بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 053 - خواطر إيمانية


2004-09-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التواصل الإعلامي عمم الفساد و نشره :

 أيها الأخوة، موضوع هذا الدرس خواطر إيمانية مما رأيته في سفرتي الأخيرة، ونبدأ التفسير في الأسبوع القادم إن شاء الله.
 الحقيقة الأولى هي أنك إذا سافرت إلى بلد وجدت غنًى فاحشاً، وجمالاً طبيعياً أخاذاً، ودعة، وراحة، وثراءً، وبحبوحة، وتفلتاً، فينبغي أن تقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 ليس معنى أن الذي ينغمس في ملذاته وشهواته ومصالحه ويغرق في الأموال الطائلة أنه أغلى عند الله من الذي في العناية المشددة، هذه حقيقة نطق بها القرآن فقال:

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص: 4 ]

 أي كم يعاني المسلمون من فرعون العصر؟! كم يعاني المسلمون من قصفه بالطائرات؟! من احتلاله الأرض؟! يقول الله عز وجل:

﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾

[ سورة القصص: 4 -5]

 أرأيت إلى إرادة الله عز وجل؟ طبعاً في كل أنحاء العالم أناس طيبون، وأناس مؤمنون، وهذه الحقيقة الموضوعية، والتعميم من العمى، أيّ بلد مهما كان بعيداً أو قريباً هناك أناس يخافون الله، ويخشونه، وقائمون على تربية أولادهم، ولكنهم قلّة، إلا أنهم في بلاد المسلمين كثرة، هذا هو الفرق، الفساد عمّ.
الذي حصل أن هذا التواصل الإعلامي عمم الفساد، تصور خلاطاً وضعنا فيه لترًا من الماء العذب الزلال، ولترًا من المياه الآسنة- مياه المجاري - وقطعة لحم ضأن، وقطعة لحم خنزير، ودار الخلاط، هذا هو التواصل الإعلامي المعاصر، الفساد عمّ في العالم كله، ولكنه يغلب على بلاد بعيدة، ويقلّ في بلاد إسلامية، أما الفساد فقد أصبح موجودًا في كل الأماكن.

المؤمن معنوياته عالية لأن ميزانه القرآن :

 لذلك الإنسان حتى يتوازن، وحتى يبقى واثقاً من عدل الله عز وجل يجب أن يضم الآخرة إلى الدنيا، في أيّ موازنة، بين بلدين، بين شعبين، بين أمتين، بين شخصين، بين رجلين، أضف الآخرة إلى المطيع، ولو كان فقيراً، وأضف الآخرة إلى العاصي، ولو كان غنياً، هذه المعادلة الصحيحة، فلذلك المؤمن يتمتع بنعمة لا تقدر بثمن، أن ميزانه القرآن، هو حينما يقرأ القرآن لا يدهش، ولا يؤخذ، لأن الدنيا عطاء محدود، ينتهي بالموت، والله عز وجل أجلّ وأكرم من أن يجعل الدنيا عطاء، لأنها تنتهي بالموت، إذاً ليست عطاءً، ولا يليق هذا بكرم الله عز وجل، وكذلك الدنيا لا يمكن أن تكون عقاباً، لأن العقاب ينتهي بالموت أيضاً، لكن العقاب الحقيقي هو العقاب الأبدي، والعطاء الحقيقي هو العطاء الأبدي، فلذلك المؤمن معنوياته عالية أينما ذهب، وأينما حل، وأينما وجد تفاوتًا كبيراً بين بلاد المسلمين وبين بلاد غير المسلمين.
 على كلٍّ يكتشف الإنسان في تجواله في بلاد الله البعيدة أن الإنسان هو الإنسان، وأن حقيقة الإنسان واحدة.

