بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 041 - حكمة الله مما يجري من الأحداث .


2001-10-07

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كل شيء وقع أراده الله :

أيها الأخوة المؤمنون: كنت أقول لكم دائماً أن كل شيء وقع أراده الله، والمؤمن أحياناً يتساءل ما حكمة الذي وقع ؟ كلما كان إيمانه متيناً أيقن غيباً أن هناك حكمةً لو لم يرها هو موقن بوجودها لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة آل عمران: 26]

لم يقل : بيدك الخير والشر، الإنسان لو أنه نظر نظرةً سطحيةً لما حدث في الحادي عشر من شهر أيلول لظن أن هذا الذي حدث أتى على ما يسوء المسلمين ولكن ما الذي يعلمنا أن الذي حدث لصالح المسلمين ؟ أهم فكرة في هذا اللقاء أن الواحد منا هل يخطر له في بال أن يقرأ عن ديانة السيخ ؟ شيء لا يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، هل يتجشم مشقة السفر إلى هناك ؟ هل تسخو نفسه بشراء كتاب ليقرأ عن دينهم ؟ كذلك الإسلام في بلاد الغرب بعيد عن اهتمام الناس جميعاً بل إن هناك كلاماً مغرضاً، الإسلام يصوَر بصورة منفرة جداً، فقضية الدين الإسلامي وقضية القرآن بعيدة عن اهتمام الطرف الآخر بعداً لا حدود له.

 

أثر أحداث الحادي عشر من أيلول على الإسلام :

جاءتني رسالة من أمريكا وجدتها من الأهمية بمكان أن أقرأها لكم، من خلال قراءتها يتضح لكم عكس ما يتوهمه المسلمون من آثار سلبية لهذا الذي حدث.
كاتب هذه الرسالة طبيب في بوسطن يقول: أكتب هذه الكلمات فجر يوم السبت الموافق للثاني والعشرين من شهر أيلول عام 2001 أي بعد أحد عشر يوماً من جريمة الهجوم على واشنطن ونيويورك، طبعاً لا الإسلام ولا غير الإسلام يوافق على قتل المدنيين، قال: وهي أحد عشر يوماً مشهودة عاشها المسلمون في أمريكا والعالم أجمع ، وقد أحببت في مقالي هذا أن تشاركونني مشاعري الخاصة التي صاحبت هذه الأيام الأحد عشر يوماً بيوم.
يقول هذا الطبيب وهو داعية من دعاة المسلمين في بوسطن: استيقظت صباح الثلاثاء الحادي عشر من أيلول على رؤيا رأيتها قبل صلاة الفجر رأيت جبالاً جرداء تهتز من حولي كأنها زلزال عظيم وأنا أتلو في منامي قول الله سبحانه وتعالى: وما قدروا الله حق قدره. وذهبت إلى عيادتي وسمعت من أول مريض لي عن الطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي، أول مريض أبدأه بالطائرة الأولى التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي، و سمعت بالطائرة الثانية من مريضي الثاني، وبدأ الإعلام الغربي منذ اليوم الأول يلمح بأن هناك أياد مسلمة وعربية خلف ما حدث، وفي تمام الساعة الثانية عشرة اجتمع أمناء المركز الإسلامي في بوسطن وإدارته ولجانه وإمامه اجتماعاً طارئاً وكنت معهم على الهاتف من عيادتي- يبدو أنه عضو بارز في المركز الإسلامي في بوسطن فكان معهم مجتمعاً من خلال الهاتف من عيادته- وقررنا القيام بحملة للتبرع بالدم لهؤلاء الجرحى والمنكوبين، وكونا لجنة للاتصال بالصليب الأحمر الأمريكي والترتيب معهم، ودعونا الإعلام لتغطية الحدث، واتصلنا بسلطات المدينة والولاية فسارعوا لتسخير رجال الأمن لحماية المركز الإسلامي وممتلكاته وزائريه- يبدو أن هناك هجمةً كما تسمعون شرسةً جداً على كل مسلم أو على كل امرأة محجبة أو على كل مركز إسلامي- وكان يوماً عصيباً علينا جميعاً، وكنا نتلهف على أية معلومة تبعد التهمة النكراء عن الأيدي المسلمة العربية - يتمنون أي دليل يبعد عن المسلمين والعرب هذه التهمة التي كما يتوقعون سوف تجر لهم الويلات- وفي يوم الأربعاء وهذا اليوم الثاني الموافق للثاني عشر من أيلول انهالت علينا الصحف وقنوات التلفاز والمذياع تمطرنا بالأسئلة من كل مكان ودعيت إلى قناتين تلفزيونيتين وعدة صحف محلية ودولية ونحن نحاول أن نثبت إنسانيتنا كبشر وأننا برآء مما حدث.
يقول: نعم إخوتي وأخواتي كنا نحاول أن نثبت إنسانيتنا، وفي يوم واحد وجدنا أنفسنا نقف على ثغر مفتوح وينهال علينا الهجوم من كل مكان وقلوبنا تدمع ولسان حالنا يقول: - الآن دققوا في هذه الكلمة - إن الدعوة إلى الله وإلى الإسلام قد تراجعت خمسين عاماً إلى الوراء في أمريكا والعالم أجمع بسبب ما حدث.
وفي يوم الخميس الموافق للثالث عشر من أيلول اجتمع في الساحة المقابلة لمقر عمدة مدينة بوسطن آلاف الأشخاص، وتحدث رؤساء الديانات بما فيهم المسلمون، وشرح موقف الإسلام من هذه الجريمة، وشاهد الملايين ذلك، واستمعوا إلى القرآن الكريم أيضاً، وحدث مثل هذا في كل ولايات أمريكا، وفي يوم الجمعة دعينا مرةً أخرى للمشاركة في عدة برامج تلفزيونية وقد شاركت في أحد هذه البرامج كما شارك في صلاة الجمعة في المركز الإسلامي للجمعية الإسلامية في بوسطن في خيمة مخصصة هناك رؤساء الكنائس المجاورة، وعمدة مدينة كامبردج، وساروا مع المسلمين تضامناً معهم حتى مقر عمدة المدينة، وشرح الإسلام للحاضرين تحت تغطية إعلامية وتناقلت ذلك وسائل الإعلام.
وفي يوم السبت الموافق للخامس عشر من أيلول ذهبنا إلى أكبر كنيسة في بوسطن تلبية لدعوة رسمية للجمعية الإسلامية في بوسطن لتمثيل الإسلام في دعوة خاصة لأعيان المدينة، وقد حضر عمدة المدينة ورؤساء الجامعات وقد زاد عدد الحاضرين على الألف تحت تغطية إعلامية من إحدى قنوات التلفزيون الرئيسة في بوسطن واستقبلنا استقبال السفراء، وجلست في أول صف، وتحدث كبير القساوسة في خطبته فدافع عن الإسلام كدين سماوي، وأعلم الحاضرين بوجودي ممثلاً للجمعية الإسلامية في بوسطن، وبعد الانتهاء من المحاضرة وقف بجواري كبير القساوسة وقرأت البيان الرسمي الذي صدر من كبار علماء المسلمين، والذي يدين هذا العمل، ويشرح موقف الإسلام، وبينا مبادئه وتعاليمه السامية، ثم قرأت ترجمة آيات من القرآن الكريم باللغة الإنكليزية أولاً ثم رتلتها باللغة العربية وارتفع قول الله تعالى:

﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

[ سورة المائدة: 32]

وقوله تعالى:

﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الحجرات: 13 ]

وقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المائدة: 8 ]

وكانت لحظات لن أنساها، انقلبت فيها الكنيسة إلى بكاء عند سماع آيات من كلام الله تعالى على الحاضرين، وانهالت المشاعر الفياضة علينا فيقول أحدهم لي: إنني لا أفهم العربية ولكن ما نطقت به هو من كلام الله لا شك، وأخرى تضع في يدي ورقة وهي تغادر الكنيسة باكيةً وتكتب فيها اغفروا لنا ماضينا وحاضرنا و ادع لنا، وآخر يقف على باب الكنيسة وينظر إلي بعينين دامعتين ويقول: أنتم خير منا، وطلب كثيرون مني عنوان الجمعية الإسلامية في بوسطن لزيارتها والاستماع للمحاضرات الأسبوعية وسماع القرآن يتلى أثناء الصلاة، وفي لحظات قليلة أحسست بحكمة الله تعالى تعمل بطريقتها التي لا يدركها أحد، ولن تدركها عقولنا المتواضعة، وقامت أكبر القنوات التلفزيونية بتغطية الحدث وإجراء مقابلة معي بعدها.
وفي يوم الأحد الموافق للسادس عشر من أيلول قامت الجمعية الإسلامية في بوسطن بتوجيه دعوة مفتوحة في مقر المركز، ولم نتوقع أكثر من مئة شخص، وكانت مفاجأة لنا أنه قد حضر أكثر من ألف شخص إلى مقر هذه الجمعية من الجيران، ومن أساتذة الجامعات ورجال الدين، بل حضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا إليها لإلقاء كلمات عن الإسلام، وتحدث الجميع تضامناً مع المسلمين، وانهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف ما الإسلام ؟

