بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (27-29) : زلزال آسيا


2005-06-24

 في زحمة الأحداث وتسارع المتغيرات، وفي خضم تداعيات النوازل والمستجدات، وكثرة الأطروحات والتحليلات يلحظ المتأمل الغيور غياباً أو تغييباً للرؤية الشرعية، والنظر في فقه السنن الكونية، حتى حصل من جرّاء ذلك ضلال أفهام، وتشويش وحيرة، عند كثير من أهل الإسلام .

 موضوع الخطبة اليوم: الماء نعمة، ونقمة، يريده الله أن يكون نعمة فيكون نعمة، ويريده الله أن يكون نقمة فيكون نقمة .
 من النعم العظيمة التي من الله تعالى بها على الإنسان نعمة الماء العذب، فالماء العذب أفضل شراب، وأعظم صدقة، ورحمة الله لخلقه، وحيث وجد الماء وجدت الحياة .
قال تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي .
 إنَّ الحياةَ على وجهِ الأرضِ ؛ حياةَ الإنسانِ، وحياةَ الحيوانِ، وحياةَ النباتِ، قوامُها الماءُ، فالماءُ هو الوسيطُ الوحيدُ الذي يحملُ الأملاحَ، والموادَّ الغذائيةَ منحلةً فيه إلى الكائنِ الحيِّ، ولولا الماءُ لَمَا كانت حياةٌ على وجهِ الأرضِ.
لذلك يتفضل الله به علينا، فيهطل في كلِّ ثانيةٍ مِن السماءِ إلى الأرضِ على مستوَى الكرةِ الأرضيةِ ستة عشر مليونَ طنٍّ مِن الماءِ .
 ويشكل الماء سبعين بالمئة من مساحة اليابسة، ويشكل الماء سبعين بالمئة من وزن الإنسان، كما أن للماء دوراً كبيراً في سير التفاعلات الكيميائية داخل أجسام النباتات، والحيوانات، وكذلك الإنسان، وذلك من أجل الحصول على الطاقة .
وللماء دور في تغير سطح الأرض من القوام الصخري إلى القوام الترابي من خلال عمليات الحت .
و لقد ذكر الله تعالى الماء في القرآن الكريم منكراً " ماء " ثلاثاً وثلاثين مرة و ذكره معرفاً " الماء " ست عشرة مرة .
وذكر الله تعالى أن إنزاله الماء من السماء و إحياءه الأرض بعد موتها هو دليل و آية على وجود الله قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ والنهار والفلك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّر ِبَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لقوم يعقلون ﴾

({164} سورة البقر)

 وينبغي أن يكون موقف المؤمن من الماء كما ورد في الحديث القدسي الصحيح:
حيث يقول اللهَ عز وجلَّ:

(( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ))

 إنّ مِن آياتِ اللهِ الدالّةِ على عظمتِه هذه الملوحةَ التي نجدُها في البحارِ، حيث يقول العلماءُ: إنّ في كل لترٍ واحدٍ مِن ماءِ البحرِ سبعةً وعشرين غراماً مِن المِلحِ، وإنَّ العالَمَ بأَسْرِه يستهِلكُ في السنةِ ما يزيدُ على خمسين مليونَ طنٍّ مِن مِلحِ البحرِ، وإنّ نسبةَ الملحِ في مياهِ البحرِ تعادلُ ثلاثةً ونصفًا بالمئة مِن مجموعِ مياهِ البحرِ، بل إنَّ في الكيلو مترِ المكعَّب،( وهو مكعبٌ ضلعُه كيلو متر ) من مياهِ البحرِ أربعةً وثلاثين مليون طنٍّ مِن الملحِ .
 لو استُخرِجَ ملحُ البحارِ وجُفِّفَ، ووُضِعَ على اليابسة ـ على قارّاتها الخمسِ ـ ولم نغادرْ مكاناً إلا فَرَشْنَا عليه هذا الملحَ الذي استخْرَجْناهُ مِن مياهِ البحارِ، لبلَغَ ارتفاعُ الملحِ المجفَّفِ على سطحِ اليابسةِ كلِّها مئةً وثلاثةً وخمسين متراً .
 ووصف الله الماء على أنه مبارك أي أنه كثير الخير، قال الله تعالى:

﴿آوَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾

({9} سورة ق.)

