بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 094 - الاعتداءات على المسجد الأقصى ، لماذا لا ينتصر المسلمون ؟ .


2009-10-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الأساليب التي يتبعها المسلمون اليوم لن تحقق نفعاً لأنها أساليب سلبية لا قيمة لها:

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع والعشرين من دروس حقائق الإيمان والإعجاز العلمي، ومن حقائق الإيمان أن نعرف يقيناً من خلال الكتاب والسنة، لماذا لا ينتصر المسلمون ؟ أو متى ينتصروا ؟ لأن الأمة الإسلامية تمر بظروف صعبة جداً، بل إن من أصعب هذه الظروف أن العدو الصهيوني يحاول تهويد القدس تهويداً كاملاً، وبدأ يصل بمعاوله إلى محيط المسجد الأقصى، وهذا ثاني القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين.
 على كلٍّ أتمنى في هذا اللقاء الطيب أن يكون الحديث من القلب إلى القلب لا حديثاً يدغدغ المشاعر، و لا حديثاً فيه تغن بالأمجاد، لأنني أنطلق من أن الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
 أولاً: أَلِف المسلمون ـ أقول المسلمون جميعاً بشتى بلادهم، بشتى أقطارهم ـ أن يلجؤوا إلى أساليب أنا أراها اليوم ليست مجدية إطلاقاً.
 هناك أسلوب الاستنكار، هناك أسلوب الشجب، هناك أسلوب التنديد، هناك أسلوب شدد على كذا، و أصرّ على كذا، و رأى كذا، هناك أسلوب حرق الصور، هناك أسلوب حرق الأعلام، هناك أسلوب إصدار البيانات، بربكم هذه الأساليب على تنوعها، و على أنها مطبقة في جميع أنحاء العالم الإسلامي هل أجدت ؟ هل حققت شيئاً ؟هل ردعت العدو ؟ هل خففت من عدوانه ؟ أبداً، فالوسيلة إن لم تحقق الهدف لا معنى لها، والعالم الغربي على أننا نشجب، و نستنكر، و نندد، و نشدد، و نحرق الصور، و نحرق الأعلام، و نحرق السفارات أحياناً، و نصدر البيانات، هذا كله لم يفعل شيئاً، و كأن هذا تمثله قصة بليغة أن أحد الأعراب معه قطيع إبل، فجاء لصوص الإبل و سرقوا قطيعه، فشتمهم، و سبهم، و ندد بهم، بل كما قال هو: أوسعتهم سباً، ثم فكر وقال: و أودوا بالإبل ـ أي ذهبت الإبل ـ أوسعتهم سباً، و شتماً، و تنديداً، و استنكاراً، وشجباً ـ هذه المصطلحات المعاصرة ـ و بياناً، و حرقاً، أوسعتهم سباً و أودوا بالإبل.

 

الخطأ الكبير الذي اكتشفناه أننا أحببنا الغرب و هو لا يحبنا:

 أخواننا الكرام، مرة ثانية: الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، العالم الآخر الآن قوي، و عنده مبدأ أنك إذا كنت قوياً فأنت على حق، مادمت قوياً فأنت على حق، سفكت الدماء، احتللت الأراضي، قتلت الشباب، هدمت البيوت، أحرقت المزارع، مادمت قوياً فأنت على حق، هذا منطق الأقوياء، و الأقوياء لا يفهمون إلا منطق القوة، لا يخضعون إلا للقوي، لا يخضعون لصاحب الحق، يسخرون منه، يتفننون في إذلاله، يتفننون في تجاهله، يتفننون في إنكار القيم الإنسانية، أوسعتهم سباً و أودوا بالإبل، هم يتندرون إذا استنكرنا أعمالهم، يتندرون إذا شجبنا أفعالهم، يتندرون إذا أحرقنا أعلامهم، أو صور رؤسائهم، أي وصلوا إلى أهدافهم و قولوا ما شئتم.
 أنا أتكلم من منطق واقعي، أتكلم من جرح عميق، أتكلم من معاناة صعبة جداً، أتمنى مع اعتقادي يقيناً أنهم لا يحبوننا إطلاقاً، و الدليل أن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران)