الإسلام هو شغل العالم الشاغل :

أسس الغرب حياته المادية على ظلم الشعوب
الآن أيها الأخوة هناك حاجة في العالم كله إلى أن يعرفوا الإسلام، فيما يبدو لي والله أعلم مع أن هناك أخباراً سيئة جداً، مع أن هناك خطراً على كل المسلمين، لكن فيما يبدو لي أن الدعوة إلى الله قفزت قفزةً نوعية لم تكن لتقفزها في مئة عام قادمة، الإسلام هو شغل العالم الشاغل، العالم كله الآن يوجد حياة مادية أساسها اللؤم، أساسها الغلبة، أساسها القوة، أساسها الاستكبار، أساسها البطش، أساسها الظلم، أساسها النظر إلى مصلحة جهة واحدة على حساب مصالح الشعوب، الطرف الآخر في دين الحق، في الدين الإلهي دين العدل، دين الإنسانية، دين المساواة.
أكاد أقول لكم إن القضية الأولى الآن في العالم هو الإسلام، بل إنه بلغني أن الكتب الإسلامية فقدت كلها كلياً من أوربا وأمريكا، هناك من اشتراها، وقد حدثني من أثق به، الأستاذ بسام أسطواني الذي حدثكم قبل أسبوعين، حدثني أنه من خلال حرب الخليج أسلم عشرين ألف أمريكي من الضباط والجنود وقد عين لهم أحد دعاة واشنطن ليكون مرشداً دينياً لهم في الجيش، الأخبار ليست طيبة، التهديد شديد، ومصالح المسلمين مهددة في العالم، لكن الأخبار الدعوية طيبة جداً، أراد الله سبحانه وتعالى أن يظهر دينه، أراد أن يدفع الناس إلى معرفة الإسلام، هناك بواعث كثيرة.

ردة فعل العالم الغربي تجاه الإسلام :

نتابع هذه الرسالة: وفي يوم الأحد السادس عشر من أيلول قامت الجمعية الإسلامية في بوسطن بتوجيه دعوة مفتوحة في مقر المركز، ولم نتوقع أكثر من مئة شخص وكانت المفاجأة أنه حضر أكثر من ألف شخص من الجيران، ومن أساتذة الجامعات، ومن رجال الدين بل حضر كبار القساوسة من الكنائس المجاورة التي دعينا إليها لإلقاء كلمات عن الإسلام، وتحدث الجميع تضامناً مع المسلمين، و انهالت علينا أسئلة كثيرة تريد أن تعرف عن الإسلام وأن تفهم تعاليمه، ولم يكن بين الأسئلة سؤال واحد تهجمي.
هؤلاء الذين حضروا إلى المركز الإسلامي في بوسطن وسألوا كثيراً ولم يكن من بين أسئلتهم سؤال واحد تهجمي بل العكس من ذلك فقد رأينا الأعين تدمع وهي تسمع عن الإسلام ومبادئه السامية، ومنهم الكثير ممن لم يسمعوا عن الإسلام شيئاً، ما هو الإسلام؟ ما هو هذا الدين؟ أحياناً إنسان ذكي يقول لك: ضربت عصفورين بحجر، خالق الأكوان إذا حقق مليون هدف بحادث واحد كثير! مليون هدف، أدّب أناساً، وعاقب أناساً، وفرز أناساً، وامتحن أناساً، وظهر من هو الخائف، ومن هو المؤمن، وظهر من هو الذي مع المسلمين، ومن الذي ضد المسلمين، الله فرز وأدّب ونبه وبيّن ولفت نظر، أنت استسلم لله.
قال: منهم الكثير من لم يسمعوا من قبل عن الإسلام شيئاً، لم يسمعوا عن الإسلام إلا من وسائل الإعلام المغرضة ، والله الطرف الآخر أيها الأخوة يشوه سمعة المسلمين لدرجة لا تصدق، المسلم يصورونه مجرماً جاهلاً، وحشاً فقيراً، يوجد كثير من الأعمال الفنية تمت في أمريكا المسلم إنسان يقتل ألف شخص ويصلي وهو يصلي يقع المصحف من جيبه، وهذه السيارة التي تركت في مطار بوسطن وفيها مصحف هذا كيد يهودي.
قال: ودعيت مرةً أخرى في نفس اليوم لأشارك في اللقاء الذي عقد في الكنيسة التي شاركت فيها في اليوم السابق، وتكرر الحدث، وتكرر المشهد، وتكررت المشاعر، وتكررت رغبة الكثير في زيارة المركز الإسلامي لمعرفة المزيد عن الإسلام، وسماع كلمات الله تعالى تتلى على أسماع هؤلاء، وتكررت الدعوات التلفزيونية، والتغطية الإعلامية، والمشاركة يومي الاثنين والثلاثاء، فاستضافتنا أكثر من خمس قنوات تلفزيونية، وفي يوم الأربعاء دعينا من قبل عمدة المدينة المجاورة لشرح موقف الإسلام أمام آلاف من سكان المدينة، وتلي القرآن على الآلاف، وغطى الإعلام كل ذلك، وفي يوم الخميس زار مركز الجمعية الإسلامية في بوسطن بعثة من ثلاثمئة طالب وطالبة وأساتذة للجامعات في هارفارد - وهي من أضخم الجامعات في أمريكا - برفقة سفرة الولايات المتحدة في فينا، وجلسوا جميعاً على أرض المسجد، وامتلأ المكان، وشرحنا تعاليم الإسلام الغراء، ودفعنا الشبهات التي تثار حوله، وقرأت آيات القرآن عليهم مرةً أخرى، ودمعت العيون، وتأثر الحاضرون، وطلب كثير منهم الحضور للمشاركة والاستماع للدروس الأسبوعية التي يعقدها المركز الإسلامي لغير المسلمين، ودعيت في اليوم نفسه للمشاركة في برنامج على مستوى أمريكا كلها مع بروفيسور في جامعة هارفارد لمناقشة الحقوق المدنية والإنسانية للمسلمين، وشارك في البرنامج أخوة وأخوات لنا كثيرون.
وفي يوم الجمعة الموافق للحادي والعشرين من أيلول شارك المسلمون في اجتماع مغلق، وتمت مناقشة إدخال مادة لتعليم الإسلام في المدارس، بحثوا موضوع إدخال مادة لتعليم الإسلام في المدارس كمنهج دراسي لتوعية الشعب، ومحاربة العنصرية ضد المسلمين والناجمة عن جهل الشعب الأمريكي بالدين الإسلامي، وتمت الموافقة والتأييد من حاكمة الولاية وبدأ الخطوات لدراسة كيفية تحقيق هذا الهدف، وفي أكبر محطة إخبارية سي ن ن خصصت حيزاً يومياً للتعريف بالإسلام.

