بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة المطففين - تفسير الآيات 01 – 06 ، معنى التطفيف وعقابه


1984-10-26

السورة التالية تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 قال بعض علماء التفسير: هذه السورة تتحدَّث عن نوعٍ من علاقات الناس بعضهم ببعض، وقد جاءت بين السور المكية التي تتحدث عن الإيمان بالله عزَّ وجل، فلو دققت في موضوع هذه السورة لوجدته مغايراً لكل السور المكية التي جاءت قبلها والتي جاءت بعدها.
 قال بعض علماء التفسير إن هذه السورة جاءت بهذا الشكل تأكيداً إلى أن التقصير في حقٍ صغيرٍ من حقوق البشر موجبٌ للهلاك، فكيف التقصير بأكبر حقٍ من حقوق الإله!! إذا طففت في الوزن أو في الكيل فهذا موجبٌ للهلاك يوم القيامة، فكيف إذا أنكرت الخالق؟ فحكمة مجيء هذه السورة في الجزء الأخير من كتاب الله حيث الحديث عن السماوات والأرض، والحديث عن اليوم الآخر، والحديث عن عظمة الله عزَّ وجل، وكلُّكم يعلم أن السور المكية ترسِّخ الإيمان بالله عزَّ وجل، فكيف جاءت هذه السورة وسط سور عديدة تتحدَّث عن الله عزَّ وجل بينما هذه السورة تتحدث عن علاقة جزئية جاريةٍ بين الناس، ألا وهي التطفيف؟
 قال بعض علماء التفسير: إذا كان التقصير اليسير في حقّ إنسانٍ يوجب الهلاك، فكيف بالتقصير الكبير في حق الله عزَّ وجل؟ ما حقُّ الإنسان عليك؟ لا شيء، حقُّه أن تعطيه بضاعةً بهذه القيمة، فإذا قللت من نوع البضاعة، أو من وزنها، أو من كيلها، أو من حجمها فقد قصَّرت في حقِّه ولو كان هذا التقصير طفيفاً، أما حقُّ الله عليك وقد خلقك من نطفةٍ وسخَّر لك الشمس والقمر والنجوم فكيف تنكره؟! وكيف تجحد فضله؟ وكيف تعصي أمره؟ وكيف لا تنتظر حسابه؟ إنها مفارقة حادة، فإذا قصَّرت تقصيراً يسيراً في حق إنسان فهذا موجبٌ للهلاك، فكيف إذا قصَّرت في حق الله الذي خلقك ولم تكن شيئاً؟! هذا موجبٌ للشقاء الأبدي.

 

معنى التطفيف :

 ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 المطففون جمع مُطَفِّف، والمطفف اسم فاعل من طفَفَ، وطفف ثنائي مضعَّف مثل زلزل، قلقل، عسعس، طفف.. فطفف بمعنى قَلَّل، والشيء الطفيف الشيء القليل.
 أي لو أن الإنسان وزن وزنة ولم تتوازن العين بالعين فهذا مطفف، ومِنَ الذي يُذهِب العدالة أو يجرحها تطفيفٌ بتمرة، فإذا كنت قد بعت كيلو غراماً من التمر وكان الوزن أقل من الوزن الصحيح بتمرة واحدة فهذا مما يجرح العدالة، فالتطفيف له أمثلة كثيرة ولا سيّما في عصرنا.
 فأنا بقدر الإمكان قد جمعت بعض الأمثلة التي نعانيها، والتي وصلت إلى علمي، والمخفي أعظم، بعض الأمثلة التي نعاينها، هذه سورة من كتاب الله:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 تعالج الأمثلة التي نعاني منها، وزيادة، مثلاً كم من الأبنية التي انهارت بسبب وضع المتعهّد إسمنتاً أقل من الكمية التي فرضها المهندس؟ فالمتر المكعب من الخرسانة المسلحة يلزمه وضع سبعة أكياس من الإسمنت، فقام هو بوضع خمسة فقط، وبعد فترة من الزمن انهار البناء، فإذا مات ثلاثون أو أربعون شخصاً، وكان ثمنُ كل بيت مليوناً فأصبح لا شيء، هذا الشيء الكبير مَن المسؤول عنه؟ وبرقبة مَنْ؟ برقبة المطفف، فالتطفيف قد يكون بالإسمنت، وهناك تطفيفٌ بالحديد كذلك، وهناك تطفيف بفترة صلاحية الإسمنت، فيكون قد مضى على انتهاء صلاحيته فترة زمنية طويلة فأصبح بلا مفعولٍ، ويبيعه بالسعر نفسه للإسمنت الجيد، فلدينا تطفيف عدد وتطفيف نوع، هذا النوع ليس بهذا السعر فهذا تطفيف بالأسعار، أحياناً الذين يشترون من الفلاَّحين بعض الحاجات، يشتريها أحدهم بوضعٍ ويبيعها بوضعٍ آخر، فقد ذكر لي شخص أن الجوز يشترى بالمنخل فيُنْخَل مع البائع أوقيتان فيضعهما عنده، ويحاسب الفلاح على الصافي، ويبيع الجزء الذي وضعه عنده لبائعي الحلويات، فهذا تطفيف، ويقول لك: هذا عرف ومصلحة، وهكذا الترتيب.

