بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 061 - حسن الجوار .


2005-09-04

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

نظام التضامن الاجتماعي في الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام، يتحدثون اليوم عن التضامن الاجتماعي، و هناك ملاحظة هو أننا حينما نستورد مصطلحاً جديداً من عالم الغرب نزهو به، و نعجب به، و نقدره، و حينما نغفل عما في ديننا من نظم و من توجيهات نكون في خطأ كبير، كالذي يستهويه كل شيء و عنده كل شيء.
 مثلاً ما نظام التضامن الاجتماعي في الإسلام؟ يوجد نظامان نظام نسبي و نظام جغرافي، النسبي فيه حقوق الرحم و الأقرباء من حيث العناية، و الإنفاق، و المداراة، و الزيارة، و الصلة، و قد جاءت أحاديث لا تنتهي عن صلة الرحم، و لي خطبة إذاعية عن صلة الرحم فيها معظم ما في النصوص الصحيحة من أحاديث تبين قيمة هذا العمل العظيم، و كيف أن الإنسان يزيد في رزق الواصل، و كيف أن الذي يقطع رحمه يقطعه الله عز وجل.
 هناك تضامن اجتماعي على أساس النسب و هناك تضامن اجتماعي على أساس الجوار، فالجار في الإسلام له شأن كبير جداً حتى إن العلماء يقولون: إن أربعين بيتاً من الجيران، أربعون بيتاً شرقاً و أربعون بيتاً غرباً و أربعون بيتاً شمالاً و أربعون بيتاً جنوباً، كلهم جيران- و إذا كنا في أبنية شاهقة- و أربعون طابقاً نحو الأعلى بالقياس طبعاً- و إذا كنا في بلد كاليابان - و أربعون طابقاً نحو الأسفل، يوجد عندك ستة أربعينات، كل هذه البيوت من الجار، و سأريكم حق الجار و كيف أن المسلمين اليوم يتفننون في إيذاء الجار.

من يتلذذ بإزعاج جاره لن يستحق رحمة الله :

 و الله سرّ هذا الدرس أن أباً محدود الدخل أحيل إلى التقاعد، و عنده بيت، هذا البيت له وجيبة داخلية، البيت على الطريق لكن نظام هذا البناء في تلك المنطقة الوجيبة بعكس الشارع نحو الداخل، عنده وجيبة كبيرة اقتطع من هذه الوجيبة - بيته أرضي-ـ مترين بمتر و أشاد مطبخاً، و عنده غرفة تستخدم للسيارة فألغى الحائط الذي على الطريق و جعلها غرفة نوم، غرفة نوم و حمام، الجار في الطابق الرابع اشتكى عليه و هدم هذا الحمام، لو أن هذا الحمام في وجيبة الجار و طابقه أرضي و تضرر لا يوجد مانع، حجب عنه الشمس لا يوجد مانع، حجب عنه الهواء لا يوجد مانع، لهذا الحمام منظر يؤذي عينيك لا يوجد مانع، أما متر بمترين ملحق بكراج سيارة، يريد أن يُحصن ابنه بزوجة فلماذا يخبر هذا الجار في الأعلى أن هناك مخالفة فجاءت المحافظة و هدمتها؟ لأن المسلمين اليوم يتفننون في إيذاء جيرانهم، لأن أي قضية تريح جارك يجب أن تلغيها، و الأحاديث كثيرة جداً، و القصص لا تعد و لا تحصى، و يكاد المسلمون من بعدهم عن ربهم و من فساد العلاقة بينهم على بعضهم وحوشاً، هؤلاء المسلمون لا ينتظر أن الله سينصرهم.
 قلت لكم مرة ثانية: لو أنه تضرر لا يوجد مانع، لو أنه حجب عنه الشمس لا يوجد مانع، حجب عنه الهواء لا يوجد مانع، في وجيبة الجار الذي يسكن في الأرض أخذ مترين بمتر، و المكان الآخر معد للسيارة أنشأ حائطاً خلف الباب، و جعلها غرفة نوم لأنه يريد أن يحصن ابنه، ابنه شاب و لا يوجد معه ثمن بيت و هو موظف متقاعد، فحينما نقسو على بعضنا بعضاً لهذه الدرجة و حينما نتلذذ بإزعاج جيراننا لا نستحق رحمة الله أبداً.
 أيها الأخوة الكرام، إليكم من يقوله النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن الجار: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

تماسك الأسر في القديم كالبنيان المرصوص :