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19-21]

 أيها الأخوة، هذه النصيحة الأولى، أينما ذهبت، ولو أطلعت على قصر منيف، وعلمت أن صاحبه لا يعرف الله أبداً، هو غارق في المعاصي والآثام، ثم أطلعت على كوخ صغير خشن ضيق، وعلمت أن صاحبه مؤمن بالله، لو أضفت الآخرة إلى الأول، والآخرة إلى الثاني لكان الميزان صحيحاً، أما حينما يغفل الإنسان عن مصير العاصي والفاجر، ويغفل عن مكافأة المؤمن التائب، ويوازن بين دنيا هذا ودنيا فهذا يقع في متاهة كبيرة، وقد ينتكس، إذاً هذه نصيحة.
 لو أردنا أن نوضحها أكثر نمثِّل؛ مطعم متواضع جداً في بلدة خارج دمشق، والدخل لا يكفي مصروف صاحبه، لكن صاحبه مؤمن مستقيم، ومطعم خمس نجوم، غلته في اليوم مليون ليرة، ويبيع الخمر والمواد التي لا ترضي الله عز وجل، أضف آخرة الأول و آخرة الثاني، ثم وازن بينهما، لذلك المؤمن يتلو قوله تعالى:

﴿وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 157]

﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[ سورة الضحى : 4-5]

 أجمل ما في المؤمن معنوياته المرتفعة، هذه واحدة.

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 النقطة الثانية، أن هذه الحظوظ، بلاد جميلة غنية، فيها ثروات، كل شيء مباح فيها، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء فقط، الإنسان مبتلى بالغنى، قد ينجح، وقد يرسب، مبتلى بالفقر، قد ينجح، وقد يرسب، مبتلى أنه خلق ببلد نامٍ فيه مشكلات لا تعد ولا تحصى، قد ينجح، وقد يرسب، مبتلى أنه خلق في بلد متطور، كل شيء بين يديك، قد ينجح، وقد يرسب، لذلك أنت في الدنيا ممتحن، ممتحن بما أعطيت، ممتحن بما زوي عنك، فقد ينجح الذي زوي عنه شيء فيستحق الجنة، وقد يرسب الذي أتيح له شيء فيدخل النار، فالعبرة لا في البدايات، بل في النهايات، والله عز وجل يقول:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 128]

 توزيع الحظوظ في الدنيا هي توزيع ابتلاء، لكنها سوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 32]

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾

[ سورة الحاقة : 19-29]

 أيها الأخوة، حقيقة دقيقة، أن حظوظ الدنيا مؤقتة، وسريعة الزوال، ولا تعني شيئاً، بينما حظوظ الآخرة أبدية سرمدية، وتعني كل شيء، لذلك قال تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 21]

الشدائد بواعث للصلح مع الله عز وجل :

 شيء آخر يستنبط من قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله جبريل:

(( يا محمد، أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 أحياناً تجد في بلاد كلّ شيء متوافر إلى درجة متناهية، حاجات مبذولة، الدخل فلكي، الحقوق مضمونة، كرامة الإنسان مصونة، يفكر في الثانويات، وقد تجد بلدًا آخر الحاجات الأساسية غير مضمونة، فيه قلق، وخوف، وحزن، وبطالة شديدة، وأزمة سكن، وأزمة مواصلات، وأزمة أعمال، قد تعجب، يا رب هؤلاء عبيدك، وهؤلاء عبيدك، ما تفسير ذلك؟ أنا أجد وهذا اجتهاد مني أن الدنيا حينما تأتي بأبهى حللها تكون حجاباً بين العبد وربه، أما حينما تأتي الشدائد لمؤمن يعرف الله عز وجل فتكون هذه الشدائد باعثاً له على طاعة الله عز وجل، ففرق كبير بين أن يعطى الإنسان الدنيا، وقد علم الله أنه لا خير فيه.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 وبين أن يقول الله عز وجل:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 155-157]

 هذه نقطة ثانية، الشدائد أحياناً بواعث للصلح مع الله، بواعث إلى الإنابة، بواعث إلى التوبة، فأكرم بها من نِعم باطنة، وأحياناً الرخاء:

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق : 6-7]

 حينما يستغني ينسى الله عز وجل، فلذلك: ُ

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل : 1-6]

 أنت حينما تصدق بالجنة تتقي أن تعصي الله، تبني حياتك على العطاء، وحينما تكفر بالجنة، وتؤمن بالدنيا تستغني عن طاعة الله، ويكون عملك أخذاً لا عطاء.
 إذاً: الشدائد قد تكون أكثر فاعلية في الهدى من الرخاء، من مئة إنسان يعيشون الرخاء قلة منهم يكون هذا الرخاء سبب إقبالهم على الله، أما مئة إنسان يعيشون الشدة فالكثرة منهم تكون هذه الشدة سببَ إقبالهم على الله، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وقد يكون المنع عين العطاء، وإذا كشفت لك حكمة المنع عاد المنع عين العطاء.
 إذاً: المؤمن يرضى عن الله فيما أوجده، في أي بلد خلقه، في أي مجتمع عاشه، هذا مما لست مخيراً فيه، لكنه لصالحك حتماً.

