بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 042 - تحليل لما يجري من أحداث في العالم .


2001-10-14

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

علامة إيمانك أن تحمل همّ المسلمين :

علامة إيمانك أن تحمل هم المسلمين
أيها الأخوة الكرام: لازلنا في دروس متعلقة بما يحدث حولنا، لأن المؤمن يحمل هموم المسلمين في شتى بقاع الأرض، بل إن علامة إيمانك أن تحمل همّ المسلمين، كلمة تركت في نفسي أثراً قالوا هناك في الغرب: هذا الذي حدث سنستفيد منه إلى أقصى حد.
لعل خططاً كانوا لا يستطيعون تنفيذها إلا بعد عشرين عاماً بدؤوا في تنفيذها الآن، لأنه جاء المبرر وجاء الغطاء، ألسنا نحن أولى ألف مرة أن نستفيد مما حدث؟ هذا محور الدرس، إذا كانوا هناك لسبب شيطاني، ولمكر خبيث، ولحقد دفين، عجلوا خططاً كانوا لا يستطيعون تطبيقها إلا بعد عشرين عاماً بدؤوا بها الآن لأن هذه الأحداث أعطتهم غطاءً، نحن المسلمون من باب أولى أن ننتفع بما حدث إلى أقصى الحدود.
لا تكبر هدفك كثيرا ولا تضع أهدافا مستحيلة
السؤال إذاً ماذا ينبغي أن نعمل؟ قبل أن أتكلم حول هذا الموضوع لابد أن أضع حقيقةً بين أيديكم، هذه الحقيقة والله أنا أعاني منها كثيراً، الإنسان المسلم يرسم هدفاً كبيراً في الوضع الراهن لا يمكن تحقيقه فإن لم يحدث يزهد فيما سواه، إذاً في النهاية لا يفعل شيئاً، مثلاً أنت لا تقبل إلا أن تكون أكبر تاجر في القطر، تريد مئة مليون ومكاتب ومستودعات و مئة موظف وليس معك قرش واحد إذاً لا تعمل شيئاً.
هذه مشكلة المسلمين يضعون أهدافاً مستحيلة فإن لم تطبق هم زاهدون فيما هو بين أيديهم، لذلك كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحالة المستعصية؟ الإنسان لا يقنع إلا إذا تغيرت الأمور كلها في أي بلد إسلامي وهذا شيء مستحيل، لست واقعياً أنت تحلم، هذا خيال، كيف عالج النبي هذا الموضوع؟ قال عليه الصلاة والسلام:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[البخاري عن ابن عمرو ]

تبليغ ما تعرفه إلى من تعرفه هو ضمن امكانياتك
لست مكلفاً أن تنال دكتوراه في الشريعة، ولا أن تكون خريج الأزهر، ولا أن تكون فصيح اللسان، ولا أن تنطوي على علم غزير، أنت مكلف إن استمعت في الخطبة إلى آية واحدة أن تنقلها لغيرك، هذا اسمه الجهاد الدعوي، وهذا ما يحتاجه المسلمون، بلغوا عني ولو آية، لست مكلفاً أن تكون من كبار الدعاة، ولا من أعلم العلماء، أنت مؤمن عادي تحمل شهادة ثانوية، لك مجلس علم تحضر خطبة، أكرر: لا نقبل إلا تعديل جذري لكل شيء، هذا غير واقعي إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. ترى المسلمين إما أن يسلكوا طريقاً ما فعله النبي أبداً طريق العنف فيسهموا في إرباك الأمر إلى أمد طويل، وإما أن يستسلموا لواقعهم السيئ فيذوبوا في واقعهم، هذا ما أفلح وذاك ما أفلح، ما الذي ينبغي أن نفعل؟ ينبغي أن تطبق توجيه النبي الكريم.

من صدق مع الله أجرى الله على يده الخير :

