بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات إسلامية - متفرقة : 097 - ذكر الله .


2010-02-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ذكر الله كلمة واسعة جداً تدور مع الإنسان في كل أوقاته وأحواله وشؤونه:

 أيها الأخوة الكرام، مع موضوع دقيق جداً متعلق بذكر الله، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

 

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم ـ خير اسم تفضيل ـ وأزكاها عند مليككم ـ أرقاها عند الله عز وجل ـ وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى. ))

 

[ الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 لكن هذه الكلمة ذكر الله واسعة جداً، من خصائصها أنها تدور مع الإنسان في كل أوقاته، وفي كل أحواله، وفي كل شؤونه، أي الإنسان إذا تفكر في خلق السماوات والأرض فهو ذاكر، وإذا حضر مجلس علم فهو ذاكر، وإذا ألقى درساً فهو ذاكر، وإذا قرأ القرآن فهو ذاكر، وإذا صلى فهو ذاكر، وإذا نظر بعجيب خلق الله فهو ذاكر، وإذا فتح كتاب فقه ليعرف حقيقة حكم شرعي فهو ذاكر، يعني أي نشاط بدني، عقلي، شعوري، عبادي يصلك إلى الله فهذا ذكر.
 بالمناسبة في الكون حقيقة كبرى خطيرة هي الله، فأي شيء يقربك منه فهو ذكر، وأي شيء يبعدك عنه فهو غفلة، عكس الذكر الغفلة، الله عز وجل قال:

 

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) ﴾

 

[ سورة المعارج الآية: 23]

 أي من غير المعقول أن يمضي الإنسان وقته كله في الصلاة، لكن معنى دائمون أي الدعاء ذكر، الاستغفار ذكر، أن تقول: سبحان الله هذا ذكر، أن تقول: الحمد لله هذا ذكر، أن تقول: لا إله إلا الله هذا ذكر، أن تقول: الله أكبر هذا ذكر، أن تسبحه، أن توحده، أن تكبره، أن تنزهه، أن تمجده، أن تستغفره، أن تتوب إليه، أن تتوكل عليه، أن تناجيه، هذا كله من الذكر.
 الذكر يدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، كأن الله عز وجل من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، أراد أن تكون معه، أن تكون معه بقلبك، معه بأحاسيسك، معه بفكرك، معه بطموحاتك، معه بتمنياتك، معه في خلوتك، معه في جلوتك، معه مع أهلك، معه وحدك، معه في عملك، هذا الحديث يدور مع الإنسان في كل شؤون حياته.
 إنسان دخل إلى عمله، جلس فجاء بعض موظفيه حدثهم عن نعمة البصر فهو ذاكر، قرأ عليهم آية كريمة فهو ذاكر، شعر بألم قال يا رب اشفني أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، فأنت ذاكر.

 

كلام الله ينطوي على الكليات وكلام النبي ينبني على التفاصيل والجزئيات:

 أنا أُوسع المعنى:

 

 

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى ))

 

[ الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 طبعاً من أين قال النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى هذا الكلام؟ ابن القيم ـ رحمه الله ـ يرى أن كل أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام هي في الحقيقة فهم رفيع لكلام الله، الذي يقوله النبي هو تعبير عن فهمه الأول لكلام الله، الإنسان الأول الذي فهم كلام الله هو النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك السنة كما وصفها القرآن الكريم:

 

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾

 

[ سورة النحل الآية: 44 ]

 فكلام النبي بمجمله بيان لكلام الله، كلام الله ينطوي على الكليات، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام ينبني على التفاصيل والجزئيات.

