بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 064 - الصيام


2005-09-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الفرق بين الطّقوس و العبادات :

 أيها الأخوة الكرام، هذا الدرس سيخصص لفضائل شهر الصوم، وما ينبغي أن نكون عليه في ثاني أكبر عبادة في الإسلام.
 أيها الأخوة، بادئ ذي بدء يجب أن نفرق بين الطقوس والعبادات، الصيام عبادة، أما ما يجري في الأديان الوضعية من حركات، وسكنات، وإيماءات، وتمتمات، وقراءات فلا معنى لها، ولا هدف لها، ولا جدوى منها، هذه لا علاقة لها بالعبادات، ديننا دين سماوي، وهذا الدين من عند الله عز وجل، وما من عبادة كلفنا بها إلا وهي معللة بمصالح الخلق، والدليل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 علة الصلاة أنها تنهى النفس البشرية نهياً ذاتياً عن الفحشاء والمنكر، لذلك جميع الأنظمة الوضعية تعتمد على الرادع الخارجي، بينما الأديان السماوية تعتمد على الوازع الداخلي.
 أوضح مثلٍ: لما رأى سيدنا عبد الله بن عمر راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة -ممتحناً له - وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده لصادق أمين، ولكن أين الله؟!
 هذا الراعي على ضعف ثقافته الدينية وضع يده على جوهر الدين، لمجرد أن تقول: أين الله؟ لا تستطيع أن تكذب، ولا أن تغش المسلمين، ولا أن تأكل مالاً حراماً، ولا أن تفتري على إنسان تهمة، يمكن أن يلخص الدين كله بأن يقول المسلم: أين الله ؟.
 بينما الأنظمة الوضعية تعتمد على الرادع الخارجي، جميع المحلات التجارية في العالم الغربي مراقبة على الشاشة، وأي إنسان ما دفع ثمن السلعة هناك صوت، لأن على السلعة لصاقة، إن دفع ثمنها تعطل مفعولها، وإن لم يدفع صدر صوت كبير أثناء خروجه من الصالة، هذا الصوت يغلق الأبواب أوتوماتيكياً، الأنظمة الوضعية تعتمد على الرادع الخارجي، أما حينما انقطعت الكهرباء في مدينة في أمريكا قبل بضع سنوات تمت سرقة مئتي ألف محل، وقيمة المسروقات أربعة مليارات. وفي إعصار كارتينا أيضاً اضطرت أن تبعث الحكومة المركزية ستين ألف جندي لإيقاف السرقات، الأنظمة الوضعية تعتمد على الرادع الخارجي، بينما الأديان السماوية تعتمد على الوازع الداخلي.
 أما الإنسان حينما يضع نظاماً فواضع النظام ذكي، وقد يكون المواطن أذكى منه، فمرةً كنت بمركبة في أمريكا، سمعت صوتاً من المركبة، سألت صاحب السيارة: ما هذا الصوت؟ قال: هذا الصوت يرشدني إلى أن هناك محطة لمراقبة سرعة السيارات بعد قليل، أنا بعد أن أسمع هذا الصوت أخفض السرعة إلى المئة لأنجو من المخالفة، فإذا تجاوزت هذا المركز رفعتها إلى المئتين، واضع النظام عاقل، والذي يطبق عليه النظام أشدّ عقلاً، فالمعركة الآن بين عقلين. بلغني أن هناك محاولة لاكتشاف أجهزة تملكها الشرطة لمن يضع جهازًا في سيارته، القضية لا تنتهي.
