بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 090 - غزة 9 : عبادة الهوية


2009-01-17

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

العبادة هي العلة التي خُلق الإنسان في الحياة الدنيا من أجلها:

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا مع الموضوع الساخن، بل مع الموضوع الملتهب، ومن الحكمة أن تعالج هذه الموضوعات قبل أي موضوعات أخرى، مما تعلمون يقيناً أن الإنسان خُلق في الحياة الدنيا لعلة واحدة هي العبادة، والدليل هو قوله تعالى:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

( سورة الذاريات )

 والعبادة في أدق تعاريفها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 هذا الموضوع مطروح كثيراً، ولكن ماذا يناسب الحدث الجلل في غزة من العبادة ؟ يناسب هذا الحدث الجلل هذه المعركة المصيرية، هذه المعركة التي يتقابل فيها الحق مع الباطل، قوى الشر في العالم مع أصحاب الحق، مع المسلمين، يناسب هذا الموضوع الملتهب عبادة الهوية، أي مؤمن يصلي، ويصوم، ويحج بيت الله الحرام إذا كان مستطيعاً ويؤدي زكاة ماله إذا كان غنياً.

 

عبادة الهوية:

 لكن هناك عبادة تسمى عبادة الهوية، أنت من ؟ ما دورك الاجتماعي ؟ ما اختصاصك ؟ ما ميزتك ؟ يمكن أن نقول هناك نماذج ثلاثة، غني، وقوي، وعالم، فالغني له عبادة خاصة، بل إن أول عبادة له في الأحوال العادية إنفاق ماله، ولكن في الأحوال الاستثنائية تزداد الحاجة إلى هذه العبادة، السبب أن الذي أكرمه الله، وسمح له أن يجاهد في سبيل الله في حياته، وأن يسقط شهيداً، مرتبة الشهادة أعلى مرتبة، لماذا ؟ لأنه الجود بالنفس أقصى غاية الجود، فهنيئاً لمن سمح الله له أن يكون مجاهداً، وأن تكتب له الشهادة.
 لذلك عندما أفتى العز بن عبد السلام أن أمراء المماليك هؤلاء مماليك لابدّ من أن يباعوا في سوق النخاسة،، فلما أصر على هذه الفتوى، أجمعوا على قتله فاتفق عشرون أو أكثر أن يأتوا بيته بسيوفهم ويقتلوه معاً ليضيع دمه بين هؤلاء جميعاً، طرقوا الباب، فتح الباب ابنه عبد اللطيف، فهم كل شيء، انطلق إلى أبيه، قال: يا أبتِ انجُ بنفسك، الموت الموت، قال له: والله يا بني إنني أحقر من أن أموت في سبيل الله.
 يعني إذا سُمح لك أن تموت في سبيل الله، إذا سُمح لك أن تقدم حياتك من أجل مبادئك، فأنت في أعلى مرتبة مع:

 

 

﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً (69)﴾

 

( سورة النساء )

التواصل و الألم و البذل و المشاعر المشتركة بين المسلمين من دلائل إيمانهم:

 أما الذي لم يُتح له الظرف أن يكون على أرض غزة ليجاهد في سبيل الله فهناك حديث رواه الإمام مسلم:

 

(( مَنْ طَلَبَ الشَّهادة صادقا أُُعطِيها، وإنْ لمْ تُصِبْهُ ))

 

[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك ]

 أعرف والله أناساً وهم عندي صادقون، يتشوقون إلى أن يكونوا شهداء في ساحة المعركة، أرأيتم إلى فضل الله عز وجل ؟ إن تمنيت أن تكون شهيداً صادقاً بهذا التمني نلت مرتبة الشهادة ولو مت على فراشك.
 الآن:

 

(( من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ]

 ما أتيح لك أن تكون على أرض الشهادة، أنت في بلد لم تستطع أن تكون مع هؤلاء المجاهدين، بإمكانك أن تكون مجاهداً إذا جهزت غازياً.

 

(( من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا ))

 ما أتيح لك أن تجهز غازياً، لكن أتيح لك أن تتعهد أخاً كريماً أهله في فلسطين يدرس هنا في الجامعة، ولم يستطع أهله بعد هذه الأزمة أن يمدوه بالمال، فأنت خلّفت غازياً في أهله، فكأنك غزوت في سبيل الله، ما قولك ؟.