لماذا كان الجهاد الدعوي في القرآن الكريم مفضلاً على الجهاد القتالي؟ لأن الجهاد القتالي تمهيد للجهاد الدعوي، فإذا أمكنك أن تتعلم القرآن وأن تعلمه، إذا أمكنك أن تربي إنساناً وأن تعرفه بالله، إذا أمكنك أن تنطق بكلمة الحق، إن أردت بإحسانك أن تستجلب القلوب إليك، بإحسانك، بخبرتك، بمالك، بلطفك، بعلمك، لابد من أن تتحرك، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن إلا تعبر عن ذاتها بحركة، ليس في عالم المؤمنين مؤمن سكوني لا يتحرك، يأكل ويشرب وينام، والله أنا لا أنتقد أحداً - معاذ الله - وقد يكون هذا الذي أنتقده أفضل مني، لكن تجد إنساناً منذ ثلاثين سنة ما قدم شيئاً أبداً، يحضر دروس العلم ما قدم شيئاً، لا يخطر في باله أن يقدم شيئاً، لا شيء من جهده، ولا من خبرته، ولا من صنعته، ولا من حرفته، ولا من ماله، ولا يحل مشكلة، ولا يعاون أخاً، ولا يتبنى داعية إطلاقاً، سكوني سلبي المؤمن يقدم ما يستطيع
أما يقول لك: الدرس رائع. هذه سمعناها ألف مرة، ما قيمة الدرس الرائع إن لم يترجم إلى واقع؟ ما قيمة المتكلم إن لم يؤثر في المستمعين؟ لماذا كان فعل النبي عليه الصلاة والسلام معجزة؟ لأنه في ربع قرن غيّر وجه الأرض، إنسان واحد غيّر وجه الأرض لأنه صدق مع الله، كلنا ضعاف ولكننا بالله أقوياء، بالله نصنع المستحيل، الشيء الذي لا يمكن أن تتصوره يمكن أن تفعله إذا كنت مع الله.
أحد طلاب العلم تقدم بطلب إلى جامعة الأزهر، وجد المناهج صعبة أخذ قراراً أن يدع الدراسة، جالس في البيت رأى نملة صعدت على الحائط، وقعت أعادت الكرة وقعت أعادت الكرة وقعت، عد محاولاتها فكانت ثلاثاً وأربعين محاولة، فهذه النملة علمته درساً لا ينسى.
نحن أول محاولة يوجد صعوبة لا يريد، مرتاح، أي عقبة تظهر، قال أحد كبار العلماء: العبقرية تسع وتسعون عرق وواحد بالمئة إلهام. العبقرية قفزة في المجهول، إشراق، يسمونه الحدث الإبداعي فكرة تومض، لكن هذه الفكرة التي تومض سبقها جهود جبارة من المحاولات، فكان هذا الوميض وذاك الإشراق ثمنه تلك المحاولات.
النجاح يأتي من المحاولة والجهد
لا أنسى هذه القصة أن رجلاً عامياً من صعيد مصر ذهب ابنه إلى جامعة الأزهر وعاد خطيباً، هذا الإنسان عمره خمس وخمسون سنة رأى ابنه يخطب أحبّ أن يكون عالماً ولكن أين؟.
زارني أخ من لبنان فقال لي: هنئني، قلت له: لماذا؟ قال: نلت الليسانس وأنا في السبعين من عمري. كنت في لبنان قبل شهر فالتقيت به ثانيةً فقال لي: أعرفتني؟ قلت له: الذي أخذت الليسانس بالسبعين قال: هو أنا.
أخ آخر في الخامسة والخمسين حفظ كتاب الله، طموحه أن يكون إمام مسجد وصار إمام مسجد.
هذا الذي رأى ابنه أصبح إمام مسجد ركب دابته واتجه نحو القاهرة يبحث عن الأزعر، وهو قصده الأزهر وهو لا يعرف اسمه، هو إنسان أمي - قصة طويلة ذكرها لي أحد علماء دمشق وأنا أظن أن القصة صحيحة - وأنا ليس معي دليل آخر إلا أنني سمعتها من فم عالم، هذا تعلم القراءة والكتابة وقرأ القرآن وطلب العلم وما مات إلا شيخ الأزهر، مات في السادسة والتسعين، ما دام القلب ينبض يمكن أن تفعل كل شيء.
حدثني أخ قال: دخل إلى إنسان مريض مرضاً لا يحتمل، لا يستطيع أن يفعل شيئاً، شلل كامل لا يسمع، ولا ينطق، لكن يحرك رأسه فكتبوا له لوحة فيها كل الحروف يأتي ابنه يضع المؤشر على حرف حرف ليعبر له عما يريد.
سمعت قصة رويتها لكم كثيراً امرأة أصابها ورم خبيث في دماغها نذرت إن شفاها الله أن تعمل عملاً طيباً ولا تملك من الدنيا شيئاً فشفاها الله، وهي تتقن الطبخ فقط، وهي فقيرة فأصبحت تطبخ للأسر الغنية، وتبيع الطعام، والربح تعالج به الفقير، عالجت ستين إلى سبعين مريضاً بهذه الطريقة، تستطيع أن تفعل كل شيء، كلنا ضعاف، ضعاف إذا اعتمدنا على ذواتنا أقوياء بالله، أنت حينما تصدق بالطلب يجري الله على يدك الخير.

الأعمال الصالحة لا تعد و لا تحصى :

درسنا اليوم ماذا ينبغي أن نعمل؟ حدث الذي حدث والله عز وجل الآن، قال تعالى:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[ سورة آل عمران: 179 ]

هذا الذي حدث يحدث دائماً، قال تعالى:

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب: 10-11 ]

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 23 ]

