بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 035 - خطورة مبادئ مؤتمر السكان والتنمية على المسلمين .


2000-09-24

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العولمة العالمية :

أيها الأخوة الكرام ؛ اخترت لكم موضوعاً في هذا الدرس المبارك تشتد الحاجة إليه، ذلك أن أكثر البلاد في العالم سوف تسير مسيرات تدعو إلى مناقضة التمييز ضد المرأة، وهذه حلقة من حلقات العولمة العالمية.
العولمة تعني أن يفرض علينا نحن المسلمون نماذج وأساليب وأنظمة من قبل الأقوياء في غرب أوربا وأمريكا، والحقيقة أنّ سبب هذا كون دول العالم الثالث ولاسيما المسلمين بالذات يتكاثرون، وأن ثمانين بالمئة من ثروات العالم بيد عشرين بالمئة من هؤلاء الأقوياء، هم يعيشون في بحبــوحة يصعب تصورها، الحاجات الثانوية متوافرة عندهم لأقل الأفراد رتبة اجتماعية ودخلاً، والحاجات الأساسية جداً جداً جداً غير متوافرة لمن يعمل ليلاً ونهاراً في دول العالم الثالث، فهناك عشرون بالمئة من سكان العالم يملكون ثمانين بالمئة من ثروات العالم، لكن حينما يزداد عدد سكان العالم الثالث، وهي قوة كبيرة، هذه مقلقة، فابتدعوا مؤتمرًا سمَّوْهُ مؤتمر السكان والتنمية، أقول هذا الكلام لأن الذي سمح الله له أن يتكلم في أمور الدين عليه واجب كبير؛ هو واجب التبيين لئلا يقع المرء ضحية الجهل، أو ضحية التضليل العالمي، فنحن كدول نامية إسلامية يزداد السكان عندنا ازدياداً كبيراً، ولا شك أن القوة البشرية قوة لها وزنها في المعادلات الكبيرة، فلذلك ابتدعوا مؤتمرًا سمَّوْهُ مؤتمر السكان والتنمية، عقد المؤتمر الأول في القاهرة، ولأن القاهرة بلد إسلامي لقي إخفاقاً كبيراً، ذلك أن علماء المسلمين شمروا وفندوا بنود هذا المؤتمر تفنيداً رائعاً.
سمعت مرةً من أحد علماء الأزهر، الشيخ الراحل - رحمه الله تعالى -جاد الحق عاتبه رئيس الوزراء في مصر، وقال له: إنك تتكلم كثيراً عن هذا المؤتمر؟! قال له: أترضى أن يعقد في قاهرة الأزهر مؤتمر يبيح السحاق واللواط بشكل رسمي؟ أترضى أن يعقد في قاهرة الأزهر مؤتمر يبيح الممارسات الجنسية بين الأولاد - إناثاً وذكوراً - في بيت الأسرة وتحت سمع آبائهم وأمهاتهم وبصرهم ؟! أترضى أن يُعرف الزواج على أنه عقد بين شخصين لا بين رجل وامرأة ؟! ذكر له بنود هذا المؤتمر فأنكر رئيس الوزارة إنكاراً شديداً، فقال له: أنا أدافع عنك وعن دينك، والحقيقة أنّ المؤتمر في القاهرة لقي إخفاقاً ذريعاً.

استهداف المسلمين بالدرجة الأولى في مؤتمر السكان :