 أوضح من هذا: الصيام بأمر إلهي، تصور أن الصيام بقانون، أو بمرسوم، هل تستطيع الدولة أن تراقب المواطنين في بيوتهم؟ في مطابخهم؟ في حماماتهم؟ يشرب، أما لأنه من عند الله، والصيام في الصيف مثلاً، والنهار سبع عشرة ساعة، ويكاد يموت من العطش ظهراً، ويدخل إلى بيته، ويغلق الأبواب، ويدخل إلى الحمام، والماء بارد، فلا يستطيع أن يضع قطرة ماء في فمه، هذا هو الدين، والله الذي لا إله إلا هو لا يمكن أن تصلح حياتنا من دون إيمان من الله.
 عامل بمطعم مصاب بمرض التهاب كبد وبائي، لم تظهر أعراضه بعد، فإذا دخل إلى الحمام وخرج، ولم يبالغ بتنظيف يديه قد يصيب ثلاثمئة إنسان أكل في هذا المطعم بمرض الكبد الوبائي القاتل، هل نستطيع ضبط هذا الإنسان؟ أما المسلم فيضبط نفسه.
 مسبح باليونان، لو أن أحد الذين يسبحون في هذا المسبح أفرغ مثانته وهو في المسبح، البول يتفاعل مع مادة وضعت في الماء، هذا التفاعل يشكل دائرة بنفسجية اللون هناك حارس يراقب مع إضاءة كاشفة، يؤخذ هذا الذي خالف القانون، وأفرغ مثانته في المسبح، يوضع في غرفة من البلور على مدخل المسبح تحت عنوان أن هذا المواطن يخالف النظام. هل يجرؤ مسلم وهو في مسبح أن يفرغ مثانته فيه؟ لا يجرؤ، يخاف الله، ما من شيء يحل محل الدين يا أخوان، بالدين تؤدي ما عليك، كم من صاحب محل تجاري نسي أن يسجل ديناً، وصاحب الدين دفعه له؟
 والله حدثني أخ أن سائق تاكسي في هذه البلدة الطيبة وجد كيسًا أسود بمركبته بالمقعد الخلفي، فيه عشرون مليون ليرة، بحث عن صاحب المبلغ أكثر من أربعة أيام، إلى أن وصل إليه، وقدم له المبلغ، لكن صاحب المبلغ كان ذا مروءة، قال: الله ماذا تعمل أنت؟ قال له: أنا سائق على هذه السيارة، أنا أجير، أخذه إلى سوق السيارات، واشترى له سيارة بمليوني ليرة، قال له: هذه لك. والله أيها الأخوة، وأنا أعني ما أقول: لا يمكن أن تستقيم حياتنا من دون خوف من الله، لو قال لك الطبيب: تحتاج عشرة تحاليل، والحقيقة أنك تحتاج إلى تحليل واحد، هو متفق مع المحلل، التسعة بيننا، حلل، هل تكشفه أنت؟ هل بإمكانك أن تناقشه؟ لا تستطيع.
 لو قال لك المحامي: هذه الدعوى ناجحة، وهو يعلم علم اليقين أنها لا تنجح، لكن معه ثماني سنوات، يبتز منك مبالغ طائلة، ثم يتهم القاضي بالرشوة، يرتاح، من يكشفه؟ الله عز وجل.
 من يكشف الطبيب الذي يبتز مال المريض، ويوهمه بمرض عضال، وهو ليس كذلك؟