 

ورد الذكر في القرآن الكريم أمراً من الله عز وجل مطلقاً ومقيداً:

 أيها الأخوة، أن تذكر أن الله خالق السماوات والأرض هذا ذكر، أن تذكر ربوبيته هذا ذكر، أن تذكر تسييره للكون هذا ذكر، أن تذكر أنه الخالق، أن تذكر أنه كامل، أن تذكر أنه واحد، هذا كله ذكر، كل النشاطات القولية، والعملية، والعبادية، والعلمية، أخذاً وعطاءً يعد من الذكر، أي المؤمن على صلاته دائم، بمعنى أنه يناجي ربه أحياناً، يدعوه أحياناً، يستغفره أحياناً، يسبحه أحياناً، يقدسه أحياناً، يمجده أحياناً، يدعوه أحياناً، وهكذا من أين جاء النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام الرائع ؟

 

 

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى ))

 

[ الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 قال: الذكر في القرآن الكريم ورد على عشرة أوجه، لا في عشر آيات، جاء الذكر في مئات الآيات أما جاء في عشر كليات، عشرة أوجه، هذه الأوجه أن الله عز وجل أمر به مطلقاً ومقيداً، مطلقاً اذكروا الله، مقيداً ذكراً كثيراً، قيد الذكر بالكثرة، ورد الذكر في القرآن الكريم أمراً من الله عز وجل مطلقاً ومقيداً.

 

أحد أكبر أسباب ضعف المسلمين أنهم توهموا أن الدين هو العبادات الشعائرية:

 بالمناسبة أخواننا الكرام اسمحوا لي بهذه الحقيقة التي أراها من أخطر الحقائق، أحد أكبر أسباب ضعف المسلمين أنهم توهموا أن الدين هو العبادات الشعائرية، هذا أكبر خطأ، العبادات الشعائرية؛ الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والشهادة، والله لا أبالغ الدين خمسمئة ألف بند، أحكام البيوع بالمئات، أحكام الجوار، أحكام العلاقات، أحكام كسب المال، أحكام إنفاق المال، أحكام الزواج، الخطبة لها أحكام والدخول له أحكام، والميراث له أحكام والطلاق له أحكام، أي هذا الفقه تفاصيل التفاصيل، فأنت كمؤمن ينبغي أن تخضع لمنهج الله، تعريف العبادة غاية الخضوع لله مع غاية الحب، الأقوياء يخضع الناس لهم، لكن الخضوع شيء والحب شيء آخر، أما العبادة غاية الخضوع مع غاية الحب، لذلك ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، هي طاعة ليست قسرية ولكنها طوعية، هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، هذا تعريف للعبادة جامع مانع، طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، والله لا أبالغ كلمة مؤمن مرتبة، أنت كيف تقرأ اسماً قبله حرف الدال بحسب نظامنا العلمي، نظام الجامعات في العالم؟ هذه الدال ما معناها بالكلام الدقيق؟ أي الذي كتب قبل اسمه حرف الدال معه ابتدائية، إعدادية، ثانوية، ليسانس، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، درس ثلاثاً وثلاثين سنة، أقسم لك بالله كلمة مؤمن أرقى من دال بمليون مرة، مؤمن عرف الله، مؤمن مستقيم، مؤمن محب، مؤمن منضبط، مؤمن صادق، مؤمن أمين، مؤمن وفي، مؤمن عادل، مؤمن منصف، مثلاً:

 

 

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا ))

 

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 أي هناك مؤمن حاد المزاج، طبع مقبول على العين والرأس، مؤمن هادئ جداً، مؤمن اجتماعي، مؤمن يميل إلى العزلة، هذه طباع لا تقدم ولا تؤخر ولا تقلل من قيمة صاحبها:

 

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

 

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 فإذا كذب أو خان ليس مؤمناً، لذلك أيها الأخوة الكرام، وأنتم تقرؤون الأحاديث الشريفة انتبهوا إلى عبارات ليس منا، أي حديث يبدأ بـ "ليس منا" أي من فعل هذا انسلخ من الإيمان.