عقد مؤتمر آخر في بكين في الصين، أنا أقول هذا الكلام لأن حاليًا ثمَّة حملة إعلامية عالمية تروِّج لهذه البنود، وأخبركم أن كل بلد لا ينصاع لهذه البنود سوف يعاقب، وسوف يتلقى ضغوطاً عالية؛ اقتصاديةً واجتماعية، وأن كل بلد سيوافق على هذه البنود سيلقى مساعدات عاليةً، على كل المشكلة أنهم يريدوننا أن نكون أسواقاً لهم، هم يزدادون غنًى وثراءً، ونحن نزداد فقراً، هذه حقيقة مرة، أي أنا لا أريد أن أذكر كل البنود، لكن أنا أطمئنكم أن مؤتمر بكين مؤتمر السكان والتنمية الثاني في بكين أصدر توصيات، مندوبنا ولله الحمد لم يجرؤ على أنْ يوافق على هذه التوصيات، جاءت التوصيات إلى بلدنا بعد حين كي نقرها، كلفت لجنة من أكثر من عشرين عضوًا يمثلون كل الوزارات، وكنت والحمد لله مندوب وزارة الأوقاف، رُفِضت هذه التوصيات بالإجماع على اختلاف اتجاهــــات المندوبين الأعضاء، ومشاربهم، ونزعاتهم، وانتماءاتهم، وهذا من فضل الله علينا، ونحن ما زلنا والحمد لله على الأقل على مستوى الورق والقوانين والأنظمة في نعمة كبيرة، أما الشيء المخيف أن العالم القوي، العالم الغربي، يريد أن يعمم انحطاطه وتفكك الأسرة فيه على كل العالم بقوة السلاح، فلذلك من أجل ألاّ تتأثروا بحملة إعلامية شديدة سوف تروج في إذاعات العالم، وفي المحطات الفضائية، فينبغي أن تعلموا علم اليقين أن مؤتمر السكان يستهدف المسلمين بالدرجة الأولى.

بنود مؤتمر السكان :

1 ـ الزواج عقد بين شخصين :

من بنود هذا المؤتمر: أولاً المؤتمر يقرر فصل الزواج عن الإنجاب وعن الجنس، الجنس موضوع، والإنجاب موضوع، والزواج موضوع، ولا علاقة بين هذه الموضوعات الثلاثة إطلاقاً، فيمكن في ظلّ هذه الأنظمة والقوانين التي وفدت إلينا، والتي لا نرضاها والحمد لله لم تقر عندنا، وهذه بشارة، لكني أغار على بقية العالم الإسلامي.
ومن ضمن هذه البنود أن الزواج عقد بين شخصين، قد يكون عقداً بين رجلين، أو بين امرأتين، أو زواجاً تقليدياً عفناً في نظرهم بين رجل وامرأة.
هذه أول حقيقة، أي اللواط والسحاق صار مباحاً، صار مقبولاً، صار شيئاً طبيعياً، قد يستخار صاحبه به، والحقيقة في بلاد الغرب هكذا، أي أنّ الشاذ مقبول، ويرفع رأسه، وله علامة بأذنه، وقد تفاجأ أن الشاذ قد يكون مدير شركة، وقد يكون حاكم ولاية، وقد يكون قاضياً، وقد يكون في بريطانيا وزيراً، في مؤتمر صحفي عُقد في بريطانيا صرح وزير الصحة البريطاني الحالي أنه شاذ، ولم يستحِ بهذا، ولم يخجل، وكأنه شيء طبيعي، أريد أن أضعكم مع الحقائق المذهلة التي يعيشها العالم المنحل، والعالم الغربي عالم منحل حقًّا.
إذاً: الزواج هو عقد بين شخصين، هذه أول حقيقة، نحن ماذا معنا؟ معنا وحي السماء، معنا منهج الله، معنا منهج الذي خلقنا، معنا منهج الحكيم الخبير، معنا منهج العليم، معنا منهج الذي خلقنا ليسعدنا في جنة عرضها السموات والأرض، منهج ربنا هو الزواج، هو عقد من أقدس العقود في الأرض.

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾

[ سورة النساء: 21]

عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق، أما بمنظار العولمة ومؤتمر السكان والتنمية، فعقد الزواج عقد بين شخصين، بين رجلين، أو بين امرأتين، أو بين رجل وامرأة، وهذا هو العقد التقليدي ويشار إليه بازدراء، المؤمن لا يأخذ بما يقال، ولا يُخدع به، وإنّ أخطر وسيلة في الحياة حاليًا الإعلام، لأنها تغسل الأدمغة، وتغسل العقول، ومع الإدمان على سماع ما يمليه الغرب علينا في إذاعاته وصحفه وفضائياته قد نتأثر، رُغم أن المسلمين معهم وحي السماء، معهم منهج العليم الحكيم، وقال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر: 14]