 أحببنا الغرب، رأيناه حضارة، رأيناه يتمتع بالحرية و الديمقراطية، و يؤكد حقوق الإنسان، ثم جربناه بعد الحادي عشر من أيلول فإذا هو قوة ضارية، و قوة غاشمة، تَنَكَّر لكل حضارته المزعومة، لكل قيمه التي دعا لها، إذاً ينبغي أن نعتقد يقيناً أن هؤلاء لا يمكن أن يقدموا لنا شيئاً إطلاقاً، و ما لم نيأس منهم، و ما لم ننصرف إلى بناء أنفسنا، و بناء قوتنا، لأن الغرب لا يفهم إلا لغة القوة.

 

المصالح تحكم العالم اليوم لا المبادئ:

 الآن دققوا مع من أراد أن يفاوض ؟ مع المقاومة، بصراحة يريد الغرب أن يفاوض منظمات المقاومة التي كسرت عصا اليهود مرتين، اليهود أو الإسرائيليون هم العصا الغليظة في المنطقة، وقد صممت هذه العصا كي تؤدب أية دولة شرق أوسطية، أية دولة تقول: إنها لا تسحق، هذه مهمة هذا الكيان الهجين في المنطقة، لكن هذه العصا الغليظة التي تعد رابع قوة في العالم، والتي تعد أول قوة في الشرق الأوسط، والتي تعد أول قوة في تنوع الأسلحة، كسرت مرتين، بألفين وستة، وألفين وثمانية كسرت، لذلك هم يتمنون أن يلتقوا بهاتين المنظمتين المقاومتين، ولا يعبؤون بثلاث وعشرين دولة، هم يحترمون القوي والقوي لا يحترم إلا القوي، إن أردت أن تكون بمنطق العصر ينبغي أن تكون قوياً، إن أردت أن تكون وفق مبادئ العصر، قيم العصر، معطيات العصر، ينبغي أن تكون قوياً، وما لم تكن قوياً تداس في الأقدام، يتفننون في إذلالنا، وفي إفقارنا، وفي إفسادنا، وفي إضلالنا، وفي إبادتنا.
 أنا أقول لكم كلاماً دقيقاً، هم يتفننون في إفقارنا أولاً، وفي إضلالنا ثانياً، وفي إفسادنا ثالثاً، وفي إذلالنا رابعاً، واتخذوا قراراً غير معلن بإبادتنا، والله عز وجل يقول:

 

 

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران)

 العالم كله اليوم لا تحكمه المبادئ بل تحكمه المصالح، ومع أنه موقن يقيناً قطعياً أنهم ظلام، وإرهابيون، وكاذبون، العالم القوي صفّ معهم، وانحاز إليهم، تحقيقاً لمصالحهم، أنت أما خيارين، الخيار الأول هذا الخيار ينطلق من منطق العصر، إن لم تكن قوياً تداس بالأقدام، إن أردت العزة، هم لن يحبوك إطلاقاً، لكن إن لم يحبوك يحترموك إذا كنت قوياً، ويصغون إليك، ويجلسون معك، ويتفاوضون، مثلاً وزيرة خارجية دولة عظمى تمنت أن تلتقي مع المقاومة في أفغانستان، التي استرجعت ثلاثة وثمانين بالمئة من مساحة أفغانستان، مع أنهم ضعاف ببنادق وأسلحة بدائية، ويوجد بأفغانستان ثلاثون دولة، حلف الناتو، تتمنى أن تلتقي مع المقاومة في أفغانستان.

