بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (15-29) : وتواصوا بالصبر


2005-06-12

4ـ التواصي بِالصَّبْر:

 رابعاً: التواصي بالصبر

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾

 لقد شاءتْ حكمةُ الله جل جلاله أنْ تكون الدنيا دارَ ابتلاءٍ بالشَّرِّ والخيرِ، ودارَ صراعٍ بين الحقِّ والباطلِ، لذلك كان التواصي بالصبر ضرورةً للفوزِ بالابتلاءِ، والغلبةِ في الصراعِ.
إذاً: لا بد مِنَ التواصي بالصبر على مغالبةِ الهوى، وعنادِ الباطل، وتحّملِ الأذى، وتكبّدِ المشقةِ، لذلك يعدُّ الصبرُ وسيلةً فعالةً لتذليلِ العقباتِ، ومضاعفةِ القدراتِ، وبلوغِ الغاياتِ، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

(سورة النساء)

إدارة الوقت:

 أيها الأخوة الكرام، حضوراً ومستمعين، العبرةُ ليست في إنفاقِ الوقتِ، بل في استثماره، فالوقتُ إذا أنفقناهُ ضاعَ، أما إذا استثمرناهُ فسينمو، ويُؤتِي ثمارَه في مستقبلِ حياتنا، وللأجيال القادمة.
إذاً كيف يُنفقُ المسلمُ الزمنَ إنفاقاً استثماريّاً ؟ لئلاّ تُحقَّق به الخسارةُ، إنَّ هذا ما يسمَّى في المصطلح الحديث إدارة الوقت، وهو موضوعُ الخطبةِ اليومَ.
 يا أخوتنا الأحباب، الوقتُ في حياةِ المسلمِ عبادةٌ ممتدَّةٌ، أمّا الوقتُ في الثقافةِ الغربيةِ، والنظرياتِ الماديةِ، فإنه لا يخرج عن نطاقِ المثل الشائع: " الوقت هو المال "، وإذا وَازَنَّا هذه العبارةَ بقولِ الحسنِ البصري رحمه الله تعالى: " أدركتُ أقواماً كان أحدهم أشحَّ على عمره منه على دراهمه ودنانيره ". نَستنتجُ أنّ الوقتَ عندَ المسلمِ أغلى مِنَ المالِ، ذلك أنّ المسلمَ يُدرك أنّ المالَ يمكنُ تعويضُه، بينما الوقتُ لا يمكن تعويضُه.
 أيها الأخوة الكرام، الإنسانُ حينما يَحرقُ مبلغاً كبيراً مِنَ المال يُحكَم عليه بالسَّفَهِ، ويُحْجَر على تصرفاتِه، ولأنه مركَّبٌ في أعماقِ الإنسانِ أنّ الوقتَ أثمنُ مِنَ المالِ، بدليلِ أنه يبيعُ بيتَه الذي يسكنُه ولا يملكُ شياً سِوَاهُ ليُجريَ بثمنِه عمليةً جراحيةً، متوهِّماً أنّها تزيدُ في حياتِه سنواتٍ عدةً، فالوقتُ عندَ كلّ إنسانٍ أثمنُ مِنَ المال، وبناءً على هذه المُسَلَّمَةِ فإنّ الذي يُتلفُ وقتَه أشدُّ سَفَهاً مِنَ الذي يُتْلِفُ مالَه.
 إدارةُ الوقتِ هِي فعلُ ما ينبغي، على الوجهِ الذي ينبغي، في الوقتِ الذي ينبغي، الوقتُ مِن ذَهَبٍ، بل أغلى من الذهب، بل هو لا يُقدَّر بثمن، إنه أنت، ويُعَدُّ الوقتُ أحدَ أربعةِ مواردَ أساسية في مجال الأعمالِ ؛ المواد، والمعلومات، والأفراد، ثم الوقتُ الذي يُعدّ أكثرَها أهميةً، لأنه كلما تَحَكّمَ الفردُ في وقتِه بمهارةٍ وإيجابيةٍ استطاعَ أن يستثمرَه في تحقيقِ أقصى عائدٍ ممكنٍ مِنَ المواردِ الأخرى ؛ حيث إنّ الفردَ عندما يديرُ وقتَه بشكلٍ فعّالٍ هو في الحقيقة يديرُ نفسَه، وعبادتَه، وعملَه، ودنياهُ إدارةً فعّالةً.
أيها الأخوة، كي نكونَ واقعيّين، إنْ لم يكنْ بالإمكانِ استثمارُ كلِّ الوقتِ، فعلى الأقلِّ يمكنُ أنْ نستثمرَ أكبرَ قدْرٍ مِنه.
 وعلى الرغمِ مِن هذه الأهميةِ الكبيرةِ للوقتِ، فإنّ أكثرَ العناصرِ والمواردِ هدراً، وإنّ أقلَّها استثماراً، سواء من الجماعات، أو من الأفراد، هو الوقتُ، ويعود هذا لأسبابٍ عدّةٍ، أهمّها عدمُ الإدراكِ الكافي للخسارةِ الكبيرةِ المترتبةِ على سُوءِ إدارتِه.

الوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان فردا ومجتمعا:

 أيها الأخوة، الوقتُ مَوْرِدٌ نادرٌ، لا يمكن تجميعُه، ولأنّه سريعُ الانقضاءِ، وما مضى منه لا يرجع، ولا يعوَّض بشيء، كان الوقتُ أنفسَ وأثمنَ ما يملكُ الإنسانُ، وترجعُ نفاستُه إلى أنه وعاءٌ لكلِّ علمٍ، ولكلِّ عملٍ، ولكلِّ عبادةٍ، فهو في الواقعِ رأسُ المالِ الحقيقيّ للإنسانِ، فرداً ومجتمعاً.
مِنْ هذا المنطلقِ يعدُّ الوقتُ أساسَ الحياةِ، وعليه تقومُ الحضارةُ، فصحيحٌ أنّ الوقتَ لا يمكن شراؤُه، ولا بيعُه، ولا تأجيرُه، ولا استعارتُه، ولا مضاعفتُه، ولا توفيرُه، ولا تصنيعُه، ولكن يمكن استثمارُه وتوظيفُه، أولئك الذين لديهم الوقتُ لإنجازِ أعمالِهم، ولديهم أيضاً الوقتُ لمعرفةِ ربِّهم، وعبادتِه، والتقرّبِ إليه، عرفوا قيمتَه، هم يستثمرون كلَّ دقيقةٍ مِن وقتهم، ولذا فإدارةُ الوقتِ لا تنطلقُ إلى تغييرِه، أو تعديلِه، أو تطويرِه، بل إلى طريقةِ استثمارِه بشكلٍ فعّالٍ، ومحاولةِ تقليلِ الوقتِ الضائعِ هَدْراً مِن دون فائدةٍ.
 أيها الأخوة الأعزاء، أيتها الأخوات العزيزات، يؤكِّد بعضُ العلماءِ منذ زَمَنٍ قديم أنَّ الوقتَ يمرُّ بسرعةٍ محدّدةٍ وثابتةٍ، فكلُّ ثانيةٍ أو دقيقةٍ، وكلُّ ساعةٍ تشبهُ الأخرى، وأنّ الوقتَ يسيرُ إلى الأمامِ بشكلٍ متتابع، وأنه يتحركُ وَفقَ نظامٍ معيَّن مُحكَم، لا يمكن إيقافُه، أو تغييرُه، أو زيادتُه، أو إعادةُ تنظيمه، وبهذا يمضي الوقتُ بانتظامٍ نحو الأمام، دون أيِّ تأخيرٍ أو تقديم، ولا يمكن بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ إيقافُه أو تراكمُه أو إلغاؤُه أو تبديلُه أو إحلالُه، إنّه موردٌ محدَّدٌ يملكُه الجميعُ بالتساوي، فعلى الرّغم مِنْ أنّ الناسَ لم يُولَدوا بقدراتٍ أو فُرَصٍ متساويةٍ، فإنهم جميعا يملكون الأربعَ والعشرين ساعةً نفْسَها كلَّ يومٍ، والاثنينِ والخمسينَ أسبوعاً كلَّ عام، وهكذا فإن جميعَ الناس متساوون في ناحيةِ المُدَّة الزمنية، سواء أكانوا من كبار الموظفين أم مِن صغارهم، مِن أغنياء القوم أم مِن فقرائهم، لذلك فالمشكلةُ ليستْ في مقدار الوقتِ المتوفّر لكلٍّ مِن هؤلاء، ولكنْ في كيفيةِ إدارةِ الوقت المتوفّر لديهم واستخدامِه، وهل يستخدمونه بشكلٍ جيِّدٍ ومفيدٍ في إنجاز الأعمالِ المطلوبةِ منهم، أو يهدرونه، ويضيِّعونَه في أمور قليلة الفائدة ؟

إدارة الوقت هي تحديد هدف ثم تحقيقه:

 إنّ إدارةَ الوقتِ هي تحديدُ هدفٍ، ثم تحقيقُه، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)﴾

( سورة الملك )

لا شكّ أنّ مَنْ يمشي إلى هدفٍ وغايةٍ واضحةٍ أهدى مِمَّن يَخبِطُ خَبْطَ عشواء، هذه حقيقة.
 أيها الأخوة الكرام، الوقتُ نعمةٌ عظيمةٌ، تؤكِّد السُّنّةُ المطهّرةُ ما جاء في القرآن الكريم مِن أنّ الوقتَ مِنْ نِعَمِ الله على عباده، وأنهم مأمورون بحفظه، مسؤولون عنه، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[رواه البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ)) أيْ الذي يُوَفَّقُ لذلك قليلٌ، فقد يكون الإنسانُ صحيحاً، ولا يكون متفرِّغاً لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً، ولا يكون صحيحاً، فإذا اجتمعا ـ الصحةُ والفراغُ ـ فغَلَبَ على الإنسان الكسلُ عن الطاعة فهو المغبونُ، والغبنُ أنْ تشتريَ بأضعافِ الثمنِ، وأنْ تبيعَ بأقَلّ مِن ثمنِ المِثْلِ.
أيها الأخوة الكرام، الوقتُ مسؤوليةٌ كبرى، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ))

[رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي]

 أيها الأخوة الكرام، الوقتُ وعاءُ العبادةِ، فالصلاةُ والزكاةُ والصيامُ والحجُّ ونحوُها عباداتٌ محددَّةٌ بأوقاتٍ معيَّنةٍ، لا يصحّ تأخيرُها عنها، وبعضُها لا يُقْبَل إذا أُدِّيَ في غير وقته، فهي مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً بالوقتِ، الذي هو عبارة عن الظرفِ أو الوعاء الذي تُؤَدَّى فيه. ومما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحثِّ على أداءِ العباداتِ في وقتِها قولُه حين سئل:

(( أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

[متفق عليه عن ابن مسعود]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018