هناك حملة كما قلت قبل قليل عالمية لترويج هذه البنود المتعلقة بالزواج والجنس والإنجاب.
أيها الأخوة الكرام: قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾

[ سورة النساء: 71 ]

وقد ورد أنه ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، فأول بند وهو من أبشع البنود أن الزواج عقد بين شخصين، أي يجب أن يقبل أي مجتمع في العالم الثالث، ولاسيما المجتمعات الإسلامية، أن تقبل في أنظمتها الرسمية والاجتماعية والقيمية أن هناك زواجاً بين شخصين فقط وليكونا بعد ذلك ما يكونان.

 

2 ـ فصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب :

البند الثاني: فصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، الإنجاب شيء، والزواج شيء، والجنس شيء، هم يدعون في سبيل توفير المواد الغذائية لسكان الأرض إلى تأخير سن الزواج، إلى سن الأربعين، أو الثلاثين، إذاً ماذا يفعل الشاب قبل سن الزواج؟ له أن يمارس الجنس في بيت أبيــه وأمه وعلى مرأى منهما، ومع من يحب، وينبغي ألا يعترض أحد عليه، لا على مستوى القوانين، ولا على مستوى القيم الاجتماعية، هذا كله موثق، موثق ببنود، لكن صيغت بذكاء خبيث، صيغت صياغةً ربما فهمها السذَّج أنها لصالح المجتمعات، كيف نفصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، يمكن أن تنجب ممن لا تحب، ويمكن أن تمارس الجنس مع من تحب، ويمكن أن تتزوج في النهاية زواج مصلحة ممن تريد.
من هذه البنـــود قالوا: يجب أن تزيل البلدان العوائق القانونية والتنظيمية والاجتماعية، التي تعترض سبيل توفير المعلومات، والرعاية الصحية، والجنسية، والتناسلية للمراهقين، كما يجب أن تضمن ألا تحد مواقف مقدمي الرعاية الصحية من حصول المراهقين على الخدمات والمعلومات التي يحتاجونها، وفي إنجاز ذلك لا بد للخدمات المقدمة إليهم أن تضمن حقوقهم في الخصوصية والسرية والموافقة الواعية والاحترام.
هل هناك شيء أخطر من هذا؟! تصور الأسرة الفلانية أب وأم وأولاد في بيت طاهر، في بيت فيه قيم، فيه علم، فيه محبة، وفيه وفاء للوالدين وبرُّهما، هذا النموذج الذي نراه في بيوت المسلمين نموذج مذهل في رقيه وسموه، وكما قلت: إنّ العولمة تعني أن تعمَّم نماذج الحياة في أوربا وأمريكا على العالم كله، فإنسان منحط الأخلاق لا يكتفي أن يكون هو منحط الأخلاق بل يجب أن يعمم انحطاطه على كل الناس، إنسان جاهل يجب أن يعمم جهله على كل الناس، هذه واحدة.

3 ـ شرعية الإجهاض :

