بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 052 - السلوك إلى الله .


2003-08-08

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الدّين هو حياة الإنسان :

أيها الأخوة الكرام ، أردت أن يكون الحديث بفضل الله عز وجل عن السلوك إلى الله.
التجارة تهدف إلى الربح
أيها الأخوة الكرام، أول حقيقة أبدأ بتمهيد لها، التجارة كما تعلمون فيها عشرات بل مئات النشاطات بدءاً من التسجيل في الدوائر الرسمية، إلى تأمين مكاتب، مستودعات، تعيين موظفين، استقدام عروض من الشركات، اختيار، ترويج، بيع، تحصيل، محاسبة، جرد، مئات النشاطات في التجارة كل هذه النشاطات يجب أن تنتهي إلى كلمة واحدة هي الربح وإلا فليست بتجارة، هذا المثل الصارخ أريد أن أطبقه على شؤون الدين، بالدين نشاطات لا تعد ولا تحصى، الدين واسع جداً، الدين هو حياة الإنسان، في حضور دروس، في إنشاء مساجد، في تأليف كتب، في حضور مؤتمرات، في دعوة إلى الله، في أعمال بر، في أعمال توزيع الصدقات والزكاة، أي أعمال البر والنشاطات في الدين لا تعد ولا تحصى، ولكن هناك حقيقة مرة هل تستطيع بعد كل هذه النشاطات أن تعقد مع الله صلة؟ بالتأكيد الله عز وجل لا يقبلك إلا إذا كنت تائباً مستقيماً مطيعاً له، محباً مخلصاً مريداً، تستطيع أن تفعل عشرات النشاطات وأنت في حقل الدين ولا تستطيع أن تعقد مع الله صلة، هنا المشكلة، يا ترى كل إنسان ارتاد المسجد له مع الله صلة؟ كل إنسان أدى الفرائض الخمس له مع الله صلة، كل إنسان رفع شعاراً إسلامياً له مع الله صلة، كل إنسان كان اهتمامه إسلامياً له مع الله صلة، لأن الاستقامة والمنهج من أجل أن تتصل بالله، والصوم من أجل أن تتصل بالله، والحج من أجل أن تتصل بالله، والزكاة من أجل أن تتصل بالله، وغض البصر من أجل أن تتصل بالله، وضبط اللسان من أجل أن تتصل بالله، وأن تحفظ الرأس وما وعى من أجل أن تتصل بالله، فهل تستطيع أن تعقد مع الله صلة؟ هل لك معه مناجاة؟ هل تخشع في الصلاة؟ هل صلاتك في البيت كصلاتك في المسجد؟ هل لك سريرة وعلانية؟ هل لك خلوة وجلوة؟

الصلة مع الله عز وجل :

هذه أسئلة أيها الأخوة سوف نحاسب عليها في القبر، ممكن أن يكون لك نشاط كبير لا سمح الله ولا قدر تبتغي به الدنيا، وفي داخل الحيز الديني دنيا، هناك شهوات، وأهواء، وقوى، وقوى جذب، ضمن الحقل الديني، وهناك دنيا ضمن الحقل الديني، وشهوات ضمن الحقل الديني، فالذي أتمناه بادئ ذي بدء أن تراجع نفسك، وأن الكلام والله موجه إليّ قبل أن يوجه إليكم، تراجع نفسك، هل هناك خلل بالعلاقة مع الله؟ هل تحب أن تستأنس بالناس دائماً ولا تستطيع أن تجلس وحدك ولا دقيقة؟ هل تحس بجفاف وأنت وحدك؟ هل تحس بتصحر وأنت وحدك؟ أم أن لك صلة بالله عز وجل؟ فهذا الدرس أيها الأخوة في أربعة مرتكزات:
هل تستأنس بالناس أم بالله؟
أول مرتكز الصلة... أقول الصلة ولم أقل الصلاة، لأن معظم المسلمين يصلون، الصلة، هل تنعقد لك صلة مع الله عز وجل في الصلاة؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه : 14]

ويقول:

﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق : 19]

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((الصلاة نور ))

[مسلم عن أبي مالك الأشعري ]

والصلاة طهور، والصلاة مسعدة :

(( أرحنا بها يا بلال ))