 

تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية :

 كل عملية تنقيص وزن، أو تنقيص كيل، أو تنقيص نوع، وكل عملية غش، وكل عملية عدم إتقان، فقد وجدتُ أن تقليل الكم وتخفيض النوع والغش وعدم الإتقان يدخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أحياناً يقوم مصلِّح السيارات بتوفير جزء من الوقت، فيسرع في إصلاح السيارة، فيسبب كارثة لأصحاب هذه السيارة، فلا يضبط عمله قبل أن يسلِّم هذه السيارة لأصحابها، فيسبب حادثاً كبيراً يموت فيه خمسة أشخاص مثلاً، فهو مطفف لا يحاسب على هذا التقصير، ولكن يحاسب على موت هؤلاء الخمسة بسبب التقصير:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 فبتقديره أنّه وفَّر الوقت ويتسامر مع ضيف يتسامر عنده، وقال لصانعه: ركب وشدَّ البراغي على الإطارات، وجاء صاحب السيارة فقال له: السيارة جاهزة فخذها، هذا مطفف، وأحياناً يوفِّر جهده فهو كذلك مطفف.
 أحياناً الطبيب يعطي المريض إبرة من الماء المقطَّر، فيأخذ من المريض أجرته خمسة وعشرين، وثمن الإبرة خمس عشرة ليرة، فقبض أربعين ليرة من جرائها، ولكن الماء المقطَّر ثمن الإبرة منه عشر قروش، أو ربع ليرة، وقد أوقع المريض تحت الوهم، ويظن نفسه قد انتعش بهذه الإبرة وشعر بنشاط وهي إبرة من الماء المقطَّر ولا قيمة لها، فهذا تطفيف وهو أحد أنواع السرقة. أحياناً أحد المحامين يعلم جازماً أن هذه الدعوى خاسرة، لأن كل القوانين والاجتهادات وآراء محكمة النقض ضد هذه القضية، ومع ذلك يقبل تسلُّم الدعوى، على نيَّة أن يتقاضى أجراً إلى أن يُفضَح الأمر، فتطول الفترة إلى خمس أو ست سنوات، ويكون قد ابتزَّ موكله ابتزازاً فاحشاً وحراماً، وهذا المحامي داخل في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أحياناً طبيب يأتيه مريضٌ، فلم يفهم مرضه ولم يستطع تشخيصه، وله زميلٌ مختصٌ بهذا المرض، فيعطي المريض مسكِّنات على أن يراجعه بعد أسبوع مثلاً، فهذا التصرف كلَّه ابتزاز، وهذا الطبيب داخل في مفهوم هذه الآية:

 

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 وكان عليه أن يرشده إلى زميله الطبيب المختص ليعالجه.

 

التقليل من التطفيف :

 من التطفيف التقليل إذا قلَّلت حقَّ هذا الإنسان شيئاً يسيراً فأنت مطفف، فإذا قلَّلت الكمَّ، أو قللت النوع، أو قللت العدد، أو غششت، أو لم تتقن، فعدم الإتقان والغشّ والتقليل والإساءة من التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 وأحياناً الطبيب يكلِّف المريض بإجراء ثمانية تحاليل مثلاً، والمريض بحاجة إلى تحليل واحد، ويكون هذا الطبيب متفقاً مع محلل اتفاقاً شفوياً أن المطلوب من التحاليل هو المكتوب في أول القائمة وما تبقى من الثمانية غير مطلوب، وهذا الفرق نتقاسمه بيننا مناصفة، ويقول لك: الحياة شطارة، من قال لك إنَّها شطارة؟ هذه سرقة، فهذا المريض بحاجة إلى تحليل نسبة الكوليسترول فقط، فيكتب له الطبيب ثمانية تحاليل، ويزكي له محللاً لثقته به، وينصحه بالذهاب إلى مختبره. هذا المحلل حلّل أول مادة، وألقى الباقي في الحاوية، وطلب منه مئة وعشرين ليره سورية، في حين أن التحليل كلّفه عشر ليرات، والمئة مناصفة، فيعدَّ هذا الطبيب نفسه ذكياً، وهو يصلي أيضاً:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

أمثلة أخرى من حياتنا اليومية عن التطفيف :

 يشتري صافياً، ويبيع قائماً، فأحياناً تكون للعبوة وزن كبير وهذا تطفيف أيضاً، أنت ماذا اشتريت؟ اشتريت صافياً، وكيف بعت؟ بعتَ قائماً، أحياناً يوزن شيء ثمين بورق سميك، أصبح سعر كيلو الورق بمئة وخمسين ليرة، فهذا تطفيف كذلك، لأنه باع الورق بسعر البضاعة المباعة.
 أحياناً تكون أشياء توزن بالمثاقيل، والمروحة تشتغل، فهذه المروحة يتوجه هواؤها إلى كفة البضاعة فترجح:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أحياناً يقول لك: صلِّح لنا هذه القطعة من الذهب، فتقص من طرفين وتلحم، هذا الوزن الذي نقص من القطعة ثمنه يساوي خمسين ليرة مثلاً، فهذا داخل في التطفيف، ويقول: هذا عرف، من قال بهذا؟ إذا كلفك أحد الناس بتصليح قطعة ذهبية، فمن الممكن أنْ تقص قطعة من هنا وقطعة من هناك وتلحمها، وهذا الفرق قد يكون حلقة في سلسلة يبلغ سعرها خمسين ليرة أو خمسة وعشرين، إن الله قال: تطفيف، ولم يقل تكفير، حتى لو كان ثمنها ليرة واحدة.
بعض المصلِّحين يفتح خزان الوقود بالسيارة، ويأخذ منه صفيحتين لغسل المحرك، فيضع صفيحة من البنزين في سيارته، ويغسل المحرك بالصفيحة الأخرى، وثمن صفيحة البنزين أربعمئة ليرة، فهذا داخل في اسم:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 بائع الأقمشة عندما يشتري القماش يشتريه مرخياً، تجد القماش منحنياً على المتر، وإذا أراد بيعه يظل يشده حتى آخر مدى له، وهذا داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 فأنت اشتريت القماش مشدود فبعه مشدوداً، وإذا اشتريته مرخياً فبعه مرخياً، وفي الشراء يُتساهل، فإذا زاد مقدارٌ فلا يدخل الزيادة في الحساب، ويقول لك: طول الثوب ثمانية وعشرون متراً فقط، وعندما يبيع الثوب نفسه يبيعه بطول ثمانية وعشرين متراً وأربعين سنتيمتراً، فهذا أيضاً داخل في التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

معظم مصالح العباد داخلة في هذه الآية :

