بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (22-29) : قصة صلاح الدين الأيوبي


2005-06-19

صورة مشرفة من ماضينا:

 أخوتي المؤمنين، أعزائي المستمعين، في غمرة الألم الساحق والاقتراب من اليأس القاتل، وفي غفلة عن ماضي هذه الأمة المشرق، ينبغي أن أضع بين يدي حضراتكم صورة مشرقة من ماضينا، لا أسوقها تغنياً بها فالاكتفاء بالتغني بالماضي من صفات الأغبياء بل لتكون باعثاً للأمل في النفوس، ودافعاً لعمل مثمر نستعيد به مجد أمتنا وألق حضارتنا .
 يوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين وبقيادة البطل صلاح الدين، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورُفع الأذان، وتُلي القرآن، وصفت العبادات، وأُقيمت الصلوات، وأديمت الدعوات، وتجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العبوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله .
 وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن أحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة، استحالوا رهباناً خُشعاً كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد، وها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبته، ولو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة، لقد افتتحها بقوله تعالى:

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)﴾

( سورة الأنعام )

وها نحن أولاء نستمع إلى فقرات من خطبته:
  أيها الناس ابشروا برضوان من الله الذي هو الغاية القصوى والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم، من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردّها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يُرفع ويُذكر فيه اسمه، من رجس الشرك والعدوان .
 ثم قال محذراً: إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيُخيل إليكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، لا والله وما النصر إلا من عند الله، فاحذروا عباد الله بعد أن شرَّفكم الله بهذا الفتح الجليل، أن تقترفوا كبيرة من مناهيه، انصروا الله ينصركم، خذوا في حسم الداء وقطع شأفة الأعداء " .

جرائم أعدائنا جعلتنا نصحو بعد غفلة:

 وها نحن أولاء نخرج من المسجد الأقصى، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا فيقول: إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مُسالماً ولا مُعاهداً، وإن من شاء منا خرج وحمل معه ما شاء، وإنا بعنا المسلمين ما فضُل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها، وإننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين، لم نرَ منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة وتمدُّن، وصدق من قال: " ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم " . أخوتي المؤمنين، يقول الله عز وجل في محكم كتابه:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

( سورة البقرة الآية: 216 )

 من يدري أن هذه المحنة الشديدة التي يمر بها المسلمون، وراءها منحة ثمينة من رب العالمين، وأن هذه الشدة التي نزلت بالمؤمنين وراءها شدة إلى الله رب العالمين، وأن كبير مجرمي العدو سخره الله من دون أن يريد، ومن دون أن يشعر لتوحيد المسلمين، وشحذ هممهم، وبث روح البطولة والتضحية فيهم، وأن كبير مجرمي العدو سخره الله من دون أن يريد، ومن دون أن يشعر لنعود إلى ديننا، والى قرآننا، وإلى سنة نبينا، لنصحو بعد غفلة، ولنقوم بعد قعود، ولنتحرك بعد سكون، ولنتعاون بعد تنافس، ولنصطلح بعد خصام .
ولأن الإيمان بالله لا يكون إلا بعد أن نكفر بالطاغوت، لقد أعاننا أعداؤنا بجرائمهم التي يشيب لهولها الولدان، أن نكفر بهم، وبحضارتهم، وبمنجزاتهم، وأن نلتفت إلى ديننا وحضارتنا وأبناء جلدتنا .

عداتي لهم فضل علي ومنـة فلا  أذهب الرحمن عني الأعاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها وهم  نافسوني فاكتسبت المعالـيا

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018