بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 086 - غزة 5 : نماذج الأمم المتجبرة من خلال القرآن الكريم


2009-01-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ذكر الأمم الطاغية المتجبرة والمستكبرة في القرآن الكريم:

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في الموضوع المشتعل، ولكن هذا الموضوع يعالج من زاوية معينة، ذلك أن الله عز وجل حينما قال:

 

﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾

 

( سورة الأنبياء )

 هذه الأمم الطاغية، المتجبرة، المستكبرة، المجرمة، القاتلة، الحاقدة، هل لها ذكر في القرآن الكريم ؟ فإذا كان هناك ذكر في القرآن الكريم لها فأين جاء هذا الذكر ؟ الله عز وجل كما أن لكل مجموعة أشخاص نموذجاً بشرياً كذلك لكل مجموعة أمم متجبرة نموذجاً عاماً.

 

تفوق عاد في شتى الميادين:

 الله عز وجل حدثنا عن قوم عاد قال تعالى:

 

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

( سورة الفجر )

 لم يخلق مثلها في البلاد أي تفوقت في شتى الميادين، في الجامعات، في الصناعة، في الزراعة، في التجارة، في البنيان، في القوة العسكرية، في الحروب، تفوقت في شتى المجالات:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾

 

( سورة الفجر )

 من هذا التفوق أن الله عز وجل يخاطبهم فيقول:

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء )

 التفوق الأول عمراني.

 

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ﴾

 بكل مكان جميل.

 

 

﴿ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾

 هناك عبث، بالمناسبة الحق الشيء الهادف والثابت، لأن الباطل هو الشيء الزائل والعابث، ما هو الباطل ؟ هو الشيء الزائل والعابث، ما هو الباطل ؟ شيء زائل، قد ننشئ خيمة كبيرة لسيرك، ما السيرك ؟ ألعاب بهلوانية وفيه بعض الحيوانات للتسلية، العمل عابث والمخيم مخيم السيرك مؤقت لأسبوعين مثلاً، الشيء الزائل والعابث هذا هو الباطل، أما إذا أردنا بناء جامعة هذه الجامعة بنيت لتبقى، وأهدافها نبيلة تخريج قادة للأمة، علماء، أطباء، مهندسون، مدرسون، صيادلة، إلى آخره.

 

 

الحق هو الشيء الثابت والهادف والباطل هو الشيء الزائل والعابث:

 الحق هو الشيء الثابت والهادف، والباطل هو الشيء الزائل والعابث:

 

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء )

 في بلاد الحرارة تقدر بست وخمسين، هناك صالات شتوية فيها ثلج من أجل التزحلق، إذا الناس تزحلقوا على الثلج ننتصر ؟ نصبح أمة قوية، نفتح البلاد ؟ هذا لعب:

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء )

 هذا التفوق العمراني:

 

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

 

( سورة الشعراء )

 يعني إن صحّ التعبير هذا التفوق صناعي:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

 

( سورة الشعراء )

 ساعة تسمع قنبلة عنقودية، وساعة تسمع انشطارية، ساعة تسمع خارقة حارقة، ساعة تسمع قنبلة تقتل البشر وتبقي الحجر، تفريغ هواء، ساعة تسمع قنبلة تلغي الاتصالات، ساعة تسمع قنبلة تلغي الطاقة، قنبلة تركب أشعة الليزر، أنواع منوعة.

 

المجالات التي تفوقت فيها عاد:

 

1 ـ التفوق العمراني:

 أيها الأخوة:

 

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾

 

( سورة الشعراء )

 هذا التفوق العمراني.

 

2 ـ التفوق الصناعي:

 

﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾

( سورة الشعراء )

 إن صحّ التعبير هذا التفوق صناعي.

 

3 ـ التفوق العسكري:

 

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾

( سورة الشعراء )

 تفوقت عسكرياً.

 

4 ـ التفوق العلمي:

 

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ﴾

( سورة العنكبوت )

إصابة قوم عاد بالغطرسة و الكبر و الاستعلاء مع هذا التفوق:

 تفوقت علمياً، تفوقت عمرانياً، صناعياً، عسكرياً، علمياً، مع هذا التفوق ما صفاتهم ؟ الغطرسة، والكبر، والاستعلاء، واحتقار الآخرين:

 

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 15 )

 تفوقت علمياً، تفوقت عمرانياً، صناعياً، عسكرياً، مع هذا التفوق غطرسة:

 

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 15 )

طغيان عاد في البلاد كلها:

 الآن الله عز وجل ما أهلك قوماً إلا ذكّرهم أنه أهلك من هو أشد منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:

 

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

 

( سورة فصلت )

 يعني ما كان فوق عاد إلا الله، الآن هؤلاء الجبارون، الأقوياء، المتفوقون، المستكبرون، المتغطرسون، ماذا فعلوا ؟

 

﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) ﴾

 

( سورة الفجر )

 البلاد جمع أم مفرد ؟ جمع، لم يكونوا طغاة في بلدهم، بل في البلاد كلها، أي سيطرتهم كانت على معظم البلاد.

