بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (16-29) : الوقت في حياة النبي


2005-06-13

الوقت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام:

 كان عليه الصلاة والسلام مِن أَشَدِّ الناسِ حِرْصاً على وقته، وكان لا يَمضي له وقتٌ مِن غير عَمَلٍ لله تعالى، أو فيما لا بدّ له لصلاحِ نفسه، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه يصف حالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كان إذا أَوَى إلى مَنْزله جَزَّأ دُخولَه ثلاثة أجزاء: جُزءا للّه، وجُزءا لأهلْه، وجُزءا لنَفْسه، ثم جَزَّأ جُزْءَهُ بَيْنَهُ وبين الناس، فَيردَ ذلك على العامَّة بالخاصَّة ))

[ابن سعد في الطبقات الكبرى، والبيهقي في شعب الإيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه]

 أيها الأخوة الكرام، وفي السنة النبوية الشريفة إشارات إلى أهمية الوقت:
عن أبن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

[أخرجه الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة، والمنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 بل في حديث رائع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ))

[أخرجه أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 لابن القيم رحمه الله تعالى قول في قيمة الوقت في حياة المسلم، يقول: "فالعارفُ ابنُ وقتِه، فإنْ أضاعَه ضاعت عليه مصالحُه كلها، فجميعُ المصالحِ إنما تنشأ مِنَ الوقت، فمتَى أضاعَ الوقتَ لم يستدرِكْه، فوقتُ الإنسانِ هو عمرُه في الحقيقة، وهو مادةُ حياتِه الأبديةِ في النعيم المقيم، ومادةُ المعيشة الضنكِ في العذابِ الأليمِ، وهو يمرّ أسرعَ مِن مَرِّ السحابِ، فما كان مِن وقتِه لله وبالله فهو حياتُه وعمرُه، وغيرُ ذلك ليس محسوباً مِن حياته، وإنْ عاشَ فيه عيشَ البهائم، فإذا قَطَعَ وقتَه في الغفلةِ والشهوةِ والأماني الباطلةِ، وكان خيرُ ما قطعه بالنوم والبطالة، فموتُ هذا خيرٌ له مِن حياته، وإذا كان العبدُ وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عَقَلَ منها، فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله".

من جهل قيمة الوقت فسيأتي عليه موقفان خطيران يتذكر فيهما قيمة الوقت:

 أيها الأخوة الكرام، من جَهِل قيمةَ الوقتِ فسيأتي عليه موقفان خطيران، يتذكّر فيهما قيمةَ الوقت.

1ـ ساعةُ الاحتضارِ:

 الموقف الأول: ساعةُ الاحتضارِ، حينَ يودِّع الدنيا ويستقبلُ الآخرة، ويتمنّى لو مُنِحَ مهلةً من الزمن، وأُخِّر إلى أجلٍ قريبٍ ليُصلِحَ ما أفسدَ، وليتداركَ ما فاتَ قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11(﴾

( سورة المنافقون)

 ويأتي الرد الإلهيّ:

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(11) ﴾

2ـ في الآخرة:

 الموقف الثاني: في الآخرة، حيث تُوفَّى كلُّ نفسٍ ما عملتْ وتُجزَى بما كسبت، ويدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، هناك يتمنّى أهلُ النارِ لو يعودون إلى دارِ التكليفِ، ليعملوا عملاً صالحاً، ولكنْ هيهاتَ هَيهاتَ، فقد انتهى زمنُ العمل، وجاء زمنُ الجزاءِ، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

( سورة فاطر)

القرأن يحذر من الغفلة والتسويف أشد التحذير:

 أيها الأخوة الكرام، أيها الأخوة الأحباب، القرآنُ يحذِّر مِنَ الغفلة أشدَّ التحذير، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)﴾

( سورة الأنعام )

 آفةٌ أخرى أيها الأخوة، تصيبُ الناسَ، إنها التسويفُ، غداً، وبَعْدَ غدٍ، وسوف أتوبُ، وبعْد انتهاء العام الدراسي، وبعد تأسيسِ المحلِّ، وبعْد الزواجِ، آفة أخرى هي التسويف، قال الحسن البصري رحمه الله: "إيّاكَ والتسويفَ، فإنّك بيومِك، ولستَ بغدك، فإنْ يكن غدٌ لك، فكنْ في غدٍ كما كنتَ في اليوم، وإنْ لم يكن لك غدٌ، فلنْ تندمَ على ما فرَّطتَ في اليومِ". وقيل لعالم جليل: أوصنا، فقال: احذروا ( سوف ) فإنها جند من جنود إبليس، ولله دَرُّ مَنْ قال:

تَزَوَّدْ مِنَ التّقوى فإنّكَ لا تـدرِي  إذَا جَنَّ لَيْلٌ هل تعيشُ إلى الفَجْـِر
فَكَمْ مِن سَليمٍ مَات مِن غيرِ عِلّةٍ  وَكَمْ مِن سقيمٍ عَاشَ حِيناً مِنَ الدَّهْرِ
وَكَمْ مِن فتًى يُمسي ويُصبحُ آمناً  وقد نُسِجَتْ أكفانُه وهو لا يَـدْرِي
* * *

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018