بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (24-29) : إيجابيات في الأحداث الأخيرة


2005-06-21

 إلى الموضوع الساخن والضاغط، من السهل جداً أيها الأخوة أن نعاين السلبيات، وما أكثرها في الأحداث الأخيرة، ولكن ليس من السهل ولا متاحاً لكل إنسان أن يكتشف الإيجابيات فيها، لأنها تحتاج إلى بعد نظر، وإلى قوة بصيرة، وهذا ليس متاحاً لمعظم الناس، يضاف إلى ذلك أنه من منطلق العقيدة الإسلامية الصحيحة أن كل شيء وقع أراده الله، بمعنى أنه سمح به فقط، فلا يقبل، ولا يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد، وأن كل شيء أراده الله وقع، فهو فعال لما يريد، وأن إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، لأن كمال الله مطلق، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، قال تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

 يضاف إلى ذلك أن لكل واقع حكمة، ولو كان الموقع غير حكيم، لأن الله جلت حكمته يوظف الشر الذي تنضح به نفوس المعرضين بالخير المطلق، ولأن الشر المطلق لا وجود له في الكون، بل هو يتناقض مع وجود الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)﴾

( سورة القصص )

 دققوا:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

( سورة القصص )

 يوظف الشر الذي تنضح به نفوس المعرضين للخير المطلق، وبناء على هذا سنحاول تلمس الحكمة الربانية في الأحداث الأخيرة منطلقين من قوله تعالى:

﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾

( سورة النساء)

في الأحداث الأخيرة سقطت مبادىء القوم وسقطت شعاراتهم:

 أيها الأخوة الأحباب، من الحقائق المرة التي هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أن هناك خسائر لحقت وتلحق بالمسلمين من خلال الأحداث الأخيرة، وثمة مكاسب للطرف الآخر حققها، وقد يحقق غيرها، ولكن السؤال المطروح: كيف نتلمس المكاسب تحت ركام الخسائر ؟ وما من شك أن لكل معركة خسائر ظاهرة ومكاسب خفية، والمتأمل في التاريخ يرى صوراً للنصر انبثقت من حطام المأساة، إذاً تفاءلوا، وكان عليه الصلاة والسلام يحب التفاؤل.
 أيها الأخوة الكرام، في الأحداث الأخيرة سقطت مبادئ القوم وسقطت شعاراتهم، وأخفقت مؤسساتهم وهيئاتهم، فالحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وما شابهها باتت مصطلحات محنطة من مخلفات الماضي، وكادت هذه القيم الغربية البراقة تصرف النفوس عن قيم الدين الأصيلة، وتخطف الأبصار عن مضامين وحي السماء، فلما سقطت مبادئ القوم وقيمهم لم يبق في ساحة القيم إلا قيم الدين، ولم يبق من خلق إلا خلق أهل الإيمان، كما أن الأحداث الأخيرة وسعت دائرة المقت للغرب البعيد ولمبادئه ولحضارته، وكثرت من سواد الرافضين لأفكاره ومبادراته، وأن كثيراً من المفاهيم والأنماط والسلوكيات الاجتماعية سيعاد النظر فيها، أعني تلك التي صُدِّرت لنا من الغرب على مستوى الرجل والمرأة، وعلى مستوى الأسرة والعلاقات والنشاطات، فالمقت للغرب البعيد سيسري على مقت صادراتهم الفكرية وأنماط حياتهم الاجتماعية، ولا مجال اليوم ولا غداً لمن كانوا ينظرون للغرب عامة على أنه قبلة الفكر ونموذج القيم، فقد كشفت حقيقة القوم، وآن الأوان للمسلمين أن يعتزوا بقيمهم الإسلامية وأنماط حياتهم الاجتماعية.
وأما الآلة العسكرية فليست كما يقولون لحفظ العدل والسلام، بل للتدمير والاحتلال، ولا تفرق بين مدني وعسكري، وأن الآلة الإعلامية تلبست بالكذب والتزوير والاستخفاف بالعقول.

أنواع الجهاد:

 اتضح للمسلمين من خلال الأحداث الأخيرة أن الجهاد بمضامينه الشمولية والعميقة لا يمكن أن يكون ردّ فعل مرتجل على خطر طارئ، إنما هو سلوك مستمر لكل أفراد الأمة بصرف النظر عن الظروف المحيطة.

1ـ جهاد النفس والهوى:

الجهاد الأساسي هو جهاد النفس والهوى ذلك أن المهزوم أمام شهواته وأمام حظوظه لا يمكن أن يقاوم عدواً، أخذاً بقوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

 ما لم تكن مشاريع التغيير منطلقة من داخل النفس فإنها لا تنجح إطلاقاً.