فأنا أقول لكم أيها الأخوة: إن أتيت إلى هذا المسجد وأنا والله أرحب بك، وأكبر حضورك، وأثمن عملك، وأشكرك لأنك حينما تأتي إلى الدرس تشجع الآخرين، لو الدرس لم يحضره سوى اثنين أو ثلاثة يزهد الناس فيه، إن كان هناك إقبال على الدرس أنت تساهم بشكل أو بآخر بتحبيب الناس في العلم، إذا جاء إنسان أول مرة وجد ازدحاماً، وجد إقبالاً، يستنتج استنتاجاً أنه يوجد في الدرس شيء ثمين، فأنت حضورك ساهم وأنا والله أشكرك ولكن أتمنى أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً، الآن والله يوجد أخطار تتهدد العالم الإسلامي في كل قاراته، وكما تعلمون أن العدو غني وقوي وذكي ولا يرحم، ما الذي ينجينا من بطشه؟ أن نكون مع الله، أن نصطلح معه ما ينجينا من بطش العدو أن نكون مع الله
ذكرت نقطة في خطبة قبل أسابيع أن هناك سبباً لهلاك الأمم، الوسائل متنوعة العبرة ألا يكون في حياتنا سبب لهلاكنا، أمة قد تهلك بزلزال ليس له علاقة بالسياسة إطلاقاً، أمة تهلك بالجفاف، أمة تهلك بأن بأس الأمة فيما بينها، حرب أهلية، أمة تهلك بعدوان خارجي، أنماط الهلاك لا قيمة لها، العبرة أن هناك قراراً عند الله بإهلاك أمة، تارةً يرسل عليها من السماء حاصباً، تارةً صواعق، تارةً زلازل، تارة صواريخ، تارةً ألغام، تارةً حرب أهلية، تارةً مرض، تارةً جفاف، هذه الأشكال لا قيمة لها، العبرة أن هذه الأمة فيها سبب هلاكها، نحن مسلمون محسوبون على الإسلام، نحن مسلمون، ونحن نبينا محمد، ونحن خير أمة أخرجت للناس، ونحن عندنا خاتم الأنبياء، هذا كله لا يقدم ولا يؤخر، قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

الصحابة بذلوا أرواحهم، تركوا أوطانهم وأموالهم، تركوا تجارتهم، تركوا أهلهم، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

مدفوع ثمن هذا الدين، مدفوع ثمن كبير جداً لهذا الدين، صحابة كرام نذروا الغالي والرخيص، وخرجوا من بلادهم إلى هذه البلاد ففتحوها، نحن ماذا كلفنا؟ ماذا نفعل؟ ما الذي نقدمه لهذا الدين؟ أقل شيء قدم جهاداً دعوياً، ألا تستطيع أن تتولى إنساناً بالرعاية؟ أن تتكفله؟ أن تزوره؟ أن تعطيه شريطاً؟ أن تأخذ بيده؟ أن تسهر عنده؟ أن تزوره؟ أن تقنعه؟ أن تجلبه إلى الحق؟ هذا أعظم عمل لأن الباطل يتنامى، والباطل قوي جداً و يتنامى وعنده أساليب عجيبة جداً، فالباطل بيده كل شيء.

 

من طبق الإسلام في بيته و عمله قدّم للمسلمين كل شيء :

فرض الغرب علينا إرادته وأسلحته
نحن في امتحانين، كان دورنا نحن بالامتحان الصعب امتحان ضعف الإسلام وقوة أعدائه، أعداؤه أقوياء جداً لا يوجد تناسب بين من يَضرب وبين من يُضرب، قوة أعدائنا فرضت علينا ثقافتهم، قوة أعدائنا فرضت علينا أسلحتهم، قوة أعدائنا فرضت علينا إرادتهم، نحن هكذا نجتر آلامنا أو نقول كالعوام السذج ترتيب سيدك هذه كلمة حق أريد بها باطل، أنت ماذا تفعل؟ أنت لا تستطيع أن تمنع قوى البغي عما تفعل، ولا تقدر أن توجه الطرف الآخر توجيهاً صحيحاً، لكن ألا تقدر أن تكون سيد بيتك؟ ألا تقدر أن تضمن لي بيتك من أن يقع فيه معصية؟ ألا تقدر أن تكون صادقاً في عملك؟ وقافاً عند كتاب الله؟ لا غش، ولا تدليس، ولا كذب، ولا مبالغة، ولا احتكار، ولا بضاعة محرمة شرعاً، ولا علاقة ربوية، ألا تقدر؟ ألا تقدر أن تصلي أنت وأهلك؟ عليك أن توجه أهل بيتك للحق
مليون شيء متاح لكم أن تفعلوه، المشكلة أيها الأخوة المؤلمة جداً أن المسلمين تركوا ما كلفوا به وندبوا عن شيء ما كلفوا به، نحن ضعاف لا نملك أن نمنع الأقوياء أن يهاجموا الضعاف، ولا نملك أن نمنع الضعاف أن يفعلوا ما فعلوا، لا نملك، ولكن أملك بيتي وعملي، فحينما أطبق الإسلام في بيتي وعملي قدمت كل شيء.
إنسان لا يستطيع أن يفعل شيئاً غير موجود، لا يوجد إنسان إلا وبإمكانه أن يفعل شيئاً، كنت أقول: الأعمال الصالحة لا تعد ولا تحصى، كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء ضيف يتنافسون على ضيافته، أحياناً يأتي أخ من الشمال من حلب، حمص، لبنان، أين ينام؟ الذي عنده غرفة نوم زائدة وغرفة أولاده زائدة هذا عمل عظيم، أنت عندما تستقبل ضيفاً جاء لله، جاء يستمع إلى درس علم يجد أربعة أشخاص أو خمسة دعوه هذا عمل، ألا تستطيع أن تجلس مع أولادك تنصحهم؟ ألا تستطيع أن تزور أختك وتنصحها؟ أنت اسأل اليوم ماذا فعلت؟ اليوم كنت في تعزية قلت: كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر، أنا أقول لكم كلاماً قد يكون مزعجاً هل يوجد إنسان منا يمكن أن يستيقظ كل يوم كالبارحة دائماً؟ أنا أتحداكم وأنا معكم لا يوجد إنسان يومه كغده، من أين تبدأ لا أحد يعلم، تبدأ من الرئة، من الدماغ، يوجد مغادرة، يوجد بوابة الخروج، انظر إلى دقة كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال: مرض الأجل هو بوابة الخروج من الدنيا

