بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دورات للطلاب الأجانب - دورة عام 1998 - عقيدة : 06 - اليوم الآخر وساعة الحساب .


1998-07-11

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، يا رب العالمين.

اليوم الآخر وساعة الحساب

قرن الله الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر في القرآن
لقد قرن الله عز وجل مع الإيمان بالله عقيدة الإيمان باليوم الآخر في كثير من آيات القرآن الكريم، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر هو الجزء المكمل للإيمان بالله والاستقامة في طريق الخير.
وتعتبر عقيدة الإيمان باليوم الآخر من أهم عوامل التربية على الاستقامة التي ربى الله عز وجل بها عباده ليدفعهم إلى عمل الخير.
ونحن نريد أن نرى أثر الإيمان باليوم الآخر في تربية المسلم، وذلك من خلال مقارنة بين مَن يؤمن باليوم الآخر، وبين من لا يؤمن به، لنرى الفرق واضحاً في تأثير هذا الإيمان في سلوك كل منهما.
من لا يؤمن باليوم الآخر يقضي حياته في المتع الحسية
إن الكافر باليوم الآخر يرى الدنيا فرصة ذهبية، لا ينبغي عليه أن يضيِّع منها دقيقة واحدة من غير كسب للمال، واللذة، والمتعة، فالقضية في حسِّه ؛ أن الحياة تمر سريعاً، ولابد من التمتع بها بأي شكل كان وإلا خسرها...
ما الذي يقنعه في أن يجتنب الحرام، ويلتزم الحلال ؟.
ما الذي يقنعه في أن يترك شهواته وملذاته ؟.
مقابل أي شيء يترك ما يتمتع به، ما دام لا يؤمن بيوم الحساب ؟.
إنَّ كل قيد يقول له قف عند هذا الحد يُعتبر في حسِّه حرمانٌ، إن الدنيا فرصةٌ لا ينبغي عليه أن يضيعها، وإلا عدَّ نفسه أحمق.
أما المؤمن باليوم الآخر يرى الأمور على حقيقتها، لأن الرقعة انفسحت أمامه، فالدنيا في حسِّه دار ابتلاء وامتحان، والآخرة هي دار الاستقرار.
تعاَلوا بنا لننفُذَ ببصيرتنا إلى قلب المؤمن باليوم الآخر، كيف أصبح سلوكه بعد هذا الإيمان ؟ إن عقيدة الإيمان باليوم الآخر تقول له: إن الالتزام بأمر الله يوصل إلى الجنة، وإن عصيان الله يوصل إلى جهنم وبئس المصير..
فكيف نتوقع أن يصير سلوكه بعد هذا الإيمان ؟.
نعم قد يقع في الخطأ لأنه بشر، ولكن ما أسرع التوبة عنده والرجوع إلى الله، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)﴾

[سورة الأعراف]

المؤمن سريع التوبة لله وإن وقع في الخطأ
هناك ملاحظة هامة في هذا الموضوع وهي: أن المؤمن باليوم الآخر إذا مشى على منهج الله ـ ربما بحكم بشريته ـ يشعر بالحرمان، وذلك قبل أن تستقيم نفسه على الأفق الأعلى، الذي تحدثتْ عنه الآية في قوله تعالى:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

 

[سورة فصلت]

أي حافَظوا على الاستقامة فذاقوا متعتها.
ولكن المؤمن الصادق، لابد له حتى يتخلص من الشعور بالحرمان لابد أن يعقد المقارنة التالية في حسه:
أيهما أجمل، أيهما أشهى وأعلى، ذلك المتاع المحدود في الدنيا المليء بالشوائب، وأقل ما يشوبه القلق عليه، لأنه ذاهب بذهاب العمر والصحة والمال، أم ذلك المتاع الذي لا ينفذ، ولا يقلق عليه الإنسان أبداً، ويرضى به أبداً ؟..
أيهما أحق أن تعمل في سبيله ؟.. أيهما يُترك من أجل الآخر ؟..
تلك المتعة الذاهبة المحرمة، التي ستختلسها في الحياة، وتستمع بها لحظات طائرة، ثم تعود اللهثة إليها، هل هذه أحق أن تعمل في سبيلها وتترك ذلك النعيم الذي قال عنه الله عز وجل:

﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)﴾

[سورة العنكبوت]

لابد للمؤمن حين يشعر بالحرمان، أن يستحضر عذاب الله عز وجل ثم يعود ليعقد المقارنة في حسه ؛ أيهما أولى أن يفر منه ؟ هذه النار القريبة نار الحرمان، التي هي في طاقة الإنسان أن يحتملها، أم تلك النار التي لا تُحتمل أبداً ؟ ولا تنتهي أبداً ؟..
وإن لذع الحريق هو أبشع ما يصيب الإنسان، ومع ذلك فهو عذاب ساعات، فما بالك بالنار التي قال الله عز وجل عنها:

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56)﴾

[سورة النساء]

هكذا تكون القضية في حسِّ المؤمن، فيلتزم ونفسه راضية، وإن عذبه الحرمان في أول الأمر، حتى تستقيم نفسه، ثم بعد ذلك سيعوضه الله عز وجل بلذة الطاعة، التي حرمته من ذلك المتاع الزائف، يشعر لها في نفسه براحة ورضى، ويشعر بالخفة والرشاقة الروحية.
يشعر المؤمن بلذة الإنفاق ويحس بالرفعة
إنه الآن لم يعد يشعر بالحرمان، بل يحسُّ بالانتفاع فيما هو أعلى من ذلك، ففي المال مثلاً: ليس فقط سيلتزم بالحلال والحرام، بل سيشعر بلذة الإنفاق كلما ملأ يده لينفق أحس بالرفعة، وهكذا سيتطوع بما لم يلزمه الله به على سبيل الإيجاب.
إن الإنسان المؤمن باليوم الآخر يعيش دائماً تلك اللحظة، لحظة وقوفه بين يدي الله تبارك وتعالى، ويُعِدُّ جواباً لكل سؤال، فلا يكون واقعه هو اللحظات التي يعيشها، بل يكون واقعه هو تلك الصورة التي يراها لليوم الآخر... المنعمين في نعيم الله، والمعذبين في عذاب الله، فيعمل بما يرضي الله ليدخل في ذلك النعيم، ويجتنب ما يسخط الله ليجتنب ذلك العذاب.
فهاهنا يستقيم سلوكه كما يريد الله تبارك وتعالى له أن يكون، إنساناً ربانياً، يكون همه هو إرضاء ربه في كل وقت وحين.
اللهم تقبل منا أعمالنا، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018