بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (29-29) : مدخل آخر لفهم هذا الحدث


2005-06-26

 يقول سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ثلاثة أنا فيهن رجل ( أي بطل )، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ؛ ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما أقول حتى أنصرف منها.
 ولنأخذ الثالثة ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها فإذا كان هذا الميت في النعش يقول بلغة الحال لا بلغة المقال، ويسمعه سيدنا سعد بأذن الحال، لا بأذن المقال... فماذا يقول هذه الزلزال بلسان الحال لبني البشر ؟
ينادي هذا الزلزال أهل الأرض، فيقول:
 إذا كان كل هذا الهول الذي وقع هو زلزال الدنيا، فماذا أعددتم أيها البشر للنجاة من زلزال الآخرة ؟ ويذكرهم بقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾

 امرأة حملت رضيعها، وانطلقت من البيت مذعورة إلى الشارع، وفي الشارع نظرت إلى رضيعها، فإذا هو حذاء زوجها، تذهل كل مرضعة عما أرضعت.

 وينادي هذا الزلزال المحبطين من المسلمين الذين استسلموا وخضعوا واستكانوا لقوى البغي والعدوان، ويئسوا من رحمة الله، ظنوا أن الله تخلى عنهم، ولن ينصرهم، يذكرهم بقوله تعالى

﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾

 ويقول أيضاً:

﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ﴾

 وينادي هذا الزلزال الغافلين الذين غفلوا عن وعيد الله، وغفلوا عن الموت، وغفلوا عن الدار الآخرة، فأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، ويذكرهم بقوله تعالى:

﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾

[النحل:45]

 يصف أحد السائحين الناجين غفلته فيقول: فجأة سمعت صوتا مخيفاً، ثم فجأة ابتدأ الماء يتسرب من تحت باب الغرفة، وفي أقل من دقيقة وصل الماء إلى صدري، ثم غبت عن الوعي، وهكذا الساعة لا تأتيهم إلا بغتة

 وينادي هذا الزلزال المتخاذلين عن الإصلاح الاجتماعي، وعن الدعوة إلى الخير ظنا منهم أن صلاحهم الفردي يعذرهم أمام الله، وينقذهم من العقوبات الدنيوية والأخروية، يذكرهم بقوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

 فالضمان أن نكون مصلحين لا أن نكون صالحين.

 وينادي هذا الزلزال المتحررين الذين شوهوا معنى الحرية، وظنوها تفلتاً من كل قيد أخلاقي، ومن كل قيد ديني شرعي، ومن كل قيد اجتماعي، فيؤكد لهم أن الفساد يغرق سفينة المجتمع، ويهدد أمن الجميع، فالعذاب إذا نزل لا يستثني، ويذكرهم بقوله تعالى:

﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

 وينادي هذا الزلزال المترفين الذين كان الناس لهم تبعاً أمروا أن يستقيموا ففسقوا، فدمرهم الله ودمر من أعانهم على فسادهم وإفسادهم من التابعين لهم، ويذكرهم بقوله تعالى:

﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا ﴾

 وينادي هذا الزلزال الدول التي لم تعبأ بشرائع السماء والتي توهمت أن السياحة الجنسية أقصر طريق لجني الأرباح، وتكديس الثروات، حيث افتخر أحد المسؤولين عن السياحة في تلك البلاد قبل أيام من الزلزال بأنه لا يوجد في بلده فتاة عذراء واحدة، ويذكرهم بقوله تعالى:
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018