الشيء الثاني: شرعية الإجهاض، فما دام هناك اتصال غير شرعي بين المراهقين والمراهقات، في بيوت الآباء والأمهات، ويجب أن يحميهم القانون، وأن تحميهم النظم الاجتماعية، ما دام هناك اتصال فلا بدّ أن يكون هناك حمل، ومع الحمل لا بد من إجهاض آمن، أي ليس إجهاضًا سِريًّا، بل إجهاض بالمستشفيات الحكومية، إجهاض تحــت سمع الناس وبصرهم، إجهاض عن طريق اختصاصيين، هناك دعوة إلى الإجهاض الآمن، هذا بند ثالث. البند الأول: عقد زواج بين شخصين. البند الثاني: فصل الزواج عن الجنس، وعن الإنجاب. البند الثالث: حرية الإجهاض الآمن، لأن هناك إجماعًا على مشروعية العلاقات الفاحشة بين الشباب، في بيوت الآباء والأمهات، وبحماية القانون والنظم الاجتماعية والأعراف المستجدة، إذاً لا بد من حمل، والحمل يحتاج إلى إجهاض آمن، هذه رابعة، ولا بد من وقاية من حالات الحمل غير المرغوب فيها، والإجهاض في الشرائع السماوية جريمة قتل، يعاقب عليها الدين، والذي يجهض امرأته من دون عذر صحي بالغ يجب أن يدفع ديةً، لأنه قتل نفساً بغير نفس، وبغير حق.
لذلك الفقرة الثامنة من هذا المؤتمر اللعين ؛ مؤتمر السكان والتنمية تطالب بوضوح بإجراء تغييرات تشريعية، مناطها معالجة ما يسمى بالإجهاض غير الآمن، وهذه الدعوة أو المطالبة ليست موجهة إلــى الحكومات وحسب، بل موجهة إلى الهيئات والمنظمات غير الحكومية على اعتبار أن الإجهاض غير الآمن شاغل رئيسي من شواغل الصحة، والممارسات الجنسية التي تقع خارج نطاق العلاقات الشرعية بين الرجال والنساء أمر تشجع عليه هذه الوثيقة، وتروج له، وطبعاً هذا شيء خطير، أي لا تتصور كم هي نقية وطاهرة حياة المسلمين، كم هي مقدسة علاقة الآباء بالأبناء، كم هو رائع نظام الأسرة الإسلامي، والله رغم تخلفنا، رغم تقصيرنا في ديننا، فإنّ تشريعنا شيء لا يصدق، امش في الشارع وتجاوز مئة بيت، كم حالة خيانة زوجية قد تجدها؟ بنسبة واحد بالمئة، أو اثنين، كلها بيوت محترمة، ومنضبطة، أب وأم وأولاد، همُّ الأب الأول أن يزوج أولاده، وأن ينشئهم تنشئة دينية صالحة، وهمُّ الأم كذلك، فالذي تراه من عناية الآباء والأمهات في بلادنا لتربية أبنائهم التربية الدينة شيء لا يصدق، وأولئك ماذا يريدون؟ يريدونها غابةَ الخنازير، علاقات إباحية من دون قيد أو شرط، بين الشباب والشابات، وبين الكبار والصغار، من دون قيد، لا قانون، ولا تشريع، والزواج حر، كل النساء مباحات لكل الرجال، هذه الوثيقة، لماذا وقِّتَ هذا الدرس الآن بالذات، هناك حملة إعلامية عالمية، وسوف تسير مسيرات في كل أنحاء العالم من أجل هذه البنود التي ينبغي أن تعلموا أبعادها وخطورتها، أؤكد لكم مرةً ثانية أنّ هذا البلد الطيب بفضل الله ورحمته، وبفضل الله وبحفظه من قبل الله عز وجل لم يُقِرَّ واحداً من هذه البنود، ولم يشارك في هذه المسيرات فيما أعلم وأرجو.

4 ـ زواج الجنس الواحد :

ومن هذه البنود: زواج الجنس الواحد، والمعاشرة من دون زواج، وإليكم هذه الطرفة التي تروى: أن إنسانًا دخل في السلك الخارجي، فأخذوا يعطونه دروساً في أصول العلاقات الاجتماعية، لو كنت في حفل مثلاً وجلست إلى جانبك امرأة فبادرْ واسألها: هل أنت متزوجة ؟ تقول لك: نعم، كم ولد عندك؟... إلخ، فهذا جلس في حفل سأل امرأة: أمتزوجة أنت؟ فقالت لا، قال لها: كم ولد عندك ؟ هذه كانت طرفة، أما الآن فليست طرفة حسب القوانين التي يريدها الغرب الخبيث، الذي كان طرفةً يروى كطرفة، لكن هذا لا يروى الآن كطرفة، كحقيقة بحسب هذه البنود، أما عندنا في ديننا العظيم الزواج، والجنس، والإنجاب فواحد، في علاقة طاهرة، علاقة واضحة، علاقة شرعية، علاقة أبدية.
الإمام الأوزاعي يرى أن كل زواج ليس على التأبيد هو زنى على التأبيد. أما أن تكون علاقات جنسية، وزواج، وإنجاب، وكل واحد منها موضوع منفصل عن الآخر، فهذا والعياذ بالله من أخطر ما يكون.