 أحياناً يكون هناك تعهد لتقديم طعام مثلاً لأُناس فقراء، أو تقديم هدايا للذين يلتهمون الطعام، وتقدَّم نصف الكمية، بالتعهد يكون المقدار مئتا غرام من اللحم بالصرة مثلاً، ويقدم مئة غرام من اللحم فقط بدل المئتين، ويكون هذا التعهد لمئتي شخص أو لخمسمئة، فيكون الفرق كبيراً، هذا في قوت العباد، واسمه كذلك تطفيف، فأنت قد أخذت ثمن الصرة خمس ليرات أو عشر ليرات مقابل مئتي غرام من اللحم، أو مئة غرام، وليس خمسين غراماً، ويقول لمَن يعترض: من استلم مني رضي بذلك، لكن الله لا يرضى عن ذلك، فدخل في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أكثر المطاعم إن طلبت أوقية من اللحم يعطيك مئة وخمسين غراماً فقط، لماذا؟ ونصف هذه الكمية المقدمة دهناً، وهذا الدهن يُمزج بالرئة الحمراء لتصبغ الدهن باللون الأحمر، فالرئة توضع مع الدهن، ويصبح كل لون اللحم أحمر، ويضع مئة وخمسين غراماً، ويقول لك: ثمن الأوقية أربعون ليرة، أو نحوها، فهؤلاء أصحاب المطاعم دخلوا في الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 وحتى يربح صانع الطحينة ليرة واحدة زيادة عن السعر يضع فيها إسبيداج ويقول لك: هذه طحينة بيضاء أغلى بليرة ونصف، فهذا السبيداج يدخل في صناعة الدهانات، والطحينة طعام المسلمين، يدخل إلى المعدة، ويسبب أمراضاً خبيثة، ولا يُهضم، ويذهب إلى الكلية فيتعبها ويسبب لها التهاباً، ولكنه باع الكيلو غرام منها بإحدى عشرة ليرة ونصف، والسعر التمويني عشر ليرات، ولكن الأجود أغلى قليلاً، فوضع مادة الإسبيداج وباع بإحدى عشرة ليرة ونصف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

الآية التالية تشمل كل مصالحنا :

 كأن هذه الآية تشمل كل مصالحنا، فمعظم مصالح العباد الآن داخلة في هذه الآية:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 ولقد قال لي أحد الأشخاص: إنَّهم يضعون في الزعتر نشارة الخشب، فالحليب إذا غُش بالماء فالماء لا يؤذي، أما النشارة فتؤذي وكذلك الإسبيداج يؤذي، وكذلك يضع أصحاب معامل السكاكر أصبغة البلاط في السكاكر بدلاً من الأصبغة الصحية، فهم كذلك دخلوا في الآية الكريمة:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 وأصحاب محلات قطع الغيار يبيعونك قطعة مقلدة على أنها أصلية، فالغش تطفيف، وتقليل الكمية تطفيف، وهبوط النوعية تطفيف، وعدم إتقان الخدمة تطفيف.
 وضع لك لتثبيت لوح زجاج مسمارين فقط، واللوح طويل فكسر لوح البلور من طرفه، وثمنه ثمانون ليرة، ولتثبيته يحتاج لأربعة مسامير تثبّت بشكل محكم، فإذا كان كذلك لم ينكسر البلور، وهذا داخل في التطفيف.
 فالخلاصة هي أن ربنا عزَّ وجل يعلم أن هذا الموضوع حسّاس وله سورة بكاملها.

 

ترك المكافأةِ من التطفيف :

 يخلط الزيت النباتي مع البلدي، هذا غش وتطفيف، ويخلط السمن الحيواني الرديء المستورد مع السمن البلدي، وهذا أيضاً تطفيف، ويوضع زيت الكاز مع البنزين فيسبب المتاعب للسائقين، وهذا أيضاً تطفيف، وهذا موضوع آخر، وقد جاء في المثل العربي: ترك المكافأة من التطفيف، فلو أردت أن أذكر شواهد أخرى على التطفيف في حياتنا اليومية لانتهى الدرس كله ولن ننتهي من ذكر الشواهد، إذاً إنْ لم يكن هناك خوفٌ من الله عزَّ وجلَّ فهذا الأمر جد خطير، قال الله سبحانه لموسى: يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني.
 فهذا الذي لا يخاف الله عزَّ وجلَّ يفعل كلَّ شيء، أي مهما كان الذنب خطيراً يفعله، هذا التطفيف الذي تحدثت عنه من تقليل كمية، أو من تخفيض نوعية، أو عدم إتقان، أو إهمال، أو توفير وقت أو جهد أو غش، هذا كله داخلٌ في التطفيف وخطره كبير.
 هناك شيءٌ: ترك المكافأةِ من التطفيف، إذا خدمك إنسان خدمةً، وأنت لم تكافئه فهذا من التطفيف، كلَّفت إنساناً بعمل، وقدمه لك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، له مصلحة، وله أولاد، وله وقت وجهد، وهو أحب أن يكرمك ولم يرض أن يأخذ ثمنه، فأنت عليك أن تكافئه بهدية، ترك المكافأةِ من التطفيف.

(( مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنْ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ))

[النسائي عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 متى لك الحق أن تقول للذي أسدى إليك معروفاً: جزاك الله خيراً؟ في حالة واحدة؛ إن لم تجد ما تكافئه به فادع له، فترك المكافأةِ من التطفيف.
 إذا تركت المكافأة ولم ترد على الإحسان بإحسانٍ مثله، فإن أعارك أحدٌ شيئاً فأرجعه له متقناً، وهناك أشخاصٌ يزيدون، استعار كتاباً يجلده ولو بغلاف من النايلون، ولو بغلاف لونه أزرق، وأرجعه إليه مجلداً، إنّ هذا شجعك على العمل الصالح، أمّا هذا الذي يمنع الخير فهو الذي يُسيء لصانعي الخير، فإذا أسأت لصانع الخير فقد منعت الخير، وترك المكافأةِ من التطفيف.

