بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب التاسع - الفقرة (5-9) : حليب الأم


2005-10-12

 يؤكِّد علماءُ نفسِ الأطفال، أنَّ الطفلَ حينما يولد لا يملك أيَّةَ قدرة إدراكية، بل إنّ كلَّ ما يتمتع به الراشدُ مِن إمكانات وقدرات، ومفاهيم ومعقولات، وخبرات ومؤهلات، إنما هي نتيجة تفاعله مع البيئة، وهذا فحوى الآية الكريمة:

﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

[ سورة النحل: الآية 78 ]

 لكن منعكساً ـ على حدّ تعبير علماء النفس ـ يولد مع الطفل، ولا يحتاج إلى تعليم، إنه منعكس المصِّ، إذ لولاه لما وجدتَ إنساناً واحداً على سطح الأرض في قاراتها الخمس، إنَّ الطفلَ الذي يولد من توِّه لا يستطيعُ أن يتلقَّى توجيهاتِ والدِه في ضرورة التقامِ ثديِ أمِّه، وإحكام إطباقهما، ثم سحْبِ الهواء، كي يأتيَه الحليبُ، لا يستطيع أن يتلقى هذه التوجيهات بالفهم فضلاً عن التطبيق.
 إنّ حليبَ الأم من آيات الله الكبرى الدَّالةِ على عظمته، فهو يتغيَّر تركيبُه خلال الرضعةِ الواحدةِ، يبدأ حليبُ الأمِّ بماءٍ كثير، يقلُّ الماء، ويزداد الدسم، إلى أن تصبح الموادُ الدسمةُ في نهايةِ الرَّضعةِ أربعةَ أمثال، فهل بالإمكان أنْ تغذِّي طفلاً بقارورةٍ، وتتغيَّر نِسَبُ الدسم، والمواد السكرية والمواد البروتينية في أثناء الرضعة الواحدة ؟
شيءٌ آخر، تتغيَّر تراكيبُ مقوّماتِ لَبَنِ الأمِّ بالكميات المعادِلة لنموِّ الصغير، فكلّما نما الصغير الرضيع ازدادتْ الأحماضُ الأمينية، والأملاحُ المعدنيةُ، والمعادنُ النادرةُ، والفيتاميناتُ
 أما الشيءُ الذي يُلفِتُ النظرَ فهو أنّ هذا الطفلَ الذي خلَقَهُ اللهُ عزَّ وجل أَوْدَعَ فيه خمائرَ هاضمةً بمقاديرَ تتناسبُ مع حليب الأمِّ، فلو أرضعناه حليبَ البقر، ولو كان طازجاً، أو كان مجففاً لَعَجَزَ الطفلُ عن هضمه، وتبقى كميّاتٌ كبيرةٌ من المواد الدسمة والبروتينيات والأحماض الأمينية دون هضم، وطَرْحُ هذه الموادِ عن طريق الكُلْيَةِ يجْهِدُها، لذلك نجد الطفلَ الذي يَرضعُ حليبَ البقر تجْهَد كُليتاه في طرح المواد الدسمة، والأحماض الأمينية، والبروتينات التي لم يستطع هضمها، فخمائرُ الهضم عنده متوافقةٌ مع حليب الأمِّ، وليست متوافقةً مع حليب البقر، لأنّ في حليب البقر أربعةَ أمثالِ ما في حليبِ الأمِّ مِن الأحماض الأمينينة.
 قال العلماء: إنّ ارتفاعَ نسبة الأحماض الأمينية في الدم تُسَبِّبُ للطفلِ الرضيعِ القصورَ العقلي، والآفاتِ القلبيةَ، والآفاتِ الوعائيةَ، وأمراضَ جهازِ الهضمِ والكبدِ، الأمراضَ المزمنةَ التي تلازم الإنسانَ طوال حياته، ولو سألتَ أطباءَ الأورامِ الخبيثةِ لأجابوك بقولهم: إنَّ المرأة التي تُرْضِع ابنَها مِن ثديها أقلُّ عُرْضةٌ للإصابة بوَرَم الثدي مِنَ المرأة التي لا تُرْضِع ابنَها مِن ثديها.. أي أن نسبَ أورامِ الثديِ الخبيثة في النساء اللواتي يُرضِعن أولادَهنَّ قليلةٌ جداً، أما نِسَبُ الأورام الخبيثة في النساء اللواتي لا يرضعن أولادهن فهي نِسَبٌ عاليةٌ.
إنَّ العطفَ والحنانَ الذي يتلقّاه الطفلُ مِن أمّه في أثناء الرضاعة يكسبه رحمةً في قلبه، تنعكس على علاقاته بمَنْ حوله في مستقبل أيامه، قال تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾

[ سورة البقرة: الآية 233 ]

 وصيغة (يُرْضِعْنَ) جاءت خبراً في معرض الأمر، أي أيتها الوالدات أرضِعْن أولادكن، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تكن هناك قرينة تنصُّ على خلاف ذلك
وقد ألزمتْ حكوماتُ أكثرِ الدول معاملَ حليبِ الأطفالِ أنْ تكتب على كل عبوة: لاشيء يعدل حليب الأم
 وقد جرى بحثٌ علميٌّ تمّ في بلد متقدم، قاسَ مستوى الذكاءِ الفطري لدَى عددٍ مِنَ الأطفال، مِن شعوبٍ متعددةٍ، بالنسبة للإرضاع الطبيعي والصناعي، فكانت النتائجُ مدهِشةً: أطفالُ جُزُرِ الباسيفيك (PACIFIC) يتمتَّعون بأعلى نِسَبِ الذكاءِ مِن بينِ مجموعةِ الأطفال الذين تناولَهم البحثُ، وذلك بسببِ أنّهم لا يعرفون الإرضاعَ الصناعيِّ إطلاقاً، لقد صدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 233 ]

 هذا منهج الله عزَّ وجل، إنه تعليمات الصانع، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ*وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ*وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾

[ سورة البلد: الآية 8-10 ]

 وقد أحسن الشاعر حين قال:
***

تداركْتَنا باللطف في ظلمة الحشا  وخير كفيلٍ في الحشا قد كفلـتنا
وأسكنْتَ قلبَ الأمهاتِ تعطُّــفاً  علينا و في الثديين أجريتَ قُوتَنا
وأنشأْتَنا طفلاً، وأطلقت ألسـناً  تترجم بالإقرار أنك ربــــنا
وعرّفتَنا إياك، فالحمد دائــماً  لوجهك، إذ ألهمتنا منك رُشْـدنا

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018