الكمّ البشريّ يكون عبئًا ويكون ورقةً رابحة :

أيها الأخوة الكرام؛ إنّهم يدَّعون أن الكمَّ البشري عبء، فبلد كمصر فيها ستون مليونًا، هذه الأفواه الجائعة عبء على اقتصاد الأمة، وعلى زراعتها، وعلى ريِّها، وعلى مائها، الجواب ليس كذلك، مثلاً اليابان ليس عندها شيء من المواد الأولية، ولا شيء من ذلك إطلاقاً، وهي من أغنى دول العالم، أجمل ما قرأتُ تعليقاً أنَّ الكمَّ البشريَّ يكون عبئًا، ويكون ورقةً رابحة، يكون عبئًا إذا بقي جاهلاً وقيدت حركته، أما إذا تعلم وتحرك حركةً حرةً يصبح في ميزان الأرباح، الآن لا تجد معملاً إلا كان بحاجة إلى طاقة بشرية، الإنسان هو أهم شيء في الإنتاج، لكن المطلوب إنسان متعلم، وإنسان حر، أما إذا أبقيناه جاهلاً، وقيدناه، يصبح فماً يأكل، وإذا لم يتوفر له طعام يسرق، بحاجة إلى شريك، فإن لم يجد بالنطاق الشرعي شريكًا انحرف، لأنه عبء، كائن جاهل مقيد هو عبء، يريد أن يأكل وأن يقترن بشريكة حياة، إذا لم يكن هذا ميسرًا له بشكل مشروع يبحث عنه بشكل غير مشروع.
فكلما سمعتم عن مؤتمرات السكان يجب أن تعلموا هذه الحقائق أعيدها مرةً أخرى للتذكير: عقد الزواج بين شخصين فقط ذكريين، أو انثيين، أو ذكر وأنثى، وفصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، وحرية الإجهاض، وشيوع النساء لكل الرجال كمجتمع إباحي، فنحن ومعنا وحي السماء، ومعنا منهج فيه تفصيلٌ دقيق في شؤون الزواج والإنجاب، والنفقة والإرضاع وما إلى ذلك، أيعقل أن ندع ما معنا من الوحي لنكون رقمًا من أرقام المجتمعات الغربية؟ نحن عندهم أرقام، ولسنا أشخاصاً، فلابد من وعي إيماني، لا بد من وعي تشريعي، لا بد من معرفة قيمة منهج الله عز وجل، نحن نعيش بصحة أسرية جيدة مع ما فيها من أخطاء، وعلى ما فيها من تقصير، وهي في الحقيقة شيء نادر جداً في الحياة الغربية.
ذكرت لكم أن طبيباً من أطباء الأسنان في لوس أنجلوس حدثني هذه القصة، قال: عندي مريضة، معها فطور في لثتها، وعجزتُ عن معالجة هذه الفطور، فلما ضيقتُ عليها الخناق، أعلمَتني أنها تعاشر كلباً، فهم يتناقصون لأنهم عزفوا عن الإنجاب، واكتفوا بالكلاب، ومن باب الحقيقة المُرَّة أن الكلاب في هذه البلاد تتمتع بحقوق لا يتمتع بها الإنسان في العالم الثالث، هناك كلاب تُجرَى لأحدها عملية زرع شريان في قلبه، عملية قلب مفتوح لكلب، عملية زرع مفصل، تُكلف عشرة آلاف دولار، طبيب نفساني لكلب معه كآبة، للكلاب مقابر من أجمل الأماكن، مقابر كلها خضراء وورود، وعدد كلاب فرنسا هل تصدقون أن عددهم ثلاثون مليون كلب! الكلب له هوية، وله قيد نفوس، وإنسان حكم خمساً وعشرين سنة سجنًا لأنه قتل كلبًا، هناك تفاصيل عن كلاب لا تصدق، ومع ذلك عزفوا عن الإنجاب، وكان بديلهم الكلاب، المسلمون ينجبون ويزدادون، فرأوا في هذه الزيادة خطرًا عليهم، فابتدعوا هذا المؤتمر وسمَّوْه مؤتمر السكان والتنمية، موجه بالدرجة الأولى ضد المسلمين، من أجل أن يبقوا فقراء، وأن يضعف توالدهم، وتأخير الزواج لسن الأربعين، إرواء الميل الجنسي من دون زواج، تلاعب بالعقول والفهوم، هذا كل ما يدعو إليه هذا المؤتمر.

