بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 049 - قصة توبة فتاة - هي كفتيات هذا الجيل تميل إلى متع الدنيا .


2002-10-06

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

القصة تمثل رحمة الله بخلقه و تأديبه لهم :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله جلّ جلاله:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[ سورة يوسف: 111]

 نستنبط من هذه الآية أن القصة أحد الأساليب التربوية الفعالة المؤثرة في نفس القارئ، قبل أيام اطلعت على قصة في موقع معلوماتي، و لأن هذه القصة تمثل نموذجاً متكرراً، و لأنها تمثل رحمة الله بخلقه، و لأنها تمثل تأديبه لهم، فأردت أن أجعلها محور هذا الدرس، و الحقيقة أن القصة هي حقيقة مع البرهان عليها، يستنبط منها حقائق لكن حقائق مبرهن عليها,
 تقول صاحبة هذه القصة: أنا إنسانة لأبوين متدينين و لله الحمد، أي الإنسان حينما ينشأ في أسرة ملتزمة هذه نعمة كبرى لا يعرفها إلا من فقدها، أحياناً الإنسان يُحارب في بيته، الشاب المؤمن الملتزم يحارب في بيته .

على الأم و الأب متابعة سلوك أولادهم و حفظهم من الانحراف :

 أيها الأخوة ، أنا حينما أقرأ لكم هذه القصة ليس كل شيء ورد فيها أنا أقره، أنا أعلق أهمية على المغزى، تقول: و لكنني كنت كبنات جيلي، فقد ارتكبت الكثير الكثير من الذنوب والمعاصي، ثم تقول: أنا عمري الآن سنة واحدة كيف؟ هناك أشخاص يعدون أعمارهم بعد التوبة، بعد أن تابوا إلى الله يعد العمر عمراً، أما قبل التوبة إلى الله فلا يعد هذا العمر عمراً، فقد ارتكبت الكثير الكثير من الذنوب و المعاصي، و كنت الابنة الصغرى في الأسرة و لذلك كتب لي من الدلال ما سهّل لي أن أرتكب الكثير من الذنوب، يوجد تعليق؟ كيف تقول: إنني إنسانة لأبوين متدينين و لله الحمد و أتيح لها أن ترتكب الكثير الكثير من الذنوب، هنا يوجد خلل، الأب المتدين و الأم المتدينة حريصان حرصاً لا حدود له على سلوك أولادهم، فلذلك لابد من المراقبة، و قد تحدثت عن هذا طويلاً في درس تربية الأولاد في الإسلام عندما وصلت إلى أسلوب الملاحظة.
 الأب و الأم ينبغي أن يلاحظا أي انحراف في سلوك أولادهم، و ينبغي أن يعالجا هذا الانحراف، لكنها تقول: ارتكبت الكثير من الذنوب و لله الحمد ليس منها الكبائر، لم ترتكب الكبائر، و الله عز وجل يقول:

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾

[ سورة النساء: 31]

 و لا حتى مصاحبة الشباب على الرغم من أن هذا عرض لي، و كنت قادرة عليه لكن شيئاً في نفسي كان ينفرني منه، و لا أنكر هنا أنني كنت أبحث عن قصة حب حقيقية تنتهي بالزواج كما صورت لنا الأفلام التي خدعتنا بقضية الحب، و جعلتها شغلنا الشاغل، إذاً من أين تستقي ثقافتك؟ من كتاب الله؟ من سنة رسول الله؟ من سير الصحابة الأعلام؟ و أنت أيتها الفتاة من كتاب الله؟ من سنة رسول الله؟ من سير الصحابيات الأعلام أم من الأفلام؟ صدقوني أيها الأخوة صدقوني أنك إذا وازنت بين أن تستقي ثقافتك من قصص الصحابة الكرام أو من الأفلام الفرق بينهما كالفرق بين ماء طاهر عذب زلال و بين ماء آسن نجس، و لهذا قال الله عز وجل:

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾

[ سورة التوبة: 28]

 لم يقل نجسون لأن الشيء النجس يطهر أما هم فعين النجاسة، هل يطهر النجس؟ الشيء النجس يطهر أما النجس فلا يطهر، لذلك أكبر مصيبة تصيب المسلمون اليوم أنهم يقتبسون قيمهم، تصوراتهم، مبادئهم لا من الكتاب و السنة و سير الصحابة الكرام و من العلماء العاملين، لا، يستقون مبادئهم و قيمهم و تصوراتهم من الأفلام.