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ أُرَاهُ رَفَعَهُ قَالَ مَنْ عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ شَفَاهُ اللَّهُ إِنْ كَانَ قَدْ أُخِّرَ يَعْنِي فِي أَجَلِهِ ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

معنى هذا يوجد مرض، مرض الأجل، هذا المرض اسمه بوابة الخروج، فإذا كان أخوك مريضاً بمرض لا علاقة له ببوابة الخروج ووقفت عند رأسه وقلت سبع مرات: بسم الله رب العرش العظيم اشفه من مرضه، قال عليه الصلاة والسلام:

((...شفاه الله ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

إذا لك أخ مريض، وذهبت وزرته وتعاطفت معه، ودعوت له أليس هذا عملاً عظيماً؟ عيادة المريض، رعاية اليتيم، لك قريبة فقيرة بطرف المدينة. من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.

العمل الصالح علة وجود الإنسان بعد الإيمان و الاستقامة :

واقع المسلمين سيئ
أخواننا الكرام ، كلمة تغيير كلمة براقة يوجد واقع سيئ، يوجد واقع للمسلمين سيئ، يوجد تمزق، تشرذم، جهل، بدع، خرافات، سذاجة، ضعف، كسل، خصومات، تمزقات، هذا واقع المسلمين، ألا تستطيع أن تكون في الحد الأدنى قدوةً؟ ألا تستطيع ألا تقع في أخطاء الآخرين بالحد الأدنى؟ أنا أقول كلاماً متعلقاً بما جرى كيف نستفيد مما جرى؟ نتحرك، كيف نتحرك؟ نتماسك، التماسك مهم جداً، نربي أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة، نعين بعضنا بعضاً.
والله أخ من أخواننا أكبرته إكباراً لا حدود له رغب أن يغير شيئاً في حياته إلى شيء أرقى والفرق مبلغ جيد فزوج به شاباً، رغبت أن تطور حياتك وحياتك السابقة لا بأس بها الفرق زوجت به شاباً، أبواب الخير لا تعد ولا تحصى، بالمناسبة وأنا متأكد مما أقول: إن علة وجودك أن تعمل عملاً صالحاً، والدليل حينما يأتي ملك الموت لا يقول الإنسان ربي أرجعوني لعلي أكمل البناء أو أبيع البضاعة يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * عَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

علة وجودك العمل الصالح طبعاً بعد أن تؤمن بالله الإيمان الذي يحملك على طاعته، وبعد أن تستقيم على أمره، ليس أمامك إلا العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعك، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
حجمك عند الله بحجم عملك الصالح
مرة دعينا إلى افتتاح مسجد في الصبورة، سبحان الله الإنسان الذي أسسه ما أخذ من أحد درهماً بكامل نفقاته، صافحنا عند مدخل المسجد، ودعانا إلى طعام الغداء، وألقيت كلمات رائعة، ثم انصرفنا حيث جئنا، في الطرف الثاني يوجد ملهى، هكذا حدثني بعضهم كل أنواع الموبقات في هذا الملهى، الموبقات الغير المألوفة في البلد، نساء شبه عرايا يقدمن الضيافة، قمار، ورقص، وخمور، صاحب الملهى مات بعد أسبوع من افتتاحه. بعد حين لو أن الذي أنشأ هذا المسجد توفاه الله عز وجل كلاهما تحت أطباق الثرى، ولكن أحدهم أسس مسجداً والآخر أسس ملهى.
الآن إذاعات القرآن الكريم علماء كبار الآن تحت أطباق الثرى ميتون لكن دروسهم تملأ كل هذه الإذاعات، ويوجد مغنون أيضاً أغانيهم ملء الأسماع، كلاهما تحت أطباق الثرى، لذلك بطولتك أيها المؤمن أن يكون لك عمل يستمر بعد موتك، الموت محقق، الموت قرار متخذ بحقنا مع وقف التنفيذ، وكل إنسان مبرمج على هذا.
أخ من أخواننا حدثني هم عدة إخوة أحد هؤلاء الأخوة وضعه كان سيئاً جداً فالطبيب قال: انتهى خلال ساعتين سيموت، سلموا الغرفة واكتبوا النعوة، ففعلوا ذلك، و لكن الذي كتب النعوة مات قبل المريض بسنوات، ممكن حينما تبرمج نفسك أن الموت حق ولابد من مغادرة الدنيا، ماذا ينزل معك في القبر؟ قصة لا أنساها حتى الموت، التقيت مع إنسان في معمل، صار بيننا حديث فدعانا إلى سهرة، أصبحت هذه السهرة كل خميس، سهرة لله، نوع من أنواع الدعوة إلى الله، ما شاء الله هو عنده معمل، وعنده أذواق عالية جداً في بيته، في أثاث بيته، في ترتيباته، سياراته، رحلاته إلى أوربا كل فترة، بعد ذلك توفي، اتصل بي ابنه وقال لي: توفي الوالد رحمه الله، فمن واجبي أن أحضر الجنازة، وأنا والله لا أزكي على الله أحداً أظنه صالحاً، ولكن جاء عالم من علماء دمشق وهو كان تلميذه فأراد أن يؤبنه ويلقي كلمة قبل أن تشيع جنازته، وأنا قد حفظت الكلمة عن غيب اترك أثرا قبل أن تموت
قال: أخوكم كان مؤذناً ترحموا عليه وانتهت الكلمة، أنا صعقت ألا يقال كلمة ثانية؟ فكرت ماذا يقول؟ هل يتحدث عن بيته في هذا الوقت؟ هل يتحدث عن نجاح معمله؟ عن سيارته؟ لا يتكلم، يتكلم ماذا ترك من عمل صالح؟ كان مؤذناً، طبعاً مؤذن ليس حرفة بل هواية.
اعمل عملاً يتحدث عنك خمس دقائق، تركت أثراً، ربيت ابناً، ربيت ابناً طالب علم شرعي داعية، ربيت بنتاً، من جاءه ابنتان فأحسن تربيتهما فأنا كفيله في الجنة ، ربيت ابنتين طائعتين مسلمتين منيبتين محبتين لله عز وجل، تبنيت داعية، سبحان الله! هذه البلد مباركة فيها الكثير من طلاب العلم، والله أنا واثق من حفظ الله لهذه البلد، لست قلقاً أن ينالها أذى مما يخافه بقية المسلمون، ولكن لا يكفي أن تقول: نحن شام شريف. إنسان ذهب إلى تركيا من الشام تباركوا به بشكل غير معقول، لكن هو بعيد عن الدين بعد الأرض عن السماء، قالوا له: اقرأ لنا قرآناً وهو لا يحفظ الفاتحة فغنى لهم أغنية بكوا كثيراً وهم يظنونه قرآناً.