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

أي حضور، والصلاة معراج المؤمن، والصلاة عقد، والصلاة مناجاة :

(( ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

حاجة الصلاة إلى الاستقامة و الإخلاص :

الذي أتمناه أيها الأخوة على نفسي وعليكم ألا تضيع أعمارنا سدى، ألا تضيع أعمارنا في القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، النبي عليه الصلاة والسلام أقسم رب السموات والأرض بعمره الثمين قال له:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 72]

كم من الهموم تصرفنا عما خلقنا من أجله
ما هذا العمر الذي لم يضيع فيه دقيقة سدى؟ فكم من مشكلة يمكن أن تصرفنا عن الله عز وجل، وكم من خصومة يمكن أن تبعدنا عن طريق الله عز وجل، وكم من همٍّ في الدنيا يمكن أن يصرفنا عما خلقنا من أجله، فأول سؤال: هل تستطيع أن تعقد مع الله صلة فيما بينك وبينه؟ تستطيع أن تدخل المسجد، وتستطيع أن تتوضأ وضوءاً كاملاً وتصلي، لكن هل لك مع الله صلة؟ هل تستطيع أن تغض بصرك عن محارم الله؟ هل تعبد الله فيما بينك وبينه؟ هل تختلف استقامتك فيما بينك وبين نفسك عما هي فيما بينك وبين عباده؟ هذه أسئلة أيها الأخوة أساسية، الصلاة تحتاج إلى استقامة، وتحتاج إلى إخلاص، في العمل استقامة وفي القلب إخلاص، فإذا توافر الإخلاص والاستقامة شعرت أنك قريب من الله عز وجل، وإذا كنت مع الله كان الله معك، وإذا كان الله معك كان معك كل شيء، وإذا تخلى الله عنك تخلى عنك كل شيء، ودائماً أقول: يا ربي ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك؟ الواحد منا أيها الأخوة يحتاج من حين لآخر إلى مراجعة حساباته مع الله، ليكن صريحاً مع نفسه هل تعجبه صلاته؟ هل يتلو القرآن كل يوم؟ هل تعجبه تلاوته؟ هل يخشع في أثناء تلاوة القرآن؟ هل يخشع إذا ذكر الله؟ هل قلبه قريب من الله؟ هل إذا ذكر الله وجل قلبه؟
لابد أن نطبق ما نقرأه في القرآن
نحن حينما نقرأ القرآن أيها الأخوة لماذا لا نطبق آيات القرآن الكريم على أحوالنا؟

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 2 ]

هل يطرب قلبك محبة لله؟ هل تنهال من عينيك دموع الخشية؟ فهذا الذي يقرأ القرآن ولا يشعر بشيء، ويصلي ولا يشعر بشيء، ويذكر الله ولا يشعر بشيء، عنده خلل خطير، الأعمال المادية في الإسلام سهلة جداً، يمكن أن تنفق، ويمكن أن تأتي إلى الدرس، ويمكن أن تفعل أي شيء لا يكلفك إلا جهداً مادياً، أما هل تستطيع أن تشعر أنك قريب من الله عز وجل؟

(( الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين ))

[البيهقي في شعب الإيمان عن عمر ]

عدم انعقاد الصلاة إلا بالتوبة و الاستقامة و الإخلاص :

وحينما قال الله عز وجل:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاة﴾

[ سورة مريم: 59 ]