حجاب الفتاة إعلان أنها فتاة مسلمة محصّنة :

 ثم تقول: المهم أنني دخلت الجامعة و تخرجت منها فتاة قد وهبني الله قدراً من الجمال و الملاح ما جعلني مرغوبة من الخطاب، و لكن أحداً منهم لم يعجبني، أو لنقل لم يكتب الله لي أن أتزوج أحداً منهم، و خلال هذه الفترة كانت فكرة الحجاب تراودني فقد كنت أشعر بالذنب و الخوف أن أموت من دون حجاب، هذه ماذا نسميها؟ نسميها الفطرة، كل إنسان مبرمج وفق منهج الله فإذا خالفه يتألم، أذكر أن أحد الأخوة الكرام حدثني أنه رأى ندوة في محطة، الندوة مقابلة مع سفاح البنات، شاب مجرم كان يغتصب الفتيات و يقتلهن و قد حكم بالإعدام، باحثة اجتماعية ملتزمة أرادت أن تلتقي معه لأسباب معرفية فطلبت الإذن و قابلته، يقول هذا الأخ إنها سألته هل تعلم أنك محكوم بالإعدام؟ قال: نعم، قالت: هل تصلي؟ قال: لا، قالت: هل تقرأ القرآن؟ قال: لا، قالت: هل تشاهدت في حياتك؟ قال: ما هي الشهادة؟ قالت له: لا إله إلا الله، كلها دفعة واحدة اقرئيها عليّ كلمة كلمة، فتقول هذه الباحثة إنه حتى أتقن لفظ الشهادة مضى وقت طويل، كلمة كلمة، لا إلى أن أتقنها، إله، إلا، الله، في أي مستوى هذا؟ طبعاً ليس متعلماً إطلاقاً، لا يصلي، لا يقرأ القرآن، لا يعرف ما الشهادة، سألته: كيف فعلت هذه الجرائم؟ قال: هنا السبب، لأن ثياب الفتيات دعوة إلى اغتصابهن هكذا بالفطرة، سألته سؤالاً آخر قالت له: لو أنك رأيت فتاة محجبة- الآن دققوا فيما قال- قال: و الله لو أن أحداً تحرش بها لقتلته هذا الجاهل المجرم قال: لو أن أحداً تحرش بفتاة محجبة لقتلته، فحينما يقول الله عز وجل:

﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾

[ سورة الأحزاب: 59]

 لا يمكن لإنسان مهما كان مجرماً أن يتحرش بفتاة محجبة لأنها دخلت حصن الله عز وجل، هي في حصن حصين، حجابها حصن، حجابها إعلان أنني فتاة شريفة، حجابها إعلان أنني فتاة مسلمة، حجابها إعلان أنني فتاة محصنة، بينما الفتاة السافرة المتفلتة التي تبرز مفاتنها، مفاتنها دعوة إلى التحرش بها، الأمر جعلني أضع مصطلحاً جديداً أرجو أن تقبلوه مني تحرش النساء بالرجال عن طريق ثيابهن، و تحرش الرجال بالنساء عن طريق الكلام و اللمس، أما من البادئة؟ المرأة لذلك جاء في القرآن الكريم:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾

[ سورة النور: 2]

 لماذا بدأ الله بالمرأة؟ لأنها هي السبب، ثم يقول:

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾

[ سورة المائدة: 38]

 لماذا بدأ بالرجل؟ لأن الرجل أقدر على السرقة من المرأة، و لأن المرأة سبب الزنا فجاءت قبل الزاني.

معالجة الله التأديبية لمن نقض عهده معه :

