بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 034 - الوقف


2000-05-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الوقف :

 أيها الأخوة... بحثت لكم عن موضوعٍ لهذا الدرس ننتفع به جميعاً، فوفَّقني اللهُ أن يكون هذا الدرس عن الوقف، وثقوا أيها الأخوة أن في هذا الموضوع من الخير ما لا يصدق. فما أساس هذا الوقف؟ ما من إنسان في العالم الإسلامي إلا ويقول لك: وزارة الأوقاف، مديرية الأوقاف، الوقف الذَّري، الوقف الخيري، هذه كلمات من أين جاءت؟
 أصل الوقف أيها الأخوة أن سيدنا عمر رضي الله عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: إن المئة سهمٍ التي بخيبر لم أصب مالاً قط هو أعجب إلي منها- أي أن أنفس مال عندي هذه المئة سهمٍ التي بخيبر - وقد أردت أن أتصدق بها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:

(( احبس أصلها وسبِّل ثمرتها))

[مسند عمر بن الخطاب للنجاد عن عمر]

 هذه رواية. وفي رواية : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بثمرتها ))

[الترمذي عن ابن عمر]

 الأصل موقوف إلى يوم القيامة للفقراء والمساكين، قال: فتصدق بها عمر، على ألا يباع هذا الوقف، ولا يوهب، ولا يوَرَّث، وتصدق بها على الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي ابن السبيل، وفي سبيل الله والضيف، لا جناح على مَن وليها أن يأكل منها بالمعروف، وأن يطعم غير متموِّل - أي ألا يتاجر بها - ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار وأشهدهم على ذلك، فاشتهر ذلك.
 ومن ثَمَّ أقبل المهاجرون والأنصار على وقف بعض أموالهم، وفي ذلك قال جابر رضي الله عنه: لم أعلم أحداً من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من أمواله صدقةً مؤبَّدةً -على التأبيد - لا تشترى، ولا توهب، ولا تورَّث، وكان كثيرٌ من الواقفين يكتبون كتاب وقفهم مُصَرِّحين فيه بأنه: كان على سنة عمر بن الخطاب، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ ))

[ أحمد عن العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

 أيها الأخوة... سيدنا عثمان حبس بئر رومة على المسلمين، اشترى بئرًا غالية جداً، وأوقفها ليشرب منها المسلمون على التأبيد، بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتقل بذلك من السَلَف إلى الخَلَف جيلاً بعد جيل.
 وثبت أيضاً أن كلاً من سيدنا أبي بكرٍ رضي الله عنه، وسيدنا علي بن أبي طالب، حبسا شيئاً من أموالهما، وتبعهم مَن أتى بعدهم حيث لم يخلُ عصرٌ من عصور المسلمين إلا وحبس فيه أناسٌ شيئاً من أموالهم على جهاتٍ خيريةٍ على التأبيد.

العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان :

 أيها الأخوة... يجب أن نعلم علم اليقين أن العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، الإيمان حقيقة إيجابية وليست سلبية، حقيقة متحرِّكة وليست ساكنة، فما إن تستقر في النفس حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها، في صورة عملٍ صالحٍ، فإن لم يتحرَّك المؤمن هذه الحركة الطبيعية، فهذا الإيمان مزيَّف، بل ميت، لأن الإيمان ليس انكماشاً، ولا سلبيةً، ولا انزواءً، وليس مجرد نوايا طيبة لا تُجسد في حركةٍ أو عمل صالح.
 إذاً الثمـــرة الأولى للإيمان العمل الصالح، نضيف: علة وجودك في الأرض العمل الصالح، المهمة التي أنيطت بك في الأرض العمل الصالح، ثمن الجنة العمل الصالح، والأدلة لا تعد ولا تحصى، والشيء الذي يندم عليه الإنسان عند موته هو العمل الصالح، والدليل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 أنت مخلوقٌ للعمل الصالح، بل إن العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله..

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[سورة الكهف : 110]

قيمة العمل الصالح باتساع رقعته وامتداد أمده وعمق تأثيره :