 

من أراد العزة في هذا العصر فليكن قوياً لأن الغرب لا يحترم إلا القوي:

 مرة ثانية: الغرب لا يحترم إلا القوي لأنه قوي، قوته أعد له من مئتي عام، والمصيبة الكبيرة أنهم أعدوا لنا ولم نعد لهم، مع أن الله يأمرنا ويقول:

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 أعدوا لنا طائرات (b52) تنطلق من أمريكا، وتقصف أفغانستان، وتعود إلى أمريكا، دون أن تتزود بالوقود، هذه الطائرة صنعت عام ألف وتسعمئة وستين وصالحة لألفين وأربعين، أعدوا لنا ولم نعد لهم، أعدوا لنا حاملات الطائرات، أعدوا لنا الصواريخ العابرة للقارات، مرة قصف قصر في بغداد فجاءت القذيفة في غرفة النوم، من أي مكان قصف ؟ من إيطاليا، من إيطاليا تمّ قصف قصر في بغداد، أعدوا لنا ولم نعد لهم، ونحن إن لم نعد لهم آثمون، عصاة بحق ديننا، إن أردت منطق العصر ينبغي أن تكون قوياً حتى يحترمك الأقوياء، وحتى يجلسوا معك على مائدة، وحتى يصغون إلى كلامك، فما دمت ضعيفاً اشجب، واستنكر، وندد، وشدد، وأصدر بيانات، وأحرق الأعلام، وأحرق الصور، وأحرق السفارات، لا يأبهون لكل هذا بل يسخرون منك، بل يتندرون به، من أراد العزة في هذا العصر فليكن قوياً، هذا منطق العصر.

 

منطق العصر أن يكون الإنسان أقوى من عدوه عدة وعتاداً ورجالاً وسلاحاً:

 لكن بالمناسبة أيها الأخوة قد تجد كيانين في هذا العصر، الكيانان شردا عن الله كلياً، من الذي ينتصر ؟ الذي معه سلاح متميز في دقة الإصابة، الذي معه إعداد كبير، الذي معه سلاح طيران قوي، الذي معه أقمار صناعية تكشف حركة أعدائه، الذي معه إعلام يقلب به الحق باطلاً والباطل حقاً، الذي معه حلفاء يناصرونه على باطله، هذا الذي ينتصر بمنطق القوة، بمنطق كيانين شردا عن الله من ينتصر ؟ الأقوى.
 تصور طائرة مدى صواريخها يقدر بسبعة كيلو مترات، طائرة حوامة، ومدرعة مدى مدفعها بقدر باثنين كيلو متر، طائرة واحدة تستطيع أن تدمر ألف مدرعة، من ينتصر ؟ الأقوى، هذا منطق العصر، هذا منطق القوة، فإن أردت أن تبقى شارداً عن الله، وإن أردت أن تبقى بعيداً عن منهج الله، وإذا أردت وضعت الدين وراء ظهرك، وأردت أن تنتصر، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تكون أقوى من عدوك عدة، وعتاداً، ورجالاً، وسلاحاً، هذا منطق العصر.
 أما أن تتمسكن، أما أن تشتكي لمجلس الأمن، أما أن تلتمس من بعض الأقوياء أن يقفوا لجانبك، موقف مضحك، هم يسخرون منك ويقفوا إلى جانب مصالحهم، أنا أتكلم الحقيقة المرة، المؤلمة، إن أردت أن تنتصر في عصر القوة ينبغي أن تكون قوياً، وينبغي أن تكيل الصاع صاعين لأعدائك، وينبغي أن تتفنن في قتلهم، وفي إبادتهم، هذا منطق العصر.
 يقتلون مليون مواطن مسلم، ويعيقون مليوناً آخر، ويشردون خمسة ملايين، ويتصدرون الشاشات ويقولون: جئنا من أجلكم، من أجل حريتكم وديمقراطيتكم، من أجل رفاهكم، من أجل تقدمكم، من يحاسبهم ؟
 أنا مرة ذكرت أن إنساناً عنده دابة يرتزق منها، ينقل حاجات الناس عليها، فماتت، فلما ماتت توقف دخله، فدفنها في مكان، وأقام أربعة جدران متواضعة، وقبة خضراء، وعمل نافذة، ووضع شمعاً عليها، وسماها ولياً، الناس الجهلاء، البسطاء، الأغبياء، تهافتوا على هذا الولي، وقدموا للقائم على هذا المقام المدفون فيه الحمار القربات، والهدايا، والسمن، والأغنام، والدجاج، فعاش في بحبوحة ما بعدها بحبوحة، هل يمكن لقوة في الأرض أن تقنعه أن المدفون في هذا المكان حمار ؟ هو دفنه بيده أساساً، قناعته أن المدفون حمار أقوى من قناعة من يجادله، لكن المنتفع لا يناقش، والقوي لا يناقش، والغبي لا يناقش، وقد يجتمعون بواحد، قوي على غبي على منتفع.