 

كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:

 أيها الأخوة الكرام، هذا الحديث الرائع:

 

 

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى ))

 

[ الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 الذكر ورد أمراً من الله، وكل أمر يقتضي الوجوب، هنا الشاهد، توهم المسلمون أن الإسلام خمس عبادات، لا، الإسلام منهج كامل، والعبادات خمسة بنود من خمسمئة ألف بند بالجملة، لذلك أحد خصائص هذه البنود أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب افتح القرآن الكريم مثلاً:

 

﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾

 

[ سورة هود الآية: 112]

 الاستقامة أمر:

 

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)﴾

 

[ سورة الأعراف الآية: 119]

 العفو أمر:

 

﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾

 

[ سورة النساء الآية: 29]

 نهي، فأنت كمؤمن أي أمر وأي نهي في القرآن والسنة هذا هو المنهج، بطولتك أن تكتشف كل أوامر القرآن الكريم، وكل النواهي.

 

أوجه الذكر في القرآن الكريم:

 

1 ـ الأمر بالذكر مطلقاً ومقيداً:

 الآن نكتفي بالموضوع المتعلق بالذكر، قيل: ورد الذكر في القرآن الكريم على عشرة أوجه، منها الأمر به مطلقاً ومقيداً:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

 

[ سورة الأحزاب الآية: 41]

 لكن هنا ملاحظة؛ كلمة:

 

﴿ كَثِيراً ﴾

 دقيقة جداً في الآية، لأن المنافق يذكر الله الدليل:

 

 

﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142)﴾

 

[ سورة النساء الآية: 142 ]

 الأمر ليس أن تذكر بل أن تذكر الله ذكراً كثيراً، لذلك من أروع الأحاديث:

 

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

 

[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))

[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر]

 أنا أولى بحملها هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام.

 

2 ـ النهي عن ضد الذكر:

 وجه آخر النهي عن ضده ما هو ضد الذكر؟ الغفلة:

 

 

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾

 

[ سورة الحشر الآية: 19 ]

 أي عندما غفل عن الله فسق، فهناك ارتباط بين الإيمان والخلق، وبين الفسق والغفلة:

 

﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)﴾

 

[ سورة الحشر الآية: 19 ]

 من بعض ملامح هذه الآية أن نسيانهم لله أنساهم أنفسهم، الذي أنسى ليس هو الله النسيان أنساهم، والإنسان عندما يغفل عن سرّ وجوده ينسى مهمته في الحياة.

 

3 ـ تعليق الفلاح والفوز بدوام ذكر الله:

 الآن ومن وجوه الذكر في القرآن الكريم تعليق الفلاح والفوز بدوام ذكر الله، لو إنسان سألني هل هناك فرق بين النجاح والفلاح ؟ نعم هناك فرق كبير، النجاح في الدنيا، قد تنجح بجمع الأموال، قد تنجح بتسلم منصب رفيع، قد تنجح في صحتك، قد تنجح بزواجك، قد تنجح في مكانتك، قد تنجح بتربية أولادك، النجاح جزئي، أما الفلاح يشمل الدنيا والآخرة، إذاً الله عز وجل قال:

 

 

﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) ﴾

 

[سورة التغابن الآية: 16]

 لذلك قال تعالى:

 

﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) ﴾

 

[ سورة الأنفال الآية: 45]

 أي أحد أسباب الفلاح أن تذكر الله ذكراً كثيراً.

 

على الإنسان أن يحب الله لدرجة أن يسعد بذكره:

 لكن لابدّ من تعليق دقيق، القضية ليست قضية إكراه، يجب أن تحب الله لدرجة أنك تسعد بذكره، هناك مستوى من الحب يجعلك تتمتع بذكر الله، إن وصلت إلى هذا المستوى فأنت من أسعد الناس، الإنسان يجاهد نفسه لكن الجهاد مستحيل أن يستمر طوال حياتك، يجب أن تمر فترة وأنت في أعلى درجات الذكر، وأنت في أعلى درجات السعادة، أحياناً الإنسان يعمل، والعمل قد يكون غير محبب ومتعب، وفيه جهد كبير، لكنك مضطر لأنك ترتزق من هذا العمل، فرق كبير بين من يعمل من أجل أن يكسب المال فيعيش به، وبين من يكون عمله متعة له، في أعمال التدريس هناك أشخاص يحبون التدريس، و يدرسون بأعلى درجات السعادة، نقول: هذا العمل مجزئ لذاته، أما في أيام الشتاء الباردة صب السقف عمل متعب، لأن الوقوف على منصات من الخشب، والهواء بارد، والحرارة متدنية، و هناك مخاطر، لكن الذي يحب المطالعة حباً جنونياً وعيّناه أمين مكتبة، هذا العمل يتناسب مع ميوله، فهو في عمله في قمة السعادة.
 أنا أقول لكم هذه الكلمة مع أن علاقتها بالسياق ضعيف: التعليم فيه متعة كبيرة جداً، والإنسان ما لم يستمتع بالتعليم لن ينجح به، اجهد أن تكون متعتك في عملك، وكل إنسان متعته في عمله يتفوق تفوقاً كبيراً، إذاً الأمر بالذكر وربطه مع النجاح والفلاح والفوز.

 

 

4 ـ الغفلة عن الذكر سبب لأكبر خسارة تصيب الإنسان:

 الآن الغفلة عن الذكر سبب لأكبر خسارة:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة المنافقون الآية: 9 ]

 مرة حدثت معي قصة أذكرها كثيراً، التقيت مع إنسان لأقل من ساعة، حدثني عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، عنده سفر إلى بلد بعيد، سيقيم هناك خمس سنوات، وسيجمع مبالغ طائلة، ثم يعود إلى بلده ليقدم استقالته، و يشتري محلاً تجارياً يبيع به التحف، ويُكبر أولاده، القصة طويلة، جلست معه أقل من ساعة حدثني هذا الحديث، وأنا جاملته طبعاً، لكن مساءً وأنا في الطريق قرأت نعوته، في اليوم نفسه.
 لذلك الإنسان أكبر خطأ يرتكبه أن يغفل عن نهايته، صدق ولا أبالغ إيمان الناس بالآخرة غير صحيح، لأن أعمالهم في الدنيا لا تؤكد هذا الإيمان، الذي يغتصب بيت مؤمن، الذي يغتصب شركة، الذي يأخذ ما ليس له، الذي يتفنن بإذلال زوجته، لا يؤمن بالآخرة، سأقول لك كيف الإيمان بالآخرة في حياتنا اليومية؟ تقف على الإشارة الحمراء في مركبتك، والشرطي واقف، وضابط السير واقف، وأنت مواطن عادي، والعقوبة قطعية وصعبة جداً لا يمكن أن تخالف لماذا ؟ لأن واضع نظام السير يطولك علمه من خلال هذا الشرطي، وتطولك قدرته، سمعت أن إنساناً جاء من حلب إلى دمشق بسرعة عالية على قانون السير الجديد كلفوه بمئتين وخمسين ألف مخالفات، آلات التصوير التقطت صورة السرعة، فمجموع مخالفاته من حلب إلى دمشق مئتين وخمسين ألفاً.

 

أكبر خطأ يرتكبه الإنسان أن يغفل عن نهايته:

 أيها الأخوة الكرام، أنت حينما تؤمن أن علم الله يطولك، وقدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، عندي مثل أبلغ، أخواننا التجار الذين يستوردون، عندما يعمل التاجر طلب استيراد، والبضاعة يستوردها، وتصل إلى البلد، تذهب ورقة حمراء من المعاملة إلى المالية فإذا أنت أغفلتها في حساباتك أهدر حساباتك، وكلفت بضريبة مضاعفة جزاء إهدار هذه الصفقة، أنا لا أعتقد أن هناك تاجر على وجه الأرض يؤمن أن وزارة المالية على علم بهذه الصفقة ويغفلها في حساباته، مستحيل، إذا أيقنت أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، لا يمكن أن تعصيه، إنسان عادي وقد لا تحبه، فكيف بخالق السماوات والأرض؟