لا يقع شيء في ملك الله إلا بمشيئة الله :

قال: وما ذكرت لكم إلا أمثلة لما حدث ويحدث في مدينة بوسطن هذه الأيام، ويحدث مثل ذلك في كثير من المدن الأمريكية الأخرى، إن الدعوة إلى الله لم تتقهقر ولم تتراجع خمسين عاماً كما كنا نحسب في الأيام الأولى، وإنما شهدنا أحد عشر يوماً هي بمثابة أحد عشر عاماً في تاريخ الدعوة إلى الله، وها أنا أكتب إليكم اليوم هذه الكلمات وكلي ثقة أن الإسلام سينتشر إن شاء الله في أمريكا والعالم أجمع خلال الأعوام القادمة.
يستمر الغرب في عدوانه على الدول الآمنة
والشيء الثابت أيها الأخوة أن أسرع الديانات انتشاراً هو دين الإسلام، طبعاً أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ أخوتنا هكذا سمعت أنه بدأ القصف على أفغانستان، قلت لكم الأخبار سيئة جداً لكن ينبغي أن نتوازن، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ....دعوة أخ لأخيه في ظهر الغيب فإنها لا ترد ))

[الطبراني فى الكبير والأوسط، والبزار عن ابن عمر]

فإذا صليتم الفجر أو العشاء أو أي صلاة ادعوا الله أن يحفظ إخوانكم المسلمين في شتى بقاع الأرض، والأمر يحتاج إلى عودة إلى الله، لكن يد الله وحدها تعمل في الخفاء، يد الله فوق أيديهم، خطت الله تستوعب خطتهم، لا يقع شيء في ملك الله إلا بمشيئة الله، وهذا درس بليغ إما أن نكون مع الله كما يريد، وإما فالأمر عصيب، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[ سورة آل عمران: 179]