عبادة الله معللة بمصالح الخلق :

 دققوا فيما أقول: لن تستقيم حياتنا إلا بالخوف من الله، فإذا ألغينا الدين أكل القوي منا الضعيف، واستباح الغني مال الفقير، وكان هناك ظلم لا نهاية له.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 فمن لم ينتهِ وهو يصلي عن الفحشاء والمنكر لم يقطف من ثمار الصلاة شيئاً، وهذه الصلاة التي لا تنهَى عن الفحشاء والمنكر لا قيمة لها عند الله، هذه واحدة.
الصيام:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 183]

 علة الصيام التقوى، والتقوى طاعة الله، الله عز وجل يقوي إرادتك في رمضان، يمنعك من المباح، يمنعك من أن تأكل الطعام الذي تأكله طوال العام، يمنعك من أن تشرب الماء، فلأن تمتنع عن المعاصي والآثام من باب أولى، يختل توازنك لو أنك تركت الطعام والشراب، وارتكبت الموبقات، اقترفت كذباً، أو غيبة، أو نميمة، أو نظراً، أو لغواً، أو أكل مالاً حرامًا، عندئذٍ لا معنى لصيامك، إذاً حينما ينهاك الله عن المباحات في رمضان ليقوي إرادتك على ترك المعاصي والآثام، نتابع هذا الموضوع بعد قليل.
الزكاة:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 المزكي تطهر نفسه من الشّح، وتطهر نفس الفقير من الحقد، ويطهر المال من تعلق حق الغير به.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 تطهر نفس الغني، ونفس الفقير، والمال نفسه.

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة التوبة : 103]

 الغني حينما يرى البسمة ارتسمت على مئات الوجوه الجائعة بماله الحلال يشعر بقيمته عند الله، تنمو نفسه، والفقير حينما يرى أن المجتمع لن ينساه، مهتم به، يتفقد أحواله، أعطاه ما يأكل، وما يشرب، تنمو نفسه، يشعر بقيمته الإنسانية، والمال الذي زكي عنه ينمو بقانون اقتصادي، أنت حينما تدفع مالك للفقير وضعت في أيديهم قوة شرائية عادوا، واشتروا من عندك، أو ينمو المال بقانون لا نعلمه، قانون العناية الإلهية، فالزكاة تطهر وتزكي، والصيام من أجل التقوى، والصلاة من أجل أن تنهانا عن الفحشاء والمنكر.
 أما الحج فقد ورد في بعض آيات الحج:

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 والله الذي قال:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 علة خلق السموات والأرض أن نعلم:

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق: 12 ]

 من أجل أن نعلم أن الله يعلم، وهو قادر، أي علمه يطولنا، وقدرته تطولنا، تماماً لو كنت تقود مركبة، ووقفت عند الإشارة الحمراء، والشرطي واقف، وهناك شرطي آخر على الدراجة النارية جاهز، فأنت إذا مررت والإشارة حمراء علم واضع قانون السير يطولك عن طريق هذا الشرطي، وقدرته تطولك عن طريق حجز المركبة، وتغريمك بمبلغ كبير، ما دمت تؤمن أن واضع القانون علمه يطولك، وقدرته تطولك فلن تعصيه، الحج من أجل أن تعلم أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب- الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة- فعبادة الله معللة بمصالح الخلق.

الصيام وقاية للجسم وعلاج لبعض الأمراض :

 نعود إلى الصيام:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾

 دائماً وأبداً الله عز وجل يخاطب الناس بأصول الدين، ويخاطب المؤمنين بفروع الدين.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾

[ سورة المائدة: 31 ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 183]

 أنا لا أريد أن أجعل الصيام صحة، فمن صام حفاظاً على صحته ما عبد الله، ولكن أمر الله أكبر بكثير من أي يكون له هدف واحد، وسوف ترون في دروس قادمة إن شاء الله كيف أن هذا الجسم فيه أجهزة بالغة التعقيد، هذه الأجهزة لا بد لها من صيانة سنوية، والحديث طويل، أنت حينما تمتنع عن الطعام والشراب ثلاثين يوماً في النهار هناك صيانة عامة لأجهزة الجسم، يرتاح الجهاز الهضمي، تجرف من الأمعاء الانتانات الهضمية، يرتاح جهاز الدوران، يرتاح جهاز التصفية، الكليتان، يرتاح الجسم كله، فلابد للجسم من صيانة سنوية، الصيام وقاية للجسم، وعلاج لبعض الأمراض، وقد ورد أن:

(( صوموا تصحوا ))

[ ابن السني و أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة ]