النجاح لا يتجزأ :

 شيء آخر، لو فرضنا أن إنسانًا دخله قليل، وهذه مشكلة، وبيته واسع، وعنده غرفة زائدة، فبحث عن مستأجر لهذه الغرفة، وأعطاه أجرة تساوي أجرته، فدخله تضاعف، هذا نجاح، لو انتهى الأمر إلى أن هذا الذي أسكنه في البيت مع أهله خانه في زوجته هل يعد هذا نجاحاً؟ لا، الحقيقة أن النجاح لا يتجزأ، أنا حينما أنجح من جهة، وأخسر من جهة فلست ناجحاً، الإنسان قد يعلو أعلى مرتبة من النجاح في الدنيا، إما بدخل كبير، أو صحة تامة، أو مكانة علية، أو درجة علمية عالية، وإذا كان ابنه شارداً عن الله، ولم يهتم به، ولم يعتنِ بتربيته إيمانياً، وأخلاقياً، وعلمياً، ثم خسره صار هذا الأب أشقى الناس.
 إذاً لا يعد النجاح من جانب واحد نجاحاً، النجاح لا يعد نجاحاً إلا إذا كان من كل الجوانب، فلذلك حينما تربح الدنيا وتخسر أولادك هل هذا نجاح؟ ما من مشكلة تقلق إخوتنا في المهجر كضياع أولادهم، هناك ضياع شديد، وتفلت، والحياة تعين على كل معصية، وأبواب المعاصي مفتحة على مصارعها، فلذلك احفظوا هذه القاعدة: النجاح لا يتجزأ.
 هنا في الشام الإنسان قد يأتيه عمل في بلد بعيد برقم كبير، يغريه الدخل، فيذهب، ويغيب سنتين أو ثلاثًا، وأولاده ضاعوا، وزوجته ضاعت، حينما يخسر أهله وأولاده، ويربح الأموال الطائلة هل يعد هذا نجاحاً؟ لا، فلذلك لنسأل الله العافية، والتوازن، والنجاح في كل المجالات، لأن النجاح الشمولي هو النجاح الحقيقي.

كل مؤمن يجب أن يكون داعية ولو بسلوكه فقط :

 قلت لهم هناك: هذا الذي تعيشون معه من غير المسلمين لا يمكن أن يفهم الإسلام من الكتاب والسنة، مستحيل، ولا يمكن أن يفهم الإسلام من المرجعيات الأصولية الإسلامية، ولا يمكن أن يفهم الإسلام من علماء الشرق الأوسط، يفهم هذا الإنسان غير المسلم الإسلام من سلوك المسلم هناك، لذلك كل مسلم ينبغي أن يكون سفير قومه هناك، وأقسمت بالله مراراً إن الجاليات الإسلامية في العالم وحدها لو طبقت منهج الله تطبيقاً صحيحاً، وكانت مسلمة كما يريد الله عز وجل، لكان موقف العالم الغربي والشرقي من الإسلام غير هذا الموقف، لأن المسلم حينما يقصر، حينما يكذب، حينما يحتال، حينما لا يؤدي عمله تاماً، حينما يضيع أولاده، يؤخذ عن إسلامه فكرة سيئة جداً، هو حجب الناس عن إسلامه.
 إذاً قضية المسلم قضية خطيرة في بلاد الغرب، نحن في بلاد المسلمين هنا لو أن مسلماً أساء لمسلم يقول هذا الذي أسيء إليه: فلان أساء إلي، فقط، أما إذا أسأت لغير المسلم يقول هذا الذي أسيء إليه: الإسلام أساء إلي.
 ذكرت مرةً لكم أن عالم رياضيات ملحد كبير في سان فرانسيسكو جاءته طالبة محجبة حجابًا كاملًا شرق أوسطية، تحضر درجة الدكتوراه في الرياضيات، يقول هذا الملحد الذي كان من كبار الملحدين: والله علمت أن هذه فتاة عظيمة، لأن لها قناعات مذهبية معينة حملتها على هذا الثوب السابغ، مع أن الفتيات في الصيف في أمريكا شبه عرايا، وهي في الصيف، وترتدي حجابًا كاملا، يقول هذا الملحد الكبير: والله ما جرأت على أن أحدق في وجهها لقدسيتها، وشعرت برغبة كبيرة أن أخدمها فيما جاءت به إلي، وعكفت في اليوم نفسه على قراءة القرآن، وانتهى به الأمر إلى أنه هو الآن من أكبر دعاة الإسلام، ما الذي حمله على الإسلام والتوبة؟ هذه الفتاة المؤمنة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( واستقيموا يستقم بكم ))

