بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (26-29) : الإرهاب


2005-06-23

 

 يتحدّث أعداؤُنا الصهاينةُ عن الإرهاب، ولاسيما في هذه الأيام حيث واتَتْهم الظروف، ونحن نقول لهم: إنه مولودٌ خرجَ مِن رَحِمِ الغطرسة والظلم والاستخفافِ بكرامةِ الشعب الفلسطيني، وثمرةٌ مُرَّةٌ لشجرةٍ غَرَسَهَا الأقوياءُ المستكبرون في نفوس المقهورين.
 لقد دخلتْ الانتفاضةُ الفلسطينيةُ عامَها الثاني مخلِّفةً أكثرَ مِن ثلاثينَ ألفَ جريحٍ، وثلاثة آلاف مُعَوَّق، وسبعمئة قتيل، نسأل الله أنْ يتقبّل عملَهم، وأنْ يحشرَهم مع الشهداء والصالحين. ومنذ عام وزيادةً والمجزرةُ مستمرةٌ في فلسطين، يصل إلى اليهودِ الدعمُ غيرُ المحدود، ويصل إلى الفلسطينيين النصحُ بضبطِ النفْسِ، فَمَن ينسى مشاهدَ الذبحِ في صبرا وَ شاتيلا وقانا، والتي تَسْتَمْطِرُ دموعَ الصَّخرِ، فلماذا لم تَحْظَ تلك المآسي بحظّها الحقيقيّ مِنَ الاهتمام كغيرها ؟
تعلِّمنا الأحداثُ التي نشهدها كلَّ يوم في الأرض المحتلة أنّ القوةَ البشريةَ مهما عَظُمَتْ فهي محدودة، وأنّ العلمَ مهما اتَّسع فهو قاصر، وأنّ الإنسانَ المتألِّي مصيره القصم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

((الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))

[رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وفي رواية مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ))

[مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إنَّ اعتمادَ القوةِ وحدَها، والحلولَ الأمنيةَ وحدَها لا يحقِّق الهدفَ ما لم يكن مصحوباً بدرجة عاليةٍ من الاستماعِ الجيِّدِ إلى الطرَف الآخر، وتَفَهُّمٍ دقيقٍ للرأي الآخر، ومراعاةِ مصالحه وخصوصياته، وتوفيرِ كرامته، وما لم تحلَّ مشكلات المظلومين والمضطهدين في العالَم، فإنّ المشكلة تبقى قائمة، بل وربما تفاقمتْ، فالقوّةُ لا تصنع الحقَّ، ولكنَّ الحقَّ يصنعُ القوةَ، والقوةُ مِن دون حكمةٍ تدمِّر صاحبَها، قال تعالى:

﴿ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾

(سورة الحشر)

 عدد الذين يغادرون الأرض المحتلة خوفاً وهلعاً عائدين من حيث أتوا لا يصدق، يزيد على المليون.

تحديد مفهوم الإرهاب:

 أيها الأخوة المؤمنون، لو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ فلا يُؤخَذ المقاوِمُ بالمجرم، ولا الصالحُ بالطالح، ولا المُحِقُّ بالمُبْطِلِ، ولا يُؤْخَذُ العملُ المشروعُ بالعملِ المحظور ؟!
 ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ عندئذ تستفيدُ الشعوبُ المظلومةُ مِن هذا التحديد، حيث يصبحُ كلُّ ما هو خارجاً عن إطارِ مفهومِ الإرهابِ المتَّفَقِ عليه لا يُدرَجُ اسمُه، ولا يُلاحَق على أنه مِنَ الإرهابيين.
ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ لانتعشتْ حركاتُ التحرُّر في العالَم وما أكثرَها، في جهادها ونضالها للتحرُّرِ مِن هيمنةِ المستعمرِ، وطغيانه، واستعباده.
 ولو حددَّنا مفهومَ الإرهابِ، واتُّفِق عليه بين الطرفين المتنازِعَيْن لامتنع القويُّ أنْ يمارِسَ الإرهابَ على أوسعِ نطاقٍ باسم محاربةِ الإرهابِ ! فأعداؤُنا الصهاينةُ لو فَعَلُوا، وحدَّدوا طبيعةَ الإرهابِ الذي ينبغي أنْ يُدَانَ ويُحارَب لأدَانوا أفعالَهم، وحاربوا أنفسهم بأنفسهم.
فنحن نتحدَّى أعداءَنا الصهاينةَ أنْ يُخرِجوا لنا تعريفاً للإرهاب، مِن دون أنْ يكونـوا هم أوِّلَ المتلبِّسين به قَبلَ غيرهم، ومِن دون أنْ يكونوا قد اقترفوه، ومارسوه في أقبحِ صُورِه وأشكاله قبل غيرهم.
 إنّ تحديدَ مفهومِ الإرهابِ يُظهِر جهادَ ومقاومةَ الشعب الفلسطيني ضدَّ الصهاينةِ المعتدين على أنه جهادٌّ مشروعٌ، لا يندرِجُ تحت مفهومِ الإرهابِ الممنوعِ. لأجل ذلك هُم لا يريدون تحديدَ مفهومِ الإرهابِ الذي ينبغي أنْ يُحارَبَ، ليبقى ما هو محرّمٌ على غيرهم مباحاً لهم، وليبقى شعارُ محاربةِ الإرهاب شعاراً مَطَّاطاً يمكِّن الصهاينةَ مِنَ العدوان على الفلسطينيين كلما لاحتْ لهم أهمِّيةَ ذلك بالنسبة لأَمْنِهِم ومصالحهم الذاتية.
 إنّ على الذين يتصدون لما يسمونه إرهاباً أن يسألوا أنفسهم لماذا يقدم هؤلاء الشبان على الموت ؟ وسيجدُ هؤلاءِ الصهاينةُ أنفسَهم بحاجة إلى وِقفةٍ شجاعة تخلِّصهم مِن مسلسلِ الذُّعْر المنتظر، ومسلسل عداوات المقهورين.