 كان في بلدنا رجل مجاهد كبير اسمه عبد القادر الجزائري، هذا حينما نفته فرنسا من الجزائر اختار السكنى بالشام، له بيت في الشام و له جار، أراد جاره الفقير أن يبيع بيته عرضه فدفع له ثلاثمئة ليرة ذهبية - القصة قديمة جداً- فغضب هذا الثمن لا يساوي بيته، ثم قال: و الله أنا لا أبيع جيرة الأمير بهذا المبلغ، فكيف آخذه ثمناً لبيتي؟ هناك من أوصل للأمير هذه القصة، فأرسل له الأمير ثلاثمئة ليرة و قال له: ابق جارنا، و هذه ثمن جيرتك.
 كان السلف الصالح أخواننا يتفننون في خدمة بعضهم، و الله أنا حدثوني أقرباء توفوا رحمهم الله، إذا لمح الجيران مع جارهم ضيف يقسم بالله يأتي إلى البيت عشرات الأطباق من ألذ الطعام، الجار يحتار ما هذا؟ متى أُعد هذا الطعام؟ لأن الجيران لمحوا جارهم معه ضيف، قضية تبادل الطعام أنا أعرفها، و الله تقريباً حولنا عدة بيوت كل طبخة تطبخ في بيت، يقدم طبق من هذا الطبخ إلينا و نحن نقدم إليهم، دائماً المائدة عامرة بما لذّ و طاب من تبادل هذا الطعام بين الجيران.
 لو أن شخصاً تغيب عن صلاة الفجر حتماً يوجد مشكلة، حتماً يوجد مرض، جميع المصلين يتفقدونه بعد طلوع الشمس.
 الأسر متماسكة كالبنيان المرصوص، مرة دعيت إلى صديق لأزوره أعطاني العنوان صعدت في البناء، طرقت الباب حسب الترتيب، قال: ليس هنا، قلت: فلان ألا يسكن هنا؟ قال: لا نعرف ذلك، ثم وصلت إليه في الطابق الأعلى، لا يعرف من يسكن فوقه، و مضى على سكناه عشر سنوات، عشر سنوات لا يعرف من الذي يسكن فوقه، هذا هو التدابر، هذا هو التقاطع.

(( مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

 و:

(( عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[ أبو داود عن عن مجاهد]

حقّ الجار على جاره :

 لذلك استنبط العلماء أن أي جار لك كائناً من كان، مسلماً أو غير مسلم، مستقيماً أو غير مستقيم، له عليك حق، فإن كان مسلماً له عليك حقان حق الجوار و حق الإسلام، فإن كان قريباً له عليك ثلاثة حقوق حق الجوار و حق الإسلام و حق القرابة.
 لي أستاذ توفي رحمه الله يحدثني أن له جاراً متقاعداً أدمن الخمر، برنامجه اليومي يستيقظ عصراً و يجلس على مائدة الخمر إلى منتصف الليل، ثم ينام إلى منتصف النهار، ليس له عمل إلا أن يشرب الخمر، طبعاً الأطباء قالوا: دمه أصبح خمراً فلو ترك الخمر لمات، هذا الأستاذ جزاه الله خيراً طُرق بابه مرة من قبل هذا الجار مدمن الخمر، يبدو أنه كان في ضائقة مادية قال له: معك ليرة ذهبية تقرضني إياها؟ شارب خمر، مدمن خمر، لكنه جار، قال: حباً و كرامة، دخل إلى بيته و جاء بليرة ذهبية و قدمها إليه، ثم قال لي: شعرت أنه فقير فصرت أقدم له كل شهر ما يكفيه مؤونة طعامه و شرابه هو و زوجته، تنكة زيت، سمنة، رز، سكر، أي حاجاته لوجه الله تعالى، و هو مدمن خمر، المفاجأة التي لا توصف أنه مرة طرق بابه فقالت له زوجته: و الله هو في غرفته العلوية يقرأ القرآن، قال لي: فصعقت- مدمن خمر يومياً من العصر إلى منتصف الليل، و لا يعمل، له تقاعدية قليلة جداً يقيم بها أوده- قالت له: اذهب إليه، قال: صعدت إليه فرأيت رجلاً وضع على عينيه نظارة و يقرأ القرآن، فقلت له: هنيئاً لك توبتك، ما الذي حصل؟ قال: و الله البارحة جلست لأشرب الخمر فضاقت نفسي و اشمأزت فاغتسلت و توضأت و صليت و تبت إلى الله، هذا الرجل لزم دروس العلم و لم يغادر درساً من الدروس حتى توفي على هذه الحالة.
 لو سألتموني ما التحليل؟ الجار مؤمن كبير، فلما كان يحسن إليه تعلقت نفس هذا المذنب بجاره المؤمن تعلقاً نفسياً إلى أن حمله هذا التعلق أن يكره الخمر، هذا ما يسمى بالاتصال النفسي، أنت حينما تحسن لإنسان تسري نفسك إليه، إذا عندك أنوار، شعاع، قوة إيمان، تسري إليه، لذلك : اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق ، المعنى معاكس هنا، لو أن إنساناً كافراً غارقاً بالزنا و شرب الخمر، قدم لك خدمة كبيرة دون أن تشعر تتغاضى عن أخطائه و ربما ملت إلى ما هو مائل إليه، ميوله تسري إليك لأنه أحسن إليك، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها و بغض من أساء إليها.
 إذاً حتى هذا الجار غير المسلم النبي الكريم أمر أن يوصل.

