بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 082 - غزة 1 : الهجمة الشرسة من العدو الصهيوني على مدينة غزة


2009-01-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

التفسير الإلهي لما يجري في غزة:

 أيها الأخوة الكرام، الموضوع الأول في حياة المسلمين هذه الهجمة الشرسة من العدو الصهيوني على مدينة غزة، هناك مئات التحليلات، وهناك عشرات وجهات النظر، وهناك آراء متعاكسة، لكن البطولة أن تقف على التفسير الإلهي لما يجري، هناك تفسيرات كثيرة، ولكن الله عز وجل حينما يقول:

 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

 

( سورة القصص )

 قد تقرأ هذه الآية آلاف المرات ولكن إذا قرأتها الآن ينجلي لك معنىً دقيقاً:

 

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ﴾

 

(سورة القصص )

 هناك أقوياء متغطرسون، مستكبرون، جبارون، طغاة، وهناك مستضعفون، مدنيون، عُزّل:

 

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

 

(سورة القصص )

 هذه الآية أيها الأخوة، تملأ قلب المؤمن طمأنينة إلى حكمة الله.

 

كل شيء وقع ما كان له أن يقع لولا أن الله سمح له أن يقع:

 الحقيقة الأولى في هذا الموضوع أن كل شيء وقع في الأرض بل في الكون، بل من ظهور الخليقة إلى يوم القيامة، كل شيء وقع ما كان له أن يقع لولا أن الله سمح له أن يقع، وما دام الله سمح له أن يقع، ما دام هذا الفعل متعلق بالذات الإلهية، الله حكيم، إذاً هو حكمته حكمة مطلقة، حكمة بالغة بالغة بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، قد تبدو الآن وقد تبدو حكمتها بعد حين، ولكن الشر المطلق لا وجود له في الكون، إن الشرّ المطلق يتناقض مع وجود الله، كل شيء وقع ما كان له أن يقع لولا أن الله سمح له أن يقع، ولأن الله الحكيم سمح له أن يقع إذاً فيه حكمة بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، ولكن لابدّ من أن تكشف الحكمة في حين ما، إن في القريب العاجل أو بعد القريب العاجل.

 

 

الموقف المناسب الذي كان يقفه النبي الكريم من الأحداث:

 أيها الأخوة، لكن لو عدنا إلى سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، سيرة النبي مجموعة أحداث وقعت في حياته، هذه الأحداث وقعت بحكمة بالغة بالغة من الله، لتكون هذه الأحداث منطلقاً لأن يقف النبي الموقف المناسب، موقف النبي سنة، إقراره سنة، فعله سنة، قوله سنة، لو عدنا إلى السيرة النبوية الشريفة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( لقد أُخِفْتُ في الله ما لم يُخَفْ أَحدٌ، وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال ))

 

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 سيد الخلق وحبيب الحق كان مستضعفاً بدليل أنه كان يمر على آل ياسر وهم يعذبون في مكة ليس بإمكانه أن ينفذهم يقول: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
 إذاً أن يكون الإنسان ضعيفاً ليس هذا وصمة عار، أما أن يكون طاغية هذه وصمة العار.

 

الدنيا دار عمل و تكليف لا دار راحة و استقرار:

 إذاً:

 

 

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾

 

(سورة القصص )

 على من ؟

 

﴿عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

 

(سورة القصص )

 إذاً هذه المقولة، مقولة التوحيد، نستنبط أنه قد يكون المُوْقع مجرماً، طاغية، سفاحاً، قاتلاً، ولكن لأن الذي وقع وقع هناك حكمة هي نعمة باطنة تنكشف لنا بعد حين، والله الذي لا إله إلا هو أقول لكم هذه الكلمة، لا يمكن أن يسمح الله لطاغية على وجه الأرض في القارات الخمس ومن بدء الخليقة إلى نهاية الدوران أن يكون طاغية إلا ويوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين، والإيجابيات التي قربتنا من الله بعد الحادي عشر من أيلول، الإيجابيات التي جمعتنا، طبعاً هناك أحداث مؤلمة جداً لكن من قال لكم إن هذه الدنيا دار استقرار ؟ هذا النص أضعه بين أيديكم:

 

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ـ دقق: فجعل بلاء الدنيا، وأخوتنا في غزة في بلاء شديد.))