 وبعد؛ فإنّ الطَّموح يختار أعظم الأعمال، مليار مليار مليار مليار عمل صالح، ولكن الطَّموح عاليَ الهمة يختارُ أعلى هذه الأعمال، ما هي أعلى هذه الأعمال؟ قالوا: كلما اتسعت رُقْعة العمل الصالح، أحياناً دعوتك بقرية، أحياناً بمدينة، أحياناً ببلد كبير، أحياناً ببلاد، أحياناً بقارات، كلما اتسعت رقعة العمل الصالح فشملت أعداداً كبيرةً من البشر، وكلما امتد أمد العمل الصالح، فمن الممكن لإنسان أنْ يؤلف كتابًا ويموت، وهذا الكتاب يتناقله جيلٌ بعد جيل إلى يوم القيامة، وينتفع به مسلمون كثيرون لا يعلمهم إلا الله، فكلما اتسعت رقعة العمل الصالح، وكلما امتد أمده، وتوارثت ثماره أجيالٌ وأجيال، وكلما تغلغل العمل الصالح في كيان الإنسان كله المادي، والنفسي، والاجتماعي، والروحي، حتى يتحقق به وجود الإنسان ورسالته في الحياة، كان العمل أعظم.
 ابحـث عن عمل تكون رقعته واسعة، وأمده طويلاً، وتأثيره عميقًا، فمثلاً: يمكن أن تطعم فقيراً وجبةً، إنه فقير شارد جاهل مخالف للشرع، ورأيته جائعاً فأطعمته وجبة طعام، فممكن أن تطعمه، وأن تدله على الله، وأن تُسَلِّكَهُ طريق الإيمان، فإذا بلغ الإيمان مُشاشة قلبه، ودخل إلى أعماق كيانه، فاستقام على أمر الله، واصطلح معه، وأقبل عليه، هذا العمل الصالح أعظم لأنه تغلغل في أعماق الإنسان.
 ملايين الأعمال الصالحة تستثير همم المسلمين، واللهِ هناك جمعيات خيرية أنا أقدرها كثيراً، ولكن تنتهي مهمتها بأنها تطعم هذا البطن الجائع وانتهى الأمر، أطعمته ولكنه لم يستقم، ما صدق، ما اتصل بالله، ما عرف الله، إذًا فالعمل الصالح قيمته باتساع رقعته، وامتداد أمده، وعمق تأثيره.

 

ازدياد قيمة العمل بكثرة المعوّقات في سبيله :

 إنّ قيمة العمل تزداد، كيف؟ تزداد قيمة العمل إذا كَثُرَت المعوّقات في سبيله، هذا العمل دونه عقبة، وذاك العمل أمامه عقبة، وهذا العمل فيه مسؤولية، وذاك العمل متعب، وهذا العمل له مضاعفات، كلما كثرت المعوِّقات في سبيله، تزداد قيمته.
 وكلما كثرت الصوارف عنه تزداد قيمته، فشخص معه مبلغ، بين أن ينشئَ به معهدًا شرعيًا، أو ميتًمًا، أو مستوصفًا، وبين أن يأخذ بيتًا بالمصيف ليتمتع فيه، فوجود بيت في المصيف هذا مصرف مغرٍ، فكلما كثرت العقبات وكثرت الصوارف ترتفع قيمة العمل الصالح، ولكن لا شك أنكم على اطلاع بأن هناك علماء توفّاهم الله عز وجل، ولازالت دعوتهم قائمة ومستمرة، وقد كنت في لبنان منذ أيام، واستمعت إلى أحاديث في الإذاعات لعلماء توفاهم الله عز وجل، هم تحت أطباق الثرى، والناس على امتدادهم ينتفعون بعلمهم.
 إذاً أنت كإنسان لابد من أن تغادر هذه الدنيا، ما هو أعظم عملٍ صالح على الإطلاق ؟ هو العمل المستمر بعد الموت، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ـ والوقف من الصدقة الجارية ـ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

أعظم الأعمال الأعمال المستمرة بعد وفاة الإنسان :

 محور درسنا اليوم الصدقة الجارية، أي العمل المستمر بعد وفاة الإنسان، هناك أعمال لا تعد ولا تحصى تنتهي عند الموت، لكن هناك أعمالاً ولو أنك غادرت الحياة الدنيا، فهي في صحيفتك إلى أبد الآبدين، فابحثوا عن عملٍ لا ينتهي مع الموت، ابحثوا عن عملٍ يستمر بعد الموت، هناك حديث آخر للنبي عليه الصلاة والسلام تضمن تفصيلات لهذه الثلاث قال:

(( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 ومن ثمَّ عقَّبتُ بكلمة: هنيئاً لمن كانوا تحت الثرى، والناس مهتدون بهديهم، سعداء بأعمالهم، لقد أصبحوا عظاماً، لكن الناس مهتدون بهديهم، سعداء بأعمالهم، ولي كلمة كنت أقولها دائماً نقلتها عن بعض التابعين:" فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر" كيف؟ وما هو العمل الشرير الكبير؟ هذا الذي ألقى قنبلةً على هيروشيما، وقتل ثلاثمئة ألف إنسان في أربع ثوانٍ، مضى على العمل خمس وخمسون سنة، أغلب الظن لو أن القنبلة لم تلق وقتها، لماتوا الآن موتًا طبيعيًا، فهذا الشر انتهى، أما هذا الذي أمر بقتل هؤلاء فسيشقى إلى أبد الآبدين بهذا العمل، فصار فاعل الشر شرٌ من الشر. لكن إنسانًا أسس مساجد، وشيَّد معاهد، وأقام دار أيتام، وبنى مستشفيات، هذه كلها أعمال طيبة، وهذه الأعمال تنتهي مهمتها يوم القيامة، انتهى نفعها، وأساساً انتهى التكليف كله، أما صاحبها فيسعد بهذه الأعمال إلى أبد الآبدين.
 أيها الأخوة، أتمنى عليكم أن تبحثوا عن عملٍ صالح لا ينقطع بالموت، يستمر بعد الموت.