الربط بين الإيمان بالله و بين إكرام الجار :

 و الحديث الذي بعده قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((حرمة الجار على الجار كحرمة أبيه ))

[تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ ]

 لذلك يروى أن رجلاً كان مسافراً و قد أوصى جاره بزوجته، هذا الجار خان جاره بزوجته، و هناك كلب عقور أكله فبلغ النبي الخبر فقال: خان صاحبه و الكلب قتله و الكلب خير منه.
 الجار مقدس حتى إن عنترة قبل أن يأتي الإسلام يقول:

و أغض طرفي إن بدت لي جارتي  حتى يواري جارتي مأواها
***

 و يقول عليه الصلاة و السلام: عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ......))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ]

 هذا الحديث دقيق جداً ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الإيمان بالله و بين إكرام الجار.

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ......))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ]

 مرة دعيت إلى بناء من طوابق عديدة تزيد عن اثني عشر طابقاً، بلغني أن أصحاب هذا البناء متفاهمون إلى درجة تفوق حدّ الخيال، أنشؤوا حديقة لأطفالهم، و اشتروا مولدة إذا انقطعت الكهرباء، و أنشؤوا صالة فخمة لاستقبال ضيوفهم و أفراحهم و أتراحهم، و هم يجتمعون كل اثنين، و يدعون أحد العلماء ليقدم لهم بعض النصائح و يصلون جميعاً في جامع واحد، أنا أعجبت بهذا التعاون و التنسيق و التفاهم، كل اثنين لهم سهرة، يدعون إلى سهرتهم أحد العلماء، من جانب من جوانب الطابق الأرضي - هذا طابق خدمات - أنشؤوا صالة فخمة جداً لاستقبال الضيوف و الأفراح و الأتراح، و أنشؤوا حديقة فيها كل أنواع الألعاب للأطفال، و أنشؤوا مولدة و هم متفاهمون متعاونون، لو أن كل بناء فعل هذا يتفنن الجار بإيذاء جاره؟؟
 أيها الأخوة الكرام:

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ......))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ]

 و بالمقابل أيها الأخوة الكرام، و الله أستمع إلى بعض الأخوة الكرام لهم أعمال لجيرانهم كالخيال، حدثني أخ قال لي: اشتريت بيتاً في منطقة خارج دمشق، و كنت كلما سمع جاري الباب عندي يفتح و يغلق يصعد إلي و معه إبريق شاي كي يساعدني في نقل الأثاث، و اشتراه حديثاً ينقل إليه شيء عجيب ممكن أن يكون الجيران أسرة واحدة في التعاون و التنسيق!! أحياناً قد يصاب الابن بأذى، الجار يأخذ الابن إلى المستشفى و يسعفه و لا يعلم أباه، و يأتي بعد ساعات طويلة معافى مضمداً وقد قام مقام والده، أنا أتمنى على المسلمين أن يكونوا هكذا، الجار غال جداً. و قد ورد في بعض الأحاديث:

(( أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه و سلم فقال: يا رسول الله آذاني جاري؟ فقال: اصبر، ثم عاد فقال: يا رسول الله آذاني جاري، قال: اصبر، ثم عاد فقال: يا رسول الله آذاني جاري، فقال: اعمد إلى متاعك فاقذفه في السكة، فإذا أتى عليك آت فقل: آذاني جاري، فتحق عليه اللعنة، ثم قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه، و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت ))

[مساوئ الأخلاق للخرائطي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ]

الله عز وجل يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه :

 أيها الأخوة: إن الله عز وجل يحب الرجل له الجار السوء، بالمناسبة النبي عليه الصلاة و السلام استعاذ من الجار السوء الذي إذا رأى خيراً كتمه، و إذا رأى شراً أذاعه، و استعاذ أيضاً من الإمام السوء إن أحسنت لم يقبل و إن أسأت لم يغفر.
 و بعض الآثار تروي أن في بعض السنن ، أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعان بك أعنته، و إن استنصرك نصرته، و إن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، و إذا مات شيعته، و لا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، و إذا اشتريت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، و لا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، و لا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.
 هكذا كان السلف الصالح يطبقون منهج النبي صلى الله عليه و سلم، إن الله عز وجل يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه، و يحتسبه حتى يكفيه الله بحياة أو موت، يروى أن أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى له جار شاب مدمن خمر وغناء، و طوال الليل يغني هذه الأغنية المفضلة: أضاعوني و أي فتى أضاعوا، أي سأم منه، و في أحد الليالي لم يسمع صوته فسأل فإذا هو في السجن، أبو حنيفة النعمان بمكانته و وزنه و علمه وشأنه يذهب إلى السجان يشفع له، شفع له و أركبه على دابته وراءه و قال له: يا فتى هل أضعناك؟ تقول: أضاعوني و أي فتى أضاعوا؟؟ فيقول هذا الشاب: عهداً لله لن أعود إلى الغناء و الخمر.
 ذكرت مرة هذه القصة ونوهت بالتنويه التالي لو وجد الشباب أناساً كباراً يستوعبونهم، و يكون قلبهم كبيراً يتسعهم لما كان الشباب بهذه الحال، لكن أحياناً الشاب يخطئ فوراً يسمع السباب و الشتائم وكلمة الكفر، أنت كافر، أنت ملحد، أنت لا يوجد بك دين، أما الشاب فيحتاج إلى قلب كبير يستوعبه، وقد علمنا النبي الكريم بهذا حينما جاءه شاب و قال له: ائذن لي بالزنا، وقاحة ما بعدها وقاحة، كما للتقريب لو جاء إنسان إلى وزير الداخلية المكلف بضبط الأمن قال له: اسمح لي أن أقتل فلاناً، يوجد استفزاز، نبي كريم و الزنا جريمة، فالصحابة اضطربوا وقاموا إليه، قال: دعوه، تعال يا عبد الله، انظر إلى الحوار الآن كل حديث تعمل حواراً، حوار الحضارات، وحوار الثقافات، و حوار الأطراف، وحوار الطوائف، وحوار الأديان، يمكن أن تسمع كلمة حوار باليوم ألف مرة، قال له: تعال يا عبد الله، أتريده لأمك؟ فاحمر وجهه، تصور أمه يزنى بها، قال لا، قال: و لا الناس يريدونه لأمهاتهم، تريده لأختك؟ قال لا، قال: و لا الناس يريدونه لأخواتهم، لعمتك؟ لخالتك؟ لابنتك؟ يقول هذا الشاب: دخلت على النبي الكريم و ليس شيء أحب إليّ من الزنا و خرجت من عنده و ليس شيء أبغض إليّ من الزنا.
 أرأيتم ؟ فلذلك حاور و استوعب، مرة النبي عليه الصلاة و السلام قال: من يقطع لسان فلان، فإذا شخص نصي يبحث عن مقص حتى يقطع لسانه لكن النبي كنى بقطع اللسان عن الإحسان لأن الإحسان يقطع اللسان.
 الذي يوجد عنده جار سيئ جداً يقدم له هدية، يخدمه خدمة، تجده انضبط، يصبح هذا الجار السيئ يحتار كيف يخدمك، كان سيئاً، سليط اللسان، يتهجم عليك، اقطع لسانه بالإحسان إليه، بعد ذلك من أخلاق النبوة أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة، و أن أصل من قطعني، و أن أعفو عمن ظلمني، و أن أعطي من حرمني، قال: إن الله عز وجل يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه، و يحتسبه حتى يكفيه الله بحياة أو موت.
 وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يشكو إليه جاره فقال عليه الصلاة و السلام:

(( كف أذاك عنه واصبر لأذاه فكفى بالموت مفرقاً ))

[الصبر والثواب عليه عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ]