 

التطفيف المعنويّ أيضاً يدخل في الآية :

 هناك تطفيفٌ معنويٌّ أيضاً يدخل في الآية، الابن أحضر لزوجته غسالة، فالأم أقامت النكير عليه، لماذا؟ تقول له: إنها لا تستحق، هي صبية، وهي تستطيع أنْ تشتغل، فلا تعوِّدها الكسلَ، أما إذا الصهر أحضر لابنتها غسالة فإنها تقول: الله يرضى على فلان! الله يرضى عليه! أكرم بنتنا!! لماذا هذه التفرقة في المعاملة؟ أكثر شيء يقع في المرأة أنها تدلِّل ابنتها، فإذا نامت متأخرة فلا مانع، ولا شيء عليها، أما إذا كان عندها كِنَّة في البيت، وكان رأسُها يتألم، ونامت باكراً فالويل لها، تقول لزوجها: هذه كسلانة، وإنها تتمارض، ولا تشكو من شيء، إنها مثل القردة، لماذا هذا الكلام؟!
 إذا كان عندك صانع تعامله معاملة قاسية، أما ابنك فتخاف عليه من الهواء لماذا؟ وهذا أيضاً تطفيف، تنقصه حقه، ترك المكافأةِ من التطفيف.
 هناك تطفيف ماديّ وتطفيفٌ معنويّ، وهناك تطفيف غش، وتطفيف عدم إتقان، وهناك تطفيف تنقيص وزن، وهناك تطفيف تنقيص كيل، وهناك تخفيض المستوى النوعي، هذا كله مِن التطفيف، الله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أما كلمة "ويل " فقد فسرها المفسرون بأنها الهلاك، الهلاك للمطففين، فإذا طففت بحق إنسان قليلاً فالويل لك، فكيف إذا تركت حق الله كله؟ لا تنسوا أن هذه السورة وردت في سياق السورٍ المكية، كلها تتحدث عن حق الله عزَّ وجلَّ، فإذا قصرت في حق البشرِ قليلاً فالويل لك، فَكَيفَ إذا تركتَ أو أنكرتَ أو جحدْتَ حق الله كلَّهُ؟!!
 إذاً كلمة "ويل" أي الهلاك، ومرةً فسرتها لكم كما لو أن سائقاً يهبط بسيارته في طريق منحدر شديد جداً، على اليمين وادٍ سحيق وعلى اليسار وادٍ سحيق، وينتهي الطريق بمنعطف خطر، وشعر أن المكبح قد تعطل ولا زال منطلقاً، قد يضرب نفسه ويقول: انتهينا ومتنا. كلمة "ويل" أي تحقق الهلاك، وليس عنده شك ولا بنسبة واحد في المليون أنه انتهى، وقد رأى الوادي الأول والثاني، والسرعة مذهلة، والمنعطف خطير، وليس معه مكبح، فأصبح عنده يقينٌ قطعيٌّ، ولا مجال للشك إطلاقاً مِن أنه انتهى، أرأيتم الناس الذين في هذه الحالات، ومن دون وعي يستخدم أحدهم الفعل الماضي، فإنه يقولُ لك: هلكنا، قل سنهلك! لا، بل يقول لك: هلكنا، وقُضِي علينا، وبشكل لا شُعوري، هذه الفطرة، لقد أيقن بالهلاك.

 

كلمة (ويل) دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين وهذا الدعاء قرارٌ قطعي :

 قال بعض المفسرين: كلمة "ويل" دعاءٌ من الله تعالى على هؤلاء المطففين، وقال بعضهم: دعاء الله قرار، إما أنهم هلكوا، وإما أن الله قضى عليهم بالهلاَك، ودعاء الله عزَّ وجلَّ غير دعاءِ البشر، فدعاءُ البشر يُستجاب وربما لا يستجاب، لكن دعاء اللهِ قرارٌ قطعي..

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 أي أن المطففين خسروا وهلكوا، وانتهى أمرهم، وكلٌ منا لا يزالُ حياً، وما دام الإنسانُ حياً فباب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئاً لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

مَن همُ المطففون ؟

 فيما يلي يبيِّن ربنا عزَّ وجلَّ مَن همُ المطففون، قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

 لكنَّ الذي ينبغي أن يُقال: الذين إذا اكتالوا من الناس، أي اشتروا منهم، اشتروا منهم كيلاً، أو اشتروا منهم وزناً، أو اشتروا منهم طولاً، قال الله عزَّ وجلَّ:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ﴾

 أي بحكم احتكار الصنف، أو بحكم القوة المادية أو المعنوية، أو قوة المال أو الجاه أو السلطان، أي أن معك قوةً، ألزمت هذا المشتري أن تأخذ منه حقك كاملاً، يا أخي أريدها قائمة، الوزن غير مقبول، فلا يعبأ بكلامك:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ ﴾

 من معاني على الاستعلاء، استخدام ربنا الفعل (اكتال على) وعدم استخدامه (اكتال من) إشارةً إلى أن (اكتال على) بمعنى ألزم المشتري البائع أن يقدم له حقهُ كاملاً:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

 حقهم بكامله، فإنه يدخل في هذه إن ادَّعيت يا أخي أن البضاعة عليها مصاريف، وأيضاً سافرنا سفرة ووجب عليك مصروفٌ، وقد خسرتُ في هذه الحالة، والحقيقة أنك سافرت لأمورٍ خاصةً بك، والسفر ليس له علاقة بالبضاعة ثم تغرِّمه مصاريف الرحلة والسفر، وإذا كان هناك مخالفات تحسبها، حتى مخالفة السيارة تحسبها عليه، فهذا من التطفيف، فكلمة "على" فيها قوة، أي:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

 إذاً يريد أن يلزمه بمصاريف كل شيء، حتى حاجاتهِ اليومية، حتى طعامه الذي فيه بذخ، يقول لك: يا أخي إن هذا يدخل في المصروف.