 لكننا نصوم لا لأن في الصيام صحة، لأنه عبادة لله عز وجل، في الصيام تصلي صلاة الفجر في المسجد، طبعاً أنا أتحدث عن الصيام الذي ينبغي، لكن هناك صياماً لا ينبغي، كل ما في جعبة الإعلام من برامج هزلية، برامج ماجنة، هذه تكون إكراماً لشهر رمضان، موسم إعلام، موسم ولائم، موسم لقاءات حتى الساعة الواحدة، ونأكل وننام ونستيقظ الساعة العاشرة، والطبقة المخملية هذه عندها خيام رمضانية، تبدأ الخيمة الرمضانية بأذان المغرب، وتنتهي بالرقص، وكل هذا من أجل شهر رمضان المبارك، هذا الصيام صيام الولائم، والسهر وراء الأفلام حتى ساعة متأخرة من الليل، وترك صلاة الفجر، هذا ليس صيام المؤمنين، وليس صيام غير المؤمنين، هذا صيام من ليس من بني البشر.
 أحيانًا دابة تجيعها كثيراً، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن:" المنافق في الصيام مثله كمثل الناقة، حبسها أهلها، ثم أطلقوها، فلا تدري لمَ حبست؟ ولمَ أطلقت؟" لماذا أنت صائم؟ والله هذه عادات وتقاليد، هكذا نشأنا، هل من المعقول أن أفطر؟!
 إنسان أفطر في رمضان، قال لهم: أيقظوني على السحور، قالوا له: و لكنك لست صائماً!! قال لهم: أحدهم ترك الفرض هل يترك السنة أيضاً؟ غير معقول، والآن أحياناً يكون الإفطار جهاراً، وإذا أفطر المرء جهاراً فقد فجر، فرق كبير بين العاصي والفاجر.

(( إذا بُليتمْ بالمعاصي فاستَتِروا ))

[ البيهقي والحاكم عن ابن عُمر ]

 يدخن في الطريق، يدخل إلى مطعم في الطريق برمضان، ولا يستحي من الله، على كل هؤلاء الذين يصومون بالعادات والتقاليد والتراث الفلكلوري لا نعنيهم بهذا الدرس إطلاقاً، ولكن هذا المؤمن الذي يداوم على صلاة الفجر في المسجد ثلاثين يوماً يألف الصلاة في المسجد.

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله ))

[مسلم عن جندب بن عبد الله]

(( مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ ))

[ مسلم عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فأنت في رمضان تصلي الفجر في جماعة، والعشاء والتراويح في جماعة، فأنت في ذمة الله طوال النهار، وفي ذمة الله طوال الليل، فإذا ألفت صلاة المسجد لعل هذه السرعة الابتدائية تستمر بعد رمضان.

 

رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما :

 بشكل أو بآخر في رمضان قفزة، فالبطولة أن تستمر، صار مثل الدرج كل رمضان درجة، صعدنا درجة، الإنسان أحياناً يدافع التدني، هذا مستواه، وأحياناً يتابع الترقي، فالمؤمن الذي له معاص وآثام، لعله في هذا الشهر يتوب إلى الله، والتائب يرتقي، والمرتقي يرتقي، ومراتب الإيمان لا تعد ولا تحصى.
يا أخوان، بربكم لو أن شخصا عليه ثمانية عشر مليوناص، ولا يملك مها شيئاً، بيته محجوز، أمواله المنقولة والغير منقولة محجوزة، وعليه ديون، والذين أقرضوه يطالبونه بقسوة، ويهددونه بالسجن، وجاء من يقول له: افعل هذا العمل ثلاثين يومًا، وكل هذه المبالغ تعفى منها، ويفك الحجز، ويتنازل الدائنون عن ديونهم، هل يتردد ثانية؟ الآن اسمعوا الحديث الصحيح:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 تفتح مع الله صفحة جديدة.

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 الصيام بأمر الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 183]

 والقيام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فصيام رمضان وقيام رمضان الحد الأدنى من الجزاء مغفرة جميع الذنوب، فرمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، فشمروا، نحن أمام شهر يمكن أن يغفر لنا جميع الذنوب التي بدرت منا طوال العام، رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما.