 

 

(( من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا، ومن خَلَّف غازيا في أهله بخير فقد غزا ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ]

 ما أتيح لك لا أن تجهز غازياً، ولا أن تخلف غازياً في أهله، فاتك أن تكون من فرسان النهار، فلا أقل من أن تكون من رهبان الليل، قم في جوف الليل، وصلِّ ركعتين وادعُ لهم بالنصر، الدليل:

 

(( إِنَّ أسْرَعَ الدُّعَاءِ إجابة: دعوةُ غَائِبٍ لغائبٍ ))

 

[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 قد تبكي تعاطفاً معهم، ألماً لما يصيبهم، فهذا البكاء، وهذا التأثر عند الله مسجل لك، لذلك والله أنا عاهدت نفسي من الآن فصاعداً ألا أجيب على من هنأني بأي عيد، لا أقول له كل عام وأنتم بخير، صرت أقول كل عام وأمتنا بخير.
لذلك هذا التواصل، وهذه المشاعر المشتركة، وهذا الألم، وذاك البذل الذي يفوق حدّ الخيال، هذا من دلائل الإيمان.

 

عبادة الهوية تقتضي من الغني أن ينفق ماله ومن القوي أن يحقّ الحق و يبطل الباطل:

 لذلك أنت من ؟ ما هويتك ؟ أنت غني ؟ عبادتك الأولى إنفاق المال، والعبادة الأولى بالدرجة الأولى في الأزمات إنفاق المال، الدليل يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري ومسلم معاً، وأعلى درجة من الأحاديث ما اتفق عليه الشيخان:

 

 

(( لا حَسَدَ إلا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فهو يَقضِي بها ويُعَلِّمُها ورجلٌ آتَاهُ اللَّهُ مالا فَسَلَّطَهُ على هَلكَتهِ في الحقَّ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]

 هناك عبادة اسمها عبادة الهوية، لأن الله سمح لك أن تكون غنياً فأنت أيها الغني عبادتك الأولى إنفاق المال، في الأحوال العادية فكيف في الأحوال الذي يعد المال من مقومات النصر، حديث آخر:

 

(( لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ: رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالا، فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن عمر ]

 إذاً عبادة الهوية تقتضي من الغني أن ينفق ماله.

 

(( من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ]

 ماذا فعل سيدنا عثمان ؟ جهز جيش العسرة، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما ضَرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم ))

 

[ أخرجه الترمذي عن عبد الرحمن بن سمرة ]

 أيها الأخوة، القوي ما عبادته ؟

 

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾

 

( سورة الحج )

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيريتنا:

 أساساً علة خيريتنا كأمة وصفت في القرآن الكريم بأنها خير أمة.

 

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 110 )

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر، ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً ؟ ))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ]

 خبر قرأته اليوم اهتز كياني، استخدموا خبراء من أمريكا ليسدوا الأنفاق من أجل ألا يصل إلى أهل غزة حبة قمح واحدة، هكذا الخبر، غذاء، نأتي بخبراء ليلغوا الأنفاق لو ذكروا السلاح معقول، أما لمنع وصول الغذاء إلى أهل غزة ؟ لذلك إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.
 إذاً الغني عبادته الأولى إنفاق المال، والقوي عبادته الأولى

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾

الترابط الوجودي بين إلقاء العلم وبين خشية الله وحده:

 أما العالم، ما عبادته الأولى ؟

 

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 

( سورة الأحزاب الآية: 39 )

 وهناك ملمح رائع جداً في هذه الآية، هذا الملمح أن هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله لهم صفات كثيرة، يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، هم صادقون، أمناء... إلخ. مئات الصفات، كلها أغفلت في هذه الآية، اكتفت هذه الآية بصفة واحدة.

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 يعني لو أن هذا الذي كلفه الله بإلقاء العلم خشي غير الله فسكت عن الحق خوفاً، ونطق بالباطل تقرباً، ماذا بقي من دعوته ؟ ما في داعي أن تتحدث الآية عن صلاته، ولا عن صيامه، ولا عن حجه، ولا عن زكاته، ولا عن صدقه، ولا عن أمانته.

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 قال علماء البلاغة: هذه الصفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً بمعنى أنه إذا ألغيت الصفة ألغي الموصوف.
 نقول الطائرة كبيرة، والباخرة كبيرة، والقصر كبير، نقول طائرة فخمة، وهناك قصر فخم، أما طائرة تطير، لو ألغيت صفة الطيران لألغيت وجود الطائرة، تطير صفة مترابطة مع الموصوف ترابطاً وجودياً.

