه ومن أهله، وقريب من الجنة بعيد عن النار، والبخيل بعيد من خلق الله، وبعيد من الجنة قريب من النار.
 أيها الأخوة قال بعض الشعراء:

ويظهر عيب المرء في الناس  بخله وتستره عنهم جميعاً ســـــخاؤه
تغطَّ بأثواب السـخــــــــــــــــــــاء فإننــي  أرى كل عيب والسخاء غطاؤه
***

الفرق بين التبذير والإسراف وبين السخاء :

 لكن يجب أن نفرق بين التبذير والإسراف وبين السخاء، قالوا: حد السخاء بذل ما يحتاج إليه الإنسان عند الحاجة، بذل ما يكفي الحاجة، أما أكثر فصار إسرافاً في المباحات، و تبذيراً في المعاصي.

﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾

[سورة الإسراء: 27 ]

 الإسراف في المباحات إسراف، أما في المعاصي فتبذير، قال: إذا كان السخاء محموداً، فمن وقف على حدّ سمي كريماً، وكان للحمد مستوجباً، ومن قصر عنه كان بخيلاً، وكان للذنب مستوجباً.
 ورد في الأثر أن الله عز وجل أقسم بعزته ألا يجاوره بخيل، البخيل بعيد عن الله عز وجل، الآن عندنا سخاء أعتقد مذموماً، أن تسخو بمال غيرك، ينفق، يسجل، دفعنا عنك كذا وكذا، المال ليس مالك ينفق بحساب وبغير حساب، يربي أصدقاء وموالين من مال غيره، هذا الإنسان يحب أن يحمد بما لا يفعل.

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾

[ سورة آل عمران: 188 ]

 أما السخاء الحقيقي فبذلك ما في يديك، وقال بعض العلماء: السخاء أن تكون بمالك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً، لذلك الله عز وجل سمى مال أخيك مالك، من زاوية واحدة وجوب الحفاظ عليه وكأنه مالك، وسمى مالك مال أخيك، من زاوية أخرى وجوب أن تنفقه في صالح المسلمين، مالك هو مال المؤمنين، من زاوية واحدة أن تنفقه في مصالحهم، ألا تفتح ملهى، تفتح شركة نافعة، تنفعهم في دنياهم وأخراهم.
 ورد في الأثر أن الله عز وجل أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال: لا، قال: لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ. هذه قاعدة، دقق ما الذي يسعدك؟ أن تعطي أم أن تأخذ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، أما إن كان ما يسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، فالله جل جلاله يعطي ولا يأخذ، يطعِم ولا يطعَم، هو أجود الأجودين، وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته، فإنه كريم يحب الكريم من عباده، وعالم يحب العالم من عباده، وقادر يحب الشجاع من عباده، وجميل يحب الجمال من عباده، يكون هناك نظافة، وأناقة، وتجمل.
 روى الترمذي في جامعه عن صالح بن أبي حسان قال: سمعت سعيد بن أبي المُسيب، أما المسيب فورد أنه قال: سيَّب الله من سيَّبني، وفي المسيب، سمعت من أخ كريم أنه اختار المُسيَب، قلت: لماذا اخترت هذا الاسم؟ قال: لأن المُسيَب ذنبه ليس منه، آخر سيَبه، أبوه سيَبه، أما المُسيب فهو المذنب، فإذا كان لا بد من أن تقول مُسيَب أو مَسيب، الأولى أن تقول: مَسيب، لأن المَسيب لا ذنب له، هناك من سيَبه، على كل: قال سمعت سعيد بن المُسيَب، يقول:

(( إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أخبيتكم، ولا تشبهوا باليهود ))

[الترمذي عن صالح بن أبي حسان]

 وفي الترمذي أيضاً من كتاب البر، قال عليه الصلاة والسلام:

((السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى، من عابد بخيل ))

[حديث أبي الفضل الزهري عن عائشة]

 الله عز وجل يحب الإنسان المقصر والسخي أكثر من الإنسان العابد و البخيل أما الأكمل فيكون عابداً سخياً.

 

الله تعالى لعبده حسب ما يكون العبد لخلقه :

 الآن هناك كلام طيب.

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

 هي الباء للاستعانة، أي أنت لا تستطيع أن تدعو الله إلا بخلق مشتق من كماله، هو رحيم، إن رحمت خلقه، يمكن أن تقبل عليه ويقبلك، هو كريم، إن سخوت على خلقه يمكن أن تتصل به وأن يقبلك، فالنص هو سبحانه وتعالى رحيم يحب الرحماء، وإنما يرحم من عباده الرحماء، وهو ستير يحب من يستر من عباده، وعفو يحب من يعفو عنهم، وغفور يحب من يغفر لهم، ولطيف يحب اللطيف من عباده، ويبغض الفظ الغليظ، ورفيق يحب الرفق، وحليم يحب الحلم، وبرٌ يحب البر وأهله، وعدل يحب العدل، وقابل المعاذير يحب من يقبل معاذير عباده، ويجازي عبده بحسب هذه الصفات، فمن عفا عفا الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن سامح سامحه الله عز وجل، ومن حاقق حاققه الله، أي وقفت عند بائع المبلغ مثلاً كان عشرة قروش، و أنت معك خمسة، فيقول لك البائع: تحضر لي الخمسة الباقية، قل له: مسامح، من حاقق حاققه الله عز وجل، ومن رفق بعباده رفق الله به، ومن رحم خلقه رحمه، ومن أحسن إليهم أحسن إليه، ومن جاد عليهم جاد عليه، ومن نفعهم نفعه، ومن سترهم ستره، ومن صفح عنهم صفح عنه، ومن تتبع عورتهم تتبع الله عورته، ومن هتكهم هتكه وفضحه، ومن منعهم خيره منعه الله خيره، ومن شاق عليهم شاق الله عليه، ومن مكر بهم مكر الله به، ومن خادعهم خدعه الله، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله بتلك الصفة، بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده على حسب ما يكون العبد لخلقه، وفي الحديث الشريف الصحيح:

((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره اللَّه في الدنيا والآخرة))

[ مسلم عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

((من أقال نادماً أقال الله عثرته))

[ أبو داود والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ‏]

((‏من أنظر معسراً أو وضع له أظله اللَّه يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله))

[التِّرمِذِيُّ‏ عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 هكذا كما تدين تدان، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

((يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه في جوف بيته))

[ ابن أبي الدنيا هكذا ورواه أبو داود من حديث أبي برزة بإسناد جيد ]

 فكما تدين تدان، وكن كيف شئت فإن الله تعالى لك كيف تكون أنت لعباده، كله بحساب دقيق، وكل شيء له ثمن، وكل شيء مسجل، وكل شيء له حساب.

 

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 أيها الأخوة ، أتمنى عليكم أن تكون الصدقة وسيلة فعالة بين أيديكم لإطفاء غضب الله عز وجل، ولدرء البلاء، وما أكثر البلاء، فالله عز وجل يسترضى، لكن الإنسان الجبار القوي لا يسترضى، ولله تعالى ألف طريق وطريق سالك إليه، أما لبعض الأقوياء فليس هناك أي طريق سالك إليه، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، أحد أكبر هذه الطرائق الصدقة، أذنبت ذنباً فخجلت من الله ادفع صدقة، أذنبت ذنباً وتبت إلى الله وقَبِل الله توبتك ثم عدت إليه فادفع صدقة، أسأت لإنسان في كلمة، عملت عملاً لا يرضي الله، استرض الله بالصدقة، فإن صدقة السر تطفئ غضب الرب.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018