[ الطبراني في الكبير والأوسط والصغير عن سمرة]

 أخواننا الكرام، أنا يؤلمني كثيراً أن أقول لكم هذه الحقيقة المرة: إن المسلمين في بلاد المهجر سيّئون جداً بمعاملاتهم، بتعاملهم مع من حولهم، بكذبهم، باحتيالهم، بشراستهم، بتفلت أولادهم، لذلك لا يفكر أحد هناك أن يقرأ عن الإسلام شيئاً، وأقول دائماً: لا يرون الإسلام إلا من خلال المسلمين، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

[السنة للمروزي عن الأوزاعي]

 كل مسلم سفير المسلمين، كيف أن هذه الفتاة كانت داعية ممتازة للإسلام، وعلى يدِها أسلم أكبر ملحد دون أن تنطق بكلمة عن الإسلام، كذلك قد تجد إنسانًا أكبر منفر من الإسلام، وحينما يسيء لمن حوله لا يمكن أن يعتقد الآخرون أن الإسلام دين حق، فلذلك كل مؤمن يجب أن يكون داعية ولو بسلوكه فقط، وكنت أقول: يمكن أن تكون أكبر داعية وأنت صامت.

الأمانة دعوة إلى الله :

 الحقيقة أمانتك دعوة، إنسان يضيع هاتفه المحمول، أول ما يضيع منه يتصل به، ماذا يفعل الإنسان السيئ؟ يغلقه ويقتنيه، المؤمن فوراً يجيب على الهاتف، يعطيك العنوان، ويقول لك: تعال وخذه، فرق كبير.
 حدثني مرة أخ قال: أنا أعمل في لف المحركات، قبل أن أتوب إلى الله قد يأتي محرك ليس فيه عطب، لكنه متوقف عن العمل، لما أفتح أغلفته أجد شريطاً واحداً في الظاهر قد انقطع، أوصله بجلسة كهربائية في ثانية واحدة، وعندئذٍ يعمل المحرك، والمبلغ خمسة آلاف ليرة، على لف المحرك بأكمله، قال لي: قبل أن أعرف الله أقول لمن يأتي إليّ ليصلح محركه تعال بعد يومين و آخذ منه خمسة آلاف، ولم أفعل شيئاً، إلا جهدًا يسيرًا جداً، قال لي: بعد أن عرفت الله حينما يأتي ليدفع الخمسة آلاف أقول له: خمس و عشرون ليرة فقط، المحرك جيد، أنا لم أفعل شيئًا، الأمر بسيط جداً.
 يقال: إن في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فكرة رائعة، أعظم إعجاز علمي في القرآن والسنة المؤمن، تجد الملايين المملينة تحت قدمه يزهد فيها.
 والله حدثني سائق قال لي: وجدت في سيارتي عشرين مليون ليرة- قصة طويلة- بحث عن صاحبها خمسة أيام حتى عثر عليه، وأعطاه إياها، لكن صاحب هذا المبلغ إنسان شهم، أخذه إلى سوق السيارات، واشترى له سيارة، بمليوني ليرة.
 إن لم تجد مؤمنًا استقامته صارخة، يلفت النظر بأمانته، بعفته، لا يكون مؤمنًا، لذلك أكبر دليل على أن هذا القرآن كتاب الله عز وجل، أن الذي يطبقه يتألق تألقاً لا حدود له.