لاتنعقد الصلاة إلا بتوبة واستقامة وإخلاص لله
أجمعوا العلماء على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، ولكن يعني تفريغها من مضمونها، فالمؤمن يحافظ على صلواته الخمس، يتم ركوعها وسجودها وخشوعها، يشعر أنه في الصلاة كان مع الله، والله عز وجل كما قلت اليوم في الخطبة: إذا بدأ العبد بالصلاة وانصرف عن الله لهمومه أرخيت حجب بينه وبين الله، أما إذا بدأ الصلاة وتوجه إلى الله عز وجل رفعت هذه الحجب، أيعقل أن يكون أمر الله أمر خالق الأكوان حركات تؤدى لا معنى لها؟ حركات تؤدى وكلمات يتفوه بها الإنسان وتكبير وتسليم وانتهى الأمر؟ إذا كان بالصلاة خلل فأكيد بالاستقامة هناك خلل، إذا كان بالصلاة خلل فبالنوايا خلل، لا تنعقد الصلاة إلا بتوبة واستقامة وإخلاص لله عز وجل، وكيف أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:" أرحنا بها يا بلال"، النبي يرتاح في الصلاة، والمؤمن كذلك يرتاح في الصلاة، إذا صلى صلاة خاشعاً شعر أنه مع الله، وهو قائم بالله، هذه واحدة.
أول شيء نسأل عنه يوم القيامة الصلاة
الدين أحياناً له تفاصيل لا تتسع لها المجلدات، وأحياناً الدين يضغط في كلمات، والإنسان كما أنه يحب التفاصيل من حين إلى آخر يحب الإيجاز، الدين انعقاد صلة بالله عز وجل، الشهادة تؤدى مرة واحدة، والصوم قد يسقط عن المريض أو المسافر، والحج يسقط عن الفقير، والزكاة تسقط عن الفقير، إذاً الإنسان قد لا يحج وهو في قمة تألقه مع الله، وقد لا يزكي، وقد لا يصوم، مريض، أما الصلاة فهي الفرض المتكرر، الذي لا يسقط بحال، و أول شيء نسأل عنه يوم القيامة الصلاة فإن قبلت قبل العمل، وإن رفضت رفض العمل، هذه واحدة.
وأما معنى قول الله عز وجل:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 23]

لا يعقل أن تصلي دائماً هناك خمس صلوات، لكن الذي يعقل أن تكون مع الله دائماً، أن تتصل بالله من خلال الدعاء، من خلال الاستغفار، من خلال الذكر، من خلال المناجاة، من خلال التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، من خلال النظر في ملكوت السموات والأرض، هذه واحدة.
فكلما حسنّا صلواتنا نرتقي عند الله عز وجل.

قيمة الإنسان أن يكون حيث أمره الله و أن يبتعد عما نهاه عنه :

سأذكر لكم موقفاً للنبي عليه الصلاة والسلام، كان مع أصحابه مروا بقبر، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم ))

[ابن المبارك عن أبي هريرة ]

ركعتان؛ قل هو الله أحد الله أكبر:

(( خير له من كل دنياكم ))

[ابن المبارك عن أبي هريرة ]

الإنسان حينما يموت ينتهي كل شيء ملف وأغلق، قد يملك مليارات. الموت ينهي كل شيء

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ابن المبارك عن أبي هريرة ]

نحن أحياء أيها الأخوة والحي كل شيء يمكن أن يفعله، يمكن أن يتوب، يمكن أن يلقى الله وهو راضٍ عنه، يمكن أن يصحح، يمكن أن يستغفر، يمكن أن يصلح كل أعماله السيئة.

﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾

[ سورة الفرقان: 70 ]

ما دام القلب ينبض، وما دام في الحياة بقية، وما دام الإنسان قادراً على أن يتوب إلى الله توبةً نصوحة، أما المشكلة أنك تجد إنساناً يأتي إلى المسجد لكن بناته ليس كما يرضي الله عز وجل، وأهله ليس كما يرضي الله، وأجهزة اللهو في البيت ترتفع أصواتها فتملأ الفضاء صدىً، كيف يسمح لمؤمن أن يسمع الغناء في بيته والغناء محرم بالنصوص القطعية؟ معظم الناس في بيوتهم الأغاني، والتمثيليات، والمسلسلات، ومن قناة إلى قناة، والأولاد لهم قناة يرونها بعد الثانية ليلاً بغيبة عن آبائهم، والبنات لهن بعض الأجهزة، سلوك معين وصاحب البيت مسلم، وصورة الكعبة معلقة على الحائط، وإذا كان عنده محل تجاري:

﴿فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الفتح : 1]

وبسم الله الرحمن الرحيم، ومصحف معلق بالسيارة، أترى المظاهر؟ لا قيمة لها إطلاقاً عند الله، القيمة أن تكون حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، هنا.