 

الوقف من الأعمال التي تستمر بعد الموت :

 الحقيقة أن الوقف من الأعمال التي تستمر بعد الموت، وهو الصدقة الجارية، لكن قد يقول أحدكم: أنا لا مال عندي، وهذا الدرس ليس لي، وهذا الدرس للأغنياء الكبار، الذين بإمكانهم أن يوقفوا أراضيَ أو عقارات أو بيوتًا، ففي بعض الدول الإسلامية مشروع مساهمة بالوقف، يقبل مثلاً مئة ليرة سورية، حتى هناك أطفال في هذه الدولة الإسلامية لهم صدقاتٌ جارية على سبيل الوقف، مشروع خيري، أصدروا أسهمًا، السهم بمئة ليرة، فصار حتى الإنسان صاحب الدخل المحدود، حتى الطفل إذا معه مئة ليرة، جَمَّعها في العيد، يمكن أن يسهم في صدقةٍ جاريةٍ تنفعه بعد الموت، وهذا تشجيع.

اقتراحات حول استغلال أموال الأوقاف في حلّ مشكلات المجتمع :

 أيضاً استمعت إلى اقتراحات حول استغلال أموال الأوقاف في حل مشكلات المجتمع، شيء لا يصدَّق، من الممكن للوقف وحده أن يحل مئات المشكلات في المجتمعات الإسلامية، سأوافيكم بمَثلٍ من هذه الطموحات إن صح التعبير، مِن هذه الطموحات التي يمكن أن تكون توظيفاً حديثاً للوقف، وقد ذكرت في الخطبة أن الإسلام ليس فيه تحديث، مثلا يقال لك: تحديث القوانين، أي أن القوانين السابقة لا تصلح، فلابد من تعديلها، هذا الشيء ينطبق على القانون، لأن واضع القانون بشر، وهذا الإنسان واضع القانون إما أنّ علمه محدود، أو هو مقيَّد بظروف معينة، فعندما انتهت هذه الظروف فليس هناك معنى لهذا القانون، ونحن الآن في تطوير والحمد لله، هناك قوانين كثيرة تطورت، فممكن أن تقول: تحديث قانون، لأن القانون أصبح غير صالح الآن. فمثلاً: إذا أساء الإنسان للاقتصاد بثلاثين ألفًا، يواجه محكمة اقتصادية، وقد يواجه حكماً بعشرين سنة سجناً، لكن هذا القانون صدر قبل عشر سنوات، وإنَّ ثلاثين ألفًا الآن ليس لها قيمة، رفعوها إلى ثلاثمئة ألف، عدَّلوه، أي حدَّثوه، فالتحديث للقوانين وارد، أما التحديث للدين فغير وارد، لأن هذا الدين دين الله، ولأن هذا الدين من عند الله، والله عز وجل مطلق، أي كلامه حق، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنبي عليه الصلاة والسلام معصوم، معصوم عصمة تجعله لا يخطئ ؛ لا في إقراره، ولا في كلامه، ولا في عمله، إذاً الدين لا يحدَّث، ولكن الدين تطبَّق قواعده الثابتة على حالاتٍ جديدة.
 شيء آخر: الدين لا يجدد، لأنه جديد، وإذا أجزنا أن نقول: تجديد الدين، وقد ورد هذا في الحديث الصحيح:

((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لِهذِهِ الأُمَّةِ أَمْرَ دِيِنهَا))