 

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

 هناك ترابط وجودي بين إلقاء العلم وبين أن تخشى الله وحده.
 سُئل الحسن البصري بما نلت هذا المقام ؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم لعلمي.
 قال المنصور يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، قال: ولمَ أتغشاكم ؟ وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء ؟.

 

 

كل إنسان بإمكانه أن يسهم في قوة أمته:

 إذاً إن كنت غنياً العبادة الأولى بالأحداث الخطيرة إنفاق المال، وأُشهد الله أن هذه البلدة الطيبة المباركة، والله ظهر منها بذل في هذه الأيام أقسم لكم بالله يفوق حدّ الخيال.
 حُدثت أن لقاء تمّ في أحد ضواحي دمشق، امرأة من الصومال، قدمت أساورها الست، والجنزير، والحلق، وكل شيء تتزين به، مع ألفي يورو، وألف وخمسمئة دولار، هذا كل ما تملك قدمته لإخوتنا في غزة.
 يا أيها الأخوة:

 

 

(( من جهَّز غازيا في سبيل الله فقد غزَا، ومن خَلَّف غازيا في أهله بخير فقد غزا ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن خالد الجهني ]

 العالم، والغني، والقوي، المرأة، ورد في الأثر:

 

(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

 

[ورد في الأثر]

 فكل واحد بإمكانه أن يسهم في قوة أمته، أصحاب الصناعات بإتقان صنعتهم واعتدال أسعارهم، التجار، أن يكون التاجر صدوقاً، ورد في الحديث الصحيح أولاً:

 

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ: مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 كنت في الصين المسجد الأول في بكين، الذي بنى المسجد بناه من ألف ومئتي عام، والآن في بالصين ثمانين مليوناً.
 أيها الأخوة، لذلك عبادة الهوية في الأزمات الكبرى، في المعارك المصيرية، تقتضي إنفاق المال إن كنت غنياً، وتقتضي أن تحق الحق إن كنت قوياً، وتقتضي أن تلقي العلم الصحيح إن كنت عالماً، والمرأة يقتضي أن تحسن رعاية زوجها وأولادها في هذه الأيام العصيبة.

 

من مقتضيات الإيمان أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

 النقطة الدقيقة أيها الأخوة: يجب أن أؤكد لكم أنه من مقتضيات الإيمان أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، ونحن كما تعلمون انتشر بين المسلمين ثقافة جديدة اسمها ثقافة الطريق المسدود، يعني تقول انتهينا، الله عز وجل أعطانا جرعات منعشة، كي نزيح هذه الثقافة من أذهاننا، فئة قليلة مؤمنة تقف أمام جيش لليوم الرابع عشر يعد رابع جيش في العالم، ولم تصب بنيتها التحتية بشيء، وترسل الصواريخ كل يوم، من صنعها، إلى مسافة 45 كم.

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 توكلوا على الله، وأعدوا ما استطاعوا، والذي نراه ونسمعه لا يصدق، وصف هذا الجيش بأنه جيش جبان، لأنه متخصص في قتل الأطفال والنساء، وهم أضعف خلق الله.
 إذاً من مقتضيات الإيمان أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

الاستخلاف والتمكين والتطمين وعود الله عز وجل للمؤمنين:

 ما وعوده ؟ اسمع:

 

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

 وعُدنا بالاستخلاف، وبالتمكين، وبالتطمين، والإله الذي وعدنا إلهنا، إله الصحابة إلهنا، الإله الذي نصر المسلمين إلهنا، إله واحد، هذه الثقة بالله عز وجل، مئة ناقة لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً، تبعه سراقة، قال له: يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ معنى ذلك سأصل إلى المدينة، وسأؤسس دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولتين، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى، هذه ثقتنا بالله عز وجل.

 

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 139 )

الأمر بيد الله و القوة بيده فعلينا إعداد العدة المتاحة و التوكل عليه:

 ثقافة الطريق المسدود ضعها تحت قدمك، والذي حصل في السنة الحالية والتي قبلها جرعات منعشة من الله،

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾

 الأمر بيده، والقوة بيده.

 

﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ ﴾

 

﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾

( سورة آل عمران الآية: 126 )

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

( سورة الروم )

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

 هذه الحقيقة الأولى، من مقتضيات الإيمان بالله أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، قدم الإيمان والإعداد، الإعداد المتاح، وانتظر النتائج والتي لا تصدق.