 

عجب ربنا من المطففين الذين غاب عن أذهانهم أنهم سيقفون بين يدِي حاكمٍ عادل :

 قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾

 انظر كما يقول عامَّة الناس على سطح واحد صيف وشتاء في وقت واحد، أي إذا اشترى يستوفي حقه كاملاً، أما إذا باع فينقص هذا الحق إما كيلاً، أو وزناً، أو مساحةً، أو طولاً، أو نوعيةً، أو غشاً، أو عدم إتقان، أو ينقص هذا الحق نقصاً معنوياً، ثم يقول الله سبحانهُ وتعالى:

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 أي كيف غابَ عن ذهنهم أنهم سوف يقفون بين يدِي حاكمٍ عدل؟ كيف غاب عن ذهنهم هذا اليوم العظيم، الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين؟ كيف غاب عنهم أنهم سيحاسبون على هذه الأعمال حساباً عسيراً؟ كيف غاب عنهم أنهم سيدفعون الثمن غالياً؟

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ ))

[أحمد عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

هناك مجموعة آيات في غير هذه السورة تحضُّ على الاستقامة في التعامل مع الناس:

 ربنا عزَّ وجلَّ هنا عجب:

﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾

 هؤلاء جميعاً، وكلمة "أولئك" تعني أناساً كثيرين، حتى إن بعضهم قال: حينما بُعِث النبي عليه الصلاة والسلام كانت مكةُ تضجُ بهذه الظاهرة، تطفيف الوزنِ والكيل، ولا تنسوا أن قوم سيدنا شعيب أهلكهم الله عزَّ وجلَّ بهذا الذنب وحده، قال الله تعالى:

﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 9 ]

﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 35]

 هناك مجموعة آيات في غير هذه السورة تحضُّ على الاستقامة في التعامل مع الناس، لذلك فعلامة المؤمن ليست الصلاة، ولا الصوم، ولا الحج، ولا الزكاة، ولا قراءة القرآن، هي غير التعلُّق بمظاهر الدين، علامة المسلم أنه إذا عمل عملاً فكأن هذا العمل لنفسه، وعليه أن يتقنه إتقاناً شديداً، والشيء المؤكد أن الذي يتقن عمله يتفوق بين أقرانه، فقانون الله عزَّ وجلَّ جعله عامّاً، حتى لو أخذ به الكافر لتفوق بمقتضى هذا القانون، فمن أتقن عمله تفوق في أي مصلحة كانت، حتى لو جاء إنسان ملحد وطبَّق هذا القانون لتفوق، فلا تعجبوا إذا رأيتم الناس مقبلين على إنسان بمصلحة معينة، يقول لك: عمله متقن، وصنعته متقنة، حاجته نظيفة، بضاعته جيدة، وزنه صحيح، لا يغش، ولا يأكل مالاً حراماً، فالذي يطبق هذا القانون يغتني في الدنيا قبل الآخرة.

 

الورعُ علامة الإيمانِ :

 قال الله تعالى:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ َإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ*أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ *يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 أي هذا اليوم العظيم الذي يحاسب فيه الناس جميعاً على أعمالهم، يقومون لهذا الرب بين يديه، فهنا ربنا عزَّ وجلَّ ذكر اسم الربوبية، لأن الرب لا يظلم عباده، لا يدع مظلوماً ولا يدع ظالماً، يأخذ حق المظلوم من الظالم:
يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين* كَلَّا َ ﴾

 

(كلّا) أداة ردع، أي لا تفعلوا هذا، دعوا التطفيف واتركوه على الفور، حدثني أخ فقال: أنا أعمل ميكانيكياً، تصليح عُطل يكلف مثلاً ألفاً وخمسمئة ليرة، أفتح المحرك فلا أجد شيئاً، فقط تحتاج لوصل شريط، ويتقاضى الأجر المذكور، لكن بعد أن عرف الله عزَّ وجلَّ إنْ جاء الزبون طالبه بأجر قدره عشر ليرات فقط، فيقول الزبون: ما هذا؟ غير معقول! تصليحه يكلف ألفاً وخمسمئة حسب ظني، فيقول له: والله لم أجد أيَّ عطل في المحرك، لكن قبل التعرف على حقيقة الإيمان كان يلحم هذا السلك ويشغل المحرك فيشتغل، ويأخذ ألفاً وخمسمئة ليرة، هذه هي علامة الإيمان، إذاً علامة الإيمانِ الورعُ، رأس الدين الورع.

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

رأس الدين النصيحة :

 رأس الدين النصيحة، إذا قال لك أحد: انصحني، وأنت مؤمن، واللهِ الذي لا إله إلا هو، لو لم تنصحه لخرجت من دينك، قال لك: أي القماش آخذ؟ وأنت عندك شيء كاسد فتقول: خذ من هذا، تعني الكاسد، وانظر إلى كلّ الباعة فهم ينصحون بالكاسد دائماً، إذا كان من النوعية أو اللون، أي شيء كاسد عنده ينصحه به، ويقول له: هذا أحلى، هذا اللون أجمل وأجود وأقوى وأمتن، وأنا ألبس منه، ويخيط منه بنطالاً للإيهام، ويقول: انظر فأنا ألبس منه، لكن الله عزَّ وجلَّ يحاسب، ولا يغفل، فرأسُ الدين النصيحة، رأس الدين الورع.