 

الإنسان بالعمل الصالح يسعد وبالاستقامة يسلم :

أخواننا الكرام: كلام فيصلي أنت بالاستقامة تسلم ولكن لا تسعد، بينما بالعمل الصالح تسعد وبالاستقامة تسلم، أنا أدعوكم كما قال بعض من في الغرب: سوف نستفيد مما حدث إلى أقصى الحدود. أنا أقول لكم وأنتم أيها المؤمنون ينبغي أن تستفيدوا مما حدث إلى أقصى الحدود، أن نعود إلى ربنا، أن نبرمج أنفسنا برمجةً أخرى، أن نضع أهدافاً غير الأهداف التي كنا نضعها سابقاً، الهدف الأول إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي. أن نجهد في نشر هذا الدين، في ترسيخ مبادئه، في تعزيز قيمه، الكافر متى يحتقر الدين؟ حينما يرى إنساناً له زي إسلامي ولكنه يكذب، لا يتقن عمله، الآن المشكلة أن الكافر متشبث بكفره لماذا؟ لأنه يرى المسلم على غير ما ينبغي أن يكون، يراه على غير ما ينبغي أن يكون، يتوهم أن الكفر هو الحق وأن هذا الدين هو الباطل.
الموقف العملي الذي هو ردّ على ما حدث أن نقوم بانتفاضة، وهي عبارة مستعملة الآن استعمالاً واسعاً جداً، ولكن انتفاضة من نوع آخر انتفاضة دينية، راجع كل معتقداتك، راجع كل عاداتك وتقاليدك.

الدعاء هو العبادة :

مرة أخ - قصة لا أنساها - زارني بدرس الأحد وقال لي: أرسلني إليك فلان، فلان صديقي مدير قسم كبير في معمل نسيج ضخم توفي رحمه الله بحادث وكان هذا الرجل معاونه، كان مدير مصبغة وهذا كان معاونه وهو مهندس قال لي: أنا أستاذ مهندس درست في رومانيا، ولي مكانتي، ولي خبرتي، ودخلي جيد، ولكن أنا مصاب بالصرع تأتيني هذه النوبة بمكتبي وحولي موظفون، ألقى على الأرض وأضطرب، مرة في بيتي ومرة في الطريق ومرة في السيارة، قال لي: الدنيا كلها سوداء في عيني هل عندك حل ؟ قلت له: يا بني هذه قضية طب وأنا لست طبيباً، قال لي: أريد بالدين هل يوجد حلّ؟ أنت رجل دين هل يوجد حل في الدين؟ وهو أحرجني فتورطت قلت له: أنا يا بني أعتقد أن الله عز وجل حينما قال:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء: 147]

الله ليس له مصلحة أن يسوق لإنسان شيئاً مزعجاً إذا كان عقيدته سليمة وعمله طيب، قال لي: هكذا تقول، قلت له: نعم هذه الآية:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء: 147]