 

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾

 والطغيان قتل، قصف، تدمير، هدم بيوت، قتل رجال، ورد في بعض الآثار عن قيام الساعة: موت كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يقتل، ولا المقتول فيما قُتل.
 في تاريخ البشرية القاتل يقتل، أما إنسان يقتل ما ذنبه ؟ قال تعالى:

 

 

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) ﴾

 

( سورة التكوير)

ارتباط الطغيان بالفساد ارتباطاً وثيقاً:

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾

 الطغيان قتل، الطغيان هدم، الطغيان نسف، الطغيان غارات، الطغيان قصف بحري، الطغيان قصف بري، الطغيان قنابل فسفورية، قنابل عنقودية، قنابل حارقة، قنابل خارقة.

 

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾

 

﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾

( سورة الفجر )

 إفساد الإنسان، إفساد المرأة، إفساد الشاب، هذا التعري، هذه المواقع الإباحية، هذه القنوات الإباحية.

 

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) ﴾

 أينما حلوا روجوا لهذه المحطات، الإنسان لما يفسد يضعف، يسهل حكمه، أما إذا كان ملتزماً قوياً، هناك دائماً ارتباط بين الطغيان وبين الإفساد، الآن في أفغانستان روجوا الأفلام، روجوا الأشياء الإباحية، حينما تفسد الإنسان يصبح ضعيفاً، يخاف، من هذا الذي يصمد أمامك ؟ من هذا الذي لا يتزحزح عن مبادئه ؟ المستقيم.

 

 

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) ﴾

 تفوق عمراني، صناعي، عسكري، علمي، غطرسة وما كان فوقهم إلا الله وبعد ذلك طغوا لا في بلدهم بل في البلاد فأكثروا فيها الفساد:

 

 

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾

 

( سورة الفجر )

﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾

(سورة يس)

العذاب مصير كل أمة طاغية في الأرض:

 العذاب إذاً ينتظر كل أمة طاغية، كيف أهلكوا ؟

 

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)﴾

 

( سورة الحاقة )

 وكل إعصار يقال كلف ثلاثين مليار (الخسائر).

 

﴿ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ(7)﴾

 

معاناة العالم اليوم من عاد الثانية:

 ماذا بقي ؟ بقي قوله تعالى:

 

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50)﴾

 

( سورة النجم )

 ماذا تعني كلمة الأولى ؟ أنا إذا قلت لك خذ هذه الدفعة الأولى يعني أن هناك دفعة ثانية، لذلك عانى الأقدمون من عاد الأولى ويعاني العالم اليوم من عاد الثانية:

 

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

 

( سورة الفجر )

﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)﴾

( سورة الحاقة)

لكل أمة نهاية و أجل و هذا من فضل الله عزّ وجل:

 أيها الأخوة، لكن هناك آية في القرآن تملأ النفس طمأنينة، هذه الآية:

 

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

 

( سورة الأعراف الآية: 34 )

 كما قيل سبحان من قهر عباده بالموت، وسبحان من قهر الأمم بانتهاء آجالها، هذه الأمة تطغى وتتجنى وتقتل إلى أن ينتهي أجلها، امتحنت فسقطت:

 

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

 

( سورة الأعراف الآية: 34 )

 آية قرآنية، يا أيها الأخوة الكرام، الأمم حينما تطغى، وتبغي، وتوقع الأذى ببقية الأمم، حينما تبني مجدها على أنقاض الشعوب، حينما تبني قوتها على إضعاف الشعوب، حينما تبني أمنها على خوف الشعوب، حينما تبني غناها على إفقار الشعوب، هذه الأمم لها نهاية ولها أجل وهذا من فضل الله عز وجل.