 

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

(( فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

توظيف الله عز وجل طغيان الطغاة لخدمة دينه و لخدمة المؤمنين:

 قد يقول واحد منا لقد قتل مئات وجرح ألوف، نقول:

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾

 

(سورة آل عمران)

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ﴾

( سورة يس)

 إذاً الحقيقة الأولى أن الطغاة في الأرض ما سمح لهم أن يكونوا كذلك إلا وقد وظف الله طغيانهم لخدمة دينه والمؤمنين، هناك نقلة نوعية.

 

إعداد العدة اللازمة لمواجهة الأعداء أمر قرآني وكل أمر قرآني يقتضي الوجوب:

 نحن لم نقم منهج الله كله، الآية الكريمة:

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 هذه الآية أمر قرآني وكل أمر قرآني يقتضي الوجوب، أعددنا لهم أم أعدوا لنا ؟ أعدوا لنا أسلحة فتاكة وطيراناً وقذائف، أعدوا لنا قبل أن نعد لهم، فلما استقووا بأسلحتهم فرضوا ثقافتهم (العالم الغربي)، وقرارهم، وإباحيتهم على العالم كله، هذه الدنيا لها نظام آخر، هذه الدنيا نظامها أنه تحتاج بها إلى أن تأخذ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب قد يأخذ النتائج، أما الذي لم يأخذ بالأسباب ولو كان مؤمناً ليس له نصيب من هذه النتائج، فالحقيقة الأولى هذا الذي وقع مع أنه مؤلم جداً لكن لو كشف الله حكمته، لو كشف الله عز وجل ما عنده من عطاء لهؤلاء الصابرين، لهؤلاء الذين ما تكلموا كلمة لا تليق بحضرة الله عز وجل، هؤلاء صابرون، والله كنت مرة في بلد عربي أستاذ جامعي زار غزة قال كلاماً والله أبكانا، قال: ذهبت إلى غزة فوجدت أنهم أحرار لكننا في بلادنا الآمنة محاصرون بشهواتنا ومصالحنا.
 الإنسان إذا اقترب من الله يسعد سعادة لا توصف، شدة ما بعدها شدة، والأشد من هذه الشدة أن العالم العربي وقف متفرجاً بل وصامتاً، لذلك هذه المرأة التي قالت: وامعتصماه ما كان من المعتصم إلا أن جهز جيشاً وغزا عمورية وأنقذ كرامتها لذلك قال بعض الشعراء:

 

ربّ وامعتصماه انطلقت  ملء أفواه الــبنات اليتم
لامست أسماعهم لـكنها  لم تلامس نخوة المعتصم
***

 

من كان على حقٍّ و تمسك بعقيدة الله عز وجل فالله تعالى لن يتخلى عنه أبداً:

 أيها الأخوة، بالتوحيد تفهم كل شيء، التوحيد يعني أن الإنسان إذا رأى يد الله تعمل وحدها في الخفاء قد يكشف له من أن هذه الأزمة التي ألمت بأهل غزة ربما جمعتنا، ربما حركت كوامن مشاعرنا الطيبة، ربما دفعتنا إلى البذل والعطاء، ربما أكدت انتماءنا إلى هذه الأمة، الإنسان من دون قيم لا قيمة له إطلاقاً.
 أيها الأخوة الكرام، حقيقة ما بعدها من حقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق أثناء الهجرة أهدر دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، تبعه سراقة، والقصة عندكم تعرفونها، لكن ماذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام ؟ قال له النبي الكريم: يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ يعني أنا سأصل إلى المدينة سالماً، هذه ثقته بالله، و سأنشئ دولة في المدينة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولتين في العالم، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتي إلى المدينة غنائم كسرى، و لك يا سراقة سوار كسرى، مع أن خط الدعوة البيانية كان في الحضيض، أهدر دمه ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، لكن النبي عليه الصلاة والسلام واثق من ربه، واثق من أن الله لن يتخلى عنه.
 أنا أقول لكم والله أيها الأخوة ما داموا على حق، وماداموا متمسكين بعقيدتهم وباستقامتهم الله لن يتخلى عنهم، والذي استشهد منهم أرجو الله له جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 