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

ما يجب على الإنسان فعله في رمضان :

 يا أخوان، أتمنى عليكم ألا يكون الصيام عادات وتقاليد، ما من داعٍ للولائم في رمضان، ما من داع للسهر، هناك داعٍ للعبادة، رمضان أول شيء فيه التوبة النصوح، التوبة النصوح من كل ذنب تعرفه، ثم غض البصر، وحفظ اللسان، والإنفاق، وتلاوة القرآن.

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الخلق، وأجود ما يكون في رمضان، وكان في رمضان كالريح المرسلة، لا يمسك فيه شيئاً ))

[ متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنهما ]

 وكان عليه الصلاة والسلام يكثر في رمضان من قراءة القرآن، ومن الأدعية المشهورة: " اللهم أعنا على الصيام والقيام، وغض البصر وحفظ اللسان ".
 فأنت أمام دورة إيمانية مكثفة قوامها ترك المباح، فلأن تدع المعصية من باب أولى، والمعاصي أنواع لكل جارحة معصية، اللسان له أكثر من عشرين معصية، في كتاب إحياء علوم الدين عقد الإمام الغزالي رحمه الله تعالى باباً في معاصي اللسان، الغيبة، والنميمة، والافتراء، وقول الزور، والازدراء، إلخ......

(( إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار ))

[ الترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة ]

 السيدة عائشة قالت عن أختها صفية إنها قصيرة، فقال:

(( يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

[أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 قصيرة. تجد في السهرة يفند إنسان إنسانًا، تفند امرأة امرأة، بدءاً من شكلها، ومن تقوس ظهرها، ومن صغر عينيها، ومن قلة شعرها، إلى أخطائها، إلى أخلاقها، إلى عفتها، والناس مرتاحون.
 أحدهم قال لرجل: لقد اغتبتني - إجابة رائعة - قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ من أنت؟ ولو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك.
 يجب أن تعلم علم اليقين أنك إذا اغتبت إنساناً سوف يأخذ من حسناتك، وسوف يطرح عليك سيئاته، قال له: ومن أنت حتى أغتابك؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي، لأنهما أولى بحسناتي منك.

ضبط اللسان في رمضان و بعده :

 في رمضان ضبط اللسان، لكن ألا نستحي من الله إذا انقضى رمضان أن نعود إلى الغيبة؟ بصراحة نحن في رمضان نصوم إن شاء الله صيامًا كاملاً، لكن في العيد لا نفطر إلا على الطعام والشراب فقط، وما سوى ذلك نبقى صائمين، في غض أبصارنا، في ضبط ألسنتنا، في إنجاز وعدنا، في إتقان عملنا، في رعايتنا لأسرنا، إذاً أنت في رمضان تصلي الفجر في المسجد، وتتلو القرآن، لعل الله سبحانه وتعالى يملأ قلبك إيماناً وغنى، وتلاوة القرآن من أقوى العبادات.
 لبعض العلماء الأجلاء مقولة: إن أفضل تلاوة للقرآن أن تقرأه في الصلاة، واقفاً، وفي المسجد، فالذي يأتم بإمام فهو في أعلى درجة من العبادة، إذا أردت أن يخاطبك الله فصلِّ، كيف يخاطب؟

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6-7]

 آمين:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾

[ سورة التحريم: 8 ]

 الله يخاطبك الآن، سألته الصراط المستقيم فأجابك، إن أردت أن يخاطبك الله فصلِّ، وإن أردت أن تخاطبه فادعه.

(( يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: وكيف ذلك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني ))

[ ابن شاهين عن جابر ]

رمضان شهر المغفرة والإنفاق و العتق من النار :

 نحن أخواننا الكرام على أبواب رمضان، شهر التوبة، شهر المغفرة، شهر العتق من النار، شهر صلاة الفجر:

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء : 78-80]

 شهر صلاة الفجر، شهر التراويح، لعل الجائزة تتسلمها كل يوم بصلاة التراويح، لذلك ينبغي أن تأكل أكلاً معتدلاً، لكن الشيء الغريب أن إحصاء رسميًّا عن المواد الغذائية تباع في رمضان بعشرة أضعاف، هناك تفسير مقبول وجيد وإيجابي، أن الناس يشترون الطعام ليوزعوه على الفقراء، لكن العادات والتقاليد ثلاث وجبات دسمة في رمضان تنقلب من النهار إلى الليل، وكأن الله أرادنا أن نخفف من الطعام في رمضان، فإذا برمضان يزداد فيه بعض المسلمين وزناً، أما إذا أكلت طعاماً خفيفاً فستقوم إلى صلاة التراويح نشيطاً.
 الآن في أيام العمرة والحج حتى في رمضان، العمرة في رمضان ألفوا أن يأكلوا تمراً فقط وماء، ويفطرون بعد التراويح، فإذا كنت حريصًا على أن تصلي التراويح وأنت نشيط ينبغي أن تأكل باعتدال، وأسباب الأكل باعتدال أن تفطر على تمرات، لأن سكر التمر ينتقل من الفم إلى الدم بأقصر فترة ممكنة في حياة الإنسان بعشر دقائق، وقت صلاة المغرب، مهما تكن جائعاً إذا أفطرت على ثلاث تمرات وكأس ماء، وصليت المغرب تجلس على المائدة، وكأنك قد أكلت، لأن سكر التمر ينتقل من الفم إلى الدم في أقل من عشر دقائق، هذا من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث عن التمر يطول، فيه سكر، وفي ست و أربعون مادة غذائية، ومواد ملينة، ومواد مهدئة، ومواد قابضة إلخ....... فرمضان شهر التوبة، شهر المغفرة، شهر الإنفاق.

 

زكاة الفطر :

 أخواننا، شيء قد لا يصدق، تجب زكاة الفطر على من ملك طعام يومه فقط، الذي عنده وجبة غذاء تكفيه أن يأكل مع أهله ولا يملك غيرها تجب عليه زكاة الفطر، لماذا؟ لأنها طهرة للصائم وطعمة للمسكين، وهناك هدف أعمق، لأن الله أراد أن يذوق الفقير المعدم طعم الإنفاق مرة في العام، الفقير المعدم لا يوجد في بيته غير وجبة طعام واحدة، لا يملك غيرها، عليه زكاة الفطر من أجل أن يذوق طعم الإنفاق مرة في العام، فرمضان شهر الإنفاق، وشهر القرآن.

قراءة القرآن في رمضان :

 أنا أتمنى عليكم في رمضان أن تقرؤوا القرآن مرتين مرةً قراءة تعبد سريعة، ومرة قراءة تدبر بطيئة، اقرأ صفحة أو صفحتين، لكن ليس هناك مانع إذا كان عندك مصحف قديم أن تمسك القلم، آيات الأمر ضع تحتها خطاً، آيات النهي خط، آيات القيامة خط، الآيات الكونية خط- إشارة- أي اقرأ هذه آيات كونية، هذه آية تشير إلى يوم القيامة، هذه آية متعلقة بالجنة، هذه متعلقة بالنار، هذه الآية متعلقة بأقوام سابقين أهلكهم الله عز وجل، هذه آية تشريعية، هذه آية كونية، اقرأ متدبراً، هناك مقولة رائعة لعالم أديب قال:" أن تقرأ الكتاب ثلاث مرات أفضل من أن تقرأ ثلاثة كتب ".
 فلابد من قراءة تدبر، آية آية، يمكن باليوم صفحة، لا مانع، اعمل ختمة تدبر، واعمل ختمة تلاوة.
 فرمضان شهر القرآن، شهر الإنفاق، شهر التوبة، شهر المغفرة، شهر العبادة والله أعرف أسرًا كثيرين جميع المناسبات الاجتماعية أوقفت في رمضان، هذا شهر الله عز وجل، شهر الصلاة، شهر المساجد، شهر التلاوة، لا شهر السهرة ومختلطة وغيبة ونميمة وأفلام وكوميديا، وننام الساعة الثانية، ونستيقظ الساعة العاشرة، ويقول: رمضان مبارك، أي رمضان مبارك؟! فأنا لا أتحدث عن هؤلاء الشاردين.