فقال لي: ماذا مطلوب مني أنا؟ أول مرة أخ يكون عندي في البيت يخرج من جيبه ورقة وقلماً وقال لي: اكتب كل شيء أنفذه كي يشفيني الله، أنا أحرجني، فقلت له: تغض بصرك فكتب غض البصر، فقال لي: أنا ألعب طاولة، فقلت له: ممنوع لعب النرد فكتب، فقال لي: أنا أتكلم مع جارتي وأنظر إليها، فقلت له: ممنوع، والله أذكر يا أخوان أنه كتب ثلاثين بنداً، من حرقة قلبه ما هذا المرض حطمه تحطيماً، بعدما ذهب أنا ندمت أشد الندم، يوجد معه مرض مستعص، والصرع ليس قضية سهلة، وهو مرض مستعص الآن، ذهب وعاد الأحد الثاني إلى الدرس لكنه كان مبتسماً والله، قال لي: أول أسبوع بحياتي ما جاءتني أية نوبة، لكن صدقه بتطبيق البنود غير طبيعي، فقلت: يا رب سلم، لو فرضنا انتكس مشكلة، إن جاءته نوبة كان هذا الكلام كله فارغاً، في الأحد الثاني أحد يا رب لك الحمد بيضت وجهي، أذكر أن أربعة أسابيع لم يحصل معه شيء، الأحد الخامس ما جاء قلت في نفسي: جاءته نوبة، الأحد السادس جاء وقال لي: جاءتني نوبة يا أستاذ ولكن أنت ليس لك علاقة، فقلت له: لماذا ؟ فقال: لي صديق قديم زرته وجاءت زوجته وجلست معنا وضحكنا وسررنا بالطريق جاءتني النوبة.
هو ساكن في بيت ليس مستقلاً به، وهو من حوران وساكن بغرفة في بيت وفيه اختلاط، فقال لي: أريد بيتاً لوحدي والله كان هناك أزمة سكن يمكن أصعب أزمة مرّ بها البلدن و لكنه وجد بيتاً بركن الدين بثلاثمئة ليرة مستقل وطابق والله بقدرة قادر. رأيته منذ سنتين بحلب أيضاً الله عافاه. يوجد مبادئ في الإسلام:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[ سورة النساء: 147]

اصطلحوا مع الله وادعوه
أنتم اصطلحوا مع الله، هذا الحديث والله أنا لا أمله، كلما شكا لي إنسان شيئاً أقول له: صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، سيدنا سعد يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل - ومعنى رجل أي بطل - وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس - يقول من هذه الثلاثة- ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى"، كلام النبي وحي من عند الله، فالنبي يروي عن ربه وهذا من أرقى الأحاديث:

((إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))

[متفق عليه عن أبي جعفر]

الذي عنده مشكلة، عنده أزمة، عنده لا سمح الله مرض، له عدو يخوفه، له شريك صعب، له ظرف معين، فباب الله مفتوح، والدعاء هو العبادة، الله عز وجل ماذا قال؟

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 77]

أنت لا تدعو جهةً إلا إذا آمنت بوجودها، ولا تدعو جهةً إلا إذا أيقنت أنها تسمعك، ولا تدعو جهةً إذا إلا أيقنت أنها قادرة على تلبية طلبك، ولا تدعو جهةً إلا إذا أيقنت أنها تحب أن تلبي طلبك، أي آمنت بالله موجوداً وسميعاً وبصيراً وعليماً، إذا تكلمت فهو سميع، تحركت بصير، سكت عليم، وآمنت أنه على كل شيء قدير، وآمنت أنه يحب أن يرحمك.
أخ من أخواننا في مقتبل العمر صار معه ورم في الرئةأ ذهبت إلى بيته والله بكيتأ لا يوجد أملأ المرض بالدرجة الخامسة، أخذوا خزعات في الشام وفي بريطانيا، يملك بيتاً ممكن أن تعمل له عملية غالية جداً تكاليفها ثمن بيته، مع أن بيته فخم جاءه إرث وهو موظف، فإذا بهذا المرض يتراجع ذاتياً والقصة من ثماني عشرة سنة والآن هو حي يرزق.
وإذا مرضت فهو يشفين قضية إيمان.

 

زوال الكون أهون على الله من أن يخيب ظنّ الإنسان :

اسمحوا لي بكلام لعله قاسٍ قليلاً قال تعالى:

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 126]

كم مسلم قابض هذه الآية؟ طبعاً الكل يسكت ويحترم القرآن لكن عملياً هل يرى أن الله قادر أن ينصر الضعيف الذي لا يملك شيئاً على القوي الجبار؟ قادر ولكن تحتاج إلى إيمان، إذا الله عز وجل قال:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل: 97]

وعد إلهي ليس له علاقة لا بالمكان، ولا بالزمان، ولا بالظروف، ولا بالكساد، ولا بأزمة السكن، إله يقول لك:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[ سورة النحل: 97]

مثلاً المرأة كم امرأة تصدق؟؟

(( انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

كم امرأة مسلمة وكم امرأة مسلمة داعية هذا الحديث تعمل به؟ تقول لك: هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ولكن هل تعمل به؟ فرق كبير بين أن تنطق بكلمة مئة ألف وبين أن تملكها، النطق سهل، كل مسلم ينطق بكل الأحاديث ويقرأ القرآن لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تنطق بهذه الآيات وبهذه الأحاديث وبين أن تعيشها، فنحن حينما نؤمن بأن الله هو الفعال، وأن الأمر كله بيده، وأن يد الله فوق أيديهم، وأن الله في السماء إله وفي الأرض إله، و أنه:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 26]

أنت حينما تؤمن أن الله هو الفعال، زوال الكون أهون على الله من أن يخيب ظنك، أبداً.