الإنجازات الكبيرة التي حققتها المقاومة:

 لكن لو أردت أن تحلل الأمور هل هناك إنجاز كبير عن طريق المقاومة إن في العراق أو في أفغانستان ؟ ثلاثة وسبعون بالمئة من أرض أفغانستان بيد المؤمنين، وثلاثون دولة بكل إمكاناتها وأسلحتها وطائراتها وقذائفها وصواريخها في حيرة من أمرها، من يصدق أن أناساً ليس معهم إلا البندقية يقفون أمام ثلاثين دولة في الغرب وأربعة أخماس الأرض بيدهم الآن ؟ لا يوجد إلا كابول وما حولها باعترافهم هم.
 في العراق ؛ الدرس الذي تلقاه المحتل في العراق لا ينسى، الآن في جنوب لبنان في العام الماضي يقول التقرير: ثلاثة آلاف مقاتل أذلّ الجيش الإسرائيلي وهو أقوى جيش في الشرق الأوسط، الله عز وجل أعطانا جرعة منعشة، والآن اليوم الثامن والصواريخ الذي صنعت محلياً والتي وصلت إلى أربعين كيلو متراً، الخبر اليوم أن عندهم ما يصل إلى تل أبيب من الصواريخ، لذلك بدأ اليهود بالاستعداد للملاجئ وصفارات الإنذار في تل أبيب، فئة صغيرة قليلة لكنها مؤمنة.

 

 

الإنجازات الحقيقية الذي تمّت بفضل المقاومة:

 

1 ـ همّ اليهود الأول كان الأمن الآن همهم الأول البقاء:

 لذلك الآن هناك درس جليل في تاريخ العالم فئة ضعيفة لكنها مؤمنة تستطيع أن تتحدى أكبر جيش، وحتى الآن لم يحقق شيئاً، لكن لو أنني أردت أن أبحث معكم الإنجاز الحقيقي الذي تمّ بفضل المقاومة، أول إنجاز كان همّ اليهود الأول الأمن الآن همهم الأول البقاء، البقاء قبل خمس أو ست سنوات ما كان مطروحاً إطلاقاً، قضيتهم الأولى قضية الأمن، الآن قضية البقاء، انتقل الهدف من الأمن إلى البقاء، هذه نقلة نوعية، هذا أول إنجاز.

 

2 ـ اليهود فقدوا الحسم:

 الإنجاز الثاني اليهود فقدوا الحسم، ما الحسم ؟ يعني دولة تعلن حرباً، والحرب تنتهي بساعات انتهى الأمر، لا، الآن تبدأ أما متى تنتهي الحرب لا تعلم، هناك مفاجآت، أي عدد من الطائرات المجهزة لجيوش عملاقة تضرب بها بيوت آمنة، شعب أعزل، فظنوا أنهم بهذه الضربة القاسية أنهوا كل شيء، ما انتهى شيء والآن اليوم الثامن ولم يحقق من أهداف هذه الحرب شيئاً، لذلك إذا كان الله معنا فمن علينا ؟ فهناك خسائر لكن لا يوجد ولا نتيجة، وأسأل الله السلامة والنصر، الشيء الثاني فقدوا الحسم، الشيء الأول كان الهدف الأمن فصار البقاء.