2ـ الجهاد الدعوي:

 الجهاد الثاني الجهاد الدعوي، ذلك أن الإنسان الذي لا يعلم من هو، ولا يعلم سر وجوده، ولا غاية وجوده، ولا يعرف ربه، ولا يعلم مراده منه، ولا يعلم حقيقة الحياة الدنيا الفانية، ولا عظم الآخرة الباقية، مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يقاوم عدواً، أخذاً بقوله تعالى:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

( سورة الفرقان )

 قال ابن عباس رضي الله عنهما: " وجاهدهم به أي بالقرآن "، فالجهاد الكبير إنما هو الدعوة، والبيان بالحجة والبرهان، وأعظم حجة وبيان هو هذا القرآن، إنه حجة الله على خلقه، ومعه تفسيره وبيانه الذي هو السنة.

3ـ الجهاد البنائي:

 الجهاد الثالث: هو الجهاد البنائي، وهو أن كل مسلم في موقعه عليه أن يطور علمه وخبرته، وأن يتقن عمله ويحسنه، وأن يضع إنجازه هذا في خدمة المسلمين، فإذا كانت الأمة الإسلامية بحاجة إلى واحد يموت من أجلها هي في أمسّ الحاجة إلى ألف إنسان يعيش من أجلها، أخذاً بقوله تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 فالمؤمنون بمجموعهم مأمورون بإعداد العدة ليواجهوا بها قوى البغي والعدوان، فكلمة ما استطعتم تعني استنفاذ الجهد، لا بذل بعض الجهد، والقوة التي ينبغي أن يعدّها المؤمنون جاءت منكرة تنكير شمول، ليكون الإعداد شاملاً لكل القوى التي يحتاجها المؤمنون في مواجهة أعدائهم من قوة في العَدد، وقوة في العُدد، وقوة في التدريب، وقوة في التخطيط، وقوة في الإمداد، وقوة في التموين، وقوة في الاتصالات، وقوة في المعلومات، وقوة في تحديد الأهداف، وقوة في دقة الرمي، وقوة في الإعلام، بل إن كلمة من التي سبقت القوة جاءت لاستغراق أنواع القوة واحدة إثر واحدة.

4ـ الجهاد القتالي:

 لقد أفادت استقصاء أنواع القوى لا اصطفاء بعضها، وكلمة من رباط الخيل جاءت عطفاً للخاص المألوف وقت نزول القرآن على العام الذي يستغرق كل الأزمان والبيئات والتطورات والتحديات، وهذا الإعداد يحقق أهم أهدافه، ولو لم تقع المواجهة مع العدو، إنها رهبة القوي تقذف في قلوب أعدائه، لقوله تعالى: ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾. هذا فضلاً عن البناء العلمي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا كله مما يعنيه الجهاد البنائي، إذا تحقق جهاد النفس والهوى، وتحقق الجهاد الدعوي، وتحقق الجهاد البنائي، وكان جهداً يومياً مستمراً، وجهداً واعياً مخلصاً، عندئذ وبعد تحقق هذه الشروط الثلاثة ينتظر أن ينجح الجهاد القتالي.

التعاون والمشاورة الجماعية من سمات المسلمين ومن خصائص دينهم:

 أيها الأخوة الكرام، من المكاسب الخفية في الأحداث الأخيرة تقاربنا ووحدتنا، ولاشك أن المسلمين يعيشون حالة من الفرقة لا يحسدون عليها، ولكن الأحداث إذا ما استثمرت توحد كلمتهم، وتجمع شملهم، فالخطر يحيط بهم جميعاً، والمخطط يستهدفهم جميعاً، وفرقتهم وتناقضهم أمضى سلاح يلعب به أعداؤها الصهاينة، وحينما تجتمع أو تتقارب تبدأ في السير على الطريق الصحيح لمقارعة أعدائها، ولاشك أن عاطفة المسلم في المشرق حينما تلتقي مع عاطفة المسلم في المغرب شيء عظيم، وهذا ما بدأنا نلمسه في هذه الأحداث الأخيرة، والمؤمل أن تتنامى هذه المشاعر وأن تستثمر.
 ومن المكاسب الخفية للأحداث الأخيرة التفكير الجماعي والمشورة، والتفكير للخروج من الأزمة غانمين، وليس مجرد سالمين، هذه إيجابية طالما غفل عنها المسلمون، إذ اعتادوا على التفكير الأحادي والمشاريع الفردية، وهذه مع أهميتها لا بد من أن تكون جماعية، فقد قال الله عز وجل:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾

( سورة المائدة الآية: 2 )

والتعاون والمشاورة الجماعية من سمات المسلمين ومن خصائص دينهم.
 أيها الأخوة الكرام، لقد كان لهذه الأزمات أثر في تحريكها وتقريب وجهات النظر، والمأمول أن تزيد هذه الإيجابية، وأن تستثمر، وأن يتم التعاون على الخير والمشورة لصالح الإسلام وقضايا المسلمين.