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 هذه علامة الإيمان، أحياًنا يذهب إلى اللحام طفل، ويقول: أريد لحماً، والله الذي لا إله إلا هو لو لم تعطه حاجته كما لو كان أبوه واقفاً أمامك لما كنت مؤمناً، هذا هو الإيمان، ليس في الإيمان حل وسط، كأن تقول: هكذا تقتضي المصلحة، فهذا كلام مرفوض، هكذا قال أهل العرف، هذا أيضاً كلام مرفوض، المقياس هو أن تقول: قال الله تعالى، أو قال رسوله عليه الصلاة والسلام، أما قال أهل العرف فهذه الكلمة مطاطة يدخل تحتها الفسقة والفجار والمنحرفون. قال الله تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾

 كلا.. أداة ردع أي دعوا التطفيف بكل أنواعه، ما قلَّ منه وما كثر، ما ظهر منه وما بطن، ما كان بالوزن، وما كان بالعدد، وما كان بالكيل، وما كان بالمساحة، وما كان بالأطوال، وما كان بالنوع، وما كان بالغش، وما كان بعدم الإتقان، وما كان مادياً، وما كان معنوياً، دعوا التطفيف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

الحديثُ عن الفُجَّار :

 قال تعالى:

﴿ كَلَّا ﴾

 أداة ردعٍ من الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾

 الآن ربنا عزَّ وجلَّ بدَّل اسماً باسم، كان الحديثُ عن المطففين فأصبح الحديثُ عن الفُجَّار. قال المفسرون: الفُجَّار هم المطففون، وهذا تبديل توضيح لا تبديل تغيير، المطففون هم الفُجَّار، وكلُ مطففٍ فاجر:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾

 أي أن هذا الكتاب يكفي أن يقوده إلى السجن أي إلى جهنم، هذا الكتاب قيدٌ لهم، يؤخذ بهذا الكتاب، كل عمله مسجل، وهذا الكتاب الذي سجل به عمله كافٍ أن يقودهُ إلى النار، هذا معنى كلمة "سجين"، من الفعل سَجَنَ، أي هذا الكتاب من سماته أنه يسجن صاحبه في النارِ إلى أبد الآبدين:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾

 إذا كان الرجل عليه مأخذ خطي، وبذنب كبير، هذا المأخذ الخطي كافٍ لمحاكمته وإيداعه السجن، يقول لك: كتابُ إدانة أي يدين صاحبه:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴾

 أي هذا الكتاب كافٍ إذا أصر صاحبه عليه ولم يتب منه أن يورِدَهُ النار.

 

الفرق بين (ما أدراك) و (ما يدريك) :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴾

 ربنا عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم من عادته أنه إذا قال: وما أدراك، أنه يُدري به نبيه عليه الصلاة والسلام، وإذا قال: وما يدريك، أي أن هذا لا يعلمه أحد ولم يُعلمه الله لأحد، هنا قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

 قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ*لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[ سورة القدر: 1-3 ]

 إن قال الله عزَّ وجلَّ: وما أدراك فإنه سوف يدرينا، وإن قال:

﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب:63 ]

 فهذه بعلم الله، ولا يطلع عليها أحداً أبداً، قال الله تعالى:

﴿ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾

[ سورة الأحزاب:63 ]

 هذه بعلم الله، كلمة (وما يدريك) فلا يُعلِمُها لأحد حتى الأنبياء، أما (وما أدراك) فالله عزَّ وجلَّ يُعلمنا بذلك.

 

كل تطفيف فعله الإنسان مسجَّل عند الله كتابةً وصورةً وسوف يطلعه عليه يوم القيامة:

 قال الله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

 مرقوم أي من الرَقم، أو من الرَقْم، الرَقَمْ أي كتاب مرقَّم ومختوم يصعب تزويره، فالمالية تختم للتجار دفاترها، وترقمها، وتفقِّط الأعداد، فإذا باع التاجر بيعاً بمليون، وقطع الصفحة المسجل عليها مبلغ البيع ومادة البيع، وقال: لا بأس علينا، فلا يستطيع تمرير ذلك، لأن الأرقام متتابعة، ولا يخفى على المدقق أمر الإتلاف والتزوير، فكتابٌ مرقوم أي محدود ليس فيه زيادة ولا نقصان.
 شيء آخر، الرَقم هو النقش، أي المخالفة مع صورتها، ففي بعض الدول تأتي للإنسان مخالفة، فإذا أنكرها يعرضون عليه صورة السيارة وهي في وضع المخالفة، فلا يستطيع أن ينبس ببنت شفة، أليس ذلك رقم سيارتك؟ وفي الطريق كنت مخالفاً؟ فكتابٌ مرقوم بمعنى مرقَّم، وكتابٌ مرقوم بمعنى هناك رقَم، أي فيه صور، أي أن كل شيء عملته التقطت له صورة، وسبحان الله فالصورة مُسْكِتة للشخص، فأحياناً يأخذ إنسان لشخص آخر صورة وهو في وضع مشين فهذه الصورة تكلِّفه مئات الألوف، فهل تستطيع أن تقول: لا، ليست هذه صورتي؟
 فربنا عزَّ وجل أبان ذلك، فكل تطفيف فعله الإنسان في الدنيا مسجَّل عند الله عزَّ وجلَّ كتابةً وصورةً، وسوف يطلعه على عملية التطفيف يوم القيامة.

 

آيات قرآنية تبين أن المعتدي والآثم هما من يكذبان بيوم الدين :

 قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ*كِتَابٌ مَرْقُومٌ*وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾

 هؤلاء الذين كذبوا بيوم الدين، هؤلاء الذين كذبوا بحساب الله عزَّ وجل، هؤلاء الذين استخفوا بأوامر الله ولم يعبؤوا بزجره ولا بنهيه:

﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ*وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾

 انظر إلى هذا القانون الجديد، فهنا أسلوب حصر:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾

 المعتدي على حقوق العباد والآثم في معصية الله هؤلاء الرجلان عادةً يكذِّبان بيوم الدين، فإذا كذَّب المرء بيوم الدين دقق في عمله تراه معتدياً أثيماً، قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1-2]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50]

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1-2]

الاستقامة طريق الإنسان للإيمان بالله والإيمان بيوم الدين والإيمان بالحق :

 ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴾

 لذلك يكفي أن تستقيم حتى تؤمن بالله وتؤمن بيوم الدين وتؤمن بالحق، فهذا شيء عجيب، فالحق لا يحتاج إلى إذن ولا إلى فكر ولا إلى كتاب، الحق يحتاج إلى استقامة، فإذا استقمت آمنت به، وطبقَّته، وملأ الحق قلبك، وأعجبت به، يجوز أن يستغرب أحدكم فيقول: ما علاقة الاستقامة بالإيمان؟ إنها علاقةٌ مصيرية، علاقةٌ ترابطية، علاقة سببٍ بنتيجة، ومَنْ يؤمن بالله يهد قلبه، من أخلص لله أربعين يوماً تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، خذ هذه القاعدة: إذا لم يكن هناك شيء واضح لك فاستقم، فالإنسان أحياناً لأنَّه غير مستقيم تجده يجيِّر الحق لمصلحته، ويفسِّر القرآن وفق هواه، وهذا الذي ذكره الإمام الغزالي: التفسير بالرأي أي يؤول آيات القرآن الكريم لمصالحه، كأنْ يقول: الله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً ﴾

[ سورة آل عمران: 130]

 الله لم ينهَنا عن الربا بل نهانا عن أكله أضعافاً مضاعفة، هذا هو التفسير بالرأي، يريد أن يجيِّر الآيات لمصلحته، لأنَّه مُرابٍ وهذه الآية تغطي تصرفاته فيتشبث بتفسيرها، ويقول لك: لا، إنك لا تفهم معناها، وهذا هو تفسيرها، وقد سألت عنها، ومعي فتوى بذلك.
 عندما ينكر الإنسان الحق أو يردّه فهو غير مستقيم، فلو أنه استقام على أمر الله لآمن به ولقي ثماره يانعةً.

 

علامة المنافق أو الكافر أنه لا يعبأ بقصص الأنبياء ولا بآيات القرآن :

 قال تعالى:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 آية مثل الشمس، مثل القمر، مثل المجرات، يقول لك: الحديث لا يفيد، فلا داعي للتحدث فيه، ولو قلت له: سيدنا نوح، يقول لك: سيدنا نوح ماذا تريد منه الآن، فقد مات من آلاف السنين، وإن قلت له: سيدنا يوسف قال:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾

[سورة يوسف:33]

 فلا يتركك تتكلم، ويقول لك: هل هذا عصر سيدنا يوسف؟! فإن تكلمت معه عن التاريخ يرفضه، وإن تكلمت مستشهداً بالآيات يرفضها كذلك، لأنه معتدٍ أثيم:

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 يريد أن تحدثه في شيء جديد كالكمبيوتر، أو تكلمه عن مشروع تجاري ناجح، أو يريد دخلاً كبيراً أو سيارة فارهة، أو فيلا في مصيف، أو مركزاً أو مكانة مرموقة، أو حياة ناعمة، أو مباهج، فلا تعنيه سيرة سيدنا نوح أو سيدنا إبراهيم فهذه القصص ليست لها قيمة لديه، لا هذه القصص ولا تلك الآيات.

 

علامة المؤمن أنْ تراه مأخوذاً بآيات الله :

 لو أخبرته عن وزن الحوت البالغ مئة وثلاثين طناً، فيقول لك: ماذا نريد منه!! فهذا يدل على عظمة الله عزَّ وجل، وهذا لا يهتم به، الأرض سرعتها في الثانية الواحدة ثلاثون كيلو متراً، أي أنها تسير في الساعة الواحدة مئة وثمانية آلاف كيلو متر، وقد مضى من وقت الدرس ساعة تقريباً أي أننا قد سرنا في هذا الفضاء مئة وثمانية آلاف كيلو متر:

﴿ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ*إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 إنّ علامة المؤمن أنْ تراه مأخوذاً بآيات الله، وعلامة المؤمن أن تكون هذه الآيات الكونية ملء سمعه وبصره، وعلامة المنافق أو الكافر لا يعبأ بها، يقول لك: انظر إلى الطائرة الجامبو العملاقة، فوزنها ثلاثمئة وخمسون طناً، وتحمل ستمئة راكبٍ، وثمنها ثلاثمئة مليون دولار، فتجده مأخوذاً بسعرها، ومأخوذاً بمواصفاتها وبصوتها المنخفض، أو أنها ذات طابقين، ومأخوذ بأجهزتها.
 إنّ المؤمن مأخوذ بالشمس، مأخوذ بالقمر، وبهذا الكون وما فيه من مجرات، وبهذه الثمار، وبهذه الفاكهة، وبهذا الماء العذب الفرات، مأخوذ بالجبال، مأخوذ بالبحار، مأخوذ بخلق الله عزَّ وجل، وكيف كان الإنسانُ نقطة من ماء مهين، ثم صار طفلاً، صار خلقاً سوياً، مأخوذ بمظاهر الكون..

﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 إذا رأيت أحدهم يقول لك: هذه أشياء قديمة لا تنفعنا، وهذه أشياء تجاوزناها، وهي ليست من روح العصر، وهذه الأشياء كانت لأُناسٍ سُذَّج، وكل هذا كان حينما كانت البشرية في بدايتها، في طفولتها حيث أُخذت بها، أما الآن فنحن في عصر العلم يا أخي.
 إذا سمعت أحدهم يقول هذا فاعلمْ أنه: معتد أثيم، وأنه يكذِّب بآيات الله عزَّ وجل، وأغلب الظن أنَّه مطفف:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

الرَّان هو حجابٌ كثيف بين العبد وربِّه :