 

 

3 ـ توازن الرعب:

 الإنجاز الثالث كان في كل حرب تشن على المسلمين نخاف نحن فقط، هم يقومون بنزهة، الآن في حالة اسمها توازن الرعب، يخافون كما نخاف ويلجؤون إلى الملاجئ كما نلجأ إليها، تطلق عندهم صفارات الإنذار، وزير من وزرائهم ينبطح أرضاً على أثر صاروخ، شيء لم يكن من قبل، ثلاثة إنجازات كبيرة توازن الرعب، فقد الحسم، البقاء بدل الأمن، لذلك قالوا دقق في هذا الكلام بدأت الحرب بالإنسان ثم أصبحت بين آلتين ثم أصبحت بين عقلين وعادت للإنسان، بدأت بالإنسان وانتهت بالإنسان.

 

 

إعداد المسلمين جاء متأخراً و لكنهم مع ذلك بدؤوا يقطفون بعض ثمار هذا الإعداد:

 لذلك من أدق التصريحات سمعتها من موظف كبير بالبنتاغون يقول: ماذا نفعل بحاملات الطائرات ؟ وماذا نفعل بالصواريخ العابرة للقارات وليس على وجه الأرض دولة تجرؤ أن تحاربنا ؟ لكن ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي أراد أن يموت فيهز كياننا ؟
 الحرب بدأت بالإنسان وأصبحت بين آلتين ثم بين عقلين وانتهت بالإنسان، والآن الجيش الذي انتصر على سبعة جيوش بساعات لا يستطيع أن ينهي الحرب مع فئات مقاومة فقط باليوم الثامن، في لبنان بثلاثة وثلاثين يوماً.
 أيها الأخوة الكرام، بشكل موضوعي هناك تطور نوعي لصالحنا لكن الحياة تحتاج إلى بذل، أعدوا لنا كثيراً، نحن الآن بدأنا نعد لهم، بل جاء إعدادنا متأخراً ومع ذلك بدأنا نقطف بعض ثمار هذا الإعداد، هم يخافون كما نخاف، وهذا اليوم الثامن وهناك تردد في إدخال القوات البرية، يعني في لبنان رأيتهم ثمان وستين دبابة من أقوى المدرعات في العالم دمرت في يوم واحد فصار في توازن رعب، صار في خوف، صار في رعب، خبر اليوم الجنود اليهود يهربون من جبهة القتال تحسباً لتلقيهم أمراً بالدخول إلى غزة، شيء لم يكن من قبل، أنا أتمنى عليكم أن تكونوا متفائلين:

 

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

( سورة آل عمران )

شروط النصر:

1 ـ الإيمان بالله:

 أيها الأخوة الكرام، لكن لو شخص سأل هذا النصر الذي نتمناه أليس له شروط ؟ طبعاً الشرط الأول الإيمان بالله، الدليل:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾

( سورة الروم )

﴿

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

 

( سورة غافر الآية: 51)

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾

﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

( سورة النساء )

على الإنسان أن يؤمن بالله الإيمان الذي يحمله على طاعته:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾

( سورة النور الآية: 55)

 هذه الآيات كلها تؤكد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، الوعد قائم لكن أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك:

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 الشرط الأول أن نؤمن، أي إيمان ؟ أن نؤمن الإيمان الذي يحملنا على طاعة الله.

 

2 ـ إعداد العدة:

 الشرط الثاني أن نعد لهم ما نستطيع، لكن أدق فكرة ما كلفنا ربنا جل جلاله أن نعد لهم العدة المكافئة، مستحيل الآن، سمح الله لنا بل أمرنا أن نعد لهم ما نستطيع:

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60)

 فرق كبير بين أن يكلفنا أن نعد العدة المكافئة وبين أن نعد العدة المتاحة، فإذا أعددنا العدة المتاحة قبل الله منا العدة المتاحة وتولى نصرنا بقوته وجبروته.
 إذاً أيها الأخوة، قانون النصر الإيمان والإعداد وكلاهما شرط لازم غير كاف، الإيمان والإعداد، الإعداد وحده لا يكفي والإيمان وحده لا يكفي، الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، والإعداد بقدر المستطاع وعلى الله الباقي، هذا منهج، منهج خالق السماوات والأرض.