شدة أدب النبي صلّى الله عليه و سلم :

المسلمون عندما حاربوا الدولتين العظمتين الفرس والروم تقريباً هذا يشبه دولة من العالم الثالث نائية متخلفة لا يوجد فيها شيء تحارب دولة كبريطانيا أو فرنسا أو أمريكا.
سيدنا رسول الله حينما رأى في المسجد عدي بن حاتم وكان ملكاً والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا الأدب قال:

(( عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ أَنَّ عَائِشَةَ مَرَّ بِهَا سَائِلٌ فَأَعْطَتْهُ كِسْرَةً وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَهَيْئَةٌ فَأَقْعَدَتْهُ فَأَكَلَ فَقِيلَ لَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ))

[ أبو داود عن مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ]

فمن شدة أدبه دعاه إلى بيته، قال: في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة تكلمه في حاجتها، فقال: علمت أنه نبي مرسل وليس بملك، هذا موقوف نبي.
سيدنا عمر رآه قد اضطجع على الحصير وقد أثّر في خده الشريف فبكى عمر، فسأله النبي لمَ تبكي يا عمر؟ قال له: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير، قال له: يا عمر ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟ يا عمر إنما هي نبوة، يا عمر أفي شك أنت؟ قال له: لا والله، النبوة شيء والملك شيء آخر.
فلما وصل إلى بيته ألقى إليه وسادة من أدم محشوة ليفاً و قال له: اجلس عليها، قلت: بل أنت، قال: بل أنت. قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض، هذا ملك؟ قال: إيه يا عدي بن حاتم- انظر إلى المنطق- ألم تكن ركوسياً - دينك ركوسي-؟ قال له: بلى، قال: أولم تسر في قومك بالمرباع؟ قال: بلى، قال: فإن هذا لا يحل في دينك- نقاش منطقي، دينك الذي تعتنقه لماذا تخالفه؟ يوجد تناقض بحياتك- فعلمت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل- الآن اسمعوا ثلاث جمل من رسول الله وكأنها تنطبق علينا مئةً بالمئة- قال له: يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول بهذا الدين ما ترى من حاجتهم- أي من فقرهم، فقر، وجفاف، وكساد، وقلة مياه، وقلق...- أليس كذلك يا عدي؟ و ايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، أحياناً إنسان يستصغر الفقير ويعظم الغني لفساد في مقاييسه، ورب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.

على كلّ إنسان البحث عن عمل نظيف :

مرة زرت إنساناً له عمل مهم جداً، الغرفة التي يجلس فيها شرحها يطول جداً، أولاً معزولة بالخشب الجميل جداً، لا يوجد ضجيج أبداً، ثانياً الأرض مفروشة بنوع من الفرش نادر جداً، لاحظت قطعة من النبات ثمنها فوق العشرة آلاف ليرة، نبات جميل، والله قال لي بالحرف الواحد: أنا عملي اسمه - ديرتي وورك - العمل القذر، إذا كان هناك بضاعة محرمة تبيعها؟ إذا أفلام إباحية تبيعها؟ وأن أقول مثلاً وهو ليس كذلك.
سبحان الله في اليوم التالي أصاب مركبتي خلل، ذهبت إلى أخ من أخواننا بطرف دمشق، وكان هناك مطر شديد ووحل، ولا يوجد مكان في الكراج لسيارتي، فأوقفها على الرصيف وتحتها وحل وانبطح تحتها، يلبس أفرول كان لونه أزرق عندما اشتراه لكن بعد سنتين ليس له لون، يا ترى زيت أم شحم أو وحل لا أعرف، فك القطعة وأصلحها وأتقن إصلاحها وأخذ أجرة معتدلة، فأنا وازنت بين كلمة عملي قذر وبين العمل هذا، قلت: والله العمل هذا نظيف، هل ترى الوحل والزيت والشحم والمطر والعمل الشاق وغير المريح هذا عمله مريح. أنت ابحث عن عمل نظيف.

(( إن روح القدس نفثت في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في الطلب، واستجملوا مهنكم ))

[حديث صحيح بشواهده، ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية والحاكم وابن حبان عن جابر]

ملاحظتان مهمتان :