 تقول: دخلت الجامعة و تخرجت منها فتاة قد وهبني الله قدراً من الجمال و الملاح ما جعلني مرغوبة من الخطاب، و لكن أحداً منهم لم يعجبني، أو لنقل لم يكتب الله لي أن أتزوج أحداً منهم، و خلال هذه الفترة كانت فكرة الحجاب تراودني فقد كنت أشعر بالذنب و الخوف أن أموت من دون حجاب، و كان أبي رحمه الله دائم الدعاء لنا بالحجاب، و كثيراً ما كان يكلمنا عنه، و كانت أمي كذلك أيضاً، و بعد تخرجي بسنة تقريباً كتب الله لنا الحج، و قبل الذهاب قررت أن أتحجب بعد الحج، و قد ورد في الأثر أنه: "هلك المسوفون" ضعاف الإيمان يسوفون، يقول لك: بعد الامتحان، ثم يقول: بعد التخرج، ثم يقول: بعد العمل، ثم يقول: بعد الزواج، ثم يقول: بعد الحج، هلك المسوفون، لمَ لم تقل الآن أتوب؟ إذاً: و قبل الذهاب قررت أن أتحجب بعد الحج، و ما زلت أذكر عندما قررت الحجاب، و تلك اللحظات التي عاهدت الله فيها أن أتحجب، و الدموع تتساقط من عيني، و الراحة التي أحسست بها عندما عاهدت ربي في تلك اللحظات لا توصف، الراحة التي شعرت بها حينما عاهدت ربها أن تتحجب لا توصف.
 أيها الأخوة الكرام: و الله حينما تعاهد ربك على طاعته، أو حينما تصطلح معه، أو حينما تعقد النية على طاعته، يلقي الله في قلبك من السرور و من الفرح و من السعادة ما لا يوصف، و يزيح عنك من الهموم و الضغوط و الكوابيس ما لا يوصف، لذلك كنت أقول دائماً: في قلب المؤمن من السعادة ما لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، لكن ذهبت إلى الحج و عدت و أنا مصممة على أن أتحجب، لكن عندما عادت إلى بلدها و لا أعلم أين بلدها قالت: وجدت خبر قبولي في العمل في إحدى المراكز التي كنت أسعى إليها قد تمّ، وافقوا على قبولها موظفة في مركز، أنا اخترت هذه القصة لأنها تمثل شريحة واسعة جداً في مجتمعنا، أي فتاة ثقافتها من الأفلام، طموحها أن تتعرف إلى شاب، أن ينتهي هذا التعرف بالزواج منه، رغبتها أن تكون في عمل و دققوا العمل ليس ضرورة لكن رغبة في أن تكون مع الناس، وأن يتعرف الناس إلى ملكاتها، و إلى جمالها، و راودتني نفسي كيف أتحجب؟ ماذا ألبس؟ كيف أواجه المجتمع الجديد بشكلي الجديد الذي لم أتعود عليه؟ كيف يقبل الناس مني أن أكون محجبة؟ كيف يقبل الأهل و الصديقات؟ ثم كان هناك خوف إذا تحجبت أن أبدو غير جميلة، الحقيقة هذه بوح حقيقي ليس كل شيء يقال، هناك أشياء لا تقال إطلاقاً لكن هي تقول الآن: كانت تخشى إذا تحجبت أن تبدو غير جميلة، أو أن أظهر بمظهر بشع أو متأخر، أو أن يكون في حجابي ما ينفر الخطاب مني، يوجد فكرة و العياذ بالله شيطانية من صنع الشيطان، وزبانية الشيطان، و أعوان الشيطان، أن الفتاة لا تخطب إلا إذا أبرزت مفاتنها، فإذا تحجبت انصرف عنها الخطاب.
 تقول هي عن نفسها: أسئلة سخيفة و خواطر سطحية في واقعها لكنها كانت قوية لضعف شخصيتي، و لأني كنت أخاف من الناس أكثر من خوفي من الله، كانت هذه الخواطر بمثابة الجبال وقعت على صدري، ثم تقول: و نقضت عهدي مع الله، أنا لا أنسى قصة سمعتها من إنسان هذه من باب الشيء بالشيء يذكر قال لي: أنا لي أب من كبار تجار الأغنام و كان يشتري الغنم و السمن و يبيعه في الشام، فلما كبرت سن والدي حللت محله، قال لي: ذهبت إلى البادية و معي سيارة و معي ميزان لأشتري الصوف و السمن، وقف عند أحد الموردين لوالده فبدأ يزين الصوف والده يزين بالكيلو،ـ قال لي: أنا أعطيه لهذا البدوي أرقام بالغرامات، ثلاثة و عشرون كيلو وثمانمئة غرام، فهذا البدوي طرب لهذا الوزن الدقيق ما كان يسمع بالغرامات سابقاً لكن هذا يحذف عشرة كيلو، يكون وزنها ثلاثين كيلو و ثمانمئة غرام يقول له: إحدى و عشرون و ثمانمئة غرام، بعد أن وزن الكمية الكبرى فهذا البدوي بإحساس عام هو متوقع مثلاً أن المبلغ عشرون ألفاً فكانوا اثني عشر ألفاً فقال له باللغة البدوية: إن كنت تضحك عليّ أو تلعب عليّ إن شاء الله تلقاها بصحتك، هكذا قال له البدوي، قال لي: بعد أن قال هذا الكلام إن كنت تلعب عليّ إن شاء الله تلقاها بصحتك خفت و دخلت بصراع مع نفسي قال لي: من مكان شراء الصوف إلى الضمير و أنا بصراع مع نفسي أرجع أعطيه الفرق، ساكت هل أبقى ساكتاً؟ هل أسأل بالشام علماء؟ هل أعود و أحاسبه مرة ثانية؟ قال لي: دخلت بصراع عنيف، وعندما كنت بالضمير قلت هذه الكلمة بالتعبير العامي: ضع بالخرج ما الذي حصل؟ أي أخذ موقفاً، أي حسم الموضوع و الله عز وجل قال:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: الآية 79]