قلت في خطبة الجمعة إن أحد كبار قياداتهم هناك قال: سوف نستفيد من هذا الحدث إلى أقصى حد. أي خطة مرسومة لتكون بعد عشرة أعوام، لكن هذا الذي حدث أتيح لهم أن يبدؤوا بها الآن.
لكن المفروض نحن كمسلمين أن نستفيد من هذا الذي حدث ألف ضعف، كيف نستفيد؟ لنراجع حساباتنا في البيوت، لنراجع علاقاتنا، لنراجع دخلنا، لنراجع إنفاقنا، لنراجع خروج زوجاتنا وبناتنا، لنراجع الشبهات في حياتنا، لأن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يمتحن المؤمنين قال تعالى:

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب: 11 ]

وهذا الذي حدث كما قلت في مطلع الدرس لابد من أن يحدث شئنا أم أبينا، هذا الذي حدث حدث بمشيئة الله، وبحكمة الله، وبقدرة الله، وبإذن الله، نحن ما علينا إلا أن يكون هذا الحدث باعثاً لنا إلى طاعة الله.

الحياة دار عمل :

معظم المسلمين يرون الحياة دار متعة
أخواننا الكرام: الحياة دار عمل وأنا أؤكد لكم أن معظم المسلمين رأوها دار متعة، دار استجمام، دار طعام، وشراب، ونساء، ونزهات، وبيوت فخمة، هؤلاء المسلمون لم يحملوا همّ الدعوة إلى الله، كأنهم تخلوا عن هذه الرسالة التي أوكلها الله إليهم، كل واحد منا يعاهد نفسه، يحاول أن يحمل همّ المسلمين، ويحاول أن يحقق شيئاً لصالحه، إن انعدمت الحيلة لإيجاد شيء يخدم المسلمين، يوجد عندنا طلاب علم كثر من شتى بقاع الأرض إذا تبنيت طالب علم إن لم تكن داعية تبنى داعيةً إلى الله فدعوته في صحيفتك.
قلت لكم يوم الجمعة: ممكن أن تقتطع من مصروفك مبلغاً لمساعدة فقير مسلم، لمساعدة مريض لا يجد دواءً، يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبم تلقى الله إذاً؟ كيف نلقى الله؟ بأي عمل نلقى الله؟ الاستماع لا يكفي، أن تأتي إلى المسجد وهذا والله عمل عظيم، وأن تحضر درساً وتجلس على ركبتيك هذا عمل عظيم، و لكن هذا العمل مهمته أن يترجم إلى سلوك، أن يترجم إلى خدمة، إلى بذل، إلى تضحية، فنحن الآن ممتحنون، والله عز وجل قال:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 58 ]

لابد من باعث إلى الله كقراءة القرآن
ما معنى هذه الآية ؟ أي لابد من امتحان، لابد من باعث إلى الله عز وجل، نحن الآن أمام باعث كبير جداً أن نتقن صلواتنا، أن نحافظ على أذكارنا، أن نتلو القرآن الكريم، أن نتعاون، أن ننسى كل الخلافات فيما بيننا، أن نتعاون فيما اتفقنا وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أن نكون يداً واحدة، صفاً واحداً، قلت على المنبر قبل أسبوع: الإسلام هو المستهدف لكن ما الذي حدث ؟
قالوا: حرب صليبية فندموا عليها، فصاروا يقولون: الإسلام دين عالمي، الإسلام دين الإحسان، دين المحبة، دين العدل، أصبحوا هم دعاة دون أن يشعروا، والناس يستمعون إلى قممهم، في كل تصريح الإسلام دين محبة، دين عدل، دين قيم، دين إنساني، حتى إنه صرح أحد رؤساء جمهوريتهم سابقاً أن القيم التي جاء بها الإسلام هي نفس القيم السامية التي تؤمن بها أمريكا.
الآن الإسلام يريد مسلمين يرفعون رايته، لا يمكن أن تكون داعية إلى الإسلام إلا بخلق قويم، الذي يشدّ الناس إلى الدين ليس صلاتك ولا صيامك ولا عباداتك هذه بينك وبين الله، الذي يشد الناس إلى الدين معاملتك، أمانتك، صدقك، عفتك، ورعك، إتقان عملك، خدمة الناس جميعاً، هؤلاء الذين يعيشون هناك تبرعوا بدمائهم، أمالوا القلوب إليهم، وغطوا ذلك إعلامياً ثم تكلموا عن الإسلام.
لا يمكن أن يستمع أحد إليك إلا إذا كنت محسناً، كنت أقول دائماً: الإحسان قبل البيان، والقدوة قبل الدعوة، والتربية لا التعرية، والمضامين لا العناوين، والمبادئ لا الأشخاص، والأصول قبل الفروع، ومخاطبة القلب والعقل معاً.