الصلاة قمة العبادات :

أنا في هذا الدرس الأخير بين السورتين من القلب للقلب، هناك مظاهر صارخة بالإسلام، أي يعمل عمرة والله شيء جميل، أبيض بأبيض كله درجة أولى، وعطر مسك معه، ومسبحة تركواز، لكن المعاصي موجودة بالبيت، وبناته ليسوا على ما يرضي الله عز وجل، وزوجته ليست على ما يرضي الله، وأولاده لم يطلبوا العلم الشرعي، لم يحملهم على طاعة الله، هذا واقع المسلمين واقع المسلمين أن إسلامهم أصبح مظاهر فقط
أما حينما نكون كما أراد الله عز وجل والله لن نغلب من قلة.

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

نحن مليار وأربعمئة مليون أصبحنا، وليست كلمتنا هي العليا، وليس أمرنا بيدنا وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، وكيف يقول الله عز وجل:

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 141]

الصلاة قمة العبادات
هذا البند الأول، بند الاتصال بالله عز وجل، فلو أن الإنسان ألزم نفسه بخمس صفحات يومياً يقرأها عقب صلاة الفجر، لو ألزم نفسه بالتفكر في خلق السموات والأرض، لو ألزم نفسه بأذكار النبي عليه الصلاة والسلام في كتاب النووي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لأن الإنسان بين ملك وشيطان، فإذا ابتعد عن ذكر الله عز وجل خطفه الشيطان، بمشاريع، وبأشياء جميلة جداً، يغوص بحديث ممتع لا يرضي الله عز وجل، يغوص بعلاقات لا تهديه إلى سواء السبيل.

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف : 28]

فالصلاة قمة العبادات، حتى أن بعض العلماء يقول: في الصلاة معنى الصوم إنك في شهر الصيام تمتنع عن الطعام والشراب، وأنت في الصلاة تمتنع عن الطعام والشراب والحركة والكلام، وفي الصلاة معنى الحج لأنك تتجه في كل الصلوات إلى بيت الله الحرام، وفي الصلاة معنى الزكاة، لأن الوقت أصلاً في كسب المال، فأنت اقتطعت من وقتك وقتاً لعبادة الله عز وجل، وفي الصلاة معنى الصيام، ومعنى الحج، ومعنى الزكاة، وفيها إعلان الشهادة أشهد أن لا إله إلا الله - في القعود الأخير أو في العقود الأوسط - وأشهد أن محمداً رسول الله.

الإسلام استقامة :

الآن أخوانا الكرام: الإسلام استقامة، قبل أن تستقيم لن تجد في الدين شيئاً إلا مظاهر، قبل أن تستقيم:

﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

[ سورة النساء: 142 ]

حين تستقيم على أمر الله يلقي الله في قلبك نورا
قبل أن تستقيم الدين لا يشغلك إطلاقاً، لا تعنيك كتب الدين، ولا بحوث الدين، ولا شيء متعلق بالدين، تعنيك الدنيا فقط، أما حينما تستقيم على أمر الله يلقي الله في قلبك نوراً، الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد : 28]

فأنا أقول لكم من القلب للقلب، ما لم تستقم على أمر الله لن تقطف من الدين أي ثمرة، قد يكون لك شأن كبير في حقل ديني، قد يكون لك باع طويل، قد يكون لك سمعة كبيرة، هذه لا تغني عن أن يكون لك عند الله مكانة.
دخل على النبي عليه الصلاة والسلام رجل فقير جداً، فالنبي رحب به ترحيباً شديداً، استغرب الصحابة، قال له: أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي؟! قال: نعم يا أخي خامل في الأرض علم في السماء، فاتقوا الرفعة عند الله.
والله أيها الأخوة هناك شاب قد يكون قلامة ظفره تساوي عند الله ملايين الرجال، قلامة ظفره بإخلاصه واستقامته، وأنا أقول هذا الكلام لكل شاب وأطمئنه:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 21]