 

الحقائق المستنبطة من قوله تعالى ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾:

 

1 ـ أية أمة قوية خططت لتبني مجدها على أنقاض الشعوب فهذا يتناقض مع وجود الله:

 أيها الأخوة، أول حقيقة تستنبط من هذا الموضوع أن الأمم نماذج، أحد هذه النماذج الأمم الطاغية، وهي نماذج متكررة، في كل عصر هناك أمة طاغية، تبني مجدها على قتل الشعوب، على الإبادة، على القتل، لا يوجد رحمة، لا يوجد عدل، لا يوجد سبب للقتل، لذلك نجاح خطط هذه الأمم إن أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، وأن تبني حريتها على قهر الشعوب، وغناها على إفقار الشعوب، وعزها على إذلال الشعوب، الحقيقة الأولى أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله، لقوله تعالى:

 

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

 

( سورة الأعراف الآية: 34 )

2 ـ قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه:

 الشيء الثاني للتقريب أب قوي وعالم وغني، عنده عشرة أولاد يخطط لهم أن يكونوا أطباء، أو علماء، وهناك أحد أولاده يريد أخوته أن يكونوا جهلاء فإذا حاول منعهم من الذهاب إلى المدرسة الأب يبقى ساكتاً ؟ يسمح له ؟ يقصمه ؟ لذلك هناك حقيقة: قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه، لذلك أقول هذه الكلمة لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح لك ربك أن تكون جندياً لهذا الدين أو لم يسمح، القلق هنا، هو دينه وسينصره شئنا أم أبينا، وقد ينصره على يد رجل فاجر، لكن الله عز وجل إذا شرفك بخدمة هذا الدين، والدفاع عنه، وتأييده، فهذا شرف عظيم، الحقيقة الثانية المستنبطة من هؤلاء الطغاة أن قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه والدليل:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 36 )

 مرة ثانية:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

 الحقيقة الثانية أن قوى الأرض مجتمعة لا يمكن أن تفسد على الله هدايته لخلقه:

 

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾

 

( سورة الليل )

﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

( سورة النحل الآية: 9 )

﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 23 )

3 ـ توظيف الله عز وجل طغيان الطغاة لخدمة الدين الإسلامي و خدمة المؤمنين:

 الحقيقة الثالثة، أنه لا يمكن لطاغية من آدم إلى يوم القيامة أن يسمح الله له أن يكون طاغية إلا ويوظف الله طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين، من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، وبلا أجر، وبلا ثواب، الدليل، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء:

 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

 

(سورة القصص )

 دقق:

 

﴿ وَنُرِيدُ ﴾

 

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

سياسة الله مع خلقه:

 ألخص لكم سياسة الله مع خلقه، فئة تعرفه لكنها مقصرة في طاعتها لها، وفئة لا تعرفه، يسلط الله التي لا تعرفه على التي تعرفه، إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، يسلط الله الفئة التي لا تعرفه على الفئة التي تعرفه لكنها مقصرة في حقه من أجل أن تعود غلى رشدها، وأن تتوب إلى ربها، فإذا رجعت وتابت واصطلحت مع خالقها، قواها ومكنها وسلطها على التي لا تعرفه، فلعلها بهذا التسليط تحمل التي لا تعرفه على أن تعرفه، هذه سياسة الله مع خلقه مركزة في هذه الآية:

 

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾

 

(سورة القصص )

الله عز وجل بيده كل شيء و هو شديد البطش:

 فكرة رابعة، حينما تخطط أمة قوية جداً، تملكت زمام الأمور، امتلكت الأموال، والثروات، والإعلام، حينما تخطط مثل هذه الأمة لمستقبلها، تخطط لبناء مجدها على أنقاض الشعوب، بناء ثقافتها على محو ثقافة الشعوب، بناء غناها على إفقار الشعوب، بناء عزها على إذلال الشعوب، استمعوا لهذا الكلام، أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يسمح الله لجهة قوية أن تتأله:

 

(( الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ ))

 

[أحمد عن أبي هريرة]

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

( سورة الأعراف الآية: 34 )

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾

( سورة يوسف )

 هذا المعسكر الشرقي العملاق الذي يتملك من القنابل النووية ما يدمر بها القارات الخمس، القوة العملاقة كيف تداعت من الداخل ؟ من يصدق ذلك ؟ لأنه لكل أمة أجل ولأن الله سبحانه وتعالى شديد البطش:

 

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 

( سورة البروج )

 ويؤتى الحذر من مأمنه:

﴿

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16)﴾

 

( سورة الطارق )

الله عز وجل يعلم كل شيء و إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة:

