بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (23-29) : التحليل الإسلامي للحوادث


2005-06-20

 

 أيها الأخوة، هناك مقولة توحيدية تملأ النفس أمناً ورِضىً، وهي أنّ كل شيء وقع أراده الله، وأنّ كل شيء أراده الله وقع ؛ لأنه لا يمكن ولا يُعقَل أن يقع في مُلك الله ما لا يريد، فلكل واقع حكمة، وليس كل مُوقِع من بني البشر حكيماً، إرادةُ الله التي سمحت لما حدث أن يحدث متعلقة بالحكمة المطلقة، أي أن الذي حدث لو لم يحدث لكان نقصاً في حكمة الله، ولكان اللهُ مَلُوماً، فلكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقَةَ الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

لم يقل: بيدك الخير والشر.
 أيها الأخوة الأحباب، الشرُّ المطلَقُ لا وجودَ له، بل هو يتناقض مع وجود الله، فالله عز وجل يوَظِّف الشرّ الذي في بعض النفوس، نفوسِ المعرضين عنه لخيرٍ كبيرٍ، ربما لا تُدرَك حكمتُه عاجِلاً، ولا أدلَّ على ذلك مِن حديثِ الإفكِ، حيث اتُّهِمَتْ السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها، بنتُ الصِّدِّيقِ، وزوجةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتُّهِمَتْ في أثمنِ ما تملك الأنثى، فكان التفسيرُ التوحيديُّ القرآنيُّ:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾

( سورة النور الآية: 11 )

ليست العبرة في التصديق وعدمه بل في الحدث وتحليله:

 التفسير التوحيدي للحوادث لا يُلغِي المسؤوليةَ، لذلك قال تعالى:

﴿ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)﴾

( سورة النور )

 إنّ القضيةَ الأساسيةَ في التعاملِ مع الأحداثِ الجِسامِ ليس تصديقَ وقوعِها، أو عدمَ تصديقِه، فطبيعةُ العصر مِن حيث التواصلُ الإعلاميُّ المذهِلُ، وثورةُ المعلومات المتفجرة، واجتماعُ الأممِ والشعوبِ في غرفةٍ إعلاميةٍ واحدةٍ، يُلغي موضوعَ التصديقِ، أو عدمِ التصديق، ولكنّ العبرةَ في التعاملِ مع الأحداث الجِسامِ، تحليلُها التحليلَ الصحيح، ثم اتخاذُ موقف، والانطلاقُ لعملٍ مِن خلالِ هذا الموقفِ، ولنضربْ على ذلك مثلاً:
 لو أنّ صاحبَ سيارةٍ في أثناءِ قيادته لها تألّقَ ضوءُ الزيت في لوحةِ البياناتِ التي أمامه، فالمشكلةُ ليست في تصديقِ التألُّقِ، أو عدمِ تصديقه، لقد رأى تألُّقَه بأمِّ عَيْنِهِ، ولكنّ المشكلةَ في فَهْمِ هذا التألُّقِ، وتحليلِه، والسلوكِ الذي يُبنَى على هذا الفَهْم والتحليل، فلو فَهِمَ التألُّقَ على أنّه ضوءٌ تزينيٌّ، فتابَع السَّيْرَ، لاحترقَ المحرِّكُ، وتكلّفَ لإصلاحه مبلغاً كبيراً، وتعطّل السيرُ إلى هدفه، أما إذا فَهِم هذا التألّقَ على أنه ضوءٌ تحذيريٌّ، أوقفَ السيَّارةَ، وأضافَ الزيتَ، وسلِم محرِّكُ السيارةِ من الاحتراقِ، وتابَعَ سَيْرهُ إلى هدفه، فالعبرةُ لا في التصديق وعدمِه، بلْ في فَهْمِ الحدثِ وتحليلِه.

التحليل الإسلامي والإضاءة القرأنية للحوادث تتجلى في أيات قرأنية لا تحتاج إلى تفسير:

 الآن أيها الأخوة، إلى التحليلِ الإسلامي، والإضاءةِ القرآنيةِ لِمَا حَدَثَ، ولِمَا يحدثُ، ولِمَا سوف يحدثُ، آياتٌ قرآنيةٌ لا تحتاج إلى تفسير، قال عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

( سورة النساء )

 وقال عزَّ مِنْ قائلٍ:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)﴾

( سورة الحج)

 و: (ثُمّ) على التراخي. قال عز وجل:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

(سورة القصص )

 قال تعالى:

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾

( سورة الأحزاب )

 في الخندق:

﴿ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾

( سورة الأحزاب )

 وقال سبحانه:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾

( سورة الأنعام)

 وقال سبحانه:

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾

( سورة آل عمران الآية: 165 )

 وقال سبحانه:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

( سورة الشورى )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018