 

من غفل عن الهدف الكبير لخلقه ساق الله تعالى له الشدائد ليوقظه من غفلته:

 أيها الأخوة، الله عز وجل يسوق هذه الشدائد للمؤمنين، السبب أنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض فإذا غفلنا عن هذا الهدف الكبير، وانغمسنا في الدنيا، ونسينا آخرتنا لابدّ من إيقاظ النفوس بشكل قد يزعجها لذلك قال تعالى:

 

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

 

(سورة البقرة)

 هذه آية المؤمنين.

 

الشدة يسوقها الله للعبد ليصطلح معه و يتقرب إليه:

 لذلك أيها الأخوة:

 

 

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ﴾

 

﴿الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

( سورة الروم الآية: 41 )

 فإذا عدنا إلى الله عز وجل تكون هذه الشدة نعمة باطنة:

 

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

 

(سورة لقمان)

 هذه الشدة يسوقها لنا كي نصطلح معه، كي نتقرب إليه، كي ننتبه إلى سرّ وجودنا وغاية وجودنا، إذاً هذا القانون، قانون النصر دقيق جداً يحتاج إلى إيمان يحمل على طاعة الله، ويحتاج إلى إعداد، إعداد المتاح، فإذا تحقق هذان الشرطان كان النصر حليفاً لنا إن شاء الله.

 

عدم تمكين المسلمين في الأرض يعود لعدة تفاسير منها:

 

التفسير الأول: عدمُ صبرِ المسلمين:

 الشيء الثاني قال الله عز وجل:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

 

( سورة إبراهيم )

 ما هذا المكر، هل بإمكان دول الأرض أن تنقل قاسيون إلى درعا، دول الأرض، الله عز وجل يثبت ويقول:

﴿ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)﴾

( سورة إبراهيم)

 والله أيها الأخوة، قد لا تصدقون أن حلّ مشكلة المسلمين في الأرض بكلمتين فقط في القرآن الكريم، هو كلام خالق السماوات والأرض، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120)

 طائراتهم، صواريخهم، محطاتهم الفضائية، أقمارهم الصناعية، إعلامهم، أموالهم الطائلة، التقنية العالية التي معهم:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

 جيوش جرارة، مدرعات قاهرة، طائرات نفاثة، كل الأسلحة من أعلى نوع، ومع ذلك الإنسان بإيمانه وبيقينه بنصر الله عز وجل وباستعانته بالله قد ينتصر.
 وشيء بين أيدينا نراه كل يوم الحمد لله، هذه واحدة:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 120 )

التفسير الثاني: عدم عبادة الله وحده:

 ملمح آخر:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 أي دين وعد بتمكينه ؟ الدين الذي ارتضاه لنا، استنباط دقيق فإن لم نمكن معنى ذلك أن فهمنا للدين لم يرضِ الله عز وجل.

 

التفسير الثالث: عدمُ اتباع الدين الصحيح الذي ارتضاه الله:

 أحياناً يفهم المسلمون الدين فهماً خاطئاً، ويطبقونه تطبيقاً خاطئاً، ويعرضونه على الآخر عرضاً خاطئاً:

 

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ﴾

 إذاً فلنبحث عن الدين الذي يرتضيه الله.

 

 

التفسير الرابع: لم نغيِّر ما بأنفسنا:

 ملمح آخر:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )

 إن لم نغير من الداخل فالله عز وجل لا يغير لنا واقعنا، إن غيرنا من الداخل عدنا إلى الله، اصطلحنا معه، عاهدناه على التوبة النصوح، إن غيرنا من الداخل غير الله لنا من الخارج:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

 

( سورة الرعد الآية: 11 )

 وكأن الله عز وجل وضعنا في كرة كبيرة جداً فيها قوى طاغية وملكنا كرة صغيرة، دقق فإذا أقمنا أمر الله فيما نملك كفانا ما لا نملك.