[ زيادة في الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 فالتجديد بالضبط لا يعني أن تضيف شيئاً، ولا أن تحذف شيئاً، بل يعني أن تنزع عن الدين ما علق به مما ليس منه، مِن خرافات، وشطحات، وهناك سلوك ما ورد عن النبي إطلاقاً كالعادات التي بالموالد، فيها توسّلات، هذه كلها ما أنزل الله بها من سلطان، فالتجديد أن تنزع عن الدين ما علق به مما ليس منه.
 هذه المئذنة التي في صحن هذا المسجد، كان لونها قريباً إلى السواد قبل عشر سنوات، فاخترعت أجهزة تضربها بالرمل، تعيد الحجر إلى لونه الطبيعي، تعيد الحجر الذي تراكمت عليه الغازات والغبار وغاز أكسيد الفحم، فأصبح لونُ الحجر أسودَ، فحينما تنزع عنه هذا اللون الهجين الذي ليس منه هذا هو التجديد. فالدين لا يحَدَّث ولا يجدَّد، إن أصررنا على تحديثه فيعني أن نُطبق قواعده الثابتة على حالاتٍ متجددة، أو أن نزيل عنه ما علق به مما ليس منه.
 الحقيقة أعظم إيجابية في الوقف أنه يحوِّل قابض الزكاة إلى دافعٍ لها، يحوِّل المستهلك إلى منتج، يحوِّل الذي تحمله إلى إنسانٍ فيحمله معك، كنت تحمله فإذا هو يحمل معك، فالوقف من أهدافه الكبيرة: أن الإنسان هو غاية كل الشرائع، من حيث العنايةُ به، وتوفيرُ حاجاته، وراحته النفسية، وحاجاته المادية فوق كل شيء.
 مثلاً يقولون بالتعبير السياسي: لا كيان بلا أرض، فلو قسنا على هذا التعبير: لا زواج بلا بيت، فكما أنه لا كيان بلا أرض، لا زواج بلا بيت، فإنسان دخله محدود يمكنه أن يأكل طعامً خشنًا، وهو أسعد الناس به، يمكن أن يقتني أثاثًا بسيطًا، ويسعده هذا الأثاث البسيط، ولكن أين يسكن؟ أين يقيم هذا الزواج؟ لا بد من بيت، صار متاحًا أمام أغنياء المسلمين أن يعملوا عملاً لم يسبقوا إليه، لو أنهم وقفوا بعض أموالهم على إنشاء بيوت، بيوت متواضعة، فهناك بيت تبلغ مساحته ستين متراً، بإمكانك أن تستخدمه خمس سنوات، فإذا أقيمت بيوت صغيرة في أطراف المدينة، وأنشئت وحدات سكنية عالية فهذه تؤوي أُسرًا ناشئة كثيرة، ويتيسّر أمر زواج الشباب والشابات، ويعفُّون. والآن، إن شاء الله، والأمل كبير جداً، أن يعدَّل قانون الإيجار، أنا رؤيتي أنه إذا عُدِّل هذا القانون تعديلاً جذريًا، فأصبح العقد شريعة المتعاقدين كل إنسان عنده بيت يتمكن من تأجيره إلى الوقت الذي يريد، وبالأجر الذي يريد، ولا يحتاج استرداده لا إلى دعوى، ولا إلى محكمة، ولا إلى تنفيذ، فما دام سجل في المخفر، فيمكن لشرطي بسيط أن يخرج المستأجر من البيت، ونرجو إن شاء الله أنْ يصدر هذا التعديل للقانون في القريب العاجل، معنى ذلك أنك قد تجد أربعمئة ألف بيت في دمشق معروضة للإيجار.
 الشباب حاليًا عندهم معنى الزواج أن يتمكّن من شراء بيت، وهذا فوق طاقة الشباب، ولكن إن شاء الله لو أن هذا الأمر تم، فالزواج يعني عند الشاب استئجار بيت، وإذا عُرِض أربعمئة ألف بيتٍ للإيجار فقد تهبط أسعار البيوت إلى النصف أو إلى الربع تقريباً، وقد طُبِّق مثل هذا القانون في بلد آخر، وكان أحد أقربائي هناك، وقال لي: أنا ساكن بفيلا، بالاسم الأجنبي لها، وهي بجدَّة، وأجرتها خمسة وثلاثون ألف ريال، فلما طبق هذا القانون، هبط سعر أجرتها إلى ثمانية آلاف ريال في السنة، من خمسة وثلاثين إلى ثمانية آلاف، فأنا متفائل أنه إذا عُدِّل هذا القانون فقد نجد بيوتاً في دمشق بألفين أو ثلاثة أو أربعة آلاف، وقد يتمكّن الشاب بنصف دخله أنْ يستأجر بيتًا، فصار سبيل الزواج ميسّرًا، والذي عنده بيت على الهيكل يكسوه ويؤجره، فهناك مئتا حرفة متعلِّقة بكسوة البيوت، وكلٌّ منها توفِّر عملاً، فنرجو الله سبحانه وتعالى أن يحقق هذا في القريب العاجل.

من الأعمال الصالحة وقف الأموال لإنشاء البيوت :

 على كل، لو فرضنا أنّ أناسًا وقفوا بعض أموالهم لإنشاء بيوت صغيرة، وذات كلفة منخفضة، ويُعْطى هذا البيت بأجر رمزي لأي شاب وشابة متزوجين لخمس سنوات فقط، بعد خمس سنوات يدفع أجرة المثل، أي كم يساوي أجرة هذا البيت؟ إما أن يخرج منه إلى بيتٍ آخر، أو أن يدفع أجرة المثل، معناها فتحنا أبواب الزواج على مصاريعها، فكلما اتسعت أبواب النكاح ضاقت أبواب السفاح، وكلما كثرت بيوت المتزوجين قلَّت بيوت الدعارة، و..