المسلم المؤمن التقي في أعلى عليين في الدنيا والآخرة
والله زوال الكون أهون على الله من ألا يكون المسلم المؤمن المتقي في أعلى عليين في الدنيا والآخرة، ولكن كل شيء له أوان وله حين، من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أي مستحيل إنسان يمشي مع الله عز وجل بإخلاص وطاعة وأن يكون في مؤخرة الركب، لا، بل في المقدمة، ويرفع الله له ذكره.
أكثر إنسان تلتقي معه يقول لك: أنا مستقيم، مستقيم بحسب ظنه لا بحسب مقياس الشرع، هذه المشكلة، يغتاب لا يوجد مشكلة عنده، يجلس جلسة مختلطة مع امرأة لا تحل له، هذه أخت زوجتي نحن أهل أعوذ بالله أستاذ نحن واحد، لا يوجد عنده مشكلة، النبي قال:" الحمو الموت" أي النبي كان مخطئاً؟ أنت على صواب! فمستقيم بحسب زعمه، أما في دخله هناك شبهات، والله الحمد لله أكرمنا الله بتاجر نحن وضعنا أموالنا عنده يعطينا ربحاً ثابتاً، لا يوجد مشكلة أبداً، لا حسابات ولا مشاكل، الحمد لله، هو مرتاح تماماً و لكن هذا ربا، ربح ثابت ربا، والربا شيء خطير جداً، ماله فيه شبهات، علاقاته الاجتماعية فيها اختلاط، بإطلاق بصره هناك آثام، يقول لك: أنا مستقيم، أنا أتمنى لا أن تعرض استقامتك على من حولك من عامة الناس، ولا أن تعرض استقامتك على الطبقة الدنيا في المجتمع، يجب أن تعرض استقامتك على منهج الله عز وجل، والدليل: الآن أكثر الناس يقول لك: أنا لست نبياً يا أخي لا تزودها الله عز وجل قال: قس استقامتك بمنهج الله القرآن

 

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾

 

[ سورة هود: 112 ]

أنت لست نبياً ولا بقدر قلامة ظفر نبي، ولكن الله أمرك أن تستقيم كما استقام النبي، بدليل أقوى بدليل أوضح: إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، وبمثل صارخ: أقل ممرض بالمستشفى إذا أراد إعطاء حقنة لمريض يجب أن يعقمها مثل طبيب قلب، هذه أمور حدية لا تقبل النسبية، أمور حدية، أنت مؤمن عادي وأقل من عادي يجب أن تستقيم على أمر الله، بكسب المال، وبإنفاق المال، وبالجوارح، وبعينيك، وبأذنيك، وبلسانك، وبحركاتك، وسكناتك، فما لم تفكر تفكيراً جدياً بتغيير عاداتك، كل واحد نشأ ببيت هناك أشياء محرمة تقترف بهذا البيت من شدة اقترافها تصبح عادة، لا شيء فيها، هات الطاولة لنلعب، يا أخي الليل طويل والشتاء ليله طويل، هات الطاولة، أنت لا تعبأ بكلام النبي.

((مَنْ لَعِبَ ‏ ‏بِالنَّرْدَشِيرِ ‏ ‏فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ ))

[ مسلم عن ‏‏سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ‏عَنْ ‏‏أَبِيهِ]

محرم لعب الطاولة، تجده عادياً جداً في أشياء محرمة، في أشياء مكروهة كراهة تحريمية، في أشياء نهى عنها النبي نهياً صريحاً، أكثر شيء واقع الغيبة والنميمة، وهو مرتاح، أي يشرحون الناس تشريحاً دقيقاً، وهذه فلانة ليست نظيفة وزوجها أجدب لم ينتبه لها مثلاً، إلى أين أنت تمشي؟

ضبط اللسان من أعظم الأعمال :

(( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ))

[ ورد في الأثر]

(( وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم ))

[ أخرجه الترمذي وصححه وابن ماجه والحاكم عن معاذ ]

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة رجل لا يأمن جاره بوائقه ))

[ ابن أبي الدنيا عن أنس رضي الله عنه ]

ضبط اللسان من أعظم الأعمال، ضبط اللسان، ضبط العين، ضبط الأذن، ضبط الجوارح.

(( أحفظوا الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، واذكروا الموت والبلاء، فمن فعل ذلك كان ثوابه جنة المأوى ))

[ الطبراني وأبو النعيم عن الحكم بن عمير ]

فقد استحييت من الله حق الحياة.