 هكذا أخذ قراراً، قال لي: لم أكمل هذا الخاطر حتى وجدت نفسي في بركة من الدماء، والسيارة تعثرت، و أنا ببركة من الدماء، و الصوف مبعثر، و السمن مفتوح و مصيبة، جاء من أسعفني إلى المستشفى، و عرفت أن هذه رسالة من الله، هذا الحادث رسالة من الله، سأل أحد شيوخه و عاد إلى هذا الأعرابي و دفع له الفرق و لم يأخذه و سامحه به، فهذه قالت: ثم نقضت عهدي مع الله، عمــل و بين الرجال و جميلة و ثياب فخمة جداً قالت: و استلمت العمل، و قبل استلامي العمل تجهزت تجهيزاً كاملاً، و اشتريت كماً هائلاً من الملابس الفاخرة، يبدو أنها من أسرة غنية و ليست بحاجة إلى العمل لكن بحاجة إلى الظهور، و هي صريحة مع نفسها، و قد تستغربون لو قلت لكم: إنني سافرت لمدة أسبوع إلى الخارج لأشتري تلك الملابس كي تبدو في أجمل مظهر، و الله العظيم بعضاً من تلك الملابس لم ألبسها و لا مرة واحدة و قد تصدقت بها مؤخراً، و لا تزال عليها أكياسها الحافظة، و ذلك لتعرفوا أن الله عز وجل لم يكن راضياً عنها، و قد أزيلت منها البركة، و استلمت العمل الجديد، و كنت بلا مبالغة محط أنظار الجميع، المرأة حينما تنقطع عن الله تحب أن تكون محط أنظار الجميع، و كنت سعيدة و أنا أرى هذا الاهتمام بي، و لم يكن بي ندم أو خوف لنقض العهد، و مرّ حوالي أربعة أشهر على توظيفي:

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 79]