 وأمتن الله على المؤمنين أن أنزل عليهم الماء الذي فيه قوام حياتهم قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْه شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُل الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

(11 سورة النحل)

 و ذكر الله إحدى فوائد الماء الكبرى وهي التطهير قال تعالى:

﴿ وَيُنَزِّل عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْز الشَّيْطَانِ﴾

 و أمرنا الله بالوضوء بالماء عند كل صلاة، والاغتسال بالماء عند كل جنابة
قال تعالى:

﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغسلوا وجوهكم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُم وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾

 وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاقتصاد في استعمال الماء و عدم الإسراف فيه فقد مَرَّ بِسَعْدٍ رضي الله عنه وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ مَا هَذَا السَّرَفُ يا سعد فَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَار ابن ماجة 419 .
عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بنهر ومعه قعب أي إناء فتوضأ وفضلت فضلة فردها في النهر وقال: يبلغه الله قوما ينفعهم به.
 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التصدق بسقي الماء أفضل الصدقة، فعن سعد
رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أي الصدقة أعجب إليك قال الماء.
 وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس شركاء في ثلاثة: الماء والكلأ والنار .
 وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويثه، حيث نهى عن البول في الماء الراكد.
 وقد نهى عن التعذيب بالحرمان من الماء.
 وقد يكون تقتير الماء على الناس عقاباً لهم، قال تعالى:

﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا، لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴾

 وقال تعالى أيضاً:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾

 وممّا يؤكدُ أنّ تقتيرَ الأمطارِ لا يمــكنُ أنْ يكونُ تقتيرَ عجزٍ كتقتير البشرِ، ولكنه تقتير تربيةٌ وتأديبٌ، فقد ورد عن وكالةُ الفضاءِ الأوروبيةُ أنَّ مرصدَ الفضاءِ الأوربيَّ العاملَ بالأشعةِ تحتَ الحمراءِ رصدَ غيمةً مِن البخارِ في الفضاءِ الخارجيِّ، يمكنُ لها أنْ تملأَ محيطاتِ الأرضِ ستينَ مرةً في اليوم الواحدِ بالمياهِ العذبةِ وهذا مصداقُ قولِ اللهِ تعالـــى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

 وأما معنى التقتيرِ التربويِّ أو التأديبيِّ ففي قولِه سبحانه:

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ﴾

ومن خصائص الماء التي تدل على علم الله ورحمته بالإنسان:
 1 ـ إن البناء الذري الفريد للماء يجعل جزيئاته مترابطة بعضها ببعض في شبكة فراغية متماسكة، و لولا هذا لاستحال جود الماء على شكل سائل وصلب على سطح الأرض و لاستحالت الحياة .
 2 ـ من المعلوم أن درجة غليان الماء مرتفعة و ذلك لقوة ترابط ذراته لذلك فهو يمتص قدرة حرارية كبيرة لكي يتبخر حيث أن كل غرام من الماء السائل يحتاج إلى خمسمئة وأربعين حريرة، ليتحول إلى بخار، وهذه الخاصية تعطي الماء دوراً فريداً في نقل القدرة من مكان لآخر، فالماء الذي يتبخر من المحيطات تسوقه الرياح مئات بل وبضع آلاف من الكيلومترات إلى أماكن باردة فعند تبرد البخار و تحببه و تساقطه على شكل قطرات مطر ينشر معه الطاقة التي أمتصها في أثناء تبخره فيساهم في رفع درجة الحرارة في تلك المناطق و تلطيف حرارة الجو والجدير بالذكر أنه يتبخر كل عام خمسمئة وعشرون ألف كيلو متر مكعب من الماء .
 3 ـ و هناك خاصة فريدة أخرى للماء تتمثل في أنه كأي عنصر يتمدد بالحرارة، وينكمش بالبرودة، لكنه في الدرجة أربعة فوق الصفر تنعكس هذه القاعدة المطردة في كل العناصر في الأرض، فيتمدد بالتبريد بدل أن ينكمش فتزداد كثافته في أثناء تجمده فيطفوا على سطح الماء، وقد لا يصدق الإنسان أن حياة الكائنات على سطح الأرض متوقفة على هذا الاستثناء من قانون الانكماش بالتبريد، ولولا هذا الاستثناء لتجمدت البحار، وانعدم التبخر، وتوقفت الأمطار، ويبس النبات، وهلك الحيوان، وانتهت حياة الإنسان .
 4 ـ الماء يرتفع بنفسه في الأوعية الشعرية في الأشجار و تعرف هذه الخاصة بالخاصة الشعرية فيحمل الماء من خلالها الغذاء إلى الخلايا النباتية حتى ارتفاعات عالية، كما أنها هي المسئولة عن تحريك الماء في المسامات و الفراغات و الأقنية و الشقوق الدقيقة في التربة والصخور نحو الأعلى مم يسهل على جذور النباتات الحصول على الماء في المناطق الجافة و الصحراوية .
 5 - يعد الماء من أقوى العناصر المذيبة، وهذه الخاصة أساسية في كون الماء المطهر الأول، والمذيب في الأرض .
هذا عن أن الماء نعمة، فماذا عن أن الماء نقمة:
 أفاق العالم يوم الأحد الواقع في السادس والعشرين من الشهر الأخير من العام المنصرم على حدث لم يسبق أن وقع مثله منذ ثلاثمئة عام تقريباً، وهو زلزال آسيا، فالأضرار التي نتجت عنه تفوق حد الخيال، وهذا الزلزال يعد واحداً من أكبر التحولات في القشرة الأرضية، فهناك القاعدة الصخرية الصلبة للأرض التي ترتكز عليها القارات والمحيطات، هذه القاعدة الصخرية للأرض فيها صدوع قسمتها إلى إثني عشر لوحاً، قال تعـــــالى: " والأرض ذات الصدع " فقد تصادم اللوح الصخري الذي ترتكز عليه قارة آسيا، مع اللوح الصخري الذي ترتكز عليه قارة أستراليا، وهذا التصادم أدى إلى تزحزح الألواح الصخرية التي هي القاعدة الصلبة للكرة الأرضية، فاختفت جزر، وظهرت جزر، وانشطرت جزر، تحركت جزيرة سومطرة، ومساحتها اكبر من مساحة سورية وهي أقرب النقاط إلى موقع الزلزال، وأكثرها تأثراً به، تحركت عن موقعها تجاه الجنوب بنحو ثلاثين كيلومتراً، وقصر اليوم واحد من مليون جزء من الثانية، واهتزت الأرض حول محورها، وقد قدرت قوة هذا الزلزال التفجيرية بمليون قنبلة ذرية، وريختر عالم الزلازل المعروف درج مقياسه تسع درجات، فكانت قوة هذا الزلزال بمقياس ريختر تسع درجات وثمانية أعشار الدرجة وهي فوق النهاية العظمى لمقياسه، أما الأمواج المد البحري الذي نتج عن هذا الزلزال، فقد سارت من المحيط الهادي إلى المحيط الهندي بسرعة تقترب من ألف كيلو متر في الساعة، وقد قطعت ألفاً وستمئة كيلومتر في ساعة ونيف وتناقصت سرعتها إلى سبعين كيلو متراً عند الشواطئ، وكأن هذا المد خرج من أعماق المحيط الهادي مستهدفاً شواطئ المحيط الهندي، لحكمة أرادها الله لا تخفى عن العقلاء، ولو أنه انطلق قريباً من اليابسة لهلك من بني البشر الملايين المملينة، وهذا من لطف الله جل جلاله، وقد بلغ ارتفاع أمواج هذا المد من عشرة أمتار إلى أربعين متراً بحيث أن هذه الأمواج قادرة على أن تقتلع صخرة تزن عشرين طناً وتحملها لمسافة طويلة، وهي قادرة على إغراق ناقلات النفط وهي من البواخر العملاقة، وتحطيم القطارات وسكك الحديد، وتحطيم السفن ونقلها وتجميعها في اليابسة، وبعضها استقرت على أسطحة المنازل، وأمواج هذا المد قادرة على اقتلاع الجسور، والإطاحة بالمنشآت، وتدمير المدن بأكملها، والجدير بالذكر أن سواحل هذه البلاد التي تضررت بهذا الزلزال من أجمل السواحل في العالم، فالطبيعة هناك ساحرة، والجو دافئ في الشتاء، وصالح للسباحة والتعري، وجميع المتع الحسية التي تحرمها التشريعات السماوية والأرضية متوافرة هناك، والمنشآت السياحية هناك من فئة العشر نجوم التي تليق بصفوة أغنياء العالم، وقد رأى نزلاء هذه المنشآت هذه النجوم العشر ظهراً في أثناء الزلزال .
قال تعالى:

﴿ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

 ويتوقع أن يصل عدد القتلى من البشر الذين تكتشف جثثهم تباعاً إلى مئتي ألف جثة، وبعضهم يتوقع أن يصل العدد إلى ثلاثمئة ألف، بل إن هناك من يتوقع أن يصل العدد إلى خمسمئة ألف، عدا الذين يحتاجون إلى إسعاف أولي خلال أيام معدودة، وعدا خمسة الملايين مشرد الذين دمر الزلزال مساكنهم، والذين لا يجدون الماء الصالح للشرب، ولا الغذاء، ولا الدواء، ولا المأوى . ويتوقع أن يموت مثل هذا العدد لا سمح الله ولا قدر عن طريق الأوبئة الناتجة عن تفسخ الجثث .
وقد قدرت الخسائر المادية الأولية بخمسين مليار دولار .
 ولا يمكن أن تستعيد هذه البلاد الذي دمرها الزلزال نشاطها السياحي قبل عشر سنوات قادمة
هذا الإله العظيم يعصى، ألا يخطب وده، ألا ترجى جنته، ألا تتقى ناره .
 لكـن الذي يلفت النظـر في هذا الزلزال أنه لم يعثر حتى الآن أي بعـد مـضــي إثني عشر يوماً على بدء الزلزال، لم يعثر على جثة حيوان بري واحد على الشواطئ التي تضررت بالزلزال، وقد نقلت هذا الخبر إذاعة عرفت بالدقة العلمية، ويؤكد ذلك أن أهل قرية من قرى السواحل التي تضررت بالزلازل نجوا بأكملهم من الهلاك بسبب أنهم رأوا البهائم تنطلق مذعورة قبل وقوع الزلزال فقلدوها فنجو .
 ما تعليل ذلك ؟ يقول علماء الأحياء: إن الله جل وعلا زود معظم البهائم بحاسة سادسة تشعرهم بالزلزال قبل وقوعه بوقت كاف للنجاة منه، هذا من الناحية الفيزيولوجية للحيوان، أما من الناحية الإيمانية فالحيوان غير مكلف كالإنسان، ولا علاقة له بالفساد في الأرض، فهو لا يقيم حياته على قتل الآخرين، ولا يبني غناه على إفقار الآخرين، ولا يبني عزه على إذلال الآخرين، والحيوانات القوية تأكل حتى تشبع، فإذا شبعت تسمح للآخرين أن يأكلوا، فهي لا تسعى لإفقار الآخرين، ولا لإضلالهم، ولا لإفسادهم، ولا لإذلالهم، ولا لإبادتهم، ففي بلاد قوية تمت الهجرة إليها ويتحدث أولو الأمر فيها كثيراً عن الحرية، فقد تم إبادة الملايين من سكانها الأصليين قبل مئتي عام، ولو كان للحيوانات هيئة أمم لما أكلت أممهم القوية حقوق أممهم الضعيفة، ولو كان للحيوانات مجلس أمن لما فرض الحصار الاقتصادي على بعض الشعوب المقهورة حتى يموت الناس من الجوع، إرضاء لمن يملك حق النقض في المجلس، والحيوانات لا تعرف التطهير العرقي، قتل كعقاص الغنم، لا يدري القائل لم يقتل، ولا المقتول فيم قتل، وفي مجتمع الحيوان لا تجد حيواناً يذوب قلبه في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه، ولا تعرف هذه الحيوانات تجارة الرقيق الأبيض، ففي كل عام تقتنص سبعمئة ألف امرأة من البلاد النائمة لتعمل في الدعارة في البلاد المتقدمة، إرضاءً لنزوات أغنيائها، والحيوانات لا تعرف الشذوذ الجنسي ففي بلاد يقصدها أغنياء العالم للاستجمام يهيئ لهم في هذه المنتجعات ثمانمئة ألف طفل للفجور بهم، وفي بلد يعتمد في الدرجة الأولى على تصدير الأغنام إلى شتى بقاع الأرض، تم إعدام عشرين مليون رأس من الغنم رمياً بالرصاص، وتم دفنها ؛ حفاظا على السعر المرتفع الذي يحقق لتجار الأغنام هناك ربحاً فلكياً، والحيوانات لا تعرف إتلاف كميات من الزبدة يصل حجمها إلى حجم أكبر أهرامات مصر حفاظاً على السعر المرتفع، والحيوانات لا تعرف إتلاف المحاصيل الزراعية حفاظاً على أسعارها المرتفعة، وتسميمها خوفاً من أن يأكلها الفقراء مجاناً فيقل الطلب على شرائها، بينما هناك شعوب فتكت فيها المجاعات، وهم في أمس الحاجة إلى اللحوم والألبان والمحاصيل، والحيوانات القوية لا ترسل نفاياتها الذرية إلى الحيوانات الضعيفة حتى تسبب لها الأمراض السرطانية بشكل وبائي لآلاف السنين، والحيوانات التي تصنع الأدوية لا تجربها على حيوانات من جنسها فتدرأ بها الخطر عن نفسها