 

قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه:

 الآن حقيقة ثانية ودقيقة جداً: من مقتضيات الإيمان بالله ومن مسلمات الإيمان بالله أن قوى الأرض مجتمعة لا تستطيع أن تفسد على الله هدايته لخلقه الدليل:

 

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 36 )

 هذا كلام رب العالمين.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

 لذلك أقول لكم من أعماقي: لا تقلقوا على هذا الدين إنه دين الله، الله يتولى نصره، ولكن ليقلق أحدنا على نفسه ما إذا سمح الله له أن يكون جندياً لهذا الدين أو لم يسمح، اقلق على نفسك فقط، لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له.
 الشيء الآخر، الباطل قديم قدم الإنسان، ولكن البطولة لا تعني إلغاء الباطل الباطل موجود، وسيبقى إلى يوم القيامة، لأن هناك حق وهناك باطل، لكن البطولة ألا ينفرد الباطل بالساحة، في فئة مؤمنة صادقة، هذه تستقطب أنظار العالم، في فئة مؤمنة صادقة هذه يُري الله عباده كيف ينصرها، وكيف يحفظها.

 

أية أمة قوية بنت مجدها على أنقاض الشعوب أمة خاسرة لا محالة:

 أيها الأخوة، الشيء الثالث والحقيقة دقيقة الآن ومنعشة: من مقتضيات الإيمان بالله، ومن مقتضيات التسليم لله عز وجل أن أية أمة قوية إذا أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني ثقافتها على محو ثقافة الشعوب، أن تبني قوتها على إضعاف الشعوب، أن تبني غناها على إفقار الشعوب، دقق فيما سأقول: أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله، اطمئن.

 

 

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾

 

( سورة الأعراف الآية: 34 )

 مطروح في الساحة أن هذه الأمة القوية المتغطرسة انتهى أجلها، ضربات متلاحقة، الخط البياني يهبط.

 

كل شِدةٍ وراءها شَدةٌ إلى الله وكل محنة وراءها منحة من الله:

 أيها الأخوة، الآن الحقيقة الأخيرة: أن الأمة الإسلامية تمر بامتحان صعب، أصعب امتحان على الإطلاق، الله عز وجل يقوي أعداءها، يقويهم، أسلحة فتاكة، أسلحة كيماوية، أسلحة جرثومية، قنابل عنقودية، قنابل انشطارية، قنابل فراغية، تهدم البشر وتبقي الحجر، قنابل تلغي الاتصالات، قنابل تلغي الطاقات، قنابل فسفورية، حارقة وخارقة، أسلحة فتاكة، هذه الأمة تعاني من هذا الامتحان الصعب، الله يقوي أعداءها ومع قوتهم يتبجحون على الشاشات، من أجل الحرية جئنا، من أجل الديمقراطية، من أجل حقوق الإنسان، هذه الحرب حرب دفاعية هذا قال الغرب مجتمعاً عبر ناطق رسمي باسم الدول الأوربية بأكملها، حرب دفاعية.
 أيها الأخوة، هذه المحنة، وهذا الامتحان أصعب امتحان، هذا الامتحان من أخطاره أن الله حينما يقوي أعداءه لحكمة بالغة يفعلون ما لا يقولون، يقتلون، يسفكون الدماء، دماء الأطفال والنساء، يهدمون البيوت، فوق ذلك يتعجرفون، يتكبرون، يتشدقون، ما الذي يحصل ؟ حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ بأصعب امتحان نحن الآن، حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟.
 ثم يظهر الله آياته، حتى يقول الطغاة كما قال فرعون:

 

 

﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ﴾

 

﴿بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

( سورة يونس )

 قالها بعد فوات الأوان، احفظوا هذه الحقيقة، امتحانان صعبان، الأول: يقوي الله أعداءه لحكمة بالغة، امتحان للمؤمنين، حتى يقول ضعاف الإيمان: أين الله ؟ الامتحان الثاني يظهر آياته، حتى يقول الطغاة: لا إله إلا الله، نحن في أصعب امتحان، اصبروا وتماسكوا.
 أيها الأخوة، كل شِدةٍ وراءها شَدةٌ إلى الله، وكل محنة وراءها منحة من الله، هذا شأن المؤمن.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018