الموضوعات التي تعني الإنسان موضوعات عرضية وموضوعات مصيرية :

 أيها الأخوة الكرام، أحب أن أقول لكم شيئًا ذكرته في خطبة الجمعة أن الموضوعات التي تعنيك يجب أن تجزأ إلى جزأين، موضوعات عرضية، وموضوعات مصيرية، موضوعات تتعلق بآخرتك، بالحياة الأبدية، إما أن تكون هذه الموضوعات سبب شقاء أبدي، أو سبب سعادة أبدية، إذاً هي موضوعات مصيرية، لذلك الدين أتى ليبين أدق التفاصيل المتعلقة بسلامتك وسعادتك، فحذرك من أي شيء يبعدك عن الله، وأمرك بأي شيء يقربك إليه، أما هموم الدنيا فتركت لخبرائها، وهذا يستنبط من حديث النبي الكريم، فعَنْ أَنَسٍ:

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ، قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ ؟ قَالُوا: قُلْتَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ))

[ مسلم عن أنس ]

 في القضية الدنيوية المحضة، لو أن إنسانًا جاء إلى شيخ جليل وقال له: أنا أعاني من أزمة قلبية، هل تنصحني بزرع شريان أم باستخدام البالون الموسع للتضييق الشرياني؟ هل يمكن لهذا العالم الجليل أن يجيبه؟ لا، يسأل طبيب قلب، هذا اختصاصه، فهناك أطباء ومهندسون، وخبراء، وصيادلة، وعلماء فلك، وعلماء فيزياء، وكيمياء، ورياضيات، وتربية، وعلم نفس، وعلم اجتماع، هذه علوم الدنيا، هذه أقرب إلى الحرف منها إلى العلم الذي أراده الله عز وجل، ولكن العلم الذي يسمو بك، ويرقى بك هو أن تعرف الله أولاً، وأن تعرف منهجه ثانياً، وأن تطيعه ثالثاً.
 فلذلك قضية الانتقال من بلد إلى بلد هي قضية مصيرية، لأنها وردت في القرآن، والقرآن يذكر قضايا مصيرية، القرآن أجلّ وأعظم وأقدس من أن يعالج قضية دنيوية فقط، قضايا الدنيا تركت لخبراء الدنيا، لذلك المؤمن يستخير، ويستشير، يستشير أولي الخبرة من المؤمنين، يستشيرهم، لكنه يستخير الله في أمور دينه، لذلك الله عز وجل قال:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل : 43]

 وقال:

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 59]

 ثم أهل الدنيا أعلم بما في الدنيا، لقوله تعالى:

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[ سورة الروم : 7]

 الله عز وجل أثبت لهم العلم، أثبت لهم العلم بظاهر الحياة الدنيا، ولم يثبت لهم العلم بحقيقة الحياة الدنيا، ولو علموا حقيقة الحياة الدنيا لدهشوا، كما قال الله عز وجل:

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 يرون أن ما هم فيه من بعد عن الله، واقتراف للمعاصي والآثام، وأكل للحقوق سوف يرسلهم إلى الجحيم.
 مرة ثانية: ما من شيء يقربنا إلى الله إلا ذكره النبي الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وما من شيء يبعدنا عن الله إلا حذرنا منه النبي الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذاً أن تجد قضية في القرآن الكريم، أو في السنة الصحيحة قضية مصيرية متعلقة بمصير الإنسان الأبدي، أما هذا يرتدي الأبيض، وهذا الأسود، هذا يرتدي الرمادي، هذا يجلس على الأرض في بيته، هذا على الطاولة، هذا يؤسس غرفة ضيوف بمفروشات حديثة، هذا يؤسسها بجلسة عربية كما يقولون، هذه قضايا دنيوية لا تقدم ولا تؤخر.
 فثمة شيء الله عز وجل أمر به، وشيء نهى عنه، وشيء سكت عنه، فالشيء الذي سكت عنه من شأن الدنيا لا يقدم ولا يؤخر.