المعاصي و الآثام عقبات في الطريق إلى الله :

أنا أتكلم بهذا اللقاء الأخير بين السورتين من القلب إلى القلب، ممكن أن تكون عند الناس شيخاً كبيراً، وصاحب دين، ولك كرامة، لكن عند الله ليس كذلك، لو أن أهل الأرض بكل طاقاتهم أثنوا عليك ولم تكن لله راضياً لا ينفعك هذا الثناء أبداً، النبي الكريم يقول:

((ابتغوا الرفعة عند الله ))

[ابن عدي في الكامل عن ابن عمر ]

المعاصي عقبات في الطريق إلى الله
أخواننا الكرام ، الطريق إلى الله كل معصية كبيرة أو صغيرة تصر عليها هي عقبة في الطريق إلى الله، الطريق غير سالك.

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

عند التعارض، أي تسكن ببيت ليس لك، لكن القانون معك، وصاحبه في أمس الحاجة له، لكن القانون، أخي نحن عندنا محاكم، قانون دولي، هذا الحاضر.

﴿ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

يدفع أجرة مئة و خمسين ليرة، و هو في الواقع يجب أن يدفع ثلاثين ألفاً، أخذه قبل عام ألف و تسعمئة و سبعين، لا يوجد مشكلة أبداً.

﴿ وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

أي هذه الشركة تلزمك ببضاعة محرمة، وأكلها محرم بحسب القوانين، يقول لك: مضطر يأتي مندوب شركة تعمل له حفلة ويطلب خمراً تأتي له بخمر :

﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 24 ]

أي إذا حملك حبك لزوجتك، أو لأبيك، أو لأخوتك، أو لعشيرتك، أو حبك لتجارة رائجة، أو حبك لمسكن جيد، حملك على معصية الله، وآثرته على طاعة الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، ارتح الطريق إلى الله مغلق.

الاستقامة و العمل الصالح :

فيا أخوان كلمة دقيقة: الطريق إلى الله كل معصية كبيرة أو صغيرة تصر عليها إذا لم تصر عليها لا يوجد مشكلة، تتوب منها، المعصية الكبيرة أو الصغيرة أصررت عليها هي عقبة كؤود تسد عليك الطريق إلى الله، وممكن أن تعمل مليون سلوك إسلامي، تلفون بلا حرارة، تحب أن تصرخ في المكالمة اصرخ، تحب أن تهمس اهمس الاستقامة تفتح بينك وبين الله قناة اتصال
اعمل ما تريد لكن لا يوجد خط، تتكلم مع نفسك، لأن التلفون معطل، فإذا كان هناك استقامة إذاً التلفون يعمل، لا يوجد استقامة الخط مقطوع، أنا أقول أخطر شيء أن تكون العلاقة مع الله مقطوعة، ذكي جداً، لطيف، لبق، عندك ذكاء اجتماعي، الكل يحبونك، أمورك جيدة، لكن مع الله ليست جيدة، لأن مع الله هناك معاص، مع الله الطريق مغلق، سأقول لك كلمة دقيقة: الاستقامة نتائجها سلبية، كيف؟ أنا لا أكذب هذه استقامة، أنا لا أغتاب هذه استقامة، لا آكل مالاً حراماً هذه استقامة، لا أنم بين أخين هذه استقامة، كلها لا، الآن هناك شيء جديد الطريق كان كله عقبات، كله معاص وآثام فهذه المعاصي والآثام بينك وبين الله، تبت منها واحدة واحدة أصبح الطريق سالكاً، لم تبدأ بعد، والعمل الصالح يرفعك، العمل الصالح بذل، الاستقامة ترك، الاستقامة امتناع، العمل الصالح بذل، الآن ممكن أن تنفق من مالك، من علمك، ممكن أن تخدم والدتك، تخدم أهلك، ممكن أن تتصدق، ممكن أن تنصح إنساناً، ممكن أن تتفقد إنساناً مريضاً وتعود مريضاً، ممكن أن تطعم هرة، ممكن أن تقوم بعمل تجاه أي مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، هذا العمل الصالح حركة على الطريق، الطريق فيه عقبات ويحتاج إلى حركة، إزالة العقبات هي الاستقامة، والحركة على الطريق هي العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعك، فممكن هذا الدين العظيم ينضغط إلى ثلاث كلمات إلى استقامة وعمل صالح واتصال بالله، لكن الثلاثة تحتاج إلى علم، لا بد من طلب العلم، لا بد من أن تعرف الله لأن معرفة الله أصل الدين، ولا يمكن أن تعرفه إلا من خلال خلقه، أو من خلال أفعاله، أو من خلال كلامه.