من هان أمر الله عليه هان على الله :

 والله مرة دعيت إلى إلقاء محاضرة في بيروت دعاني مفتي لبنان، طبعاً من لوازم الدعوة أن أدعى إلى طعام الإفطار، دعيت إلى فندق بالروشة، فخم جداً، المفتي العام، وكبار علماء لبنان، و نحن لنا زاوية معينة، أنا متوقع أنني لن أجد أي إنسان وقت رمضان، توقعت أن الناس كلهم في بيوتهم، المفاجأة لا يوجد محل، وكلهم مسلمون، و لم يقم أي واحد منهم ليصلي المغرب، والأراكيل على الطاولة، والنساء كاسيات عاريات، والعياذ بالله، هذا رمضان فلكلور من التراث، الخيم الرمضانية منتشرة جداً في لبنان، وفي سوريا، تبدأ بالأذان، تنتهي بالرقص، نساء ترقص، هذا قبل الإمساك مشروبات روحية، وقيم روحية، وروحية بروحية.

(( سيأتي على الناس زمان ما يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه ))

[ الديلمي عن معاذ ]

 ما معنى إسلام؟ يعني أقواسًا إسلامية، فسيفساء، تيجانًا، أعمدة، زخارف، هذا الإسلام عادات، تقاليد، أما كمنهج إلهي؟! لذلك هان أمر الله علينا فهنا على الله. قال: ربي كم عصيتك ولم تعاقبنِي؟ قال له: عبدي كم عاقبتك ولم تدرِ؟
 وضع المسلمين يرضي؟ نملك أمرنا؟ نملك شيئاً؟ أمرنا بيدنا؟ لا، وضعنا لا يرضي، لأن أمر الله هان علينا فهنا على الله، دققوا في هذه الآية:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

 دعوى، والدليل:

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

 والآن قياساً على هذه الآية، لو قال المسلمون: نحن أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فالجواب الإلهي:

﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة: 18 ]

رمضان شهر التوبة :

 أخواننا الكرام، أردت من هذا الدرس أن يكون عن رمضان، لأنه والله يا أخوان ممكن أن نفتح جميعاً مع الله صفحة جديدة، ممكن كل الأخطاء والتقصيرات الماضية تمسح، أحيانا التجار بأسلوب لطيف يكون الحساب لتاجر، يقول: خرزنا الأوراق، وأولنا اليوم، لا شيء، أنت برمضان تفتح مع الله صفحة جديدة، القديم مسامح، قم وانهض.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[ سورة التحريم : 8]

 مرة ثانية يا أخوان: رمضان شهر التوبة.

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النجم : 3]

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن يقول النبي حديثاً صحيحاً ولا يطبق.

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 دعوا المناسبات الاجتماعية، دعوا السهرات المختلطة، دعوا الولائم، دعوا المسلسلات، دعوا كل شيء، هذا رمضان شهر القرب من الله، ثلاثون يومًا، حتى تذوق حلاوة الإيمان، حتى تذوق معنى القرب، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل حنة الآخرة، إنها جنة القرب.
 أسأل الله لي ولكم صياماً مقبولاً، وتوبةً نصوحة، وتلاوة للقرآن، وإنفاقاً للمال، وغضاً للبصر، وضبطاً للسان، وصياماً متقبلاً إن شاء الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018