 

 

انتصار أخواننا في غزة جرعة منعشة لنا تبعدنا عن الإحباط و اليأس:

 والله أحياناً أيها الأخوة، لا أتمنى إلا أن نصمت كلياً ولا كلمة، ونقوي أنفسنا، ثم نضرب الضربة القاصمة.
 الإنسان أحياناً من شدة ألمه يحلم، يسكت، لا تصريح، ولا أخبار، ولا شيء، إذاً علينا أن نقوي أنفسنا، أي من الجرعات المنعشة التي انتعشنا بها أن عشرة آلاف مقاتل ـ أحسبهم مؤمنين ولا أزكي على الله أحداً ـ استطاعوا أن يذلوا أقوى جيش في المنطقة أليس كذلك ؟ من إكرام الله لنا أعطانا جرعة منعشة، لذلك القوي محترم، عشرات الوفود جاؤوا من العالم الغربي ليلتقوا برئيس هذه المنظمة، منظمة المقاومة التي أذلت هذا الجيش، أليس كذلك ؟ أمامكم الأخبار.

 

 

شروط النصر الإلهي:

 

1 ـ الإيمان بالله عز وجل:

 إذاً قسم من هذا الدرس العالم الغربي لا يحترم إلا القوي، ولا يخضع إلا للقوي، ولا يفاوض إلا القوي، بمنطق الإيمان الله عز وجل وعد المؤمنين بالنصر، هذا كله حول تهويد القدس، وعد المؤمنين بالنصر، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن لا بدّ من دفع الثمن، الثمن أن تنطوي على إيمان بالله يحملك على طاعته، والإيمان الذي لا يحمل على طاعته اركله بقدمك، لا قيمة له إطلاقاً، إيمان يحمل على الطاعة لا يكفي، هذا شرط لازم غير كاف.

 

2 ـ إعداد القوة المتاحة:

 و الشرط الثاني: إعداد القوة، إلا أن رحمة الله بنا أنه ما كلفنا أن نعد القوة المكافئة، كلفنا أن نعد القوة المتاحة فقط، بمنطق العصر يجب أن تكون أقوى من خصمك حتى تذله، حتى تسحقه، بمنطق الإيمان وأنت ضعيف حينما تؤمن الإيمان الذي يحمل على طاعة الله، و حينما تعد لعدوك ما تستطيع، تنفيذاً لقوله تعالى:

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

زوال الكون أهون على الله من ألا ينصرنا إن أقمنا الإسلام في حياتنا:

 حينما تعد لعدوك القوة المتاحة لك فقط، وحينما تستقيم على أمره تماماً، ألم يقف صلاح الدين في وجه سبعة وعشرين جيشاً ؟ ألم يحرر القدس ؟ ألم يذل كبرياء المعتدين الفرنجة ؟ ألم يدخل إلى المسجد الأقصى ويصلي فيه ؟ بمنطق الإيمان ينبغي أن تؤمن أولاً بقوله تعالى:

 

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

 

( سورة الروم )

 وينبغي أن تعد ثانياً العدة التي تستطيعها وعلى الله الباقي، وزوال الكون أهون على الله من ألا ينصرك، والإله الذي نصر صلاح الدين هو هو إلهنا وينصرنا، والكرة في ملعبنا، لكن حينما نزيل كل المنكرات، حينما نعلم أولادنا منهج الله، حينما نصطلح معه، حينما نقيم الإسلام في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي طرقاتنا، وفي مساجدنا، وفي جامعاتنا، وفي معاملنا، وفي متاجرنا، وفي مدارسنا، حينما نقيم الإسلام الله ينتظرنا لينصرنا، لذلك:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