للإنسان صانع حكيم عليه أن يتبع تعليماته :

أيها الأخوة الكرام ؛ ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلَّمه، أنا أتمنى أن يكون المؤمن كالصخر، معه الحق، ومعه وحي السماء، وهذا الذي نسمعه من إذاعات الأجانب هو كلام باطل، وأنا أقول بشكل دقيق: الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذا الإنسان صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، إنها الكتاب والسنة، فانطلاقاً من حبنا لذواتنا ينبغي أن نتبع هذه التعليمات.
أيها الأخوة الكرام ؛ روي أن سيدنا خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ في خلافته، يذكر له أنه وجد رجلاً في بعض نواحي العرب يُنكح كما تُنكح المرأة، وأن أبا بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ جمع الناسَ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسألهم عن ذلك، فكان أشدهم يومئذٍ قولاً علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، إذْ قال: إن هذا ذنب لم تَعصِ به أمةٌ من الأمم إلا أمةً واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله على أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى سيدنا خالد أن يحرقه بالنار. لأن هذا العمل خلاف الفطرة، لا خلاف الحكم الشرعي فحسب بل خلاف الفطرة أيضاً.

استبعاد مؤتمر السكان كل التشريعات والجوانب الأخلاقية والدينية :

وهناك شيء آخر في هذه الوثائق أن هذه الوثائق استبعدت كل التشريعات والجوانب الأخلاقية والدينية من كافة برامج التنمية، فكل شيء له علاقة بالدين، وعلاقة بالقيم الاجتماعية مستبعَدٌ من بنود هذه الوثائق، هذه هي الناحية الثانية.
الناحية الثالثة: أن الدول التي تخالف هذا تتعرض لضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية لاعتبارها دول خارجة عن الإجماع العالمي، وأن هناك مساعداتٍ مالية كبيرة، ومساعداتٍ فنية وقروضاً تعطى للدول التي تنفذ هذه التعليمات، وإذا سمعتم كلمة عولمة، فهذه العولمة تعني تعميمَ السلوك الإباحي، وسلوك تفكيك الأسرة ليس تفكك الأسرة بل تفكيك في تفكك، المقصود تفكيك الأسرة، وهذا هو الذي يعمّم على العالم كله، لكن من باب الطرفة مرة قلت في كلمة ألقيتها: إن هذه العولمة على وزن حَيْوَنَة، هذا هو وزنها، العودة إلى سلوك الحيوان، الخنزير لا يستحيي، فيقارب أنثاه أمام بقية الخنازير، فهذا عودة بالإنسان الراقي الذي كرمه الله وشرفه إلى مستوى الحيوان، لا همَّ له إلا بطنه وفرجه.

5 ـ تحديد النسل في ثلاث عشرة دولة من دول العالم الثالث :

ذكرت لكم أهم بنود هذه الوثيقة، وفيها بند آخر أنه فرضت سياسة تحديد النسل في ثلاث عشرة دولة من دول العالم الثالث، تسعون بالمئة من هذه الدول إسلامية، أي القوة البشرية، الكم البشري قوة في ميزان الأرباح، على أن تُعَلَّم، وعلى أن تطلق يدها، الآن تجد هذه الصناعة نقلت من أمريكا إلى آسيا، لنقص اليد العاملة بأمريكا، دائماً العنصر البشري أساس في الصناعة وفي الإنتاج.