 

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾

 دقق:

 

 

﴿لِتَعْلَمُوا ﴾

 

[ سورة الطلاق الآية: 12 ]

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

[ سورة الطلاق الآية: 12 ]

 اختار من أسمائه الحسنى اسم القدير واسم العليم فقط، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، لا يعصي الله عز وجل إلا جاهل، جاهل أن الله يعلم وسيحاسب وسيعاقب:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

[ سورة المنافقون الآية: 9 ]

5 ـ أكبر إكرام إلهي للذاكر أنه إذا ذكر الله ذكره الله:

 الآن أكبر إكرام إلهي للذاكر أنك إذا ذكرته يذكرك:

 

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية: 152]

 ما معنى أن الله يذكرك ؟ والله أيها الأخوة، لو علمت ماذا تعني أن الله يذكرك لذبت محبة لله، الله إذا ذكرك منحك الأمن:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 

[ سورة الأنعام الآيات: 81-82 ]

 إذا ذكرك منحك السكينة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بها ولو ملكت كل شيء، إذا ذكرك منحك التوفيق، إذا ذكرك منحك الحفظ، إذا ذكرك منحك الرضا، إذا ذكرك منحك السعادة، أي عطاءات الإله تفوق حدّ الخيال.

 

6 ـ الذكر من ثمار الصلاة التي أرادها الله:

 أنا أقول لكم: والله إن الذكر من ثمار الصلاة التي أرادها الله:

 

 

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 

[ سورة العنكبوت الآية: 45 ]

 ذكر الله أكبر ما في الصلاة، أي إذا ذكرت الصلاة فأنت تؤدي واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك التوفيق، منحك الحفظ، منحك النجاح، منحك الفلاح، منحك الهيبة، من اتقَ الله هابه كل شيء، منحك التوفيق بزواجك، منحك التوفيق بعملك، منحك التوفيق بصحتك، منحك التوفيق بمكانتك الاجتماعية، هنا حديث من أدق الأحاديث:

 

(( استقيموا، ولن تحصوا ))

 

[ أحمد و ابن ماجه عن ثوبان ]

 ما الذي لا نحصيه ؟ الخيرات، يا ترى الاستقامة تعطيك الطمأنينة ؟ نعم، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) ﴾

 

[ سورة فصلت الآيات: 30-32 ]

7 ـ ذكر الله للإنسان يمنحه السعادة والرضا والتوفيق والحفظ والأمن:

 أيها الأخوة، اذكروني أذكركم، ذكر الله لك يمنحك السعادة، الرضا، التوفيق، الحفظ الأمن، النجاح، الفلاح:

 

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

 

[ سورة طه الآية: 14]

 الصلاة كلها ذكر لله، الله عز وجل في بعض آياته يقول:

 

﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً (35)﴾

 

[ سورة طه الآيات: 33-35]

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه الآية: 14]

8 ـ أهل الدنيا أموات غير أحياء إن لم يذكروا الله عز وجل:

 أيها الأخوة الكرام:

 

(( مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّت ))

 

[ رواه البخاري، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ]

 الله عز وجل وصف أهل الدنيا بأنهم أموات غير أحياء، هم أحياء يتحركون، يأكلون، يشربون، ينامون، والفحوصات الطبية كاملة لكنهم عند الله أموات:

ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحياء
***

 كلمة:

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

[ سورة النحال الآية: 21 ]

 ميت، الكافر ميت:

 

﴿وَمَا أَنْتَ﴾

 

﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

[ سورة فاطر الآية: 22 ]

 مقبور في شهواته:

 

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

 

[ سورة المنافقون الآية: 4 ]

﴿ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44)﴾

[ سورة الفرقان ]

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا﴾

[ سورة الجمعة الآية: 5 ]

﴿فَمَثَلُه﴾

﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 176 ]