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ... ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 هذا اقتراح، أن توظَّف بعض أموال الأغنياء في إنشاء بيوتٍ لسُكْنى الشباب أصحاب الدخل المحدود، هذا عمل، فأنت عوِّد نفسك، فلا تعط إنسانًا صدقة يستهلكها في أيام، ويبقى يمدّ يده، لا، بل أغنِه، والعلماء قالوا: الزكاة ينبغي أن تُغني، أن تُغنيه عامًا على مذهب، وطوال العمر على مذهب آخر، وليس معناها أنْ تعطيه كل شهر عشرين ألفًا ضرب اثني عشر فيبلغ مئتين وأربعين، ضرب ستين سنة، هذا شيء مضحك، لكن تعطيه أدوات حرفة، تفتح له محلاً صغيرًا، تشتري له ماكينة صوف مثلاً، تعطيه شاحنة صغيرة يبيع عليها، تعطيه أدوات حرفة، هكذا ينبغي أن تُصرف أموال الزكاة، في نقل الإنسان من قابض إلى دافع، من محمول إلى حامل، من سَلْبيٍّ إلى إيجابي.
 أحد الأصدقاء ذات مرة عرّفني على شخص، وهو محسن كبير في بلد إسلامي، أسّس في بلده بناء من عشرة طوابق، سبعة طوابق منها لطلبة العلم، فيها معاهد ومكتبات، أما ثلاثة فلتعليم طلبة العلم مهناً راقيةً، يكتسبون رزقهم من خلالها، هذا مشروع، هناك الآن حِرَف كثيرة مطلوبة، الكومبيوتر مطلوب، المحاسبة مطلوبة، لو أنّ إنسانًا أسس معهدًا مهنيًا، وقبل به الفقراء من الشباب، وعلَّمهم حرفة، وانطلقوا ليبحثوا عن عملٍ باختصاصهم، هذا أيضاً عمل يمكن أن تستخدم فيه أموال الوقف.
 سمعت اليوم كلمة مفادها: تأجير العقارات صناعة الكسالى، إنسان كسول يشتري بيتًا ويؤجره، لم يفعل شيئًا، لم يقدِّم شيئًا، لكنْ هناك مِهَناً، القاعدة الأساسية: لا تطعمني سمكةً، علمني كيف أصطاد السمك.
 أحياناً طبيب أسنان يتخرج ولا يملك ثمن عيادة، لا يوجد حل، وهذه القضية عويصة جداً، أما لو أمَّنا له عيادة فقد أعنَّاه، ومن ثَمّ يعيننا، أو يتخرج مهندس زراعي، كله طاقة، وحيوية، شاب في أول حياته وليس معه رأسمال، وهناك إنسان آخر معه رأسمال، وليس لديه إمكانية لاستغلاله، ولا ليستثمره، انظر إلى هذين النموذجين، إنسان معه المال ويفتقر إلى اختصاص، وإنسان معه اختصاص يفتقر إلى المال، لو تعاون هذا مع هذا، لأنشآ منشأة نافعة، فيمكننا أن نوظف بعض الأموال لمثل هذه الأعمال.

 

أنواع الأوقاف لا تعد و لا تحصى :