6 ـ تزايد عدد المسلمين أمر مقلق في تهديد المصالح الغربية :

وفي الوثيقة بند آخر: أن تزايد سكان العالم الثالث بعامة، والمسلمون بخاصة، أمر مقلق في تهديد المصالح الغربية، هم يتناقصون، ونحن نتزايد، وهذا مقلق لهم أشد القلق.
أنا أحب أن يكون المسلم واعياً، وألاّ يأخذ المسلم بما يقال له، هناك أخبار تلقى علينا من وسائل إعلام الغرب، مرت على خمسة خبراء نفسيين، من أجل أن تغسل أدمغتنا، وأن نقلدهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام:‏

(( لَوْ دَخلُوا فِي جُحْرِ ضّبٍّ، لَدَخَلْتُمْ فِيه‏ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

نقلدهم تقليداً أعمى.

 

مخالفة بنود مؤتمر السكان لمنهج الله :

أيها الأخوة الكرام ؛ ألخص هذا الدرس بهذه الآية:

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

[ سورة الإسراء: 73 ]

نحن معنا وحي السماء، معنا منهج الله عز وجل، معنا الكتاب والسنة، معنا تعليمات الصانع، معنا تشريع الخالق، معنا دستور الإله الحكيم، معنا كتاب رب العالمين، معنا حبل الله المتين، هذا الذي معنا، معنا الشيء الذي لا يخطئ.

﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾

[ سورة فصلت: 42 ]

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

[ سورة الإسراء: 73 ]

هذا مؤتمر السكان والتنمية، كل ما فيه من بنود يخالف منهج الله عز وجل، وكملخص سريع: الزواج عقد بين شخصين، فصل الجنس عن الزواج وعن الإنجاب، حرية الإجهاض، حرية ممارسة كل ألوان النشاط الجنسي خارج الشرعية، تأخير الزواج إلى الأربعين.

﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

[ سورة الإسراء: 73 ]

﴿وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 73 ]

وهناك إغراء بمساعدات تُقدّم، مساعدات مالية وفنية وقروض طويلة الأجل.

﴿وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء: 73-75]

التمسك بالقرآن و السنة يحمي المجتمع من الانحلال و التفلت :

قال علماء التفسير: لقد ربى الله الأمة بعظيمها، ولعل أعظم فتنة على الإطلاق منذ أن بُعث النبي وحتى يوم القيامة أن نبحث عن شيء بديل للوحي، وحي السماء زواج بين رجل وامرأة على نية التأبيد، إنجاب أولاد صالحين، تربية الأولاد، جعل هذا الولد عنصراً طيباً في المجتمع، والأب يحمل رسالة، والأم تحمل رسالة، والعمل للآخرة، لجنة عرضها السموات والأرض، هذا وحي السماء، هم يريدون أشياء أخرى، لا علاقة لها بالآخرة إطلاقاً، وأي جانب ديني أو اجتماعــي أو قيمي أو خلقي مُنَحّى عن هذه البنود، فإذا سمعتم في الأخبار العالمية بعد الآن مؤتمر السكان والتنمية، إذا سمعتم العولمة أي حيونة، فانتبهوا لها، إذا سمعتم أن هناك من يعمم خبرات العالم المتقدم الراقي على الدول النامية فافهموا أن العالم الراقي هو العالم المنحل الساقط، إنّ دول العالم النامية عندها بقية من دين، بقية من خلق، بقية من حياء، بقية من خجل، واللهِ بناتُ المسلمين عندهم حياء يفوق مليون ضعف عما عند فتيات الغرب من حياء، على ما نحن عليه من تخلف، ومن ضعف، ومن تفكك، نحن بخير كبير إذا ما وازنا أنفسنا مع هؤلاء، فهذا الدرس قد تستغربه قلّةٌ ما، لكن واللهِ أردته أن يكون توعية لكم، فإياكم أن تُؤخذوا بما يقال في الإذاعات العالمية، ونحن والفضل لله عز وجل حتى الآن بخير، وأرجو الله أن يستمر رفضنا لقانون العولمة، ولن تُقرّ هذه البنود عندنا إطلاقاً، ولن نوافق عليها إطلاقاً بإجماع منقطع النظير، ولا زلنا نحن على الورق في التشريعات الشخصية، التشريعات الاجتماعية، ولا زلنا وفق الكتاب والسنة، وهذا من فضل الله علينا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018