 اتخذت قراراً ألا تتحجب، و نقضت عهدها مع الله، و أرادت أن تكون في أبهى زينة أمام الأجانب لتلفت نظرهم، و تستمتع باهتمامهم بها، و إعجابهم لها، وتسمع منهم كلمات معسولة دائماً، قال: في أحد الأيام أحسست بألم في وجهي و احمرار شديد فإذا بوجهي فيه بعض البثور بدأت تظهر فجأة، فقمت بغسل وجهي ببعض الأدوية و المطهرات، و كلي أمل أن هذه البثور سوف تزول بعد يوم أو يومين، و لكنها بقيت بل زادت و أصبحت وسادتي و الله مليئة بالدم و القيح، شيء غريب لم يحدث لي هذا في كل حياتي، فقد كانت في السابق تظهر لي حبة أو اثنتان ثم تزولان بعد فترة دون ترك أثر، لكن ما حصل لي فجأة بين ليلة و ضحاها و دون سابق إنذار هي بثور مركبة الواحدة فوق الأخرى، و قيح و دماء و صديد شوه وجهي و لم يسلم مكان في وجهي من تلك البثور، أسرعت إلى الطبيب و كتب لي الدواء و غسولاً فلم ينفع الدواء، رجعت له مرة أخرى فكتب لي حبوباً فلم تنفعني، ذهبت إلى طبيب آخر فكتب لي أقصى دواء يمكن أن يكتب لعلاج حب الشباب، و ذلك بعد أن عمل كل الفحوصات اللازمة و لم يجد أي سبب عضوي يؤدي إلى تلك الحالة البشعة التي شوهت وجهي، و كتب لي دواء يعمل على تنشيف الدهن تماماً من الجسد، و حتى أنه يمنع من استعماله من كانت حاملاً، و يمنع من استعماله من كانت تلبس عدسات لاصقة، لأنه كما ذكرت ينشف الجسم تماماً، و مع ذلك لم تشفَ، حكمة إلهية أي إذا الله عز وجل أراد أن يداوي إنساناً فدواؤه فعال، لا طبيب، و لا دواء، ولا حبوب، و لا غسول، بل إنني ذهبت إلى طبيب في الخارج في لندن ففحصني و بعد الفحص قال لي: سوف أكتب لك علاجاً لا أرى أقوى منه قادراً على عمل شيء لحالتك، فلما نظرت إلى ما كتب فإذا هو نفس الدواء الذي لم ينفع في السابق، فلما أخبرته قال لي: أنا آسف إن هذا الدواء هو أقوى دواء يمكن أن يكتب لمريض، و ما بعد ذلك فليس بيدي و لا أستطيع أن أعمل لك شيئاً.
 كانت حالتي النفسية صعبة جداً، محطمة تماماً، و كنت أبكي في الليل وحدي، و لم أكن أظهر لأحد ضيقي حتى لا يشفقوا عليّ، و لكني كنت أرى نظرات الأسى في عين أمي و أبي وأخواتي، و قد كرهت حتى أن أنظر إلى نفسي في المرآة، و كان الجميع يتقدم بالنصح لي في طريقة العلاج، و كان هذا سبباً في زيادة تعاستي و شقائي، و كان ما بوجهي من دمامل وبثور يجعل بعض النساء ينفرن من تقبيلي عند السلام خوفاً على بشرتهن، و كان ذلك بمثابة السكاكين في قلبي.

 

رحمة الله بعباده :

 أخواننا الكرام: و الله ما ذكرت هذه القصة إلا لأن كل واحد منا معرض لمعالجة تأديبية من الله لو نقض عهده مع الله طبعاً:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 الشارد عن الله له حساب خاص، حسابه يوم القيامة، أما الذي في قلبه إيمان و يقصر وينقض عهده مع الله فلابد من تأديب لأن الله رحيم:

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة الأنعام: 147]

 أعرف فتاة يوجد قرابة بعيدة غير ملتزمة و غير منضبطة، أرادت أن تتوظف في سلك التعليم طلب منها شهادة صحية، ذهبت إلى مستشفى عام لتصوير صدرها بعد أيام جاءت النتيجة أنها مصابة بالسل، و أحياناً لإحكام العلاج يلهم الله من حولها أن ينفروا منها، فأخواتها في البيت و أخوتها خافوا على أنفسهم فابتعدوا عنها، أعطوها أدوات خاصة ومناشف خاصة و صحون خاصة، هذا زاد من ألمها، و لم تجد بداً من التوبة إلى الله عز وجل فتابت، و صلت، و قرأت القرآن، و تحجبت، و اصطلحت مع ربها، بعد حين ذهب أخوها ليأتي بالنتيجة الدقيقة فإذا النتيجة قد أعطيت لها خطأ فهل أخطؤوا الذين أعطوها هذه النتيجة؟ عند الله لم يخطؤوا، الخطأ الله عز وجل يوظفه لصالح الإنسان، أعرف امرأة سمعت قصتها أنها ذهبت إلى بلد عربي للتدريس في مدرسة بعيدة عن المدن، كلفتها المديرة أن تدرس تربية دينية، و هي اختصاصها رياضيات، و للصف العاشر، قالت لها: أنا لا أحسن هذه المادة أنا اختصاصي رياضيات، فأجابتها: إن لم تقبلي لا مكان لك عندي، فاضطرت أن تدرس التربية الدينية، تقول: فتحت أول درس آيات الحجاب، هي غير محجبة في بلدها فأصبحت تبكي، أي من شدة تأثرها بهذه الآيات قالت لتلميذاتها: اعذروني هذا الدرس اقرؤوا ما شئتم، أنا أبدأ التدريس في الأسبوع القادم، و انعقدت توبتها في هذا الدرس، معنى ذلك أن المديرة التي ألزمتها أن تدرس تربية دينية عند الله لم تكن مخطئة، الله يوظف الخطأ لصالح الإنسان، ثم في ليلة ذكرت الله فيها فعلمت أن السبب هو نقضي للعهد مع الله، سبب هذا المرض الذي أعيا الأطباء في بلدها وفي بلد غربي و لم ينجح دواء في معالجتها، لأن الإنسان أحياناً حينما تأتيه مصيبة يلجأ إلى أبواب في الأرض، فربنا عز وجل لحكمة بالغة يغلق كل هذه الأبواب، لم يعد هناك باب إلا باب السماء، أو لم يبق من باب إلا الباب المفتوح نحو السماء.