من مكاسب المسلمين:

 ومن مكاسب المسلمين من خلال هذه الأحداث الأخيرة أنها أحيت في نفوسهم مشاعر العزة بالإسلام، فقد كانت الضربة من القسوة بحيث أيقظت نيام المسلمين، وأذكت مشاعر الغافلين، وبات المسلمون في شتى أقطارهم يشعرون بأنهم وحدهم الهدف الحاضر والمستقبل، وتجددت مفاهيم الولاء والبراء عند المسلمين، وأحسَّ المفرطون من المسلمين بحاجتهم إلى التوبة والعودة إلى الدين، ولقد كان صلف القوم سبباً في إشعال هذا الفتيل.
 ومن مكاسب المسلمين في الأحداث الأخيرة أن الفرصة مواتية للدعوة إلى الدين الحق، وكشف محاولة الأعداء لتشويه صورة الإسلام، ونبي الإسلام، وبلاد المسلمين، والفرصة مناسبة لدعوة المسلمين للتمسك بدينهم، فقد باتت الآذان مهيأة لسماع هذا أكثر من أي وقت مضى، فهل يستثمر المسلمون عامة والدعاة والعلماء والمفكرون خاصة هذه الفرصة المواتية للدعوة ؟
 إن الدعوة إلى الدين الحق دعوة إلى الثوابت، وقد أشار إلى هذا السيد الرئيس في مؤتمر القمة الذي عقد مؤخراً في بيروت فقال: طالب بعضهم بالتنازل عن بعض الحقوق بحجة استيعاب العاصفة، وكان البعض يعتقد بأنه بذلك ينحني للعاصفة، لكنهم لم يفرقوا بين الانحناء للعاصفة واقتلاع الجذور من الأرض، حتى قبل أن تأتي العاصفة، عندما تقتلع الأمة من جذورها، فأي ريح خفيفة سوف تأخذها إلى المجهول ؟ عندما تكون هناك عواصف نحن بحاجة أكثر إلى التمسك بالثوابت والمبادئ التي هي جذورنا، فالعاصفة مهما استمرت سوف تنتهي، وعندما نحاول الوقوف بعد غياب العاصفة، ولن نستطيع الوقوف إن لم تكن لنا جذور، وبالتالي عندما تكون هناك عواصف فيجب أن نتمسك أكثر بالثوابت، فالعواصف تأتي وتذهب أما الثوابت إذا ذهبت فلن تعود، عدا عن أن هذه العواصف متبدلة بتبدل المصالح "، انتهى قول كلام السيد الرئيس.

جزئية النظر ومحدودية الفهم للدين من أشد أفات المسلمين فتكا بهم:

 إن من أشد آفات المسلمين فتكاً بهم جزئية النظر ومحدودية الفهم للدين، كل أخذ جانباً واستغرق فيه حتى صار لا يرى غيره، وأصيب بالعمى عن رؤية غير ما هو فيه، وقد يستفحل هذا الداء فلا يرى هؤلاء في الميدان أحداً غيرهم، يتصرفون حينئذ على أنهم الذين يمثلون وحدهم المسلمين، وأنهم وحدهم الذين يحملون الراية، وعلى الآخرين أن يتبعوهم، وينقادوا إليهم، ومن أسباب هذا الداء الانغلاق على النفس والجهل بواقع المجتمع، وبواقع المسلمين، والجهل بما عند الآخرين، وعدم التواصل، والتحاور معهم.
 أيها الأخوة الكرام، أوجِّه الخطاب لكل مسلم: أنت أيها المسلم مدعو للمساهمة في استثمار هذه الأزمة، فماذا قدمت ؟ هل ساهمت بكلمة طيبة ؟ هل تقدمت بمقترح مفيد ؟ هل فكرت في مشروع نافع للأمة ؟ هل أعنت ملهوفاً ؟ هل دعوت من قلب مخلص لمكروب؟ أي نوع من المساهمة قدمت لنفسك ولأمتك ؟ هل تصدق أو يصح أن تقول: لا أستطيع عمل شيء، هل ترضى أن تكون رقماً هامشياً في أمتك ؟ هل يكفيك أن تدير موجات المذياع بحثاً عن آخر الأخبار، ثم ماذا ؟ أو تنظر بسلبية إلى المشاهد الدامية عن أخوانك المؤمنين، وهم يقتلون، وتحتل أرضهم ؟ إنها دعوة إلى المساهمة:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾

( سورة فصلت)

 والإسلام مسؤوليتنا جميعاً، وكيد الأعداء يستهدفنا جميعاً، وحقوق المسلمين علينا جميعاً.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018