 قال تعالى:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

يقول الإمام علي رضي الله عنه ركب الملك من عقل بلا شهوة، وركب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركب الإنسان من كليهما، فإذا سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 بينما الإنسان الذي غزا الفضاء، وغاص في الأعماق، وحول القارات الخمس عن طريق الاتصالات إلى قرية، ثم إلى بيت، ثم إلى غرفة، ثم إلى سطح مكتب، الإنسان الذي صنع مدنا ومعامل ومطارات تمخر عباب المحيطات، وصنع طائرات أسرع من الصوت، وصنع قطارات تحملها وسائد هوائية، وصنع الحاسوب الذي يقرأ بلايين الحروف في الثانية، واخترع الإنترنيت حيث أزالت السدود والحدود بين الشعوب والحضارات ...
 هذا الإنسان الذي أرسل الأقمار الصناعية، وصنع القنوات الفضائية، وصنع القنابل الذرية، والنووية، والحرارية، وصنع القنابل التي تعطل الاتصالات، والقنابل التي تعطل الطاقات، وصنع القنابل العنقودية، والانشطارية، والذكية، والخارقة الحارقة ... هذا الإنسان الذي صنع كل ذلك لا يستطيع أن يتنبأ بوقوع الزلزال ولا قبل ثانية واحدة إلا إذا تنبه إلى اختفاء الحيوانات، فلعلها ترشده من خلال اختفائها إلى الخطر الداهم الذي سيدمره .
قال تعالى:

﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾

 ولا يسعنا في هذا البلد الطيب إلا أن نتوجه إلى أسر الضحايا من كل الملل والنحل ومن دون تفريق ولاسيما سكان البلاد الأصليين بالتعازي الحارة سائلين الله جل وعلا أن يلهم من بقي من هذه الأسر الصبر والسلوان .
من الخطأ الكبير أن يتوهم الإنسان أن كل من أهلكه الله في هذا الزلزال مذنب يستحق الهلاك، هذا تعميم، والتعميم من العمى، فكل يموت على نيته، وعلى ما عاش عليه، يقول عليه الصلاة والسلام، فيما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن عائشة:
إن الله تعالى إذا أنزل سطواته ( قهره وبطشه )على أهل نقمته، فوافت آجال قوم صالحين، فأهلكوا بهلاكهم، ثم يبعثون على نياتهم وأعمالهم .

 فهذا المصاب الجلل الذي أصاب سكان السواحل في جنوبي شرقي آسيا، هو ابتلاء للمؤمنين، وما أكثرهم، قال تعالى:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

 وهو عقاب للمذنبين، قال تعالى:

﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾

[هود:102]

 وهو تحذير وإنذار للناجين من غير المؤمنين، قال تعالى:

﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾

 ولكن إنصافاً للحقيقة ينبغي أن نذكر أنه في أثناء طوفان الظلم والقتل اليومي للأبرياء أو اعتقالهم، وهدم المنازل، ونهب الأموال، هذا الظلم اليومي الحاد لم يشهد تاريخ البشرية له مثيلاً، في المناطق الساخنة من العالم، ولاسيما في العراق وفلسطين، جاء زلزال آسيا ليوقظ الشعور الإنساني لدى الأمم والشعوب، فبادرت إلى تقديم المساعدات العينية والمالية من كل حدب وصوب، وساهم بلدنا الطيب أيضاً في هذا العمل الإنساني، وأكدت هذه المساعدات أن الإنسان هو الإنسان، كما فطره الله، وأن الإنسان أخو الإنسان، وأن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018