الظلم ونتائجه:

 إن نتائجَ الظلمِ لا يمكنُ ضبطُ حساباتها، ولا تقديرُ ردودِ أفعالها، وذلك أنّ ردودَ فعلِ المقهورين والمظلومين كشظايا القنابل تطيشُ في كلّ اتّجاهٍ، وتصيبُ مِن غيرِ تصويبٍ.
 إنّ ردودَ أفعالِ المظلومين والموتورين لا يمكنُ التحكُّمُ في مداها ولا اتجاهها، وإنها تطيشُ متجاوزةً حدودَ المشروع والمعقول، مخترقةً شرائعَ الأديان، وقوانينَ الأوطان، وتَكفُرُ أوّلَ ما تكفر بهذه القوانين التي لم توفِّرْ لها الحماية أولاً ؛ فلذا لنْ تقبَلَها حاميةً لأعدائها، فإنّ العلاجَ الأوّلَ والحقيقيَّ هو نزعُ فَتِيلِ الظلمِ الذي يشحَنُ النفوسَ بالكراهيةِ والمَقْتِ، ويعمي البصائرَ والأبصارَ عن تدبُّرِ عواقبِ الأمور، والنظرِ في مشروعيتها أو نتائجها.
 وإنّ أَحْرَصَ النّاسِ على حياةٍ، وهم الصهاينة، سيَظَلُّون في حيرةٍ عندما يتعاملون مع مَنْ يُلغِي حياتَه مِن حسابِ الأرباح، ويسجِّل نفسَه كأوّلِ رقم في قائمة الضحايا، إنّ أعظمَ ما يملكه القويُّ أن ينهيَ حياةَ الضعيف، فإذا أراد الضعيفُ أن يقدِّمَ أَثْمَنَ ما يملك، وهي حياتُه لِزَلْزَلَةِ كيانِ القوِيِّ صارَ هذا الضعيفُ أقوى منه، وقد قيل: بدأتِ الحربُ بالإنسان، ثم أصبحتْ بَيِن آلتين، ثم بين عقلين، ثم انتهتْ بالإنسان.
 إنّ الحديثَ عنِ القوةِ النابعةِ مِنَ الضَّعفِ ليس دعوةً إلى الرضى بالضَّعفِ، أو السكوتِ عنه، بل هو دعوةٌ لاستشعارِ القوّةِ حتى في حالة الضَّعف، إذاً يجب أنْ نبحثَ في كل مظنَّةِ ضعفٍ عنْ سببِ قوةٍ كامنةٍ فيه، ولو أخلصَ المسلمون في طلبِ ذلك لوجدوه، ولصارَ الضَّعفُ قوةً، لأنّ الضعفَ ينطوي على قوةٍ مستورةٍ يؤيِّدُها اللهُ في حفظه ورعايته، فإذا قُوّةُ الضَّعفِ تَهُدُّ الجبالَ، وتَدُقُّ الحصونَ، قال تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (4)﴾

(سورة الفتح)

 عندئذ ينتزِعُ المسلمون مِن هذا الضَّعفِ قوةً تُحيلُ قوةَ عدوِّهم ضعفاً، وينصُرهُم اللهُ نصراً مبيناً، قال تعالى:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

( سورة القصص )

التوازن هو أكثر ما نحتاج إليه في أمور كثيرة من حياتنا:

 هذه الحقائقُ نضعُها بين أيدي أخواننا في الأراضي المحتلة.
 إننا نَعجبُ، ونحن نرى سَفَّاحي صبرا وَشاتيلا وقانا قد صاروا قادةَ دولٍ، مع أنّهم يحملون ميداليات ذهبية في الإرهاب ! ولماذا يختارُ إعلامُ الأعداءِ الإرهابَ الذي ينبغي أنْ يهتمّ به المقهورون ؟ والإرهابَ التي ينبغي أن ينْسوه ؟ وكأنّ الإرهابَ لا يكون إرهاباً إلا إذا كان في اتّجاه مُعَيَّنٍ.
إنّ أعداءَنا الصهاينةَ وهم يطرحون شعاراتِ الحريّةِ والعدلِ وحقوقِ الإنسانِ وغيرها يمارسونها بصورةٍ انتقائيةٍ مصلحيةٍ، ولا يتعاملون معها كقيمة جوهرية حقيقية ثابتة إيماناً بها بل انتفاعاً منها، وأنّ مظاهرَ القوةِ لا تعني التَّناهِيَ ولا الإحاطة، ولكنَّ غرورَ البشر يجهل هذه الحقيقة، وتُسكِرُهُ نشوةُ القوة، فيقول:

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾

( سورة فصلت)

 أيها المسلمون في كل مكان، الحذرَ الحذرَ الشديدَ من الوقوع في فخاخِ تُنصَبُ لأبناءِ أُمَّتنا العربيةِ والإسلاميةِ، قد يوقعهم فيها ذهولُ الصدمةِ، أو ثورةُ الحماسِ، إنّ أكثرَ ما نحتاج إليه في أمورٍ كثيرة من حياتنا هو التوازنُ، والانطلاقُ من الثوابت الراسخة، مِن غير أنْ يُفْقِدَنَا التأثُّرُ بالأفعالِ وردودِ الأفعال الرؤيةَ الصحيحةَ، ولا نحتاج إلى كبيرِ عناءٍ لنكتشفَ أنّ كثيراً مِن خطايانا وأخطائنا كانت نتيجةَ جُنُوحٍ في النظرةِ بعيداً عنِ التوازنِ والاعتدالِ المطلوبِ.

ليست العبرة بتنفيس المشاعر وتفريغ العواطف ولكنها بتحقيق المصالح ودرء المفاسد:

 إنّ للمشاعر حقَّها في أنْ تَغْلِيَ وتَفُورَ، أمّا الأفعالُ فلا بد أنْ تكونَ مضبوطةً بهديِ المنهجِ الربّانيِّ، ومقاصدِ الشرعِ وضوابطِ المصلحةِ، ولا يكون ذلك إلا بالرجوعِ إلى العلماء الربّانيين الورعين، الذين لا يجاملون مصالحَ الخاصّة، ولا يتملّقون عواطفَ العامة، وقد كان العلماءُ على تعاقُبِ العصورِ صمامَ أَمَانٍ عندما تطيش الآراءُ، وتضطربُ الأمور:

﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً (83)﴾

( سورة النساء ).

 لذا فإنَّ مِن أَعْظَمِ ما يوصَى به في مثلِ هذه الأحداثِ العامّةِ كَبْحَ جِمَاحِ الانفعالات حيث لا تنتج اجتهادات خاصة، ربما جنى بعضُها أوّلَ ما يجني على المسلمين ومصالحهم، وأنْ يكونَ عند المسلمين بخاصة برغم حرارة الانفعال وشدة التأثر تَبَصُّرٌ في معالجة الأمور، فينبغي ألاَّ يخرِجَنا التأثُّرُ إلى التَّهَوُّرِ، ولا الحماسُ إلى الطَّيْشِ، وإنّ الحماسَ طاقةٌ فاعلةٌ مُنْتِجَةٌ إذَا وُجِّهَتْ في الطريق الرشيد، وإنّ العبرةَ ليست بِتَنْفَيسِ المشاعرِ وتفريغِ العواطفِ، ولكنَّ العبرةَ بتحقيقِ المصالحِ ودَرْءِ المفَاسِدِ.
 هذا ما أشار إليه السيدُ الرئيسُ في الكلمةِ التي ألقاها في مجلس الشعب عَقِبَ أدائه القَسَمَ الدستوريَّ، قال فيها: " نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى النقد البناء، ولكي نكونَ بنَّائين في نقدنا لا بد لنا أنْ نكونَ موضوعيين في تفكيرنا، والموضوعيةُ تتطَلَّبُ منا أنْ ننظُرَ إلى أيِّ موضوعٍ مِن أكثرَ من زاوية، وضِمْنَ أكثرَ مِن ظَرْفٍ، وبالتالي نُحَلِّلُهُ بأكثرَ مِن طريقةٍ، ونَصِلُ مِنْ ثَمَّ إلى أكثر من احتمالٍ، أو على الأقلِّ للاحتمال الأقرب إلى الصحة، أو الاحتمالِ الأفضلِ، وعندما نقول: نقد بناء، ورأي موضوعي، فهذا يعني بالضرورة النَّظَرَ بصورةٍ متكاملةٍ للقضايا حيث نرى الإيجابيات كما نرى السلبيات، وبذلك نتمكَّن مِن زيادةِ الإيجابيات على حساب السلبيات، وهذا هو جوهرُ أيِّ تطويرٍ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

( سورة البقرة الآية: 269 )

 هنا محلُّ الإشارة إلى أنّ بلدَنا الطيِّبَ سوريةَ قد انْتُخِبَتْ عضواً في مجلس الأمن بإجماعِ مئة وستين دولةً في هيئة الأمم، وهذا كسبٌ لبلدنا في هذه الظروف الصعبة، ولعلّ هذه العضويةَ تمكِّنُنا أنْ نسهم بشكلٍ أو بآخرَ في نقل الرأي الآخر لأعضائه الدائمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018