 أيها الأخوة الكرام، بقيت حقيقة، هل أحدكم يستقيم إيمانه إذا توهم أن الله لا يعلم ماذا يجري في الأرض ؟ حروب، اجتياحات، قتل، وتدمير، ترون بأعينكم، هل يستقيم إيمانكم إذا توهمتم أن الله لا يعلم ؟ هو يعلم، سؤال ثانٍ: هل يستقيم إيمانكم إذا توهمتم أن الله لا يقدر أن يوقف الذي يحصل ؟ إذا توهمتم أن الله لا يقدر أن يمنع هؤلاء، مستحيل، إذاً يعلم ويقدر، هل يستقيم إيمانكم إذا توهمتم أن الله يعلم ويقدر لكن لا يعنيه ما يكون في الأرض هل يستقيم إيمانكم ؟ لا يستقيم، بالمنطق الإيماني، يعلم ويقدر ويعنيه.
 إذاً: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

 

الأحداث المؤلمة جمعتنا ووحدتنا وحركت أعمق المشاعر الإيمانية في قلوبنا:

 كيف إذا علمت أن هذه الأحداث المؤلمة جمعتنا، ووحدتنا، وقربتنا من بعضنا، وذابت الخلافات بيننا، وتحركت أعمق المشاعر الإيمانية في قلوبنا، وبذلنا الغالي والرخيص والنفس والنفيس، وهؤلاء الذين ماتوا ماتوا شهداء ولهم جنة عرضها السماوات والأرض:

 

 

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾

 

(سورة آل عمران)

 وأن هؤلاء الذين اعتدوا عليهم وقتلوا وسفكوا استحقوا لعنة الله، ولعنة الملائكة، ولعنة الشعوب إلى أبد الآبدين، والله العالم كله شرقه وغربه، شماله وجنوبه، مؤمنه وغير مؤمنه خرج من جلده من هذه الأعمال، أنت كم تدفع لكي تجعل عدوك مكروهاً ممقوتاً محتقراً في العالم كله ؟ كم تدفع ؟ هذا الذي حصل، أقسم لكم بالله أرى الإيجابيات رأي العين، الذين قتلوا نسأل الله لهم جميعاً الشهادة، والذين بقوا صابرين نسأل الله لهم أجراً بغير حساب، لكننا توحدنا وتكاتفنا وصحونا وانتبهنا من هم أعداؤنا:

 

﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران)

بطولة كل إنسان أن يضع يده على الإيجابيات:

 ماذا أقول لكم ؟ بطولتك أن تضع يدك على الإيجابيات:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

 

( سورة النور الآية: 11 )

 ما الإفك ؟ أن تتهم زوجة سيد الأنبياء بأقدس شيء تملكه الفتاة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية: 11 )

﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) ﴾

( سورة النور )

 والله يا أخوان إيماني بهذه المقولة كإيماني بوجودي: ما من قطرة دم تراق على وجه الأرض في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة إلا وسيتحملها إنسان يوم القيامة، إلا دم الذي قتل بحدٍّ شرعي فالله عز وجل يتحمل دمه:

 

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

 

( سورة المؤمنون )

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة القيامة)

 إذاً الله يعلم، وقادر، ويعنيه، ولكن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، والذي وقع متعلق بإرادة الله، وإرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، والشر المطلق لا وجود له في الكون لأنه يتناقض مع وجود الله عز وجل.

 

الإيمان أن ترضى عن الله و تفوض أمرك إليه:

 إذاً نتألم، نبكي، يذوب القلب من كمد، لكن لا نشك برحمة الله، ولا بحكمته، ولا بأن لهذا العمل ما وراءه ؟ اجتمعنا، وتوحدنا، وتقاربنا، وتحركت أعمق مشاعرنا، وبذلنا، هناك بذل يفوق حدّ الخيال، امتحنا فنجحنا، وتألمنا لألمهم، والذي فعل هذه الجرائم استحق غضب الله والملائكة والناس أجمعين.
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو الإيمان، الإيمان أن ترضى عن الله، أو أن تفوض لأمر الله، أو أن تفوض فهم أفعاله له، أنا أؤمن أنه رحيم، أنه حكيم، وأنه عادل، لكن هذه الحياة لا قيمة لها.

 

 

(( لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

 

[ أخرجه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله ]

 الله عز وجل أعطى الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون، أعطى المال لمن لا يحب، أعطاه لقارون، وأعطاه لمن يحب لسيدنا سليمان، أعطاه لمن يحب لسيدنا عثمان رضي الله عنه، إذاً الذي يعطى لمن يحب ولمن لا يحب لا قيمة له، وليس ميزاناً، هذه الحقيقة، هذه بعض المشاعر التي تنتاب المؤمن حيال هذه الأعمال، والله يدمى لها القلب لكن نسلم لحكمة الله، ولعظمة الله، ولرحمة الله، ولقدرة الله، و ندعو الله سبحانه وتعالى لأخوتنا أن ينصرهم، وأن يحفظهم، وأن يثيبهم أجراً لا يعلمه إلا هو.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018