الدعوة إلى الله فرض عين على كلّ مسلم :

كل مسلم هو داعية إلى الإسلام بأقواله وأفعاله
أنا الذي أتمناه عليكم أن توقنوا جميعاً أن كل واحد منكم ينبغي أن يكون داعيةً إلى الإسلام، طبعاً الدعوة التي هي فرض كفاية هذه إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، ما الدعوة التي هي فرض كفاية ؟ الداعية المتبحر في العلم، المتفرغ للدعوة، الذي يعلم الدليل التفصيلي ويرد على كل شبهة، مثل هذه الدعوة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، ولكن الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، كل واحد منا كم لقاء عنده في الأسبوع ؟ لقاء اجتماعي مع إخوته، مع أخواته، مع أصهاره، مع شركائه، مع جيرانه، مع زملائه، كم لقاء ؟ دعوة، نزهة، سهرة، لقاء، عقد قران، بأي مناسبة أنت أيها الأخ الكريم ألا تصلي الجمعة ؟ ألم تأخذ من خطبة الخطيب شيئاً ؟ ألا يوجد آية شرحها ؟ ألا يوجد حديث ؟ قصة ؟ حكم شرعي ؟ موقف ؟ فكرة ؟ لو أنك أخذت من يوم الجمعة آيةً أو حديثاً وسجلتها وأذعتها في خلال هذا الأسبوع فقط على من تعرف، عليك بخاصة نفسك، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك وأمسك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ))

[ أبو داود عن أبي ثعلبة الخشني ]

شراح الحديث فسروا خاصة نفسك بأقربائك وجيرانك وزملائك، ولماذا قال الله عز وجل؟

﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 214 ]

لأنه لا يوجد قلق ولا خوف، أنت لو أمسكت بيد إنسان في الطريق الآن ودعوته إلى بيت من بيوت الله ألا يخاف منك ؟ لكنك إذا أمسكت بيد أخيك فإن أخاك واثق بك.
الأقربون هم أولى الناس بدعوتك إلى الله
ما حكمة أن الله أمر نبيه الكريم أن يبدأ بعشيرته الأقربين ؟ لا يوجد حواجز، خوف، خشية، قلق، الكلفة مرفوعة، يوجد ثقة، لك قريب صهر، جار، ابن، ابن عم، شريك، زميل في العمل، أعطه شريطاً واسأله، حاول أن تعطيه شيئاً مما علمك الله عز وجل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

[الحاكم عن أبي رافع ]

يوجد تجارات بألوف الملايين، الشركات الضخمة في العالم الغربي شيء لا يصدق يقول لك: الشركة الفلانية يوجد عندها فائض نقدي ألف مليار دولار لم تجد لها توظيفاً يوجد أموال لا تأكلها النيران، يقول لك النبي الكريم:

(( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس ))

[الحاكم عن أبي رافع ]

((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))

[متفق عليه عن سهل بن سعد الساعدي ]

معنى هذا أن باب الجنة مفتوح أمامك، اسمع الحق وبلغه، لم تتمكن من ذلك أعطه شريطاً، ادعه إلى مجلس علم، ابحث عن عمل ترقى به، إن أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، اخرج من ذاتك، اخرج من ذاتك لخدمة الخلق فإن أسعدت الآخرين فأنت أسعدهم، كل إنسان مقبور بهمومه، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

[ سورة فاطر: 22 ]

مقبور بهمومه، بانتمائه الفردي، بهموم العيش، أنت إذا شغلك ذكر الله عن مسألته أعطاك فوق ما يعطي السائلين، عبدي أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما تريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، قال: يا رب أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي.
منهج في الدعوة ذكرهم بآلاء الله، بآياته الدالة على عظمته، وذكر الناس بنعماء الله حتى يحبوه، ذكرهم بآلائه حتى يعظموه، وذكرهم بنعمه حتى يحبوه، وذكرهم ببلائه حتى يخافوه.
الدعوة إلى الله فرض عين بدليلين قطعيين، قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

فإن لم تكن داعية إلى الله الدعوة التي هي فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فأنت لست متبعاً لرسول الله، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله قال تعالى:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾

[ سورة آل عمران: 31 ]

الجهاد القتالي أساسه تمهيد للجهاد الدعوي :

من نعم الله أن المساجد مكتظة بالمصلين

 

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة]