حاجة الناس الملحة إلى الدين :

ممكن أن تقول: الدين كله لا يزيد عن معرفة بالله من أجل أن تندفع إلى طاعته، ولا يزيد عن معرفة بمنهجه، من أجل أن تعبده، معرفة، ثم استقامة، ثم عمل صالح، ثم اتصال بالله وسعادة.
أي العبادة طاعة طوعية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
التفكر جزء من الدين
هذا درس بالكليات، الدين أن تتفكر في خلق السموات والأرض، وأن تنظر في أفعاله، وأن تتدبر كلامه، معرفة، وأن تطلع على منهجه، أحكام الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، البيوع، الزواج، الطلاق، الوديعة، الحوالة، الكفالة، الاغتصاب ما أحكامهم؟
تعرفه من خلقه، تعرفه من كلامه، تعرفه من أفعاله، تتعرف إلى منهجه، هذه معرفة، هذه أول كلية.
الآن هناك حركة، ترك وفعل، الاستقامة ترك، والعمل الصالح فعل.
الآن هناك صلة هي الصلاة، ممكن أن تصلي وأنت راكب مركبة عامة، ممكن أن تناجي الله فتبكي، ممكن أن تدعوه، ممكن أن تستغفره، ممكن أن تسبحه وتمجده وتعظمه، أنا أرى أنه أربع كلمات عنوان هذا الدرس، معرفة الله من أجل أن تنطلق إلى طاعته، ومعرفة منهجه من أجل أن تطيعه، لا تكفي معرفة الله، ولا يكفي معرفة منهجه، تعرفه من خلال خلقه وتعبده بشرعه.
الآن ترك الحرام، بحياة المؤمن مئة ألف حرام، لا يحاكي إنساناً، أي لا يقلد إنساناً، هناك أشخاص يتقنون التقليد، يمضون سهرة للساعة الواحدة يقلد كل الأشخاص، المحاكاة محرمة في الإسلام تقليد الأشخاص محرمة في الإسلام
أنت تحتقر الناس بهذه الطريقة، عندك أشياء محرمة كثيرة جداً، فالاستقامة ترك والعمل الصالح بذل، وتاج الترك والبذل الصلة بالله عز وجل، في الصلاة وخارج الصلاة، خارج الصلاة في الدعاء والاستعانة والابتهال والمناجاة والتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، وبالصلاة القيام والقعود والركوع والسجود والفاتحة والسور، هذا هو الدين.
نحن عقدنا الدين جعلناه طقوساً، جعلناه كتباً إذا لم تفهمها لن تنجح، الدين هواء يجب أن يستنشقه كل إنسان. والدين لا يمكن لجهة أو فئة أو جماعة أو قطر أم عصر أو مصر أن يحتكره هذا دين الله كالهواء تماماً يجب أن يستنشقه كل إنسان.

الرجوع إلى أصول الدين :

هناك انحرافات خطيرة في العقيدة والسلوك
أحواننا الكرام ، من حين لآخر ضروري أن ترجع إلى أصول الدين لأن الإنسان أحياناً يغرق بالجزئيات، مثلاً يتعلم علماً فرعياً جداً من فروع الدين، يعجب له، يستغرق كل وقته، بعد ذلك يقيم الناس بمدى معرفتهم بهذه المعلومات، وقد يكون علمه كله حجراً ببناء مئة طابق فهذا أيضاً غلو في الدين، أخذ فرعاً يسيراً جداً وكبره وجعله أصلاً في أصول الدين، هذا غلو في الدين.
المشكلة أيها الأخوة هناك انحرافات خطيرة جداً في العقيدة والسلوك، ونظرت إلى الكم الكبير من المسلمين مليار وثلاثمئة مليون ما استحقوا وعد الله عز وجل، عندنا مشكلة كبيرة، الله عز وجل تحقيق وعوده حق.

﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 87]

والله عز وجل عنده زوال الكون أهون من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن عملياً لا يوجد شيء محقق، ليست كلمتنا هي العليا، وليس أمرنا بيدنا، وللطرف الآخر علينا ألف سبيل وسبيل، معنى هذا عندنا مشكلة كبيرة، فإذا الإنسان لم يتمكن أن يصحح مسيرة الأمة يصحح مسيرته وحده.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018