 

(( إنما تُنصرون بضعفائكم ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]

من أخلَّ بعبادة الله عز وجل فالله عز وجل في حلٍّ من وعوده الثلاثة:

 هذا ملمح آخر، هناك شيء آخر حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

( سورة الروم)

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾

( سورة النور الآية: 55 )

 فإذا أخلَّ البشر بعبادة الله عز وجل، فالله عز وجل في حل من وعوده الثلاثة، لكن لابدّ من التنويه أن الله عز وجل هو يريدنا عقب الشدة أن نلجأ إليه، يريدنا عقب الشدة أن نتضعضع له، أن نتضرع له، وعندئذ يأتي المدد.
 أيها الأخوة الكرام، مما أدعوه دائماً اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك عندئذ نستحق أن تنصرنا على أعدائنا.
 هذه حقائق بديهية.

 

أصل الدين معرفة الله:

 الآن لما الله عز وجل قال:

 

 

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾

 

( سورة مريم )

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي، أجمع العلماء دققوا على أن إضاعة الصلاة لا يعني تركها، بل يعني تفريغها من مضمونها.

 

﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 وقد لقي المسلمون ذلك الغي.

 

 

القلب السليم:

 لذلك حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 

(سورة الشعراء)

 القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد إلا الله، ائتِ بقلب سليم ودع الشهوات فالنصر قريب.
هذا الموضوع دقيق وحساس ونحن في أمس الحاجة إليه لكن لابدّ من فهمه في ضوء القرآن الكريم وكلام سيد المرسلين.

أنواع النصر:

1 ـ النصر الاستحقاقي:

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر في هذا الموضوع النصر كما قلت قبل قليل يحتاج إلى إيمان والإيمان أنواع، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، والإعداد المتاح عندئذ انتظر النصر المبين، لذلك قالوا: هناك نصر استحقاقي:

 

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 123 )

 الصحابة الكرام استحقوا نصر الله في بدر، لكن في أحد ما انتصروا لأنهم عصوا، وفي حنين ما انتصروا لأنهم وقعوا في الشرك الخفي ماذا قالوا ؟

 

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 إذاً هناك نصر استحقاقي.

 

2 ـ النصر التفضلي:

 وهناك نصر تفضلي، هذا جديد، قال تعالى:

 

 

﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾

 

( سورة الروم)

 يعني الروم هم أهل الكتاب، و عندهم خلل في العقيدة، ومع ذلك انتصروا فسمى العلماء هذا النصر نصر ليس استحقاقياً لكنه نصر تفضلي، إذاً النصر استحقاقي أو تفضلي.

 

3 ـ النصر الكوني:

 هناك نصر ثالث نصر كوني، إذا كان الفريقان المتحاربان بعيدين عن الدين بعد الأرض عن السماء، كلاهما كافر بالله من الذي ينتصر ؟ الأقوى، نسمي هذا النصر نصراً كونياً.

 

 

4 ـ النصر المبدئي:

 الإنسان حينما يموت على التوحيد، وعلى عقيدة سليمة، وعلى طاعة لله، مع أنه قتل هذا منتصر نصراً مبدئياً، صار هناك نصر استحقاقي، نصر تفضلي، نصر كوني، نصر مبدئي.
 أسأل الله لأخوتنا في غزة الذي استشهدوا أن يكونوا من المنتصرين نصراً مبدئياً.

 

 

الإعداد و الإيمان شرطان متلازمان و ضروريان للنصر:

 أيها الأخوة الكرام، موضوع النصر، وأسباب النصر، وقوانين النصر، موضوع نحن في أمس الحاجة إليه، لأن التعامل مع الله تعامل مقنن، وفق القوانين، مهما دعونا ما لم ندفع ثمن النصر إيماناً يحمل على طاعة الله وإعداداً، إذا آمنا ولم نعد لهم شيئاً لا ننتصر، إن أعددنا ولم نؤمن لا ننتصر:

 

 

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

( سورة الروم الآية: 47 )

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018