أثمن نعمة على الإطلاق معرفة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، نقطة دقيقة جداً في الموضوع، وهي أنك حينما تلتقي بإنسان لا هدف له إطلاقاً للآخرة، قضية الآخرة، وقضية الإيمان، وقضية طاعة الله عز وجل ليست داخلة في حساباته إطلاقاً، حسابه الدنيا فقط، هذا الإنسان حينما ينوي الاستمتاع بالدنيا فقط دون أن يعبأ بالأديان، ولا بأوامر الله عز وجل، استمتاعه في الدنيا ينقلب إلى شقاء في الدنيا، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها ))

[ورد في الأثر]

 فأوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.
 صدقوا أيها الأخوة، ما من شيء أعظم من العلم، والدليل، وكنت أقول هذا دائماً أن الكلمة متعلقة بالقائل، قال طفل: معي مبلغ عظيم، طفل صغير في الحضانة، الأب يعطي ابنه عشر ليرات، عشرين إذا كان في بحبوحة أكثر يعطيه خمساً وعشرين، الآن معي مبلغ عظيم، أي مئة ليرة، وإذا قال موظف كبير في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، كلمة عظيم نفسها تعني مئة مليار دولار، قالها طفل مئة ليرة، قالها إنسان مسؤول في البنتاغون مئة مليار، وإذا قال ملك الملوك:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 والله أيها الأخوة، ما من نعمة أثمن من أن تعرف الله، تعرف الله، تملك رؤية صحيحة، لا تؤخذ بمظاهر الحضارة، تؤخذ بقيم الله عز وجل، بمبادئ القرآن الكريم، لذلك حينما تجد إنسانًا في بيئة متواضعة، لكنه يعرف الله تشعر بقدسيته، وحينما تجد إنسانًا يتقلب في ألوان النعيم، وهو لا يعرف الله تشعر بسخافته، فلذلك قال تعالى:

﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾

[ سورة الأنعام: 124 ]

﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾

[ سورة الكهف : 105]

 إذاً البطولة أن يكون لك هدف، وصدقوني أيها الأخوة، وهذه الحقيقة أسأل الله أن تكون واضحة لديكم، حياة أهل الدنيا مملة، مملة جداً، حياة رتيبة، كل شيء موفر، معاني الدين، معاني الأخلاق، معاني الحب، معاني التضحية، معاني الطاعة، هذه كلها بعيدة عن حياتهم، لذلك:

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[ سورة الفرقان : 44]

 إذاً يمكن أن نستنبط أن الإنسان إذا سافر كما قال الإمام الشافعي: " من لم يعهد منه سفر لم يعهد منه علم "، يعرف النعم الكبيرة العظيمة التي أكرم الله بها أهل هذه البلدة، نحن في نعم أيها الأخوة والله لا تعد ولا تحصى، أقول لكم مئات هذه النعم لا نعرفها، لأنها مألوفة.
أيها الأخوة الكرام، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة ))

[ محمد بن زكريا العلائي أحد الضعفاء عن ابن عائشة عن أبيه ]

 هذه بعض الدروس والعبر التي تستنبط حينما ترى بلاداً غنية جداً متفلتة، والحديث عن أنواع التفلت لا يليق أن يقال في المسجد، لكنه تفلت يفوق حدّ الخيال.

النجاح لا يعد نجاحاً إلا إذا كان شمولياً :

 أختم لكم هذا الموضوع المتعلق بالسفر أن إنسانًا محترمًا جداً كنت ضيفاً عنده، وهو رئيس الجاليات الإسلامية هناك، حملني رسالة إلى أهل الشام، أنا لا أناقش مضمون هذه الرسالة، ولا أبين صوابها من خطئها، ولكن أنقلها لكم بأمانة، الرسالة يقول فيها هذا الأخ الكريم: مزابل الشام أفضل من جنات المهجر، قلت له: لماذا؟ قال: لأنك وأنت مغمض العينين تطمئن على أولادك وعلى زوجتك، أما هنا وأنت في أعلى درجات اليقظة فتتوقع أن يكون ابنك شاذاً، حلقة في أذنه، أو غير مسلم، أو غير ديني، وهل من شيء أثمن عند الأب من أولاده؟ والأب حينما يرى أولاده أشقياء يشقى بشقائهم.
فلذلك يخسر الإنسان أثمن شيء في حياته، وكما قلت قبل قليل: لا يعد النجاح نجاحاً إلا إذا كان شمولياً، فحينما أكسب المال الوفير، وأخسر أولادي لا يعد هذا نجاحاً، لأن الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[ سورة التحريم: 6 ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018