 هذه علامة الناس، يريد المال من أي طريق، بطريق مشروع أو غير مشروع، يجوز أو لا يجوز، سواء كان كثيراً أم قليلاً، لا يهمّه إلا المال فقط، لذلك فقَدتْ البركة، ولذلك أصبحت الأمراض كثيرة، مرض واحد يستهلك ما جنيته في العمر كله، والأسعار غالية، فثمن زرع كلية ستمئة ألف، وهذه الأسعار قبلَ سنتين، والآن هي أغلى بكثيرٍ، والدولار تضاعف، لقد كان سعره خمس ليرات، وقد تضاعف الآن، فمرض بسيط يستهلك عملَ خمس سنوات، لأن هناك تطفيفاً.
 أما إذا كان المال حلالاً، ودون تطفيف فإنّ الله عزَّ وجل يبارك لك فيه، فتعيش في بحبوحة، وفي صحة تامة، وفي سرور وسعادة، وأنت في خير وعافية، فلذلك أنا أقول: درهم حلال أحسن من مئة حرام، فإذا حصلت على المئة بالتطفيف فمعنى ذلك أنّ هناك عقاباً أليماً في الدنيا قبل الآخرة، وإذا كان العقاب في الدنيا تذكيراً فهو نعمة، أما إذا كان في الآخرة فهو عقاب أليم.
 نشب قديماً حريق في شارع بكامله، وفي الشارع سوقٌ تجارية، أحد التجار عنده بضاعة احترقت في يوم واحد، ثمنها ثلاثة ملايين ليرة، فهل هذا المال قليل؟ لقد قضى هذا التاجر في جمع المال عشرين سنة، واللهُ جمع هذا كله وأتلفه في يوم واحد، كذلك فالله يحبه لأنَّه يذكره في الدنيا قبل الآخرة.

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 هذا الذي أقوله دائماً هو نصيحة وذكرى، فكل معصية تسبب غشاوة بينك وبين الله، غشاوة فوق غشاوة فوق غشاوة حتى يصبح الرَّان، والرَّان هو حجابٌ كثيف بين العبد وربِّه:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

أكبر عقابٍ للإنسان يوم القيامة أن يكون محجوباً عن الله :

 هذا الكسب الحرام، هذا التطفيف، هذا الغش في البيع والشراء، هذا النقص في المكيال، هذا النقص في الميزان، هذا النقص في الكيل، هذا النقص في المساحة، هذه الخدمة غير المتقنة، هذا التدليس، هذا الكذب، هذا الختل والمخادعة، هذا كله تطفيف، أي أنَّ الإنسان لم يأخذ حقه منك، بل أخذ أقل من حقه، وجُرْتَ عليه وغَبَنْتَه، ولا أعتقد أن هناك مصلحة في الأرض إلا ولها علاقة بهذه الآية:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 بهذا الكسب السيّئ، وهذا الكسب للمال الحرام تجَمَّعت طبقات كثيفة بعضها فوق بعض، حتى صار راناً على قلب صاحبه، ولا يعي على خير:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

 انظر إلى بلاغة القرآن الكريم، فماذا يفهم من هذه الآية؟ دائماً ابحثوا عن المعنى العكسي، إنْ كان هؤلاء الفجَّار، وهؤلاء المطففون، وهؤلاء الذين كذَّبوا بيوم الدين، وهؤلاء الذين اعتدوا وكانوا آثمين، وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ هذه الآيات أساطير الأولين، فهؤلاء:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

 والمعنى العكسي: فهل المؤمنون محجوبون؟ لا، إنَّهم يرون ربَّهم، مِن هنا استنبط عليه الصلاة والسلام:

((قَالَ كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا ))

[البخاري عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ]

 وقال بعضهم: إنَّه إذا نظر المرء إلى الله عزَّ وجل نظرةً واحدة غاب خمسين ألف سنةٍ من نشوة النظرة، فأكبر عقابٍ لهذا الإنسان أنَّه عن الله محجوبٌ:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

الفجار المطففون يوم القيامة محجوبون عن ربِّهم حجاب رؤيةٍ وحجاب تحقير :

 أحد العارفين قال: إنّ أحد تلامذته قال له: إنَّه عصى الله مرةً، وانتظر عقاب الله عزَّ وجل طويلاً فلم يأته، وبحسب ما سمع منه أن كل معصية لها عقاب، فعصاه والعقاب لم يأتِ، فنادى ربَّه وقال: ربي لقد عصيتك فلم تعاقبني! قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذَّة مناجاتي!؟ أي أن الله عزَّ وجل قال:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

 ألا يكفي هذا العذاب أنَّ الله سبحانه هو مصدر السعادة وهو محجوبٌ عنه.
 إذا قال الأب لابنه: اخْرُجْ من هنا، ورفض الجلوس معه، والأهل يحيطون بالأب مسرورين، والحديث ممتع، والأكل طيّب، وهذا الابن محجوب، أليس هذا عقاباً نفسياً؟!! لذلك ابن القيِّم قال: هناك عقابٌ يوم القيامة نفسيٌّ، ربما زاد على عقاب الجسد. هذا وقت الحجاب:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

 قال المفسرون: هناك حجاب رؤية، وهم محرومون من هذا الجمال، وهذه النظرة، وهناك حجاب تحقير، فإذا تجاوز إنسان حدَّه فينهر ويؤمر بالخروج من المجلس، أخرجوه من عندي، هناك حجاب عدم رؤية، وهناك حجاب تحقير، وهؤلاء الفجار المطففون يوم القيامة محجوبون عن ربِّهم حجاب رؤيةٍ وحجاب تحقير، ألا يكفي هذا؟!!
 ألا يغار الواحد ويتألَّم بأن يكون مع المحجوبين؟ مع المحرومين؟ إذا ظهر اسم طالب غشَّ في الامتحان، وصدر قرار بحرمانه ثلاث دورات، وأذيع هذا القرار على الأشهاد، ألا يتألَّم؟ هذا ألم نفسي، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾

 هذا يوم الدين، يوم القيامة، يوم الفصل، يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، وكل إنسان يأخذ حقَّه كاملاً، ويُعطى حقه كاملاً.
 فهذه السورة والله الذي لا إله إلا هو تقطع الظهر، وتقصم الفقار، وليست هناك مصلحة من مصالح الأرض إلاَّ وهي داخلة تحت مظلة هذه السورة، وإذا كان التطفيف هذا عقابه فكيف يكون عقابُ التقصير بحقِّ الله عزَّ وجل؟

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018