التوبة النصوح و العودة إلى الله هما الدواء الشافي لكل إنسان :

 قالت: فعلمت أن السبب هو نقضي العهد مع الله، لقد كنت أخاف أن أبدو غير جميلة إذا تحجبت، فكان الله عز وجل قد أرسل لي هذه الرسالة، هذه البثور رسالة يا أخوان، رسالة من الله، كأنها شعرت أن الله بهذه الرسالة يقول لها: كيف ترين نفسك الآن؟ أنت نقضت عهدك من أجل أن يبدو جمالك، و قد كرهت أنت قبل غيرك النظر إلى وجهك في المرآة لشدة ما به، أليس الجمال هبــة من الله عز وجل؟ أليس الذي خلق الجمال و وهب الجمال بقادر على أن يزيله بلمحة عين؟ ثم هداني الله إلى التداوي بدواء من عنده، الله عز وجل رب الداء و رب الدواء:

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء: 80]

 كانت توبتها النصوح و عزمها على الحجاب هو الدواء الشافي، هي تقول: تداويت بالقرآن، و بدأت تصلي و تذكر الله عز وجل و تقسم بالله أن دعاءها يخرج من كل خلية من جسمها تقول: اللهم اشفِ أنت الشافي المعافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً. تقول: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان و هامة و من كل عين لامة. قالت:
 و الله بعد ثلاثة أيام فقط من بدء توبتي و قراءة القرآن انطفأت النار التي كانت تأكل وجهي، و هدأت براكين القيح و الصديد و الدمامل، و بدأت الحبوب و البثور بالجفاف، و ذهبت الآلام و الحمد لله و لله المنة و الفضل.
 الأبواب الأرضية كلها أغلقت، مفتوح لها باب السماء، فلما توجهت إلى الله، و تابت إليه، وعاهدته على الحجاب، و ذكرت الله ذكراً كثيراً، منّ الله عليها بالشفاء التام، قالت: و هنا قررت أن أتحجب، و أن أستقيل من عملي، فتاة تظهر مفاتنها بين الرجال كل يوم هذه فتاة تقع في معصية الله عز وجل، قالت: و بعد توبتها إلى الله و حجابها و شفائها اتخذت قراراً بالاستقالة من عملها، و في تلك الأشهر شاء الله عز وجل أن يمرض أبي، و ذهبت معه والأهل إلى الخارج للعلاج، و هناك تحجبت، و كان حجابي في أول الأمر حجاباً عادياً، أي أنني لبست الحجاب على رأسي مع ثياب عادية، و حمدت الله على هذا كثيراً، و لكن بعد فترة وجيزة هناك زاد المرض على أبي، و أدركنا أنه كان يعاني من مرض خبيث، و رأيت أبي أمام عيني يتحول من شخص مهيب كبير إلى هيكل عظمي ضعيف، و صوته المجلجل الذي كان يملأ أركان البيت لم يكن يستطيع حتى أن يظهره، فكان لا يتكلم إلا همساً و بشق الأنفس، رأيت الإنسان حينما تسلب منه إرادته و قدرته رويداً رويداً كيف يكون، فاتضح لي الطريق وتحولت حياتي منذ تلك اللحظة و قـررت أن أستعد لهذا المصير، أليس هذا هو ما نسير إليه مسرعين؟ لقد قررت أن أكون أول الباكين و أكثر المشفقين على نفسي قبل أبي، بأن أعمل لها، و أمهد لها، فلن ينفعني جمال و لا مال و لا قوة ما لم تكن هناك صلة بالله عز وجل أتكئ عليها عند المصائب و الشدائد.
 و توفي أبي رحمه الله و عدت بعد وفاة أبي إلى بلدي، و قد ارتديت الحجاب الكامل والعباءة و ارتديتها عن يقين، و عن ثقة، و عن صلابة، لا تأبه بالسخفاء الذين لازالوا يحسبون للدنيا ألف حساب، و ما حسبت لهم الدنيا و لا الآخرة حساباً، إنني الآن أنظر في المرآة إلى وجهي وبه بقايا من بثور هي الآن عزيزة على نفسي، حبيبة إلي و إلى قلبي، فقد كانت رسالة من الله عز وجل لي، و هي سبب هدايتي و توبتي، لذلك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 216]