 

( سورة النور الآية: 55 )

منطق العصر و منطق الإيمان:

 أنا أتحدث عن منطقين، عن منطق العصر ينبغي أن تكون أقوى من عدوك حتى تسحقه، بمنطق الإيمان كما أنت ينبغي أن تكون مؤمناً، وأن تقيم الإسلام في نفسك أولاً، وفي بيتك ثانياً، وفي عملك ثالثاً، وأن تستقيم على أمر الله تماماً، وأن تلغي كل معصية، وأن تعد لعدوك ما تستطيع فتنتصر، الدليل:

 

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ(47)﴾

 

( سورة إبراهيم )

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم )

الصبر مع التقوى طريق الإنسان إلى النصر:

 الآن أصغِ إلى هذه الآية، أصغِ إليها:

 

﴿وَإِنْ﴾

 

﴿تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية: 120 )

 لا بصواريخهم، ولا بحاملات طائراتهم، ولا بأقمارهم، ولا بأموالهم، ولا بحلفائهم:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 والله زوال الكون أهون على الله صبر مع الطاعة من ألا تحقق هذه الآية، نصبر ونطيع، أما نصبر ونعصي، ما بعد الصبر والمعصية إلا القبر، موت، وما بعد الصبر والتقوى إلا النصر:

 

﴿مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) ﴾

 

( سورة البقرة)

 أيها الأخوة، أنا أصدق ما سأقول، سمعت كثيراً من إفادات جنود إسرائيليين أثناء التحقيق معهم أن الجيش الذي حاربهم يرتدي ثياباً بيضاء، الله تدخل، أكثر من شهادة أذيعت في أجهزة إعلام العدو، ماذا يرتدي الجندي الذي يحاربك ؟ قال: يرتدي ثياباً بيضاء، الله عز وجل موجود، أي كأن الله يقول لنا: أنا موجود يا عبادي، أطيعوني وانظروا.

 

أنواع النصر:

 

1 – النصر الاستحقاقي:

 الآن أيها الأخوة، هناك نصر استحقاقي كما انتصر الصحابة الكرام في بدر:

 

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 123 )

2 – النصر التفضلي:

 وهناك نصر تفضلي، وإذا طمعنا أن ننتصر نطمع بهذا النصر كما انتصر الروم على الفرس قال تعالى:

 

﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾

 

( سورة الروم )

3 – النصر الكوني:

 وهناك نصر كوني ليس له علاقة بالإيمان إطلاقاً الأقوى ينتصر، نصر كوني ونصر تفضلي، ونصر استحقاقي.

 

4– النصر المبدئي:

 وهناك نصر مبدئي، إنسان موحد، مستقيم، جاءت شظية فقتلته، هذا انتصر عند الله، مات على الإيمان، وله جنة عرضها السماوات والأرض، إذاً النصر استحقاقي، تفضلي، كوني، و مبدئي.

 

 

أنواع الجهاد:

 

1 – جهاد النفس والهوى و هو الجهاد الأساسي:

 الآن الجهاد، هناك جهاد النفس والهوى، هذا هو الجهاد الأول، هذا يشبه التعليم الأساسي، لا تستطيع أن تقدم طلباً للامتحان للشهادة الثانوية إذا لم تحمل شهادة التعليم الأساسي، لا تستطيع أن تقدم طلباً للدخول إلى الجامعة إذا لم تحمل شهادة التعليم الأساسي، جهاد النفس والهوى هو التعليم الأساسي، أول جهاد، والمهزوم أمام شهوته لا يستطيع أن يواجه نملة، هذا جهاد النفس والهوى، يغطي هذا الجهاد قوله تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

 

( سورة العنكبوت الآية: 69 )

 يغطي هذا الجهاد قول أحد الصحابة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى".

 

2 ـ الجهاد الدعوي:

 ثم الجهاد الدعوي قال تعالى:

 

 

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

( سورة الفرقان )

 كبيراً، وسمي هذا الجهاد كبيراً لأنه الهدف من كل جهاد.