 هذا هو الإنسان إذا بعد عن الله عز وجل:

 

(( مَثَلُ الَّذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذي لا يَذْكُرُهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّت ))

 

[ رواه البخاري، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ]

9 ـ الذكر يطرد الشيطان ويرضي الرحمن ويزيل الهم والغم عن القلب ويجلب له الفرح:

 الآن أوسع بيت إن كان فيه أفلام وليس فيه ذكر هو كالقبر، يقول لك: هذا الصحن فيه ما يقدر بمئتي فضائية، ما شاء الله! أما إن كان البيت فيه ذكر، فيه صلاة، فيه قيام ليل، فيه تلاوة قرآن، فيه نصيحة من الأب لأولاده، فيه آية تتلى، فيه حديث يذكر، فيه سيرة تتعطر بها المجالس:

 

(( مَثَلُ الْبَيْتِ الّذِي يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الّذِي لاَ يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيّ وَالْمَيّتِ ))

 

[مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ]

 بيت جميل واسع، له إطلالة، مدفأ، مكيف، أثاث فخم، وقبر، مثل الحي والميت، بعض العلماء قال::الذكر للقلب كالماء للسمك:. الإنسان المؤمن يدخل إلى الجامع فيرتاح كأنه سمكة بالماء، لو دخل الأسواق يتألم أحياناً، لذلك قالوا: خير البلاد مساجدها وشرها أسواقها، مرة شرحت الحديث بقولي: يأتي السوق هو وزوجته هناك قطعة غالية جداً، ولا يملك ثمنها فيتشاجر مع زوجته، تأتي معه إلى الجامع يسمعون كلاماً طيباً عن العلاقة الزوجية فيتحابوا، في المسجد تزداد المودة بين الزوجين، في السوق تنفصم العرى بين الزوجين، في الحديث القدسي:

 

(( أَنا عند ظَنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإِن ذكرني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منه))

 

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]

 إن ذكرت الله في ملأ ذكرك الله في ملأ خير منهم:

 

(( وإن تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْرا تَقَرَّبتُ إِليه ذِراعا، وإن تقرَّب إِليَّ ذِرَاعا اقْتَرَبتُ إِليه باعا، وإِن أَتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَة ))

 

[ البخاري و مسلم عن أبي هريرة ]

 إذاً لا يوجد إنسان يخطب ود الله إلا قربه الله عز وجل، والتقريب واضح جداً، قال بعض العلماء: "الذكر يطرد الشيطان، ويقمعه، ويرضي الرحمن، ويدني منه، يزيل الهم والغم عن القلب، يجلب الفرح والغبطة، يقوي القلب والبدن، ينور الوجه والقلب، يجلب الرزق، يكسو الذاكر المهابة، والحلاوة، والنضرة، يورث الذكر محبة الله، هو قطب رحى الدين، ودار السعادة والنجاة".

 

(( ما عمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ))

 

[ أحمد عن معاذ بن جبل ]

 مرة أخيرة الدعاء ذكر، والاستغفار ذكر، والتسبيح ذكر، والتوحيد ذكر، والتهليل ذكر، والدعاء ذكر، وقراءة القرآن ذكر، وحضور مجلس علم ذكر، جالس في بيتك مرتاح مع أهلك وأولادك، ثم قمت وارتديت ثيابك، و ذهبت إلى المسجد لسماع الدرس مع أن الطريق قد يستغرق منك ساعة و نصف، ولا يوجد أي ضيافة في المسجد، ثم رجعت إلى بيتك، أنت ماذا تفعل؟.

 

(( من سلك طريق يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ))

 

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

10 ـ ذكر الله يذيب قسوة القلب:

 لذلك قالوا: إن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله، إذا ذكرت الله ذابت هذه القسوة، لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة. والدليل:

 

﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[ سورة محمد الآية: 6]

 عرفها لهم في الدنيا، ذاقوا طعمها من خلال الذكر، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من الذاكرين.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018