 لعل أحدكم يفهمني خطأ، ليس كلمة الوقف أن تسجله بالأوقاف، لا، أنا لم أقصد هذا أبداً، فاسمع الآن ما يقال: نحن قبل عشر سنوات كان أخ من إخواننا الكرام رئيس جمعية خيرية، وهو محسن توفاه الله عز وجل، قدَّم لنا بيتًا بأحد أرقى أحياء دمشق، وهو بيت غالٍ جداً وواسع، فهذا البيت أسس كمركز تدريب مهني للفتيات، واستقدموا آلات خياطة، وخبيرات في فن الخياطة، وأقاموا دورات للفتيات، الدورة تقريباً ستة أشهر، يعلمون الفتاة أعلى فن للخياطة، الخياطة الحديثة، وبعد ذلك يعطونها ماكينة، ومعدات الخياطة للبيت، ثم يعطونها أقمشة وموديلات، تصنع من هذه الأقمشة ألبسة، يشترونها منها بسعر جيد، فهذه المرأة الفقيرة التي كانت متسولةً أصبحت خياطة في بيتها، وباعت نتاجها بسعر معتدل، وعاشت هي والذين حولها في بحبوحةٍ وكرامة، أرأيت إلى هذا المشروع ؟ أساسه بيت، ورجلٌ وقف هذا البيت ليكون مركز تدريبٍ مهنيٍ للفتيات الفقيرات، فاترك الذهن يتفتَّق عن مشروع ينفع المسلمين.
سمعت في بعض البلاد أن هناك صناديق عديدة، صندوق لرعاية المعاقين، صندوق للثقافة والفكر، صندوق وقفي، شاب عنده طاقات أدبية عالية جداً، أو عنده اتجاه علمي عالٍ، له مؤلف، لكن هذا المؤلَّف نشرُه يكلف مئتي ألف، أو يؤخذ منه بأبخس الأثمان، لو أنشئت دار نشر، فأُوقفت هذه الدار لتشجيع الشباب الملتزم على نشر إنتاجهم العلمي والأدبي والديني، بسعر معقول يشجِّعهم، ويعرض إنتاجهم للناس، ويباع الكتاب تقريباً بكلفته، فهذا صندوق لرعاية الثقافة والفكر.
 وهناك صندوق وقفي للقرآن الكريم؛ للعناية به، وتحفيظه، وقراءاته، وطبعه، وتوزيعه، وكذلك صندوق وقفي للتنمية العلمية، طالب متفوق، هذا قد يكون عالمًا كبيرًا ينفع الأمة، ولكن ليس معه ما ينفق على دراسته، فيختارون الأوائل في الجامعات والمدارس، ويرسلونهم ببعثات ليحصِّلوا أعلى العلوم، لينتفع المسلمون بعلمهم، فهذا أيضاً وقف.
 إذًا هذه مجموعة أوقاف نعود لنذكِّر بها.
 وقف للثقافة والفكر، وقف للقرآن الكريم، وقف للنشر، وقف للمعاقين، وقف للمحافظة على البيئة، نحن أمام التلوث المخيف، وقف للتوعية المروريَّة، وهناك وقف سمعت عنه اليوم لدفع الأطفال إلى المُطالعة، توزَّع على بيوتات المسلمين قصص للطلاب، فيها فكر هادف، فيها قيَم إسلامية، فالطفل يأخذ القصص يقرؤها، فيغدو محبًا للمطالعة، هذا وقف أيضاً، هناك وقف لتوزيع الأشرطة والمحاضرات الدينية. واللِه لقد أحصيتُ اليـــوم المجالات التي يمكن أن يستخدمها الوقف لنشر الثقافة، وفرص العمل، فوجدتها كثيرة، وهناك وقف سمعت عنه اليوم لحل الخلافات الزوجية، فهناك خمسمئة وست وثمانون حالة طلاق عادت إلى المصالحة، عن طريق هذا الوقف، لأن فيه خبراء اجتماعيين، ورجال دين، ومن هذا المكتب يتقاضون رواتب ليحلوا مشكل الزواج، سمعت اليوم في هذا المؤتمر نماذج من توظيف الوقف لا تعد ولا تحصى.
 هناك وقف صحي لإنشاء مستوصفات، عندنا والحمد لله عدة مراكز في دمشق ؛ مركز الأكرم، ومركز العثمان، ومركز التجارة بالمهاجرين، فحوص دقيقة، أحياناً إيكو، أحياناً مِرنان، لأن الصورة غالية، تحليلات، وتصوير أشعة، بثمن رخيص، فممكن بالصحة، ممكن بالتعليم، ممكن بالتوعية، ممكن بالعناية بالمساجد، بالعناية بالبيئة، بتربية الصغار، هذه الأموال حينما توقف لهذه المشاريع العملاقة، صارت صدقة جارية، لم يعد عملك منتهيًا بموتك، لا، لا، فالعمل مستمر.

 

للأوقاف أعمال لا تتهي خيريِّتها :