 

3 ـ الجهاد البنائي:

 وهناك الجهاد البنائي، يغطيه قوله تعالى:

 

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 هذا جهاد:

 

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 60 )

4 ـ الجهاد القتالي:

 والجهاد الأخير هو الجهاد القتالي، أقول لكم بكل صراحة، بكل مسؤولية: حينما ننجح في الجهاد النفسي، وننجح في الجهاد الدعوي، و ننجح في الجهاد البنائي، ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي، رابع مرحلة.

 

من خصائص ديننا العظيم أنه دين جماعي و دين فردي:

 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل ينتظرنا:

 

 

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إليّ، هذه إرادتي بالمعرضين، فكيف بالمقبلين ؟ ))

 

[ ورد في الأثر ]

 أحداث القدس والتهويد التي يتم الآن ليس له حل إلا بأحد منطقين ؛ إما أن نكون أقوى منهم فنذلهم، وإما أن نكون مؤمنين صادقين، ونعد لأعدائنا ما نستطيع، وعندئذ نستحق وعود الله عز وجل، وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام، هذا ما عندي بما يتعلق بهذه المأساة الدينية التي يندى لها جبين الأمة، والتي يتمزق لها قلب المؤمنين، والتي تدعو إلى انهمار الدموع على خدود المسلمين، لأن العوام لهم كلمة "العين بصيرة واليد قصيرة "، لكن نحن بإمكاننا أن نجعلها يداً طويلة، بالحق، لكن هذا يحتاج إلى جهد جماعي.
 لكن أطمئنكم أن هذا الدين من خصائصه المذهلة أنه دين جماعي ودين فردي، أي من لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق.
 أنت وحدك بمدينة فيها خمسة ملايين، وأنت وحدك مستقيم، تتمنى أن تجاهد، لك الأجر والثواب، كما أن هذا الدين جماعي هو دين فردي، فإن لم يستجب مجموع المؤمنين استجب أنت، ولا تعبأ بمن لم يستجب، أنا أتمنى أن يستجيب جميع الناس لكن لا أستطيع أن أفرض عليهم ما أتمناه، فلذلك:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 

( سورة الأنفال الآية: 24 )

من لم يحمل همّ المؤمنين فليس بمؤمن:

(( مَنْ جَهّزَ غَازِياً في سَبِيلِ الله فقد غَزَا ))

[ متفق عليه عن زيد بن خالد ]

(( وَمَنْ خَلَفَ غَازِياً في أهْلِهِ فَقَدْ غَزَا ))

[ متفق عليه عن زيد بن خالد ]

 من ضمن بعض النفقات في الغازي فقد غزا، ومن لم يغزُ، ومن لم يستطع أن يقدم لهم شيئاً، فإذا دعا لهم فقد غزا، فإذا بكى فقد غزا، معنى بكى أي هو متعاطف معهم، يتألم لألمهم، من جهز غازياً فقد غزا، من أعان غازياً فقد غزا، من دعا إلى غازي فقد غزا، من تمنى أن ينتصر هذا الغازي فقد غزا، من بكى حينما يقرأ هذه الأخبار فقد غزا، أما أن تلقى الله لا غزوت، ولا تمنيت أن تغزو، فهذه مشكلة كبيرة أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينقذنا منها.
 أيها الأخوة الكرام، ادعوا لإخوانكم، والله حضرت قبل أسابيع ندوة للقدس ـ أنا أحد أعضائها ـ هناك مواطنون فلسطينيون يسكنون حول الأقصى، دفع في المتر لبيتهم مليون دولار، والبيت مئة متر فثمنه مئة مليون، أو مئة وخمسون، رفضوا، وقفوا موقفاً إسلامياً مشرفاً، الآن هدمت منازلهم وهم على أنقاض منازلهم ينامون، فلذلك ادعوا لإخوانكم بالنصر والتأييد، وساهموا إن أمكنكم ما استطعتم في تخفيف هذه الآلام عن أخوانكم المؤمنين، وما لم تحمل هم المؤمنين فلست مؤمناً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018