 تقول صاحبة هذه الرسالة: فمن يدري لو لم تكن هذه البثور في وجهي لربما لم تتغير حياتي، و لما شعرت أنني أسير في طريق خطأ، هذه تربية الله للإنسان، هذا تأديب الله للإنسان، هذا معنى أن الله رب العالمين.
 أخبركم بأنني بعد حجابي بسنة قد منّ الله عليّ بالزواج، الآن اصطلحت مع الله، و شفيت من مرضها، و تحجبت حجاباً كاملاً، الآن هي منقبة، معنى منقبة أنها تستر وجهها، قال: منّ الله عليّ بالزواج ثم بالأولاد و تلك نعمة من الله، فليس الأمر بالجمال و الملاحة إنما الأمر بالعمل بما يرضي الله، و بالبركة التي هي من عند الله، فهو الرازق و هو المانح، كما أنني بعد فترة من الوقت و بعد ازدياد حضوري للدروس الدينية قد منّ الله عليّ بالنقاب، النقاب: ستر الوجه، و أنا الآن امرأة سعيدة بمعية الله، فهي أكبر نعمة منحها الله لي، و أرجو ألا تسلب مني، و أن يمن الله بها على جميع المسلمين و المسلمات و القراء و القارئات، و يحفظ ديننا ويختم به صالح عملنا، و يتوفانا و هو راض عنا إنه كريم رحيم، آمين.

الراحة في الدنيا تكون بحالتين فقط :

 هذه قصة عثرت عليها في موقع معلوماتي، رأيتها نموذجية في أنها تمثل أكبر شريحة في المجتمع، نحن دعونا من الملحدين، دعونا من الكفار، دعونا من العصاة، دعونا من الذين يرتكبون الكبائر، و دعونا من المتفوقين في الدين، هؤلاء وصلوا إلى ما وصلوا، لكن نحن مع من؟ مع شريحة لا هي مستعدة أن تكون عدوة للدين و لا هي تطبق أحكام الدين، هذه بين بين، هذه المشكلة.
 أب عنده ثلاثة أولاد، ابن متفوق جداً هذا يكرمه، و ابن معتوه هذا أيضاً يتركه لأنه معتوه، أما الابن الثالث فذكي جداً لكنه مقصر جداً، تنصب معالجة الأب على هذا الابن الثالث عنده إمكانيات لا يستغلها، فلذلك ترتاح في الدنيا في حالتين: حينما يكون ميؤوساً منك أن تعرف الله:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 و ترتاح أيضاً إذا كنت متفوقاً وفق منهج الله، أما إذا كنت بين بين لا من هؤلاء و لا من هؤلاء، لست بعيداً عن الدين كما أنك لست مطبقاً له فعندئذ تأتي المعالجات، فهذه فتاة نشأت في أسرة صالحة، و لها أبوان صالحان لكنهما ليس كما ينبغي أن يكون الأبوان، ارتكبت بعض المعاصي و الذنوب، ذهبت إلى الحج، عاهدت ربها على أن تتحجب بعد الحج، لكن فوجئت أنها قبلت في العمل فنقضت عهدها مع الله، و ألغت الحجاب، و تجملت بأجمل الثياب، و لفتت أنظار الموظفين و أصبحت قبلة أنظارهم ثم جاء العلاج الإلهي.
 هي خافت أن تتحجب لئلا يذهب جمالها فحجب الله عنها الجمال لأن الذي يمنح الجمال يأخذه في أي وقت.
 أيها الأخوة: مرة سمعت قصة رويتها لأخ كريم اليوم، إنسان أعرابي في شمال جدة لما توسعت جدة اقتربت من أرضه فوصل إلى جدة ليبيع أرضه و قد ارتفع سعرها، يوجد مكتب عقاري اشتراها منها بربع قيمتها، احتال عليه و أخذها منه حيلة، أنشئت عمارة ضخمة في جدة من اثني عشر طابقاً، هؤلاء الذين اشتروا هذه الأرض أنشؤوا هذه العمارة، هم شركاء ثلاثة، الشريك الأول وقع من أعلى سطح البناء فنزل ميتاً، و الشريك الثاني مات بحادث سير، انتبه الثالث فبحث عن صاحب الأرض ستة أشهر حتى عثر عليه و نقده ثلاثة أضعاف حصته، فقال له البدوي: أنت لحقت نفسك، فنحن يجب أن ننتبه لأنفسنا، إذا شخص له تقصيرات، له مخالفات، عليه أن يصطلح مع الله، و عليه أن يتوب إليه، كما هذه الفتاة لما اصطلحت مع الله جاء من يتزوجها و هو زوج صالح، و أنجبت أولاداً، و أصبحت في أحلى حالة مع الله عز وجل، أما حينما كانت شاردة، حينما أرادت أن تلفت نظر الموظفين، حينما ارتدت أجمل الثياب و أبرزت مفاتنها للأجانب عاقبها الله عز وجل بأثمن ما تملكه الفتاة جمالها، هذه قصة متكررة.