والجهاد المتاح لنا جميعاً ما هو؟ الدعوي، والله سماه جهاداً كبيراً، لأن الجهاد القتالي أساسه تمهيد للدعوي، أنت لماذا تقاتل في سبيل الله ؟ من أجل أن تنشر دين الله، معنى الجهاد القتالي تمهيد للجهاد الدعوي أي إن أتيح لك أن تجاهد جهاداً دعوياً ولا أحد يمنعك، نحن والحمد لله بخير كبير، المساجد مكتظة بالمصلين، انظروا ولا أحد يسأل سؤالاً في هذا الموضوع وهذه نعمة عظمى، هذه والله نعمة لا تعدلها نعمة، والله هذه البلدة الطيبة مساجدها، دروس العلم فيها، ليس فيها مناسبة على الإطلاق إلا و فيها كلمة حق.
هل يوجد عقد قران بالشام من عشرين سنة إلى الآن لا يوجد فيه كلمتين أو ثلاث عن الدعوة؟ أبداً حتى الآن التعازي و الله من عشر سنوات لا يوجد تعزية إلا و فيها كلمة عن الدعوة، معنى هذا أن مناسبات الفرح دعوة إلى الله، مناسبات الحزن دعوة إلى الله، المساجد ممتلئة، خطب الجمعة متوازنة جداً، عميقة جداً، يوجد وعي والحمد لله، و هناك أصبح نوع من التوحد، و الله من يومين كنت بمكان، كان هناك عشرون شخصاً أو ثلاثون، و لا أعرف أحداً منهم تكلمت بكلام الكل أقرّ به، صار هناك هموم مشتركة لم يعد هناك تمزق، هناك هموم واحدة مشتركة، تتكلم و أنت مرتاح.

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

الآن أيها الأخوة ، تكلمت في الخطبة بكلمة نريد انتفاضة إسلامية، أي مراجعة دقيقة، موقف حازم، مع عهد مع الله عز وجل:

إلى متى أنت باللذات مشغول و أنت عن كل ما قدمت مسؤول
***
تعصي الإله و أنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقام شنيــع
لو كان حبــك صادقاً لأطعتــــه إن المحب لمن يحب يطيــــع
***

أحياناً أطّلع على كتاب تفسير، تفسير قيم مات صاحبه من ألف عام، و الله أقول: يا رب هذا الإنسان كتب هذا التفسير و مات، ما من عالم في العالم الإسلامي يقرأ هذا التفسير و ينتفع به و يجعله خطبة إلا في صحيفة هذا المفسر، بصراحة أيها الأخوة ابحث عن عمل يستمر بعد موتك.
ألزم عائلتك بطاعة الله
كنت مرة بلبنان هناك إذاعة قرآن كريم، سمعت درساً لعالم جليل متوفى من سنتين أو ثلاث، كل يوم له درس، قلت: سبحان الله! هو تحت أطباق الثرى لعل لحمه فني و صوته يصدح في كل مكان، فكر بعمل يستمر بعد موتك، هناك كثير من الدعاة إلى الله ماتوا لكن دعوتهم مستمرة، كل من دخل معهدهم، كل من سار على منهجهم، في صحيفتهم إلى يوم القيامة، اترك أثراً، اترك دعوة، اعمل عملاً صالحاً، اهدِ إنساناً، أنت لو فكرت أن تقنع إنساناً بالدين و استقام على يدك، أقنعته، جلست معه، زرته، أكرمته، عاونته حتى التزم، عندما التزم ألزم زوجته بطاعة الله، عندما التزمت زوجته ألزم أولاده، ثم جاء إخوته، أنت هديت واحداً أصبحوا مئة، إذا كل واحد خيرٌ لك من الدنيا و ما فيها ما قولك؟ كل واحد كم شركة يوجد؟ كم مؤسسة؟ كم بنك بالعالم معه ألوف ألوف الملايين؟ إذا أجرى الله على يديك هداية أحد فأنت أغنى الناس، الكافر يعيش ليأكل، الأقل كفراً يأكل ليعيش، أما المؤمن فيعيش ليعرف الله، يعيش ليعمل صالحاً، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة الأنعام: 132 ]

اسأل نفسك قبل أن تنام ماذا عملت اليوم ؟ ماذا قدمت ؟

الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى
قال:

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ))

[أبو يعلى وابن أبي شيبة عن أبي هريرة ]

ممكن ألا يكون معك دخل إضافي أبداً و دخلك أقل من مصروفك، لست مكلفاً أن تنفق:

((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أبو يعلى وابن أبي شيبة عن أبي هريرة ]

أنت عندك أخلاق، أحياناً كلمة طيبة، أحياناً دعوة إلى الله، أحياناً أن تعود مريضاً، و الله الحديث الذي لا أحفظ نصه الحرفي لكن أحفظه بالمعنى، الحديث الذي يقول:

(( مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَيَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا عُوفِي ))

[ الترمذي و أبو داود و أحمد عن ابن عباس]

هذا كلام سيد الرسل، هذا كلام في الصحاح، فإذا كان لك أخ مريض وزرته ودعوت له سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك قال: إلا شفاه الله، عد مريضاً:

((عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ فَقَالَ يَا أَبَا حَفْصٍ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَالَ حَدَّثَنِي كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَنْقَعَ فِيهَا وَقَدْ اسْتَنْقَعْتُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الرَّحْمَةِ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ]

وفق بين زوجين، الزوجة غير راضية و الزوج كبرت نفسه عليها، و صار لهم ثمانية أشهر، ألا يتبرع إنسان ليزور الجهتين و يبيض قلوبهم و يدخل وسيطاً؟ ألا تريد عملاً صالحاً ؟ كم أسرة الآن فيها شقاق ؟ و الله مئات.
أحياناً أب لا يقوى على تربية ابنه، خذ الابن، عاونه، دله على بيت من بيوت الله، أي يجب أن تستيقظ صباحاً:

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

يوجد مليون عمل صالح، بيوت الله تحتاج إلى دعم، إلى خدمات، إلى تعليم، علّم، ائمر بالمعروف، انه عن المنكر، عُدْ أخاً في الله، زر مريضاً، انصح شارداً، أعن فقيراً، أطعم بائساً، إطعام الطعام عمل طيب، رجل يدعو ألفي شخص إلى طعام نفيس كل سنة من عشرين سنة أي يشعر بلذة إطعام الطعام: أكرم ضيفك واستقبله دون كلفة

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾

[ سورة الناس: الآية 8 ]

أحياناً يأتيك ضيف من الخارج، قادم من حماة، من حلب، من بيروت هذا ضيف، ضيف البلد كله، يأتي أخ يأخذه إلى بيته يعشيه و يستقبله لينام عنده هذا عمل عظيم جداً، و ليس قليلاً، أي الغريب يحب من يكرمه، يحب من يستقبله، لا تكلف نفسك، ارفعوا الكلفة:

(( يا عائشة لا تكْلفي للضيف فتمليه ))

[كنز العمال عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه]

كن طبيعياً من دون بروتوكولات، من دون تسلط، إن لم يكن عندك شيء تبذله، لا دعوة، و لا نصيحة، و لا أمر بالمعروف، و لا نهي عن المنكر، و لا تربية ولد، و لا تدريس فقه، و لا تدريس قرآن، و لا إنفاق مال، و لا إطعام طعام، لماذا أنت تعيش ؟

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل: 21 ]

التوحيد لا يلغي المسؤولية :

أيها الأخوة الكرام ، ليس مألوفاً أن أقرأ لكم رسالة جاءت من أمريكا، لكنني و الله أردت الخير، أردت أن تعلموا أن ما كل شيء وقع يبدو مؤلماً هو في الحقيقة مؤلم، مثلاً عندما حدثنا ربنا عن حادث الإفك قال:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

الإفك في ظاهره شر، معقول أن يقول الناس عن زوجة رسول الله أنها زانية؟ معقول!! ثم يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

التوحيد لا يلغي المسؤولية، فهذا الذي حدث مؤلم جداً، لكن الله سمح به لحكمة يريدها، عملية فرز، عملية امتحان، عملية ذاق هؤلاء ما نذوق نحن خلال خمسين عاماً، هذه الشعوب تذوق الموت؛ موت الأقارب، هدم البيوت، قتل الأطفال، من عشرين عاماً يذوق العالم الثالث الآن ذاقوا هم، ذاقوا بعضه، فأرجو الله سبحانه و تعالى كما أنهم سيستفيدون من هذا الذي حدث لمخططات بعيدة جداً سوف يحققونها أن ندعو نحن من أعماق أعماق أعماقنا لإخواننا المسلمين؛ اللهم انصر الإسلام و المسلمين، اللهم أعز الإسلام و المسلمين، اللهم انصر من نصر هذا الدين و اخذل من خذله، اللهم من أراد بالإسلام و المسلمين خيراً فوفقه لكل خير، و من أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر، و اجعله عبرة لمن اعتبر، اللهم اجعل تدميره في تدبيره، و اجعل الدائرة تدور عليه يا رب العالمين، الله اقصمه يا رب العالمين، اللهم انصرنا على أعدائنا و أعدائك يا رب العالمين، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا، و صلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي و على آله و صحبه و سلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018