 مرة السلطان قدم عرضاً من يعلم هذه الدابة اللغة العربية و له فرضاً مئة ألف فإن لم يستطع يعدم، فجحا قبل هذا العمل فمن حوله حذروه يقتلك، أعطاه مهلة ثلاث سنوات قال لهم: بهذه الثلاث سنوات إما أن يموت السلطان، أو يموت الحمار، أو أموت أنا، تحل المشكلة، هذه الأيام الزمن وحده يحل المشكلة، إما أن يموت السلطان أو الدابة أو أنا، قال له: كف أذاك عنه واصبر لأذاه.
 يوجد نقطة دقيقة جداً جداً إذا أنت خلطت ماء نقياً طاهراً عذباً مع ماء ملوث أيهما يتضرر؟ العذب فقط، الثاني ملوث، فالجار السيئ هو سيئ، أما أنت إذا نزلت إلى مستواه و رددت على إساءته بإساءة يأخذ إساءتك و يطبل بها و يزمر، فيشوه سمعتك، فلذلك السلف الصالح كانوا يشترون عرضهم بمالهم، وقد قال النبي الكريم: ذبوا أي دافعوا عن أعراضكم بأموالكم.
 فالجار السفيه حاول أن تكف أذاك عنه، و أن تصبر لأذاه، لا تهبط إلى مستواه، إنك إذاً مثله فكفى بالموت مفرقاً.

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ ))

[ متفق عليه عن عائشة]

من عاش تقياً عاش قوياً :

 و الله أسمع هذه القصة و لا أمل من تردادها، أيها الأخوة اصنع المعروف مع أهله و مع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، و إن لم تصب أهله فأنت أهله، فهذا الذي كان صالحاً عاش ستة و تسعين عاماً في التدريس و كان يقول للشاب: أنت تلميذي وكان أبوك تلميذي وكان جدك تلميذي، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه.
 مرة سألت طبيب أسنان قلت له: هل مرّ بك رجل متقدم في السن أسنانه كلها سليمة، قال: أبي عاش ستاً و سبعين سنة أسنانه كلها سليمة، ابنه طبيب أسنان، فكان هذا الرجل الوقور المعلم الصالح الهادئ، ست و تسعون سنة قامته منتصبة، بصره حاد، سمعه مرهف، أسنانه في فمه.
 إذا سئل يا سيدي ما هذه الصحة؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 و البطولة ليس في الشباب، في خريف العمر، الناس يتمايزون في خريف العمر، أحياناً تشتهي التقدم بالسن من إنسان، لي صديق كنت أزوره من حين لآخر والده عمره ستة و تسعين عاماً، و كلما زرته في البيت حدثني بقصة لم يحد ثنيها سابقاً، ذاكرته قوية جداً و الله قال لي هذه الكلمة لا أنساها قال لي و الله البارحة يقول لي يا عم و الله البارحة عملنا فحوصاً تامة للدم و البول كاملة قال لي الحمد لله كله طبيعي، ست و تسعين سنة فحوص كاملة كلها طبيعية، الآن بالثلاثين أو سيد أوريك و معه شحوم ثلاثية و معه ومعه، خمسين علة بدمه يوجد لكن قال لي و الله لست آكلاً قرشاً حلالاً بحياتي و لا أعرف الحرام بالمعنى الثاني، لا يعرف غير زوجته و لم يأكل قرشاً حراماً واحداً.
 من عاش تقياً عاش قوياً، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، مرة طبيب زار قريبة له، أنا واقف أصيبت بخثرة في رأسها و انشلت، و يوجد أمل أن تتحسن حركتها، فنصحني أن أكلمها كثيراً، أنا ما وجدت لهذه المعالجة معنى أن نحاكيها، فلما رأى دهشتي من هذا التوجيه شرح لي، قال لي: أنت حينما تحدثها ينشط دماغها لتجيبك، فيأتي الدم كثيراً إلى الأوعية في الدماغ فتتنشط، ثم قال لي: هذا الذي يصلي الصلوات الخمس، فرض الصبح هذا جهر أول ركعة يوجد سورة ركع وقف سجد، مرة ثانية وقف، الثالثة جلس في نشاط دائم، الظهر الركعة الأولى فيها قراءة، الثانية فيها قراءة، و الصلاة سرية، و الثالثة الفاتحة فقط، و الرابعة الفاتحة فقط، و أربع ركعات قبل الصلاة و ركعتان بعد الصلاة، المسلم الذي يصلي و يقرأ القرآن يعيش في نشاط ذهني مستمر، و الله تلتقي مع أناس في الثمانين و الله و في التسعين تتمنى أن تبلغ هذه السن بهذه الصحة، من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، و من عاش تقياً عاش قوياً، فحسن الجوار و صلة الرحم و حسن الخلق يعمرن الديار و يزدن في الأعمار.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018