من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر :

 أخواننا الكرام: لابد من تعقيب من كتاب الله، في سورة القلم قصة أصحاب الجنة، أصحاب البساتين إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين و لا يستثنون، أي أرادوا أن يمنعوا حق الفقير، أخذوا قراراً:

﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾

[ سورة القلم: 19]

 أي قد يكون أصابها صقيع فأصبحت كالصريم كأنها مقطوعة:

﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾

[ سورة القلم : 21-26]

 ليست هذه بساتيننا:

﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴾

[ سورة القلم: 26]

 ثم تيقنوا أنها هي هي:

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾

[ سورة القلم: 27-29]

 هذه القصة كلها بكلمتين، قال الله:

﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

[ سورة القلم: 33]

 أي عذاب أسوقه لعبادي من هذا القبيل، عذاب تأديبي، أي عذاب أسوقه لعبادي في الدنيا من هذا النوع، اتخذوا قراراً أن يحرموا الفقير فجاءها صقيع أتلف كل المحاصيل:

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُون﴾

[ سورة القلم:26-28]

 لو سبحتم ربكم لما وقعتم في هذه المعصية، معصية البخل و حرمان حق الفقير:

﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ * كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

[ سورة القلم: 29-33]

 كل أنواع البلاء و أنواع الشقاء و أنواع المرض و أنواع الفقر و القهر إنما هي تأديب إلهي، و من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر، أسأل الله لي و لكم التوبة النصوح، و العمل الصالح، و الاستقامة التي ترضي الله.

 

من كان مع الله كان الله معه :

 مرة قال لي شخص كلمة أراد أن يداعبني بها، قال لي: أنت تدرس من ست و عشرين سنة، قلت له: نعم، قال لي: هذه الدعوة ما ملخصها؟ قلت له: كلمتان فقط، قال لي: تفضل، قلت له: إما أن تأتي راكضاً و إما أن يأتي بك هو راكضاً، إما أن تأتيه بنفسك طائعاً مستسلماً صائماً مصلياً مقبلاً ذاكراً، أو الله عنده أساليب يركضك ركضاً، أعرف إنسانة لا أعرف حالها الآن، طبعاً أخبار، متفلتة جداً لا تعبأ لا بدين، و لا بخلق، جاءها مرض عضال - ورم خبيث - كانت تقول: لو أن الله شفاني لأفعل الأفاعيل، الله يعلم كيف يداوي، و دواؤه مر، و بطشه شديد، و يعرف المكان الصعب، المكان الذي يهز أركانك يعرفه الله عز وجل فإن كنت معه كان الله معك:

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــا  فإنـــا منحنا بالرضا من أحبنـــــــا
ولـــذ بحمانا و احتمِ بجنابنــــــــــــا  لنحميـك مما فيه أشرار خلقنـــــــا
وعن ذكرنا لا يشـغلنك شاغـــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة و الهنا
وسلم لنا الأمر في كل ما يكـــن  فـما القرب و الإبعاد إلا بأمرنـــــــا
فلو شاهدت عيناك من حسننــــا  الذي رأوه لما وليـت عنا لغيرنـــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنـا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـا
و لو ذقت من طعم الـمحبــــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــا
***

 أي أجمل لحظات الحياة أن تعقد التوبة النصوحة مع الله، أجمل لحظات الحياة أن تشعر أن الله يحبك، و هو راض عنك، و أن عملك وفق منهج الله، و أن عملك ليس فيه عدوان و لا تجاوز، و لا تقصير، و أن هذه السعادة العظيمة و الموت سوف يأتي فجأة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018