إذا كان عملك شرعي ملكت الدنيا
أخواننا الكرام ، ملاحظتان مهمتان بيتك عملك وزوجتك ألصق شيء بك، البيت يتغير أما عملك إذا كان مبنياً على معصية فمشكلة، إذا عملك مبني على إيذاء الناس مشكلة، إذا عملك مبني على تحبيب الناس بشيء من الدنيا مشكلة، أما إذا عملك مئة بالمئة شرعي، إذا كانت زوجتك مناسبة وعملك مناسب فأنت ملكت طرفي السعادة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بما جرى، أن ننتفع بتوبة نصوح، أن ننتفع بطلب علم، أن ننتفع بحركة إلى الخير، ممكن بالمال، ممكن بالجاه، ممكن بالجهد، ممكن بعضلاتك، ممكن بخبرتك، ممكن بعلمك، ممكن بطلاقة لسانك، لا يوجد إنسان لا يملك شيئاً إما أن يكون هذا الشيء مالاً، يوجد فلان عنده طلاقة لسان، إنسان عنده ذكاء، إنسان عنده قوة إقناع، إنسان عنده خبرة، إنسان عنده اختصاص معين مترجم، الآن دققوا هذا الحظ الذي منحك الله إياه يمكن أن يوظف بالحق فأنت أعلى إنسان، ويمكن أن يوظف بالباطل فأنت أدنى إنسان، ويمكن أن يوظف بما هو مباح لا حق وباطل فأنت خاسر، إذا وظفته بغير الحق فأنت خاسر، بالباطل آثم، فبين أن تكون ناجحاً أو خاسراً أو مجرماً، فمالك يرفعك إلى أعلى عليين إذا لم تنفقه في معصية، ولكن إن لم تنفق منه شيئاً وجاء من بعدك فأنفقه في طاعة، قالوا: أندم الناس رجلاً دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار، أندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة ودخل هو بعلمه النار.

المؤمن الصادق خلوته كجلوته وسريرته كعلانيته وظاهره كباطنه :

لذلك أيها الأخوة أنا ترتعد مفاصلي من أدعية أربعة، الدعاء الأول:" اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني" معقول تتعلم آية او حديثاً وعندك طلاقة لسان وتشرح الآية والحديث ويأتي من يستمع إليك وينتفع بها ويسعد بها وأنت لست كذلك.
" اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك" ألم يقل الله:

﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾

[ سورة سبأ: 19]

ألا يكون الإنسان قصة، عبرة، موعظة.
الدعاء الثالث: " اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ألتمس فيه أحداً سواك". كلمة حق أريد بها باطل.
والدعاء الرابع: " اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك". يمكن أن تلبس ثوباً أبيض يوم الجمعة، تتعطر بالمسك، وتحمل مسبحة تركواز، وتأتي إلى المسجد، أين كنت تسهر يوم الخميس؟ هذه بينك وبين الله، لذلك:

(( لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ؟ جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

لا يوجد ازدواجية عند المؤمن
المؤمن الصادق خلوته كجلوته، وسريرته كعلانيته، وظاهره كباطنه، يوجد توحد لا يوجد ازدواجية أبداً.
يوجد قصة ما أكملتها... قال: يا عدي لعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجته وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه.
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، كيف تشاهدون الآن هل يوجد أحد معنا؟ مؤتمر العنصرية في جنوب إفريقيا دول أوربا بأكملها قالت: إذا كتب في التوصيات إسرائيل دولة عنصرية ينسحبون جميعاً من هذا المؤتمر، هي ليست عنصرية الإنسان يكاد أن يخرج من جلده.
ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة لهم.
الثالثة: ولعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، مراكز القوى ليست عند المسلمين، المسلمون ينتظرون التعليمات خائفون، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف. قال: ولقد عاش عدي بن حاتم حتى رأى كل ذلك.

دفاع الله عن المسلمين لا يكون إلا بطاعتهم له :

الله موجود ولن يتخلى عن المؤمنين، ولكن ينبغي أن نكون عند حسن ظن الله بنا، والله لو آمنا الإيمان الذي أراده الله لسارت الجبال من أجلنا، شيء واضح، شيء بسيط، تدخل إلهي مباشر، ذكرتها كثيراً في السابع والعشرين من رمضان قبل أربعة أعوام أراد اليهود أن يأخذوا رهائن من جنوب لبنان ليلة القدر، فهيئوا طائرتين مروحيتين، فيهما مئة وخمسة وعشرون ضابطاً، وكل واحد منهم كلف خمسة ملايين سلاح أبيض، صراع ياباني، لغات محلية، كومبيوتر، أجهزة حديثة، هؤلاء الكوماندوس على مستوى عال جداً، وقعت الطائرة العليا فوق السفلى ووقعتا فوق مستعمرة في إسرائيل، ومنذ أن أسست إسرائيل حتى الآن لم تمن بهزيمة كهذه الهزيمة، هذه مباشرة من الله عز وجل، طائرة فيها سبعة وستون عالماً جاءها صاروخ منذ يومين، إذا تدخل الله مباشرةً ينهي كل شيء، ولكن نحن مهمتنا أن نكون أهلاً كي يتدخل الله لصالحنا. لأنه يوم الأحزاب أرسل الله عز وجل سيدنا نعيم بن مسعود و هو واحد، قال نعيم: يا رسول الله جئتك مسلماً آمرني ماذا أفعل؟ قال: أنت واحد؟ قال له: خذل عنا، بتوفيق عجيب حدث اليهود حديثاً وحدث قريشاً حديثاً أوقعت فيما بينهما، وهبت رياح قلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
فإذا تدخل الله يحسم الموضوع، فنحن نرجو الله أن نكون أهلاً ليدافع عنا، ولن ننجو من عذاب الله إلا بطاعته، لا ملجأ منك إلا إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018