 عندنا كذلك مشكلة القرض، أكثر المحسنين يعزفون عن الإقراض، يقول لك: أطالبه ويطالبني، وألاحقه، وما معي ومعي، ولأنه لا يحب وجع الرأس فلا يقرض، فمن الممكن أن ينشأ صندوق للقرض الحسن، كأنْ يرصد مجموعة من المحسنين بعضاً من أموالهم للقرض فقط، ينشأ لهذا القرض صندوق، وهيئة إدارية تأخذ ضمانات من كل مقترض، بيته فرضاً، ورقة طابو، وتقرضه قرضاً حسناً يعينه، طبعاً الأعمال التي تكلمت عنها هي واقعة بشكل فردي محدود، نحن إذا أردناها أن تكون ذات نفع عام نعمِّمها.
 حاليًا بدمشق مثلاً عندنا صندوق العافية، هذا أجرى أربعة آلاف عملية، بتسعين مليون ليرة، ومُحسن كريم قدَّم لهذا الصندوق مستشفى، قدّم مبنى بأكمله مؤلَّفا من ستة طوابق، ليكون مستشفى لهذا الصندوق، هذا العمل لا ينتهي مع موت صاحبه، هذا على مرّ الزمان، فكل إنسان دخل هذه المستشفى، وشفي من خلال طبابته وعملياته ومعالجاته، في صحيفة مَن وقف هذا المستشفى.
 سمعت عن صندوق آخر، ما كنت أعلم به، هو صندوق المعاقين عندنا في دمشق، المعاق يعطى مبلغ مئتي ألف، كي يكون نواة لرأسمال يعمل به، فهو إنسان يحتاج مثلاً إلى مركبة ذات دفع رباعي، مثلما كتبوا في الإعلان عن السرعة، إذا أسرع الإنسان أكثر من اللزوم تتبدل مركبته من دفع ثنائي إلى دفع رباعي، تسير على أربع عجلات، أي يدفعونه دفعاً، فأحياناً ممكن بوقف من الأوقاف أن تقام أعمال لا تتهي خيريِّتها.
 أيضاً سمعت عن صندوق آخر، وهذا قد سمعتم به، وهو صندوق المودة والرحمة لتزويج الشباب، وهو الآن في بداياته، فعندما يفكر المسلمون هذا التفكير ؛ صندوق للزواج، صندوق للصحة، صندوق للوفاق الزوجي، صندوق لتأهيل الشباب الفقراء بمهن راقية، صندوق للقرض الحسن، صندوق لإنشاء البيوت، فهذا يعني أن المسلمين بخير.
 شخص ذهب إلى بلد غربي، فوجد على الطريق أدمغة تباع استغرب، معقول !! -هذه قصة رمزية- فسأل: كم ثمن هذا الدماغ، دماغ من بلد متقدم؟ قالوا له: بدولارين، كم ثمن هذا الدماغ ؟ بثلاثة دولارات، دماغ فرنسي، وهذا أربع دولارات، دماغ إنجليزي...إلخ، فرأى أخيرًا دماغًا من هذه الدول النامية ثمنه ألف دولار، وهذا الشخص من هذه الدول، فشعر باعتزاز، قال له: لماذا هذا غالٍ؟ لأنه لم يشتغل بعد، عندما يشتغل دماغنا بشكل صحيح، يحبنا الله وينصرنا، الدنيا تستقيم بالعدل والكفر، ولا تستقيم بالإيمان والظلم، عندما نعاون بعضنا، نترابط، نتكاتف، نتناصر، نهتم بالفقير، نهتم بالشباب، عندئذٍ لعل الله يرحمنا.

أنواع الوقف كثيرة وليس لها حدّ أكبر :

 أيها الأخوة... السلف الصالح- جزاهم الله خيراً- كانوا مولعين بالعمل الصالح، فمثلاً: هناك وقف للإناء المكسور، فأيُّ شاب بمحل تجاري، أو بمعمل، أو ابن في بيت والأب ظالم وانكسر معه إناء، يقدِّم قطعة من الإناء المكسور ويأخذ إناء جديدًا، فقد حُلَّت المشكلة، اسمه وقف الإناء المكسور.
 وهناك وقف اسمه: وقف النساء الغاضبات، واحدة لها حماة ظالمة، أخرجتها مطرودة من البيت، أين تذهب في حالات كهذه؟ هذا الوقف يؤويها، وينفق عليها، حتى يلتئم الصدع، وكذلك وقف للحيوانات السائمة، مركز المدينة، مرجة الحشيش، هذا وقف للدواب المريضة، فهي أرض اقتطعت وأوقفت لوجه الله، كل حيوان مريض يأكل وينام يرتاح، اسمها مرجة الحشيش، تقول: أنا نازل إلى المرجة، أي إلى مكان وُقِف للحيوانات السائمة، واللهِ سمعت عن أنواع من الوقف لا تصدق، كلها بنيَّة العمل الصالح. فمن الممكن لكل إنسان أن يبحث عن عمل لا ينتهي بموته، ممكن لطفل صغير إذا أعلن عن مشروع خيري وصدر به أسهم، وجاء طفل فاشترى سهماً بمئة ليرة، فهذا الطفل الذي عمره خمس سنوات، صار له صدقة جارية إلى أبد الآبدين، فنحن من الممكن لنا أن نعمل أعمالاً صالحة كبيرة، وكما تعلمون الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وكلما كان إيمانُ الإنسان أقوى كلما تفتق ذهنه عن أعمال صالحة لم تخطر على بال.
 سمعت عن بعض الصالحين، كان يتجول بالليل، فإذا رأى شخصًا من الفلاحين جاء بعنب ولم يُبَع معه يشتري العنب منه، فييسر له أموره، ويعود إلى بيته وقد باع بضاعته، وقد يكون عنبًا رديئَا، لكنه يصنع منه خل، فقد حلَّ مشكلة هذا الإنسان، اشترى بضاعته، ويسر له أموره، وعاد إلى منزله، فكلما كان الإنسان إيمانه قويًا، يتفتق ذهنه عن عمل لا يخطر على بال، وأنواع الوقف لا تعد ولا تحصى، وليس لها حد أكبر.

الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

 كلمة وقف للناس موقف منـه، فليس شرطًا أنْ تسجله بشكل رسمي، ممكن أن توقفه أنت لوجه الله من دون أن تسجله، فأحياناً يوقف الإنسانُ مبلغًا للدين، بعض أخواننا خصّص مبلغًا للدين والإقراض يتداول، وهذا ليس له علاقة بالصدقة والزكاة، خصّص مبلغًا معينًا فرضاً مئة ألف، هذا إنسان طرق بابه يقترض عشرة آلاف، أو خمسة آلاف، أو خمسين ألفًا، من إخواننا المؤمنين، الصادقين، المستقيمين، الأوفياء، عندهم ذمة وعهد، فيدينه له، فإذا أرجعه، أعطاه لغيره، فهذا وقف، وليس شرطًا أنْ تسجله، أنت تخاف أنْ تسجله رسمياً، والحقيقة هناك ضعفُ ثقةٍ بين الإنسان والجهات الرسمية، أنا لا أقول لك سَجِّله، ولكن أنت أوقف هذا الشيء إلى جهة خيرية مثلاً تديره وتشرف على شؤونه.
 أحياناً شخص يوقف مكتبته، شخص قال لي: عندي كتب، قلت له: ضعها بمكتبة الجامع، كل إنسان قرأ بهذا الكتاب يستفيد، لو أهديتها لإنسان قد يقرؤها وقد لا يقرؤها، أما إذا صارت في المكتبة العامة فإنها تُقرأ، أناسٌ كثيرون يقدمون مكتباتهم الخاصة لمكتبات عامة أو لمساجد، أحياناً إنسان يقدِّم جهازًا، فرضاً كومبيوتر لطلبة العلم، فكل مَن تعلَّم على هذا الجهاز في صحيفة مَن قدَّمه له، فالملاحظ أنّ بعض الأغنياء المحسنين أفقهم ضيق، فهو يعطي متسوِّلاً مثلاً، أما أن يساهم في تنشئة جيل مؤمن، ويهيِّئ الأسباب لتربية جيل، فهو بعيد عن هذا الجو، يحب أن يعطي فقيرًا ليطعمه فقط، والفرق واضح بين أن تطعمه وبين أن تهديه، وأن تعرِّفه بالله، وتيسِّر له عملاً يرتزق منه، فهذه أشياء تحتاج إلى فهم أعمق.

على كل إنسان أن يكون له عمل لا ينتهي مع موته :

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب، فأنا أقول: كل واحد منكم يجب أن يكون له عمل لا ينتهي مع موته، بل يبقى إلى أبد الآبدين، فإذا دعا الإنسان إلى الله فهذه صدقة جارية، لا تكلفك شيئًا، فإن لم يكن معك مال، ودعوتَ إلى الله وكنتَ سبباً في هداية الخلق فهذا وقف كذلك، أوقفت علمك، فهذه امرأة عمران ماذا وقفت؟

﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾

[ سورة آل عمران: 35 ]

 لا تملك شيئًا، لكنها تملك هذا الجنين الذي في بطنها..

﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾

[ سورة آل عمران: 35 ]

 فكانت السيدة مريم، ومن السيدة مريم سيدنا المسيح، سيدنا عيسى، فالأم قد توقف، والإنسان أحياناً يوقف اختصاصه، لديه اختصاص أدب إنجليزي أوقفه للحق، فترجم كتبًا ونشرها، والبلاد الغربية بحاجة ماسَّة لكتب مترجمة صحيحة، وهذا الموضوع قد أوسعته وأشبعته شرحًا بشكل وافٍ، ولو أنّ كل واحد منكم حتى الصغير أوقف شيئًا يستمر ثوابه بعد وفاته، فهذا أوقف علمه، هذا أوقف اختصاصه، هذا أوقف حرفته، هذا أوقف بيته، هذا عنده اختصاص معين، والمسلمون بحاجة له، فأوقفه للمسجد لعمَّ الخيرُ الناسَ، فمعنى الوقف أنك حبست الأصل وسبلت الثمرة، أصل الشيء موقوف ولكن منفعته مستمرة إلى يوم القيامة.
 فأردت أن يكون هذا الدرس في المجال الذي نعيش فيه هذه الأيام، فلعل الله سبحانه وتعالى ينفعنا بهذا البحث الفقهي القَيِّم الذي نحن في أمس الحاجة إليه، وبيَّنت لكم كيف أن كيف هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى تحل بهذه الطريقة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018